الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » فلسطين قضية الأمة » ملفات

المشروع الوطني الفلسطيني بين همجية الاحتلال ورهانات التسوية

د. إبراهيم أبو ليل

 

      يشهد المشروع الوطني الفلسطيني فصلا جديدا من فصول العبث والتخاذل التي ألقت بثقلها على الحركة الوطنية الفلسطينية، وأدت إلى حالة التراجع التي وسمت مسيرة العمل السياسي من جراء المواقف التي أعلنتها القيادة الفلسطينية على الصعيد الرسمي، حيث كانت الأهداف الكبرى تتضاءل وتختزل بطرح عناوين ورفع شعارات سياسية تثير الالتباس وتستند إلى فهم قاصر لطبيعة المشروع الصهيوني والصراع الدائر معه، في الوقت الذي كان النضال الفلسطيني يشتد ويتجذر ويحقق الكثير من التقدم سواء على صعيد التشبث بالأرض والصمود في مواجهة آلة الاحتلال العسكرية، أو على صعيد الانخراط في صفوف المقاومة والدفاع عن وجوده السياسي والاجتماعي وحماية هويته الوطنية في أماكن تواجده المختلفة.

 

مسيرة التنازلات

 

      بات واضحا لكل ذي بصيرة أن النتائج التي كانت تحققها الحركة الوطنية الفلسطينية في كل مرحلة من مراحل النضال لم تكن متكافئة مع الجهد المبذول الذي اتسم بالصمود والثبات، ولم ترتق إلى مستوى أداء  الشعب الفلسطيني الذي لم يتردد في تقديم التضحيات الجسام ولم يتخل عن أحلامه الكبرى. وكان هذا الشعب المكابد كلما هوى شكل من أشكال النضال يشتق شكلاً جديداً يعبر عن مضمونه الكفاحي والتحرري، وظل يقدم الشهيد تلو الشهيد فداء للوطن ولقضيته المقدسة. غير أنه كان يحصد خيبات الأمل وفي كل جولة من جولات الصراع كانت تضحياته تستغل في غير صالحة ويتم توظيفها في خدمة مشاريع التسوية التي كانت تطرح على موائد المفاوضات وتقديم التنازلات، الأمر الذي ألحق به العديد من الهزائم، وهو ما جعل الهزائم ذات طابع سياسي وليس عسكري حيث جاءت بفعل القصور في القرار الذي اتخذته القيادة والذي كانت تعبيراً عن ارادتها غير المعزولة عن مصالحها الذاتية الضيقة، وبالتالي عدم قدرتها على الالتزام بالشعارات الثورية التي طرحتها في إطار الصراع ولم تتمكن من اتخاذ القرارات الحاسمة، وقد جرى التعبير عن ذلك بالتراجع عن برنامج التحرير، الأمر الذي ضرب الأساس الموضوعي لوحدة النضال وبالتالي وحدة الصف الوطني. لقد بدأت مسيرة المقاومة والثورة المسلحة بشعار التحرير الكامل لفلسطين مع انطلاقة الثورة الفلسطينية المسلحة عام 1965. وقد تصاعدت وتيرة العمل الكفاحي بشكل متسارع وانخرط في صفوف المقاومة العديد من الفلسطينيين ولا سيما بعد معركة الكرامة عام 1968 التي  شكلت نقلة نوعية في مسيرة العمل الوطني وفرضت واقعاً جديداً، أعطى للشعب الفلسطيني أملاً جديداً وتفاؤلاً بالنصر بعد الخروج من نكسة حزيران عام 1967. وبعد أن اشتد عود المقاومة وأخذت تلعب دوراً فاعلاً في استنهاض الإرادة الثورية للجماهير العربية، تلقى الشعب الفلسطيني ضربة مؤلمة في الأردن انعكست آثارها على المشروع الوطني الفلسطيني برمته وأدت إلى خروج المقاومة من الأردن بعد أحداث أيلول 1970. ومنذ ذلك الحين دخل التفكير السياسي الفلسطيني مفهوم " الدولة الفلسطينية " بحجة اعتماد سياسة واقعية في واقع سياسي معقد، ظل العقل السياسي الفلسطيني قاصراً عن فهم حدود هذا الواقع وظل زمام المبادرة في يد الكيان الصهيوني مما جعل مفهوم الدولة متناقضا مع استراتيجية التحرير التي قاتلت من أجلها فصائل المقاومة منذ انطلاقتها، بينما جاء منسجماً مع استراتيجية الاحتلال في مرحلة من مراحل بناء المشروع الصهيوني " ولسوف يصبح شعار الدولة الفلسطينية في مرحلة لاحقة مطلباً صهيونياً". وقد اكتسب هذا المفهوم بعد أن اعتمد رسمياً صيغة البرنامج المرحلي الذي تحدد بالنقاط العشر ليشكل أول تراجع عن برنامج التحرير الكامل، حيث وافق عليه المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الثانية عشرة في القاهرة عام 1974، ونالت منظمة التحرير الفلسطينية اعتراف الدول العربية بها ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني لتصبح لاعباً مهماً على الساحة السياسية في المنطقة، مما ساعد قيادة المنظمة على التفرد بقرارها السياسي ولا سيما بشأن تسوية الصراع مع الكيان الصهيوني تحت شعار " القرار الفلسطيني المستقل " الذي على أساسه راحت تتدحرج المواقف السياسية للقيادة الفلسطينية على منحدر التنازلات بدءاً من الإعلان عن وثيقة الاستقلال عام 1988 التي تضمنت الاعتراف بقراري الأمم المتحدة 242 و 338 إلى إعلان المبادئ في أوسلو سنة 1993 بعد الانتفاضة الأولى ( انتفاضة 1987 ) ، ثم خارطة الطريق سنة 2002 وصولاً إلى مفاوضات أنابوليس عام 2007 ( بعد انتفاضة الأقصى عام 2000 ) . وهكذا تدهورت البرامج السياسية للحركة الوطنية الفلسطينية بفعل القيادة التي استبدلت منطق الثورة وفلسفة الكفاح المسلح بمنطق الهزيمة وفلسفة التسوية الذي لم يحصد الشعب الفلسطيني منه إلا سراب الوعود. 

      من المعروف ـ بلا أدنى شك ـ أن الحلول الجزئية والانتقالية لم تحقق الآمال التي عقدتها الأطراف الفلسطينية ( أطراف التسوية ) على المفاوضات مع حكومات الكيان الصهيوني المتعاقبة، ولن تفضي إلى تحقيق أهدافهم الوطنية . فضلاً عن ذلك فإن اتفاق أوسلو لم يخفق في  تحقيق التسوية المنشودة فحسب، بل أدى أيضاً إلى زيادة حدة الصراع مع الاحتلال، فهو من جهة أدى إلى تدهور أوضاع الفلسطينيين المعيشية في الضفة الغربية وقطاع غزة، ومن جهة ثانية وفر لسلطات الاحتلال فرصة لفرض وقائع جديدة على الأرض لا يمكن تجاوزها في المفاوضات وتحول دون تحقيقيه، حيث رفضت الحكومات الصهيونية الالتزام بتعهداتها وواصلت مصادرة الأراضي وتوسيع المستوطنات. وبعد مفوضات (كامب ديفيد) عام 2000 ثبت أن الحلول الانتقالية لا تقود إلى تلبية استحقاقات التسوية النهائية. وهو ما جعل الحكومات الصهيونية تمارس المماطلة والتهرب من الدخول في عملية تفاوض جدية تحت ذريعة عدم وجود شريك فلسطيني للمفاوضات، واعتبرت التمسك الفلسطيني بالأحداث الوطنية والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، دعماً للإرهاب .

     وبإدراك الفلسطينيين فشل الحلول المؤقتة وعدم استعداد الصهاينة للدخول في مفوضات تفضي إلى حلول نهائية، وجدوا أنفسهم بحاجة إلى استعادة البعد الاستراتيجي للنضال في ظل احتدام التناقض مع المشروع الصهيوني، إذ لا سبيل لوقف الاستيطان ومواجهة الاحتلال إلا بالصمود والمقاومة، لا سيما أن الفلسطينيين يمتلكون من المقومات ما يؤهلهم لتعميق أزمة الكيان الصهيوني، من خلال العامل الديمغرافي الذي يتعاظم عاماً بعد عام . وكذلك اهتزاز " نظرية الردع الإسرائيلية " في ظل تصاعد تحدي المقاومة. ما يعني أن لجوء قادة الكيان الصهيوني إلى استخدام القوة العسكرية لا يحل دوماً مشكلاتهم ولا يضمن تحقيق أهدافهم السياسية.

 

فخ السلطة ومأزق القيادة

 

    ومنذ اندلاع انتفاضة الأقصى طرأ تحول على موازين القوى داخل الساحة الفلسطينية خلق مع الوقت، ولا سيما بعد إعادة انتشار قوات الاحتلال في قطاع غزة وتنفيذ " خطة فك الارتباط "، شكلاً من ازدواجية السلطة " بين فتح وحماس "  بعد فوز حماس بالانتخابات التشريعية، في حين عجزت الفصائل الأخرى عن بلورة قطب ثالث نتيجة عوامل موضوعية وذاتية في الوقت نفسه. وعلى الرغم من تشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة حماس ومشاركة فتح وفصائل أخرى بموجب اتفاق مكة ( بين فتح وحماس ) إلا أن هذه الحكومة لم تتقدم نحو بلورة برنامج سياسي يجسد المصالح العامة للشعب الفلسطيني والقواسم المشتركة بين فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية بل على العكس ظل كل طرف يحتفظ بالمسافة التي تبعده عن الطرف الآخر، ذلك أن حضور كل من حماس وفتح في مؤتمر مكة لم يكن تعبيراً عن توافقهما على رؤية موحدة وإرادة حرة تجسد طموحات الشعب الفلسطيني، وإنما كان تنفيذاً واستجابة لضغوطات أطراف خارجية ترغب بتسوية الأوضاع الفلسطينية. ومع ازدياد التناقضات ازدادت حدة الصراع بين الطرفين فتدهورت الحالة الأمنية وسادت الفوضى والفلتان الأمني أكثر فأكثر، وانفصل رأسا السلطة عن بعضهما في حزيران 2006 وسيطرة حماس على قطاع غزة. لقد كانت أهم نتائج الصراع بين الطرفين وما جرى في قطاع غزة هو التصفيق الأمريكي – الإسرائيلي لما جرى لذلك جاءت مبادرة الرئيس الأمريكي جورج بوش لعقد اجتماع أنابوليس في نوفمبر تشرين ثاني الماضي، ليجعل منه إنجازا سياسياً في مقابل الإخفاقات والتعقيدات التي واجهها في العراق. وانطلاقاً من هذا الواقع، فلم يخيب مؤتمر انابوليس توقعات الذين رفضوا المراهنة عليه ولم تخذلهم نتائجه لأن حصيلته جاءت كارثية بالنسبة للفلسطينيين ومهينة للعرب. وهكذا فقد خرج " الإسرائيليون " الرابح الأكبر من هذا الاجتماع، وتراجع الوفد الفلسطيني عن كل ما وعد به مثل تجميد الاستيطان ووقف بناء الجدار العازل وكذلك لم يذكر موضوع القدس واللاجئين، واستبدل الحديث عن جدول زمني لمعالجة قضايا الحل النهائي بعبارة " أن الأطراف ستبذل جهدها لإنجاز اتفاق قبل نهاية 2008 ".

      لم تقتصر عودة الفريق الفلسطيني من انابوليس بخفي حنين فحسب بل عاد مكبلاً بخارطة الطريق التي تشكل مرجعية لوثيقة التفاهم. والموضوع الأخطر في الوثيقة يكمن في تبنيها ما سمي بـ "رؤية بوش" التي دعا من خلالها إلى إقامة دولتين واحدة للفلسطينيين لا تحقق أياً من الأهداف والأحلام الفلسطينية ولا تمت لهم بأية صلة سوى بالاسم بل على العكس فإنها تتوافق مع المصالح الصهيونية. فهي عبارة عن كيان هلامي وهي ليست مستقلة وليست ذات سيادة وحدودها مؤقتة ومنزوعة السلاح. أما الثانية فهي " دولة يهودية " تتيح للكيان الصهيوني استكمال عملية توسيع الاستيطان من خلال تبادل الأراضي وإلغاء حق العودة من خلال التبادل السكاني، وهو الأمر الذي يجعل فكرة الدولة الفلسطينية غير قابلة للتطبيق في ظل سياسة فرض الوقائع التي تتبعها حكومة الكيان الصهيوني ما يعني أن عملية التسوية ستبقى تدور في حلقة مفرغة. إن استمرار بعض الفلسطينيين في إطلاق التصريحات عن ضروة التمسك بـ"المفاوضات"، وبالحرص على "عملية التسوية"، سيكون دعماً وإسنادا للخطة الأمريكية/الصهيونية، الهادفة خلق وقائع جديدة على الأرض، وستكون الأطراف جميعها، ملزمة على التعامل معها.

      إن ما كشفت عنه الجولات الأخيرة للمبعوث الأمريكي ميتشل، وزيارات وزراء خارجية ما يعرف بحكومات "الاعتدال" العربية لواشنطن، يشير إلى أن السياسة الأمريكية الحالية، هي الوجه الآخر لسياسة حكومة بوش السابقة، بعد أن سقطت عنها مساحيق التجميل التي رسمتها كلمات "أوباما" في حملته الانتخابية، ومن على منصة جامعة القاهرة. لقد حرصت الإدارة الأمريكية على تسريب "مجموعة أفكار" تتعلق برؤيتها لاستئناف المفاوضات، من خلال ما اصطلح على تسميته في الدوائر الأمريكية بـ"ورقة تفاهمات". وقد عبّرت تلك الأفكار عن تصورات الإدارة حول ضرورة "العودة إلى طاولة المفاوضات من دون شروط مسبقة، أي في ظل الوقف المؤقت للاستيطان في الضفة الغربية" الذي أعلنه "نتنياهو". كما أشارت في بعض مضامينها إلى أن "الهدف من هذه المفاوضات يتمثل في المواءمة بين هدف إقامة الدولة فوق الأراضي المحتلة عام 1967 مع إمكان تبادل أراضٍ، والهدف الإسرائيلي المتمثل في الاعتراف بيهودية الدولة". إن ما يحدث على أرض الواقع يدحض مثل هذه الوعود التي «يتبارى» في إطلاقها مسؤولو الإدارة الأمريكية وبعض حلفائهم من العرب.. بل إن ما يجري من تدمير إسرائيلي ممنهج وتكثيف للاستيطان والتهويد في الضفة الغربية والقدس، إضافة إلى التلويح الإسرائيلي الصريح بعدوان جديد علي قطاع غزة، يطرح أكثر من سؤال حول مستقبل الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة لاسيما في ضوء التحدي الصهيوني المعلن للمجتمع الدولي ورفضه مجرد تجميد مؤقت للاستيطان. الأمر الذي يبقي الصراع مفتوحاً على كل الأصعدة، في الوقت الذي تتعزز لدى الشعب الفلسطيني القناعة بأن أكذوبة التسوية مع الإحتلال زائفة، وأن الاستمرار في طريق المفاوضات هو ضرب من الأوهام والدوران في الدائرة المفرغة.

صحيفة الثبات اللبنانية

 

 
د. إبراهيم أبو ليل
تاريخ النشر:2010-11-21 الساعة 11:36:11
التعليقات:0
مرات القراءة: 1526
مرات الطباعة: 536
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan