الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » اللغة و الأدب

اللغة العربية بين المطرقة والسندان

محيي الدين صالح

 

   اللغة العربية جوهرة غالية، بل كنـز ثمين توارثناه جيلاً بعد جيل، بمباركة من السماء وحفظ من الله سبحانه وتعالى، وقد حرصت الأجيال المتعاقبة على أن تسلم راية هذه اللغة لمن بعدها عالية خفاقة في كل عوالم المعرفة، سواء في الثقافة أو الأدب أو العلوم المختلفة، بالإضافة إلى مكانتها الدينية التي جعلتها أسمى لغات الأرض على الإطلاق، وأجملها وأطولها عمرا وأوضحها بيانا.

وقد فطن السابقون الأولون - من أمثال سيبويه والفراهيدي وأبي الأسود الدؤلي وغيرهم -  إلى هذه المسألة، فبذلوا الجهد العلمي المقدر لبناء دعائم قوية تتكئ عليها اللغة العربية وهي تتناقل عبـر الأجيال من ناحية، ثم وهي تُعد لحوار الحضارات من ناحية ثانية؛ لكونها تحمل رسالة سماوية لكل الأمم المنتشرة في أرجاء المعمورة بدون  استـثناء من ناحية أخرى.

إلا أن هذه الجوهرة  الغالية آلت إلى ورثة لم يقدروها حق قدرها لأنهم ذرية ضعفاء، حتى في العلوم الإنسانية التي أسسها أجدادهم وأرسى دعائمها آباؤهم وظلت لسنوات طويلة حكرا عليهم، يستقي منها الأمم الأخرى، وبذلك، وحسب قراءة الواقع (لم يعد هذا الشبل من ذاك الأسد) - هذا إن كان هناك شبل من أساسه - فتداعت عليهم الأمم رغم التحذير النبوي من هذا المآل، فتعرضت اللغة العربية إلى (التغريب) بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان.

فإذا نظرنا إلى (التغريب) على أنه مصطلح يدل على  "الاغتراب أو الغربة"  كالذي نجده من خلال الحديث الشريف الذي رواه الإمام مسلم وغيره قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:{بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء} فإن اللغة العربية قد صارت فعلا غريبة بين أهلها، لا يعرفها حق المعرفة من بنيها إلا ثلة من بين المتخصصين وقليل من المثقفين، أما الأكثرية فقد صار الأمر اللغوي لا يعنيهم، وكادوا يتحللون من الروابط التي تصلهم بها.

وإذا نظرنا إلى مصطلح (التغريب) على أنه يعني التوجه نحو الغرب، كما في قول الشاعر:

أُغـرِّبُ نحو الرزق وهو يشرّق          وأقسم.. لو شّرقت كان يغرّب

فإن اللغة العربية كادت تولي وجهها شطر الغرب من خلال أبنائها، بسبب تكالب الأعداء  من جهة  وبسبب تواطؤ بعض المثقفين العرب من  "التغريبيين أو المستغربين"  الذين يدورون في فلك أوروبا وأمريكا، ويريدون أن يسلموا القياد الثقافي لهم من جهة أخرى، وبذلك صارت لغتنا العربية نهبا لدعاة (التغريب) من أولئك المنبهرين باللغات الأوروبية لدرجة الاستلاب الثقافي الذي تمكن منهم حتى النخاع، فأصبحوا معاول هدم تحاول النيل من الكيان اللغوي بدعاوى مختلفة، ولا يخفى على أحد أن الخلاف بين أصحاب التمسك بالأصالة اللغوية العربية وبين دعاة التغريب؛ أصبح من ذلك النوع الذي يفسد كل قضايا الود.

وفي معترك هذا الصراع الداخلي بين أبناء الأمة العربية، أصبح موقف اللغة العربية في (حوار الحضارات) كما نسميها نحن، أو (صراع الحضارات) كما يسميها الغرب، أصبح موقفها في وضع لا تحسد عليه، وقبل أن نصل إلى مرحلة الحوار أو الصراع مع الآخر، غابت معالم كثيرة من خصوصيات اللغة، ولولا القرآن الكريم لضاعت هذه المعالم تماما، وأصبحت اللغة العربية كاللغة الإنجليزية التي تغيرت وتبدلت بنسبة كبيرة جدا في غضون ثلاثمائة سنة تقريبا، حيث صارت مفردات اللغة التي كتب بها (شكسبير) غير المفردات المتداولة الآن، ولا يفهمها إلا المتخصصون، هذا رغم أن عمر اللغة الإنجليزية قصيرة بالمقارنة مع اللغة العربية.

خلاصة القول: أصبحت اللغة العربية بين المطرقة والسندان في كثير من الجوانب العلمية والأدبية والذاتية والإعلامية، فهي في الجانب العلمي تئن بين مطرقة الأعداء وسندان المنبهرين والمنبطحين والمهرولين، وهي في الأدب بين مطرقة الحداثيين وسندان المخربين من دعاة اللهجات العامية وسدنتها، وهي في ذاتها وشخصيتها تتوجع بين مطرقة من يطالبون بالتخفف من قواعد النحو والصرف وسندان المؤسسات المعنية بثقافة المجتمع والتي تقف موقف المتفرج وكأن الأمر لا يعنيها، وأخيرا فإن اللغة العربية صارت بين مطرقة وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية وبين سندان وسائل التعليم المتعثرة بمراحلها المختلفة.

 ومن الملاحظ أننا نضع المصطلحات أحيانا بمثالية لا تعبر عن الواقع  فنقول (حوار الحضارات) مع أن الغرب يسمي نفس الأطروحة (صراع الحضارات)، وهم أصدق وأقرب للواقع الماثل في دنيانا الآن، لأن أدواتهم صواريخ وطائرات وأسلحة دمار واحتلال وتدمير وفرض شذوذ، أما أدواتنا فهي الأقلام والآراء – وعلى استحياء - وهم يفرضون علينا أساليبهم في كل كبيرة وصغيرة، ونحن لا نملك إلا أن ننصاع في كثير من الجوانب الثقافية، والعولمة المأفونة خير دليل على ذلك إضافة إلى مؤتمرات السكان المشبوهة.

 وبالرغم من المسلمات التي تؤكد أن اللغة العربية باقية إلى قيام الساعة بقوتها وبيانها المعجز، وبالرغم من ثقتنا المطلقة أن المستقبل لنا ولثقافتنا ولغتنا، إلا أن هناك بعض الهموم التي لا نتجاهلها ولا نمر عليها مرور الكرام، منها اقتحام بعض المفردات الغربية في حياتنا اليومية بشكل أفسد خصوصية اللغة، وحجبت بلاغتها خاصة عن الأجيال الجديدة التي لا تستنكف من التباهي بالمفردات الأجنبية في التخاطب حتى في المنتديات الأدبية العربية، بالإضافة إلى أسماء الشركات والمحال التجارية والمؤسسات، بل أسماء الأفراد والوظائف والمهن والأدوات التي انتشرت في كل الأوساط العربية بشكل مستفز.

كما أننا ننظر بعين الحيرة إلى استخدام بعض المصطلحات العربية في غير مدلوله اللغوي، مثل مصطلح (بقال) الذي نطلقه على بائع الزيوت والجبن والسكر والشاي والمواد الغذائية، مع أن البقال لغة هو تاجر البقول، الذي نسميه (علاف) مع أن العلاف لغة هو بائع الأعلاف والأعشاب الذي نسميه (عطار)  وأيضا العطار هو بائع العطور، ومن الغريب أن اسم (الموان) الذي ينبغي أن نطلقه على بائع السلع الغذائية إنما يخص بائع الأسمنت ومواد البناء، وهكذا سلسلة طويلة من المسميات في غير محلها.

وهناك التلاعب في نطق بعض الحروف، فالمصريون ينطقون القاف (ألفا مهموزة)، وأهل السودان ينطقون الدال ضادا والقاف غينا، والإبدال بين التاء والشين في دول الخليج العربي، وهكذا في كثير من الدول العربية تستبدل الحروف بدون ضوابط أو نظام، ومثال آخر يتعلق باختلاف المسميات باختلاف الدول، مثل: الهاتف الجوال، فاسمه يتغير بحسب البلاد العربية، فهو يتراوح بين المترادفات:  (النقال ـ السيار ـ الخلوي ـ المحمول..)، وكذلك بائع اللحوم يتراوح اسمه بين  (الجزار ـ اللحام ـ القصاب....).

وإن كانت هذه المسائل قد تأتي في إطار قوله تعالى  {ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين} 22 سور الروم، إلا أنه يجب علينا توحيد اللسان العربي المبين؛ لتتوحد ثقافتنا وتـقوى؛ إن أردنا الثبات على ديننا، وقد جاء عن مؤسس السوق الأوروبية المشتركة أنه قال: (ليتني بدأت بتوحيد الثقافة الأوروبية أولا)، والأمر الإلهي بعدم التفرق ثابت وواضح، {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} [محمد:38].

المصدر: موقع لها أون لاين

 
محيي الدين صالح
تاريخ النشر:2010-10-27 الساعة 09:05:10
التعليقات:0
مرات القراءة: 2022
مرات الطباعة: 455
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan