الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » اللغة و الأدب

اللسانيات والنقد الأدبي

أ. الطيب بوعزة

 

لما كان الأدب في جوهره مادة لغوية، فإن اللسانيين اعتقدوا أن العلم الأحق بأن يُسْتَمَدَّ منه لبناء منهج دراسته وتحليل منتجاته، ليس علم التاريخ ولا علم النفس ولا علم الاجتماع... إنما علم اللغة؛ لأنه الأنسب لطبيعة الأدب. كما أنه يسمح بدراسة المنتج الأدبي ذاته لا الانصراف إلى ما هو خارج عنه. بينما الطرائق المنهجية الأخرى هي على تعددها واختلافها مجرد مقاربة لما هو خارج الإنتاج الأدبي/الفني.

وكما كان ديدن المناهج النقدية الأخرى (تاريخية، نفسية، سوسيولوجية...) هو أن تُبْنَى على نحو تَبَعِي للعلم الإنساني الذي تُستمد منه، فإن المنهج اللساني المستعمل في قراءة ونقد الأدب كان هو أيضا مجرد تمديد لمفاهيم وطرائق علم اللغة العام، كما تم بناؤه في بداية القرن العشرين على يد دو سوسير، بوصفه بديلا للغويات المقارنة... لذا ففهم المنهج النقدي اللساني مرهون ابتداء بفهم علم اللسانيات. فكيف تمثل دو سوسير مجال اللغة, وما طريقته المنهجية في درس الظاهرة اللسانية؟ وكيف تطورت هذه الطريقة إلى منهج نقدي؟

في «دروس في علم اللسان العام» كان دو سوسير واعيا بكونه بصدد التأسيس المنهجي لعلم جديد. فإذا نظرنا من مدخل معرفي إبستملوجي إلى هذه الدروس سنلاحظ أنها بالفعل تستجمع مختلف المحددات الضرورية للتأسيس، إذ نجد فيها وعيا قصديا يدرك دلالة المشروع ومتطلباته، مع الحرص على بناء ونحت الجهاز المفاهيمي، وإعطائه الرؤية المنهجية الواجب انتهاجها مدخلا لمقاربة الظاهرة اللغوية:

فعلى مستوى الجهاز المفاهيمي يميز دو سوسير بين اللسان واللغة والكلام، وبين الدال والمدلول والدلالة... أما فيما يخص الرؤية المنهجية فقد حرص على التمييز بين النظرة التعاقبية (الدياكرونية) التي تدرس اللغة من حيث الصيرورة التاريخية لتطورها الدلالي، وهي النظرة التي سادت بوضوح، خلال القرن التاسع عشر، في النقد التاريخي للمتون الأدبية، كما في حقل الفيلولوجيا التي تعتني بقراءة الدوال اللغوية من حيث صيرورتها الدلالية التاريخية، وبين الرؤية التزامنية (السنكرونية) التي تتناول اللغة بوصفها نسقا يدرس في لحظته دونما إحالة إلى خلفية زمنية ماضية.

وعلى هذه المفاهيم وبناء على هذه الرؤية إلى الظاهرة اللغوية تأسس في منتصف القرن العشرين المنهج النقدي البنيوي. لكن مع تغيير في موضوع النظر؛ فإذا كان دو سوسير اهتم باللغة لا بالكلام، أي بالنسق الكلي لا بإنجازه الفردي, فإن الناقد مطلبه هو تحليل الإنجاز الفردي للأديب.

وقد يقول قارئ دروس دو سوسير إن هذا الأخير لم يكن يتصور دروسه كتأسيس لمنهج في قراءة الأدب، إنما كان يبلور علما جديدا يتجاوز به علم اللغة المقارن الذي كان سائدا في زمنه.

وهذا صحيح نسبيا. فمتن الدروس هو متن تأسيس لا متن تطبيق نقدي, بل لعل دو سوسير نفسه لم يكن ليقتدر على التنبؤ بمآل منهجه العلمي هذا الذي سيطر على الدرس النقدي طيلة نصف قرن, حيث سرعان ما انتقل بعد وفاة المؤسس إلى التشكل كمنظور نقدي، وجد مساحة للتداول والاستعمال في مختلف الحقول النقدية الفنية، بل بلغ الأمر إلى حد اضطرار المناهج الأخرى إلى الاقتراض منه والاقتراب من منحاه. فإذا كان أعدى ما ناهضه دو سوسير هو النظرة التاريخية (الدياكرونية)، فإن المفارقة هي أن أشهر المناهج الدياكرونية اضطر إلى الاستفادة منه، وأعني به المنهج الماركسي الذي سيتجه مع لوكاتش، ثم خاصة مع لوسيان غولدمان إلى الأخذ من بنيوية دو سوسير لإعادة صياغة المنظور السوسيولوجي الماركسي، فتشكل بذلك ما يسمى بالمنهج البنيوي التكويني.

وبناء على رؤية وفلسفة دو سوسير ستنشأ وتتحول مدارس نقدية مثل المدرسة التوزيعية مع هاريس، والتحويلية والتوليدية مع تشو مسكي والسلوكية مع بلومفليد... قلنا: «إن دو سوسير لم يكن يتصور دروسه كتأسيس لمنهج في قراءة الأدب»، وهذا صحيح، لكن لا ينبغي أن يفهم منه أنه كان بعيدا عن الهم النقدي. فمعلوم أنه خلف أوراقا عديدة اكتشفت بعد موته، تبين منها أنه قضى أواخر حياته في ممارسة نقدية على النصوص الشعرية اللاتينية.

لكن، إذ نقول ذلك، نؤكد في الآن ذاته، أن تأثير دو سوسير لم يأت من ممارسته النقدية، بل من تقعيده النظري لعلم اللسانيات. فالفكرة المحورية في المشروع اللساني لدو سوسير كانت هي نسقية اللغة، واستبعاد الإحالة على الصيرورة التاريخية. وهذا الموقف من الظاهرة اللغوية سيكون له انعكاس كبير على الكيفيات المنهجية التي تم انتهاجها في النقد الأدبي خلال القرن العشرين.

وهكذا سرعان ما وجدت نظرة دو سوسير إلى اللغة صداها في الحقل النقدي. فتشكل المنهج البنيوي الذي اتجه، إلى قراءة النتاج الأدبي/الفني، ليس بوصفه مرآة عاكسة للداخل النفسي للمبدع، أو الخارج الاجتماعي، إنما دراسته بوصفه «نسقا» دراسة داخلية ينبغي النظر في مكوناته والعلاقات الوظيفية الناظمة بينها.

إنه تحول جذري في الرؤية النقدية انتقل من تناول «السبب» و «الباعث» إلى تناول «البناء» و «الوظيفة». وهو تحول فيه كثير من خصائص الانقلاب الجذري، فالنقد النفسي أو الاجتماعي كان يستهدف فهم دلالة ومعنى النص الأدبي، من خلال البحث عن باعثه الخارجي، فيتم الإيغال في درس هذا الباعث، سواء كان سيكولوجية المؤلف وأزماته وعقده وتجاربه، أو الشروط المجتمعية المكتنفة لظهور النص.

لقد كانت دلالة النتاج الأدبي، في عرف غالبية المناهج الأدبية، توجد خارجه لا داخله. لكن التحول المنهجي الهام الذي أنجزه سوسير في النظر إلى اللغة هو أن دلالة المعطى اللغوي هي نتاج علاقات نسقية وظيفية داخلية، لذا ليس ثمة قيمة في الإحالة إلى خارج النسق والبنية، كما لا قيمة لاستحضار البعد التاريخي، هذا رغم كون دو سوسير نبه إلى ما سماه بـ «اللغويات الخارجية» المهتمة بعلاقة اللغة بالمؤثرات السياسية والسيكولوجية والتاريخية... وهذا ما سيجعل الدرس النقدي الأدبي المتأثر بدو سوسير يدفع نحو ضرورة معاملة المعطى الأدبي كبنية مغلقة، تمتلك استقلالها الذاتي، وتختزل بداخلها كل الآليات المتفاعلة في إنتاج معناها.

المصدر: جريدة العرب القطرية

 
أ. الطيب بوعزة
تاريخ النشر:2010-10-24 الساعة 15:33:30
التعليقات:0
مرات القراءة: 6174
مرات الطباعة: 985
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan