الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » قضايا فكرية » الإصلاح والتجديد

نحو نهضة غير مستوردة

سهير علي أومري

 

النهضة.... كلمة نزلت إلى قواميس لغتنا في السنوات العشر الأخيرة حتى لم يعد من الغريب أن يتلفظ بها شاب أو شابة في الخامسة عشرة من العمر.... هذا لا يعني أنها لم تكن موجودة في مفرداتنا الفصيحة بل كانت، ولكنها خرجت من غياهب المعاجم لتصبح متداولة على الألسن وراسخة في أعماق تفكير البعض وربما في أحلامهم أيضاً...

ويكفي أن تقلب بين القنوات الفضائية فترة السهرة فقط لتسمع مرادفات عديدة لهذه الكلمة وشروحاً كثيرة لها، فكل نجاح يريد صاحبه أن يبرر شرفه ونبله يجعل غايته خدمة هذا الحلم العريق حلم النهضة...

حتى ولو كان هذا النجاح فوز (راقصة إغراء شابة أو راقص شاب) في برنامج مسابقات، أو حصول فنانة ما على فرصة تقديم فوازير رمضان، أو فوز عارضة أزياء بلقب ملكة جمال الشعر أو الرموش أو الأظافر... وليس على هذا الصعيد فقط فحتى قهر البسطاء والمستضعفين من عامة الشعب والإمعان في بؤسهم وشقائهم يبرر بالنهضة، إذ يمكن أن ترى أحدهم يبرر هذه الأساليب المؤطرة بالقوانين والأنظمة فيجعلها تصب في هدفنا الكبير... إنه النهضة بالتأكيد... فخدمة الثواني للمكالمات الخليوية نهضة، وإلغاء ترسيم السيارات واستبدالها بزيادة سعر البنزين نهضة، وارتفاع معدلات الدراسة الجامعية في الجامعات الحكومية نهضة، وافتتاح الجامعات الخاصة ذات الرسوم الرائعة نهضة..... وووو..كله نهضة.... فنحن بلا شك نسعى للنهضة الثقافية والعمرانية والاقتصادية والزراعية..... إلخ وما فاتنا إلا أمر بسيط للغاية: إنه باختصار تعريف النهضة... أجل الاتفاق على تعريف هذا المصطلح الفضفاض الذي يأتي إليه من يريد ليلوي عنقه ويطوعه لما يريد.... ذلك لأن الاصطلاح على تعريف دقيق يوجه المسير ويساعد على فرز الغث من السمين... فأي نهضة نريدها لأمتنا عموماً ولبلدنا خصوصاً؟.

لا شك أن النهضة التي نعني بها أن نصبح نسخة مستنسخة من المجتمع الغربي بقيمه ومبادئه وطرق معيشته وتفكيره غير النهضة التي نريد منها تحقيق الرفاهية والازدهار الاقتصادي أياً كانت المبادئ والأخلاق التي سنتصف بها وأياً كانت الوسيلة التي ستؤمن لنا هذا الازدهار وتلك الرفاهية، وهذا بلا شك أيضاً غير النهضة التي تعني إحداث التغيير أياً كان هذا التغيير المهم أن يكون براقاً لامعاً، أيُّ نهضةٍ تلك التي نريدها بالضبط؟! هل هناك ثوابت تحدد لنا توجه نهضتنا؟! أم كل مشروع صفقت له وسائل الإعلام نهضةٌ في مجاله حتى لو كان افتتاح فنانة ما شركة إنتاج فني لدبلجة المسلسلات التركية؟!

ربما يقول قائل الآن النهضة باختصار هي تحسن مستوى المعيشة والازدهار الاقتصادي للأفراد دون تعقيد للمفاهيم، ولكنني أقول: ما الفائدة أن أعطي الصنارة لكل عاطل عن العمل ليقوم فيصطاد، وما الفائدة أن أضع الخطط الخمسية والسداسية والثمانية لقطاع ما أو مؤسسة ما والبيئة الفكرية والثقافية للأفراد لا تزال في مكانها تراوح؟! لا تزال المبادئ السائدة هي: (أنا ومن بعدي فليكن الطوفان، ألف عين تبكي ولا عيني تبكي، هات إيدك والحقني، حكلي لحكلك، ادفع تُرفع، طنش تعش تنتعش، أفلح من طنش، الإيد الي ما بتقدر عليها بوسها وادعُ عليها بالكسر، هَمّ البنات للممات،...) ولا تزال بعض العادات والتقاليد تُنسب لتعاليم الدين والدين منها بريء، وهل هذه النهضة التي يتم تحقيقها على هذا النحو ستبقى راسخة الأركان والجذور؟ هل سيحافظ هؤلاء الأفراد على ذلك الازدهار المادي الذي حصلوا عليه وهم لا يزالون يتخبطون بين براثن الجهل والتخلف واتباع ما وجدوا عليه الآباء والأجداد دون تحكيم للعقل بصلاح هذه الموروثات أو فسادها؟!

كم من المال ضاع بين يدي جاهل لا مبدأ له! وكم من المال تكاثر وتنامى بين يدي واع مستنير العقل والقلب... ولا يظنن أحد أن مقياس النهضة الفكرية تقاس بعدد الشهادات الجامعية التي تنال أو بعدد الدورات التعليمية التي يلتحق بها الفرد فيحصل منها على إجازات مصدقة من كبرى المؤسسات التعليمية العالمية... لا أبداً على الإطلاق... النهضة الحقيقية هي النهضة الفكرية وهي التي تتعلق بجملة تصحيح لمفاهيم تتعلق بالكون والحياة والإنسان... تلك المفاهيم التي بها يصبح الفرد قوياً يعلم أين يضع رجليه، ويعلم إلى أين يسير وماذا يريد أن يكون.... تلك المفاهيم التي يتمثلها الفرد في أخلاقٍ تؤهله لامتلاك ناصية الحياة بل وقيادة ركب الحياة... تبدأ بمفهوم الغيرية والإتقان في العمل ولا تقف عند حد... إنها المفاهيم التي تجعلنا نتمسك بثوابتنا فلا تغرنا موسيقى البوب ولا أضواء ناطحات السحاب ولا طعم الكنتاكي... إلى درجة نجد أنفسنا نسبح بحمد أصحابها وننقاد إليهم قلباً وقالباً... إنها المفاهيم التي تجعلنا نستفيد من أمة الغرب بما يناسب وجودنا في عمق هذا الشرق، فلا يكون لباسنا تقليداً أعمى للباسهم ولا إعلامنا نسخة مستنسخة عن إعلامهم ولا تسيطر عقدة أو عقيدة النقص على عقولنا وقلوبنا فنسير في ركابهم ونحن نقول سمعاً وطاعة... كما لا تجعلنا نقدس التاريخ بكل ما فيه ونضفي على أصحابه كلهم صفة القداسة أياً كانت منزلتهم فنخضع لهم دون أن نستفيد من تجاربهم الإنسانية ونتعلم من أخطائهم....

وإنني بلا شك لا أنكر أهمية الازدهار المادي والاقتصادي، ولكنني أرى أن يتم العمل على الخطين معاً أي ألا تكون النهضة بمقاييس مادية فقط بحيث يفقد الإنسان الهدف من وجوده في هذه الحياة المتمثل في عمارة الأرض ونشر الخير والمحبة فيها، بل تقدر بمدى قدرة الإنسان على العطاء ومحبة غيره وإنجاز ما عليه بإتقان ومسؤولية، وذلك ضمن ثوابت قيمية وأخلاقية بحيث تراه مثلاً يحترم الرأي الآخر ولكنه لا يتماهى معه ولا يخضع له حتى يصبح هو الرأي الآخر نفسه، بل تكون له ثوابت راسخة تعزز ثقته بمقوماته وتعمق صلته بأمته وبلده وحضارته.... أليس هذا تعريفاً للنهضة يجعلنا نصطفى وننتقي من الإنجازات والإبداعات ما يستحق أن يُحترم بحق، فلا نصفق وراء كل متشدق ولا نعجب بكل لامع...

ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه هو: إذا كان الازدهار المادي والاقتصادي مسؤولية ثلة من أولي الأمر وأصحاب رؤوس الأموال فمن يحمل مسؤولية النهضة الفكرية؟! إنها بلا شك مسؤولية كبيرة لا تقتصر على المفكرين والمثقفين فحسب بل تبدأ بهم وتشمل المؤسسات التعليمية بما فيها الكوادر والمناهج الدراسية وكذلك تشمل المؤسسات الدينية المتمثلة في التعليم الديني والوعظ الديني ووسائل الإعلام بكل أنواعه والمرئي والمسموع والمقروء... وغيرهم من الجمعيات الحكومية والأهلية المدعومة بتوجيهات وأنظمة حكومية ورسمية...

وأخيراً: هذه دعوتي أطلقها، وكلي أمل أن تلقى صدى مؤثراً، فما نحن فيه اليوم كان في يوم من الأيام مستقبلنا ومستقبل آبائنا، ولا نريد لأبنائنا مستقبلاً مثله تختلط فيه المفاهيم إلى أن يصبح مفهوم النهضة ممطوطاً متمدداً يفقد معناه ويتسع لكل احتمال من الأفعال والممارسات، وتبقى مخاوفي في أن يواجه الجيل القادم تعريفاً مستورداً للنهضة يأتي في ركاب بضائعنا المستوردة وإعلامنا المستورد وحتى أحلامنا المستوردة...

المصدر: موقع إنسان جديد

 
سهير علي أومري
تاريخ النشر:2010-11-21 الساعة 10:51:58
التعليقات:0
مرات القراءة: 2438
مرات الطباعة: 698
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan