الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » حوارات

حوار مع المفكر السعودي الشيخ عبد الإله العرفج

عبد الحي شاهين

 

الشيخ الدكتور عبد الإله بن حسين بن محمد العرفج سليل أسرة علمية عريقة في منطقة الأحساء، ولم يكن تميزه وبزه أقرانه في العلم الشرعي بغريب، إذ كان جده الشيخ (محمد العرفج) أحد أكبر علماء زمانه في منطقته.. هنا وفي حوار مطول معه، يستعرض الشيخ العرفج مسيرته التعليمية ومدى تأثّره بعلماء بارزين مثل الشيخ أحمد الدوغان وبقية علماء المدرسة الشافعية، ويكشف الكثير عن الحركة العلمية في الأحساء والأسر التي اشتهرت بالعلم وتوارثته جيلاً بعد جيل، كما يلقي الضوء على وضع المذاهب الأربعة والأربطة والمدارس التي نشأت في منطقة الأحساء للتعليم الشرعي، وغير ذلك مما تميزت به الأحساء، خاصة وأن الدكتور عبد الإله على الرغم من تعليمه الشرعي القوي يُعدّ من الباحثين المهمين في تاريخ منطقة الأحساء التي عُرفت كمنطقة تمازج مذهبي واسع في المملكة.

- أيام الصبا الأولى والتنشئة دائماً ما تمرّ بذاكرة الإنسان كثيراً عندما يكبر.. ماذا في الذاكرة الآن من أحداث وشخصيات وأثر من تلك المرحلة؟

- في ذاكرتي صور وأحداث وشخصيات كثيرة تعود إلى الماضي، أكثرها تكراراً أكبرها أثراً في تكوين شخصيتي وتحديد هويتي ورسم مساري، أتذكر والدي الشيخ حسين -رحمه الله- (ت1423هـ) وهو في مجلسه العامر في حي الكوت، يستقبل ضيوفه على اختلاف مستوياتهم العلمية والاجتماعية، يناقش هذا، ويتحاور مع هذا، وينشد الشعر مع هذا، يواسي هذا بماله، ويشفع في هذا بوجاهته، فقد كان له حضوره واحترامه عند الأمراء والمسؤولين، وكان يؤكد عليَّ حضور مجالسه وإكرام ضيوفه.

أتذكر أيضاً والدتي - رحمها الله - (ت1415هـ) في تفانيها وتضحياتها، كنت أعاني في الصغر من التهاب الزائدة الدودية، وعندما ينتابني الألم كنت أتلوى طيلة الليل، وكنت أغفو قليلاً فإذا انتبهت رأيتها متوسدة يدها بجانبي طوال الليل- رحمهما الله جميعاً- فقد عشت في أكنافهما محاطاً بالعناية والرعاية والمحبة والرحمة.

أتذكر أيضا أصدقاء الطفولة والصبا عندما كنا نلعب ونذهب ونجيء، ألقاهم من حين لآخر فنتذكر تلك الأيام عندما لم نكن نحمل مسؤوليات، أو نهتم بشيء.

-  ما أنت فيه الآن هل خطّطت له مبكراً في حياتك؟

- أنت تقصد الهوية الشرعية طبعاً، قد لا تصدق لو قلت لك إن اتجاهي نحو طلب العلم الشرعي كان محض تقدير إلهي، ولم يكن في بداية الأمر توجيهاً من الوالد؛ فلقد كانت بدايتي لطلب العلم الشرعي بعد تخرجي من المرحلة الابتدائية، وكان لي صاحب صالح من أسرتنا وهو الأخ محمد بن الشيخ عبد اللطيف العرفج، وكان يحضر درساً في تصحيح التلاوة بعد صلاة المغرب كل يوم عند القاضي الشيخ محمد الخطيب والشيخ محمد الجلال -رحمهما الله- فقال لي ذات مرة: ما رأيك أن تحضر هذا الدرس؟ فأجبته، وكنا نحضر عند المشايخ مع مجموعة من الإخوة، وكنا نتناوب القراءة بحيث نقرأ ثلاثة أجزاء كل يوم، ونختم القرآن كل عشرة أيام، وذات يوم ونحن في طريقنا إلى درس القرآن طلب مني أن أراجع له منظومة علمية، فكان يقول:

والثُّمنُ للزوجة والزوجات ... مع البنين أو مع البنات

أو مع أولاد البنين فاعلمِ... ولا تظنّ الجمعَ شرطاً فافهمِ

فاستفسرت عن هذه المنظومة، فأخبرني أنها الرحبية في علم الفرائض، وأنها نصف العلم، فظننت أنني بحفظ المنظومة أحرز نصف العلم، فحفظتها كاملة بدون أن أفهم كثيراً مما فيها، فقال لي: هلاّ حضرت درسنا الآخر بعد صلاة العشاء عند الشيخ أحمد الدوغان!! فأجبته إلى ذلك، والتقيت بالشيخ أحمد مباشرة لأول مرة في درس الفقه، فسألني عن اسمي فأخبرته، فلما عرف أنني حفيد شيخه الشيخ محمد بن حسين العرفج فرح وسرّ كثيراً، فسألني هل تحفظ شيئاً من المتون، فقلت: نعم، الرحبية، فشرعت أقرؤها حفظاً بين يديه، ولازمت درسه من ذلك اليوم إلى يومنا هذا، في بداية الأمر طالباً بين يديه وملصقاً ركبتي بركبتيه، وآخر الأمر مدرساً مع مجموعة من إخواني لطلبة العلم المنتظمين في دروس الفقه الشافعي وحلقاته المتعددة.

-  النشأة في منطقة تمازج لمكونات شتى، ماذا يمكن أن تضيف للمرء؟

- وصفك للأحساء وصف صحيح، هي منطقة تمازج لمكونات شتى، توجد فيها مذاهب أهل السنة والجماعة كلها سواء على المستوى الفقهي أو العقدي، وتوجد فيها طوائف أخرى بكل مذاهبها، وإذا كان البعض يرى هذه الصفة أمراً سلبياً، أو مصدراً للفوضى الفكرية، أو سبباً للشكوك والحيرة، فأنا شخصياً أرى أن هذه الصفة أمر إيجابي، ينتج عنه سعة الأفق، وزيادة الإدراك، وفهم الآخر، وحسن التعامل مع الموافق والمخالف بوسطية واتزان. لقد اطلعت على المذاهب الفقهية وعرفت علماءها وشاهدت حسن تعاملهم مع بعضهم، فأكسبني هذا ثروة فقهية، وتفهماً للخلاف، واتزاناً فكرياً، وعندي على ذلك شواهد كثيرة من أرض الواقع.

-  شخصياً كيف كان تأثير منطقة الأحساء على شخصيتك؟

- استفدت من منطقة الأحساء التي ولدت وحبوت ومشيت على أرضها فوائد كثيرة، ولذلك فأنا ألهج باسمها دائماً، وأرجو ألاّ يُفهم ذلك على أنه تعزيز للمناطقية أو ترسيخ للأقليمية.

استفدت من الأحساء رقة الطبع وسعة الصدر وسماحة الخلق، فأحساؤنا بلد سهل منبسط، يتميز باللون الأخضر لاتساع الرقعة الزراعية، تتفجر العيون في نواحيه.

استفدت من الأحساء المبادرة إلى الخير والمسارعة إلى الحق والثبات عليه، واقتديت في هذا بأهل الأحساء الذين كانوا يسكنونها زمن البعثة النبوية قبيلة عبد القيس من ربيعة، وفي هذا المعنى يقول الشيخ محمد الملحم -رحمه الله- (ت1408هـ):

خص هجر بثلاث ... أورثته المكرمات

فيه قد صُلي ثاني ... جمعةٍ في الجمعاتْ

وبه أسلم قومٌ ... دون سيفٍ وقناة

وعلى الدين أقاموا... كالجبالِ الراسياتْ

استفدت من الأحساء منهجية قبول اجتهادات علماء أهل السنة والجماعة ومحبتهم وتقديرهم، وفي هذا المعنى يقول الشيخ عبد الله العبد القادر -رحمه الله- (ت1344هـ):

يا سالكاً وجد الطريقَ تعدّدا ... خذْ ما تشاءُ فسوف تأتي المقصدا

واحذرْ وقوفَك حيرةً وتردّدا ... إن المذاهبَ كالمناهل في الهدى

والمرءُ مثلُ الوارد الظمآنِ ... نعمانهم والأصبحي بمنزلِ

ما كان عنه التاليان بمعزلِ... أنهارُهم تجري كعذبٍ سلسلِ

والنفسُ إنْ رُويت بأوّلِ منهلِ...غريت بلا كرهٍ لشربِ الثاني

استفدت من الأحساء ميزاناً دقيقاً في التعامل مع الشريك الوطني المخالف، وأرى في بعض تصرفات الآخرين خللاً منهجياً واجتماعياً.

- هل يمكن من خلال تجربتك التأكيد على تأثير المكان على المفكر، والذي يظهر في طروحاته؟

بالطبع، فالإنسان ابن بيئته، تأسره عاداتها وتقاليدها وظروفها السياسية والاجتماعية والفكرية، وقد لاحظت هذا في فتاوى العلماء وآرائهم ومؤلفاتهم، ولعلي لا أعدو الصواب إن قلت: إن العامل المكاني له أثر كبير في الخلاف السائد في بلادنا، إما تعصباً له أو تأثراً به، وأنا لا أتكلم من فراغ، بل عندي على ذلك أدلة كثيرة، ذكرت بعضها في كتابي "مفهوم البدعة"، وبعضها سأظهره في حينه إن شاء الله، وهنا تظهر فائدة السفر والسياحة في بلاد الله الواسعة، حيث يتحلل العالم من قيود بلده وحدودها الضيقة.

- حدثنا عن الحركة العلمية التي اشتهرت بها الأحساء دون غيرها من مناطق السعودية في العقود الماضية؟

-لن أبالغ إن قلت لك: إنه لم ينتصف القرن الحادي عشر الهجري إلاّ والأحساء تمثل موطناً أصيلاً مميزاً للعلم، وكعبة ومقصداً لطلابه، فأنشأت فيها المدارس العلمية، وبنيت فيها الأربطة السكنية، وكثر فيها المتصدّرون للتعليم الشرعي، وقصدها الراغبون فيه من الجهات المحيطة بها كالعراق والخليج وفارس ونجد، وساهمت مساهمة فعّالة في تقدم الحركة العلمية في تلك الأقطار وهاتيك الأمصار.

وممن شهدوا بهذه المكانة العلمية العالية للأحساء من العلماء الوافدين عليها الشيخ العلامة محمد بن أحمد العمري الموصلي -رحمه الله- (ت1212هـ)، فإنه وفد على الأحساء في العقد الأخير من القرن الثاني عشر الهجري، واستوطن فيها، وذكرت بعض المصادر أن إقامته في الأحساء استمرت حتى وفاته، فلما رأى في الأحساء ما لم يره في غيرها من البلاد التي طوّف بها، من توافر علماء أهل السنة والجماعة على اختلاف مذاهبهم الفقهية، مع ما يتميزون به من التسامح المذهبي والتنوّع العلمي والتعايش الحضاري نظم قصيدته الهمزية الرائعة في مدح الأحساء وعلمائها، ومما قال فيها:

جبتُ الفيافي والقفارَ جميعَها ... براً وبحراً كي أنالَ منائي

وشرعتُ في السفر الحميدِ ببلدتي ... دارِ الأفاضلِ موصل الحدباءِ

وبقيتُ منتقلاً إلى أن جئت في ... بلد الكرامِ معادنِ الإسداءِ

أعني بها الأحساءَ أحسنَ كلِّ ما ... في الأرضِ من بلدٍ بغيرِ مراءِ

فأقمت فيها مدةً أجني جنى... ثمراتِ روضةِ لذّتي وصفائي

ووجدت أهليها مشايخَ سـادةً ... صافين من حسدٍ و من بغضاءِ

ورأيتُهم أهلَ اعتقـادٍ صـادقٍ ... وبها اجتمعتُ بغالبِ العلماءِ

ومن العلماء الذين قدموا الأحساء في الربع الأخير من القرن الثاني عشر الهجري، واستوطنوا فيها لسنوات طويلة بلغت ثلاثين سنة، وأشادوا بما تزخر به من العلم والأدب، الشيخ عبد الله بن محمد البيتوشي الكردي -رحمه الله- (ت1211هـ)، وهو أحد العلماء الكبار الذين جمعوا بين الشريعة والأدب، فإنه لمّا قدم إلى الأحساء، وطاب له المقام فيها، أرسل رسالة أدبية رائعة لشيخه في بغداد الشيخ عبيد الله أفندي بن صبغة الله أفندي الحيدري، وكان مما جاء فيها: "وحالَ التاريخ أنا في الأحساء، أتقلّب في روضٍ من العيش أريض، وأتبختر في بُردٍ من العافية طويل عريض، بين سادة سمحاء، يكرمون ولا يمكرون، ويطعمون ولا يطمعون، ويبهرون ولا يرهبون، ويبتكرون ولا يرتكبون، لا تملّ مناجاتهم، ولا تخشى مداجاتهم، إلى أخلاق في رقة النسيم، ومحاورة في عذوبة التسنيم، لا تكبو في حلبة الفخار جيادُهم، ولا تصلد في مشاهد النوال زنادهم، ثابت لديهم كما أبتغي قدمي، مجرى عندهم ما نفثت به فمي أو كتبه قلمي:

لا عيبَ فيهم سوى أن النزيلَ بهم ... يسلو عن الأهلِ والأوطانِ والحشمِ

ولذلك فلا عجب إذا غدت المدرسة الأحسائية في تلك الفترة الذهبية واحدة من سبع مدارس علمية رائدة على مستوى العالم الإسلامي، فقد قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام -رحمه الله- في كتابه "علماء نجد" (1/390): "وكان يقال: لا يبلغ طالب العلم كماله - والكمال لله - حتى يتخرج أو يحضر دروساً في سبع مدارس في سبعة بلدان: مدرسة الدويحس في الزبير، ومدرسة آل أبي بكر في الأحساء، ومدرسة الآلوسي في بغداد، والأزهر في مصر، ومدرسة المرادية في دمشق، وكان طالب العلم إذا استوفى يؤم الحرمين الشريفين لحضور بعض حلقات شيوخ الحرمين في مكة والمدينة، ثم يعرّج على عنيزة والقصيم، وكان عصر العلم قد استنار في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين".

- هذه الحركة العلمية، هل هي في ذات عافيتها وعنفوانها التي عرفت بها؟ كيف تقيم وضعها بين الماضي والحاضر؟

-لا تظن يا أستاذي الفاضل أن الحاضر أرخى سدوله على الماضي، فانفرط العقد وزال المجد، واندرست المدارس وانفضّت المجالس، بل إن الحركة العلمية الأحسائية - بحمد الله - ما زالت تعطي وتمنح، وتكسب وتربح، وما زال طلبة العلم يفدون، وعلى عيون الشريعة ينزلون، ومن موارد العلم يصدرون، فأنا أطمئنك أن عجلة الحركة العلمية تسير بتؤدة وثبات، ولكنني أجزم بأن القوة العلمية للأحساء كانت أقوى في السابق منها في العصر الحاضر.

- كذلك كان مما يميز الأحساء، تلك الأسر العلمية الممتدة والمتواصلة جيلاً بعد جيل، وأنت نفسك نتاج لإحدى هذه الأسر العريقة.. هل من ضوء أكثر على هذه الأسر ودورها وتأثيرها ووضعها الراهن؟

- نعم، أعتقد أن مما حفظ المذهبية الفقهية في الأحساء هو اصطباغ بعض الأسر بمذهب فقهي، يرثه الأحفاد عن الأجداد بوساطة الآباء، حتى إن بعض عوام هذه الأسر يقول عن نفسه: إنه على مذهب كذا، مع أنه ليس طالب علم، وقد تميزت أسر أحسائية بأنها حنفية المذهب مثل أسرة الملا، وأشهر فروعها فرع آل أبي بكر، وقد سبق أن نقلت قول الشيخ عبد الله البسام أن مدرسة آل أبي بكر كانت مدرسة من سبع مدارس علمية، وأعتقد أنه يعني بذلك الرباط السكني الذي يقع في حي الكوت بالهفوف، وقد قام ببنائه الشيخ عبد الله بن أبي بكر الملا -رحمه الله- سنة 1287هـ بمساعدة بعض أهل الخير، وذلك لكثرة إقبال طلبة العلم من الأحساء وخارجها على تلقي العلوم الشرعية، ورغبتهم في التفرّغ لتحصيلها، فكان هذا الرباط شبيهاً بالسكن الداخلي في الجامعات، ومن الأسر مالكية المذهب أسرة الشيخ مبارك، وقد خرج منها علماء كثيرون، كان لهم الأثر الواضح على الحركة العلمية في الأحساء والخليج، وكذلك أسرة الملحم، وهي من أكبر الأسر في الأحساء، وأسرة الموسى والعفالق - وكان فيهم حنابلة -، أما الأسر شافعية المذهب فكثيرة جداً، منها أسر آل البيت الخليفة والهاشم، وأسرة الجعفري - ومنهم الخطيب – والعدساني، والعرفج، والعمير، والدوغان، والعثمان، والحكيم، والعبد اللطيف، والنعيم، والفلاح، والعبد القادر، والجغيمان - وفيهم أحناف - والعامر والنجار وغيرهم، وأما أسر المذهب الحنبلي في القديم فأشهرها أسرة الفيروز، أما اليوم فقد انتشر المذهب على قطاع عريض بحيث صار معظم الأئمة والخطباء حنابلة المذهب الفقهي.

أما الوضع الراهن لهذه الأسر فيختلف من أسرة لأخرى، فبعض الأسر ما زالت محافظة على مذاهب آبائها وأجدادها، تدرسه وتعتني به، أما بعضها الآخر فلم تعد تهتم بذلك.

- تاريخ الأحساء، موجود بالمكتبات الخاصة بأحفاد الأسر العلمية القديمة.. كيف السبيل لتعميم التاريخ الأحسائي، وهل المكتبات الخاصة كانت سبباً في عدم معرفة الكثيرين في المملكة وخارجها بتاريخ الأحساء؟

أعتقد أن ملاحظتك صحيحة؛ ففي المكتبات الخاصة بأبناء تلك الأسر ثروات علمية، ولكنهم حبسوها وأقفلوا عليها، الأمر الذي أدّى وما زال يؤدي إلى تلفها وإهمالها، وأنا شخصياً ألتمس لهم بعض العذر، فعندما حاول بعضهم إظهار المخطوطات والوثائق تطاير الناس إليهم واستعاروا بعضها وما أرجعوه، فضاعت أوقاتهم ووثائقهم ومخطوطاتهم، والحل يكمن في إنشاء مركز علمي للعناية بالوثائق والمؤلفات الأحسائية وتحقيقها وإظهارها للوجود بشكل علمي منظم.

- تاريخياً، مرت على منطقة الأحساء حكومات ودويلات مختلفة قبل تأسيس الملك عبد العزيز للدولة السعودية الثالثة.. كيف كان تأثير هذا التعاقب بين مكونات سياسية مختلفة على الحركة العلمية في الأحساء؟

- فعلاً مرت على الأحساء في القرون الأربعة الأخيرة عدة دول وحكومات، كالدولة العثمانية، ودولة آل حميد من بني خالد، والدولة السعودية في فتراتها الثلاث، وبلغ الأمر بتعاقب الدول على الأحساء ما شهدته أثناء الدولة السعودية الثانية؛ ففي كل بضع سنوات كان يتولى الأحساء دولة مختلفة، وقد أوضحت ذلك في محاضرة لي في جامعة الملك سعود عن الوثائق الأحسائية.

إن هذا التعاقب للدول والحكومات في الأحساء يمكن من خلاله تفسير جوانب متعددة للحركة العلمية في الأحساء، فعلى سبيل المثال وجَّه القاضي الشيخ محمد سعيد العمير -رحمه الله- (ت1203هـ) نصائح متعددة لحكام بني خالد ووزرائهم، وقد ضمَّن نصائحه أهمية إعطاء الحكم حقه من طاعة الله وتقواه ومراقبته والعطف على الرعية، والشفقة بهم، ونبذ الخصومة والتفرق والدَّعة، ولكن يبدو أن نصائحه ذهبت عندهم سدى؛ إذ لم يمرّ على وفاته أربع سنوات حتى سقطت دولة بني خالد على يد القائد الأمير سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود (رحمه الله) سنة 1207هـ.

وكثرت في أيام الدولة السعودية الثانية المؤلفات العقدية لعلماء الأحساء، بياناً منهم لعقيدتهم السُّنية الصحيحة، وطمأنةً منهم لعلماء نجد المتشكّكين في عقيدة علماء الأحساء مثل: العقيدة الشريفة للشيخ محمد بن عبد الرحمن العمير -رحمه الله- (توفي في نهاية القرن الثالث عشر)، ومؤلفات الشيخ أبي بكر الملا -رحمه الله- (ت1270هـ) مثل منهج الرشاد شرح نخبة الاعتقاد، ومحض النصيحة لمريد العقيدة الصحيحة، ومسلك الثقات في نصوص الثقات، ومؤلفات ابنه الشيخ عبد الله بن أبي بكر -رحمه الله- (ت1309هـ) مثل إعلام بعض المستفهمين عن عقيدة خاتمة المتأخرين وغيره من العلماء الأحسائيين، وإتحاف السائل عما يجب اعتقاده من المسائل.

كما أن عوامل اختلال الأمن وتعاقب الدول على الأحساء - مع اختلاف مشاربها العقدية - كان له أثر كبير في تفسير هجرة عدد من علماء الأحساء منها، ويدل على ذلك أن بعض القضاة والمفتين ومدرسي المدارس الشرعية اختفت أسماؤهم من الوثائق المحلية في تواريخ معينة، مثل أسرة الشيخ محمد بن عبد الله بن فيروز وأبنائه وطلبته، وقد أوضحت ذلك وغيره في محاضرة الوثائق الأحسائية التي أشرت إليها سابقاً.

- بصفتك مهتماً بتاريخ الأحساء القديم.. حدثنا عن أهم الأربطة السكنية وأوقاف المدارس التي عرفتها المنطقة في العقود الماضية؟

- كانت المدارس العلمية في الأحساء جامعات شامخة وشواهد ناطقة بتطور الحياة العلمية فيها وريادتها، وكان وجودها وانتشارها علامة بارزة على المستوى العالي لوعي العلماء وأهل الخير في الأحساء بأفضل أنواع الصدقة الجارية التي يجري ثوابها للإنسان بعد موته، ففي الوقت الذي تتجه اهتمامات أصحاب الأموال إلى بناء المساجد وتعميرها كانت أنظار أصحاب الأموال - وبتوجيه من العلماء - تتجه إلى بناء المدارس الشرعية والأربطة السكنية؛ إدراكاً منهم بأهمية العلم ودوره في نيل سعادة الدنيا والآخرة، ولم يكتفوا بذلك بل أوقفوا عليها الأوقاف العامرة، وخصصوا للعلماء والوُعّاظ والنُظّار الغلات الكافية؛ لكي تضمن استمرار الحركة العلمية في الأحساء وانسيابها.

فمن تلك المدارس العلمية مدارس الأحناف مثل: مدرسة القبة في حي الكوت، وقد أوقفت سنة 1019هـ، والمدرسة الشلهوبية - وتسمى البكرية - في حي الكوت، وقد أوقفت سنة 1183هـ، والمدرسة القبلية في حي الكوت، وقد أوقفت سنة 1257هـ، والمدرسة الجديدة في حي الكوت، وقد أوقفت سنة 1292هـ، ورباط آل أبي بكر في حي الكوت، وقد بني سنة 1287هـ.

ومنها مدارس المالكية مثل: مدرسة الخليفة في حي المقابل، ومن المرجح أنها بنيت في أواخر القرن الثاني عشر الهجري، ومدرسة الكثير في حي العيوني، وقد أوقفت سنة 1143هـ، ومدرسة الزواوي في حي العيوني، وقد أوقفت في أواخر القرن الثاني عشر الهجري، ومدرسة النعاثل في حي النعاثل، وقد أوقفت في الربع الأخير من القرن الثاني عشر، ومدرسة الشريفة في حي الرفعة، وقد أوقفت سنة 1305هـ، ومدرسة الصالحية في حي الصالحية، وقد أوقفت سنة 1328هـ.

المصدر: الراية القطرية

 
عبد الحي شاهين
تاريخ النشر:2010-11-23 الساعة 11:29:52
التعليقات:0
مرات القراءة: 5721
مرات الطباعة: 651
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan