الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » أخلاق وتزكية

نظرات في المسألة التربوية في فكر الدكتور فريد الأنصاري

د. الطيب بن المختار الوزاني

 

لعل مما يدعو إلى الاهتمام بالجانب التربوي عند أبي أيوب فريد الأنصاري رحمه الله تعالى أن الرجل كان رجل تربية بامتياز، وحتى النخاع ـ كما يقال ـ ولا يلهج إلا بالتربية، وجميع ما ألفه يصب في التربية: نظرا وعملا، تصورا وتطبيقا، علما ومنهجا وطريقة ودليلا عمليا، درسا وتدريسا، خطبا ومواعظ، بل حتى إبداعه الأدبي من شعر وقصة ونقد فليس إلا رسالة دعوية في قالب أدبي وفني راق، وكيف له أن لا يكون رجل تربية بامتياز وقد تشرب ذلك منذ صغره في بيته مع والديه اللذين سهرا كثيرا على تحفيظه القرآن الكريم وتعليمه الآداب والنظام؟! وكيف بمن تربى على يد الفحول في التربية القرآنية ابتداء من القرآن الكريم والمدرسة النبوية مع الصحابة والتابعين مرورا بكبار العلماء الربانيين العاملين والمربين والمصلحين في القديم والحديث والمعاصر ـ كما سيرد بعد ـ أن لا يكون داعية ومربيا ومصلحا اجتماعيا؟! أليس هو من يحكي عن شيوخه قولهم الذي يتمثله كثيرا: من عاشر الفحول تفحل؟! ثم أليس من حق من ذاق لذة الجمال الكوني والقرآني وحلاوة الإيمان أن يكون مربيا وداعيا ومصلحا؟ ومن ذا الذي يمكن أن يكون مؤهلا لها من ليس في مثل أبي أيوب رحمه الله تعالى علما وخلقا وذوقا وهما بصلاح الإنسان وإصلاح المجتمع؟ وإني بحكم متابعتي لما يسر الله متابعته من إبداعاته منذ زمن غير يسير تبين لي ـ فيما أًقَدر وفيما أعتقد أن أحدا من المنصفين لن يسره إلا أن يوافقني ـ أن المسألة التربوية تحظى باهتمام واسع لدى هذا الرجل العالم الفريد إلى حد يمكن اعتبارها هي بؤرة تفكيره، وإطاره الفلسفي الذي ظل يؤطر رؤيته للدين والكون والحياة والإنسان، ويوجه بصره لاستبصار الحق في الهدى المناجي القرآني وتطبيقاته في التجربة النبوية وفي تجربة السلف والخلف إلى وقته، فأولى إذن أن تكون المسألة التربوية جوهر مشروعه الدعوي، ولب حياته التي وهبها لله ولخدمة دينه علما وتعلما، بيانا وتبيينا، فهما وتربية وتبليغا، ونصحا لله ولرسوله ولأئمة المسلمين (من الولاة والعلماء والدعاة والعاملين) ولعامة المسلمين.

ولمحاولة الإشراف على بعض معالم مشروعه التربوي والدعوي كانت محاولة تتبع بعض ما تيسر من مواطن حضور الهاجس التربوي لدى الرجل في كتاباته ذات الاتصال بالمسألة التربوية اتصالا قريبا أو بعيدا، أو اتصالا ظاهرا أو باطنا وجليا أو خفيا، بقصد تلمس الخيط الناظم لكل كتاباته، فتبين أن حضور المسألة التربوية لديه يمكن تجليتها من خلال جانبين: جانب البناء، وجانب الهدم؟ فكيف ذلك؟

أولا: الجانب البنائي

يسعى هذا الجانب إلى إبراز الجهود التي بذلها الأستاذ فريد رحمه الله تعالى من أجل بناء تصوره في المسألة التربوية بدءا من التصريح بدواعي اهتمامه بذلك (مقدمات كتبه) إلى بحوثه في تأصيل المسألة التربوية وبيان أهميتها ومركزيتها في الإصلاح الديني والتجديد الديني والبعثة الحضارية المتجددة للأمة (كتاب التوحيد والوساطة، والمصطلح الأصولي، وأبجديات البحث، والفجور السياسي، والبيان الدعوي، ومفهوم العالمية، وبلاغ الرسالة، بعثة التجديد المقبلة وكتاب الفطرية...)، إلى محاولاته في تنزيل مشروعه التربوي في دلائل وتوجيهات عملية ذات بعد تطبيقي وروحي (مجالس القرآن وبلاغ الرسالة، وقناديل الصلاة، وجمال الدين... )، مع العلم بوجوب التصريح بصعوبة الفصل أحيانا داخل الكتاب الواحد بين الجانب العلمي النظري التصوري وبين الجانب العملي التطبيقي التنزيلي، لتداخلهما وتكاملهما أبعادا ومقاصد وإجراءات.

دواعي الاهتمام بالمسألة التربوية عند الأستاذ فريد

يمكن تجلية بعض الدوافع التي ألحت على الأستاذ فريد ودفعته للاهتمام بالتربية تنظيرا وممارسة بناء ونقدا فيما يلي:

- إن التربية هي الإطار الذي يتم داخله تشكيل القيادات و الجنود.. وهي صمام الأمان الذي يضبط المسيرة الدعوية داخل الصف(1)، لذلك وجب إيلاؤها اهتماما خاصا لتوفير الأمن الروحي للأمة والأمن الدعوي والتربوي للدين.

- نجاح العمل الدعوي في مختلف جوانبه مرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بما يحققه من نجاح في المسألة التربوية تصورا وممارسة(2)، ومن ثم كان اعتقاده أن التركيز على التربية الصحيحة هو الضامن لتحقيق ذلك النجاح.

- أغلب الخلافات والآفات في الأمة راجعة إلى آفات وتعثرات تربوية بالأساس(3)، ولا حل لهذه الخلافات إذن إلا من خلال قنوات التربية الصحيحة من خلال العودة إلى القرآن وتربية جيل قرآني متحقق بمفاهيم الدين وقضاياه ورباني ومتخلق بأخلاقه كما كان الجيل القرآني الأول وهذا هو المنهج الأسلم العاصم من هذه القواصم الخلافية.

- عملية إحياء الدين لا تتم إلا بإحياء نموذج التربية القرآنية التي مارسها الأنبياء الذين كانت مهمتهم ووظيفتهم التربية القائمة على العلم والتعليم(4). ولا سبيل للأمة في بعثتها التجديدية إلا أن تجدد خطابها التربوي وتستمده من القرآن الكريم ومن تجربة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

- أهداف الفجور السياسي تتركز في هدف واحد هو تدمير الفطرة و القضاء على التدين الفطري في الأمة ولا سبيل إلى تحقيق التدافع في هذا الجانب إلا بتجديد الذات المسلمة وذلك بالرجوع إلى الفطرة دينا ودعوة لأن الفطرة المسلوبة أو المخرومة لن تعالج إلا بمنهاج فطري كما هو معروض في القرآن الكريم والسنة النبوية من غير وساطات(5).

هذه الدواعي وغيرها هي التي ألهبت الغيرة في صدر صاحبنا على دين الله ومستقبله، وأيقظت فيه هم البذل والاجتهاد في إسداء النصح للأمة وللعاملين في حقل التربية والدعوة عن علم وبحكمة وإخلاص، نسأل الله أن يتقبل منه ويبارك له الأجر، وينفع به الأمة.

أصول الاستمداد

ويقصد بها أن فريدا رحمه الله تعالى في مشروعه التربوي والدعوي كان حريصا على تأصيل عمله وبيان أصول الاستمداد التي استمد منها معالم هذا المشروع، وهي على نوعين:

الأول: الوحي قرآنا وسنة وسيرة:

هنا عمل الأستاذ فريد رحمه الله تعالى منذ فترة مبكرة من مساره العلمي والدعوي على تأصيل المسألة التربوية والبحث عن أصولها الشرعية كما هي مبثوثة في كلمات القرآن وبلاغاته وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته التي هي التطبيق العملي والفعلي والواقعي للوحي ويمكن تلمس هذا التأصيل الشرعي في كتاب "التوحيد والوساطة في التربية الدعوية"(1995) إذ بين أن التربية هي: «تعهد الفرد المسلم بالتكوين المنتظم، بما يرقيه، في مراتب التدين، تصورا وممارسة»(6)، وذلك بتوظيف «كل ما يساعد على فهم الإسلام وحسن تنزيله تربويا في حياة الفرد والجماعة» (7)، أو «كل ما يساعد على تمثل الإسلام في الحياة البشرية روحيا وعلميا ونفسيا واجتماعيا» (8)، ولما كانت التربية تربية إسلامية فلابد أن تقوم على مصدرية شرعية هي يعتبر التوحيد قطب رحاها و«تقوم في مادتها التربوية على النصوص الشرعية :نصوص الكتاب والسنة» (9) والتطبيق الفعلي لهذه التربية «ليس له من وجود إلا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته لأن الرسول إنما كان مربي هذه الأمة يبلغ رسالة الإسلام التربوية» (10)، فالمدرسة النبوية نموذج التربية التوحيدية القرآنية التي كانت تتميز بخصائص متميزة منها اعتمادها في التربية على مصدرية القرآن ثم تعميق الاتجاه التوحيدي وربط المتربي بالله وحده من خلال القرآن الكريم نفسه ثم اعتماد منهج التكوين دون منهج التلقين وتسعى إلى الكشف على مواهب الصحابة وخصائصهم ومختلف قدراتهم ومراعاتها وتنميتها.

ونظرا لهذه الأهمية المصدرية الكبرى للقرآن الكريم تعالت صيحات فريد رحمه الله تعالى في الأمة من خلال كتبه وخطبه ومحاضراته الأكاديمية بضرورة العودة للكتاب «كلمات الله وبلاغاته» والسنة «بيانات الرسول»، من أجل تجديد الدين (الفهم) وتجديد التدين وإعادة بعثة الأمة بعثة بالمنهج الفطري فيقول: «فإلى القرآن والسنة أحبتنا الكرام، نستمد منهما تصوراتنا، ومناهجنا، وبرامجنا، في التربية، والتكوين، والإعداد والتوجيه، والترشيد، عسى أن يبارك الله خطواتنا، فتثمر بإذنه عز وجل ما نرجوه من خير لهذه الأمة، الممزقة مرتين! مرة بيد المفسدين، وأخرى بيد المصلحين، مع الأسف الشديد! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!»(11).

الثاني: التجربة الاجتهادية للعلماء الربانيين ورثة الأنبياء عبر تاريخ الأمة:

في سبيل تأسيس مشروع تربوي وتجديدي راشد وسليم لم يكتف الأستاذ فريد بالوحي القرآني وبالتجربة النبوية المعصومة والمسددة ـ وإن كان قد توقف عندهما كثيرا وجعلهما المنطلق والأساس ـ وإنما مال إلى التجربة التاريخية لمشاريع تربوية راشدة سارت على منهج النبوة ابتداء من عصر الصحابة والخلفاء الراشدين والتابعين وتابعيهم من الأئمة الأعلام الراسخين في العلم والهدى إلى يومنا، مال إلى هذه التجارب التربوية والإصلاحية والتجديدية يستلهم منها معالم الرشد والتجديد ويبرز من خلالها استمرار الدين وعوامله لأن إحياء الأمة وتجديد الدين بعد النبوة موكول للعلماء الربانيين لذلك تجده واعيا بهذا الأمر عندما يقول: «منهج بناء الأمة كما كان على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يكون على يد وُرَّاثِه من الدعاة المجددين والعلماء المصلحين»(12)؛ وقد كانت قراءته للتاريخ قراءة تربوية واعية وقاصدة تستهدف الكشف عن مواطن الرشد فيها مثل قراءته لوصية الباجي لولديه والتي كانت ملهمته لكتابة كتاب: «مفهوم العالمية من الكتاب إلى الربانية» لاقتراح ما يلزم لعصرنا من فلسفة التربية وبرامجها ومقرراتها وأهدافها وقد كان الأنصاري رحمه ينظر بإعجاب كبير للباجي لأنه «عالم عظيم ذو باع طويل وتجربة عميقة في مجال طلب العلم وتعليمه، والاشتغال به؛ تربية وتزكية ونشرا وتجديدا في ظروف شتى من العسر واليسر والخوف والأمن والسفر والحضر»(13). وبنفس المنهج قرأ تراث الشاطبي الأصولي والمقاصدي، ولاح له أن الشاطبي لم يكن مجددا في المصطلح الأصولي والمقاصدي إلا لأنه مجدد ومصلح ورجل تربية بالدرجة الأولى لذلك عقد في أطروحته فصلا لطيفا وهو المتعلق ب«إصلاحية التجديد المصطلحي عند الشاطبي»، بين فيه أن المقصد من التجديد المصطلحي عند الشاطبي هو مقصد إصلاحي تربوي، وأن اهتمام الشاطبي بعلم الأصول لم يكن اهتماما بالعلم لذاته دون العمل ولا بالنظر دون التطبيق ولا بالمفهوم دون التربية والتخلق، ألم يقل فريد في حق الشاطبي: «إن القصد التربوي الإصلاحي كان حاضرا عند كل لمسة تجديدية للشاطبي في المصطلح الأصولي بل لقد كان كتاب المقاصد كله في الإصلاح التربوي امتدت فروعها إلى سائر الأبواب الأصولية الأخرى؛ لأن فكر أبي إسحاق الشاطبي إنما بني على ذلك الأساس(التربوي والإصلاحي)» ؟! (14).

ولذلك فإذا كان «المصطلح هو العلم» (14م) وكان العلم هو «التربية والأخلاق»(15)، والربانية والإصلاح والتجديد فإن المصطلح هو التربية والأخلاق أو «التعبد والامتثال»(16)، وهذا ليس غريبا ذالك أن المصطلح هو الخلفية النظرية والموجه الفكري والتصوري لسلوك الإنسان، ومن ثم كان الاهتمام بالمصطلح أيا كان وفي أي مجال علمي كان إنما هو في جوهره اهتمام بالعمق التربوي وبصلب القضايا التربوية ومنطلقاتها الحقيقة؛ إذ لا تربية ولا تجديد ولا إصلاح إلا بإصلاح المفاهيم والتصورات تصحيحا ينطلق من المنهج القرآني في تناول المصطلحات والمفاهيم وقضاياها والتربية بها وعليها، وليس اختلاف الناس في سلوكاتهم إلا اختلافا مظهريا يخفي وراءه اختلافا جوهريا هو الاختلاف في المفاهيم والمصطلحات النظرية، فوجب علاج الأمر من أصله.

وعموما فإن أبا أيوب الأنصاري رحمه الله تعالى كان يقرأ التاريخ بوعي ديني وحس تربوي وهم دعوي إصلاحي تجديدي يتلمسه في التجارب الإحيائية للعلماء الربانيين والدعاة والمجددين المخلصين وسيرهم «من أمثال الحسن البصري.. وعبد الله بن المبارك، والفضيل بن عياض، وسعيد بن جبير، وشعبة بن الحجاج، وفقهاء المدينة السبعة.. هؤلاء الذين شكلوا مرجع الفقه المالكي، وأساس(عمل أهل المدينة)، لدى الإمام مالك، وكذا الإمام الزهري، وربيعة الرأي، ويحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن معين، مرورا بأئمة الفقه الكبار، وعلماء الأمصار كالإمام أبى حنيفة النعمان، والإمام مالك بن أنس، والإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل، والإمام الليث بن سعد، والإمام الأوزاعي، والإمام الطبري... ثم جاء بعد ذلك الأئمة الذين حملوا لواء الإصلاح، على الصعيدين العلمي والاجتماعي، كالإمام أبي حامد الغزالي (ت:505هـ)، والإمام عبد الرحمن بن الجوزي (ت:596هـ)، وسلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام (ت:660هـ) إلى مجدد القرن الثامن الهجري في المشرق، تقي الدين أحمد بن تيمية(ت:728هـ)، الذي ما زالت تجربته التاريخية وكتبه تشكل إلهاما نموذجيا لحركة التجديد الديني في العصر الحاضر، ويلحق به تلميذه المشهور الإمام ابن القيم رحمهم الله أجمعين.

ثم مجدد القرن الثامن في المغرب، إمام غرناطة الشهير أبو إسحاق الشاطبي، صاحب الموافقات والاعتصام (ت:790هـ)، الذي شكل هو أيضا منعطفا تاريخيا مهما جدا في تاريخ الإصلاح العلمي والاجتماعي في الإسلام... ثم جاء بعد ذلك الإمام السيوطي، وغيره كثير...إلخ ... ومن الإمام محمد بن عبد الوهاب المتوفى:(1206هـ)، إلى الإمام جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، ومحب الدين الخطيب، والإمام حسن البنا، ومحمد إلياس الكاندهلوي بالهند، والأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي بتركيا...إلخ. رغم اختلاف التوجهات والاجتهادات والمظاهر والتجليات، ومستويات الوعي الديني بين هذا وذاك. ثم ما تفرع عن هؤلاء وأولئك، من حركات تجديدية بهذه الصيغة أو تلك، عبر مختلف دول العالم الإسلامي(17).

إن هذه السلسلة الذهبية من المربين والعلماء الربانيين في مختلف مراحل تاريخ الأمة المتموج هي التي وقف عندها فقيهنا الأنصاري رحمه الله واستجلى من تجاربها دروسا في تجديد الفهم للدين وتجديد الدعوة إليه وإحياء بعثة التجديد المقبلة على منهج الفطرية في التلقي والفهم والتبليغ والتربية وإصلاح المجتمع، فقد كان رحمه الله يرى في هؤلاء «نموذج العالم الرباني الحكيم المربي» كما كان يعتقد «أن المطلوب اليوم إنتاج الوفرة من هذا النموذج، وفرة تزيد ولا تنقص، وإن حاجة الأمة إلى العلماء من هذا النوع هو بعدد حاجتها إلى الأطباء قوة ووفرة»(18).

فروع الامتداد

مما سبق يتبين أن الخطاب التربوي للأستاذ فريد عبارة عن مشروع إصلاحي شامل، متعدد الجوانب ومتكامل العناصر، ومتناسق في أهدافه فهو لا ينصب على الجانب الخلقي فقط كما يعتقد كثير من الناس ممن يقصرون التربية على جانبها الخلقي إذ «من الخطأ قصر التربية على جانب التزكية الروحية دون سواها أو العكس»(19) بل هي كل متكامل ومعقد مما يمس «الحياة البشرية روحيا وعلميا ونفسيا واجتماعيا ورياضيا...الخ»(20)، وهكذا يمكن القول إن هذا الخطاب التربوي تمتد فروعه لتمس جميع مكونات الذات ومكونات البناء الاجتماعي لأن ذلك نسيج كلي متداخل ومتكامل، ومن أبرز تلك الفروع: فقه الدين وفقه الدعوة وفقه الواقع وفقه التنزيل، وسأكتفي هنا ببيان الجانب المتعلق بفقه الدين والواقع أساسا لأنهما عليهما المدار والآخران يرجعان في بعض صورهما إليهما، ففقه الدعوة يمكن عده من فقه الدين أما فقه التنزيل فهو اجتهاد تحقيق المناط وهو لا يتصور إلا بتحقيق الأفقاه الثلاثة الأولى.

أ- فقه الدين:

إن واحدة من واجهات التربية المهمة في إطارها الإسلامي هو تجديد الفهم للدين، وتصحيح التصور في المفاهيم الكبرى والقضايا المركزية في الدين الواردة في كلمات الله (القرآن الكريم)، وبيانات الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقد عمل فيه الأستاذ فريد على تجديد منهج فهم الدين والعلم ومفهوم العالم، وقد تجلى عمله في دراسته العلمي في الدراسات المصطلحية وفي عمله في كتاب «مفهوم العالمية من الكتاب إلى الربانية» وكتابه «أبجديات البحث في العلوم الشرعية» حيث سعى في كل ذلك إلى إبراز المقصود من تجديد الدين ورسم المعالم الرئيسية والخطوات الكبرى والضوابط الكلية لذلك، وفي هذا السياق نشير إلى أن الأستاذ فريد ـ على غرار أستاذه الدكتور الشاهد البوشيخي ـ يعتبر أن أكبر معضلة تواجه الأمة هي معضلة المنهج، وانطلاقا من ذلك اعتبر الدكتور فريد أن منطلق التجديد في فهم الدين وفقهه وتجديد علومه هي تجديد مناهجها في التعامل مع الدين قرآنا وسنة وأن «فقه النصوص يساوي المنهج في التعامل مع تلك النصوص»(21)، وما دام الأمر كذلك «فنحن في حاجة إلى تجديد قضايا العلم، نعم، ولكننا في حاجة أشد إلى تجديد مناهجه، وإنما قضاياه تبع لمناهجه» ولذلك تراه يقرر في يقين أن «تجديد المناهج هو الكفيل بتأطير بعثة التجديد وإسنادها على المستوى العلمي»(22)، وهو إلى جانب هذا انتقد بعض مناهج النظر في التراث الإسلامي خاصة في: علم الكلام بضرورة تخليصه من الطابع الجدلي الذي هيمن عليه وربطه بالتزكية والتخلق(23)؛ لأن ذلك هو القصد من التوحيد وأصول الإيمان، وفي الفقه على أساس تخليصه من التقليد وربطه بالأصول ثم بعمقه المقاصدي(24)، وليس التجديد مقصورا على هذين العلمين بقدر يراه ممتدا إلى سائر العلوم الشرعية وعلوم القرآن والسنة وفقه اللسان وفقه الواقع(24م)، وغيرها مما يدخل في كل ما يخدم عملية حسن فهم الدين وتجديده والحكمة في تنزيله.

ب- فقه الواقع:

يجعل الأستاذ فريد فقه الواقع «جزءا من فقه الدين» وينظر إليه بصفته الجزئية التي تنضبط بضابط الكلي ويأخذ حجمه من غير تضخيم «وهو شرط صحة الإفتاء» (25) وقد عبر عنه القدماء بفقه تحقيق المناط، ويسميه المحدثون بفقه الواقع (26) أو «أصول الفقه السياسي»(27) والتربية الإسلامية في هذا المجال تقوم على العناية به من حيث مراعاة مرتبته التي لا تتعدى كونه جزءا من كل، مع الاجتهاد في وضع قواعد وضوابط كلية تؤسس لمنهج معرفة سنن التحولات وسنن التوقعات والمآلات فيما يتعلق بتدبير شؤون المجتمعات على المستوى المحلي والدولي، لذلك كان فقه الواقع «ضرورة من ضرورات الاجتهاد المعاصر، ولا يجوز لعالم أن يتصدى للإفتاء في الشأن الإسلامي العام المرتبط بمصائر الشعوب الإسلامية، وأمنها الاستراتيجي، المادي والمعنوي، إلا بتحصيل درجة الاجتهاد فيه» (28) على موازين الكتاب والسنة، ويرى الأستاذ رحمه الله أن مجالات فقه الواقع ترجع إلى أربعة أسس، وهي التعليم والإعلام والاقتصاد والسياسة؛ وهي التي تشكل قوى العمران البشري المتحكمة في نسيجه الاجتماعي العام(29)، فلابد من السيطرة على الواقع لأن من سيطر على الواقع تمكن من صنع الواقع ومن سيطر عليه الواقع صنعه وتحكم فيه، وصار منفعلا وليس فاعلا كما أراد الإسلام من المسلمين.

الجانب التطبيقي والعملي

لم يترك الأنصاري رحمه الله آراءه التربوية مجرد أفكار ولا نظريات وإنما حاول تنزيلها بنفسه وممارستها في واقعه بما استطاع من قوة الكلمة والبيان والعمل والتدريس والوعظ والإرشاد ومجالس تدارس القرآن ومدارسته، وقد خصص بعض كتبه لبيان كيفية تنزيل وتطبيق ما دعا إليه كما هو الحال في كتاب «مجالس القرآن من التلقي إلى التزكية» الذي يمكن اعتباره دليلا عمليا لكيفية الدعوة والتربية بأصولها التي بينها في كتاب «التوحيد والوساطة» وفي غيره من الكتب العلمية، وفي كتاب «الفطرية» وكتاب «بلاغ الرسالة القرآنية» وكتاب «مفهوم العالمية» و«كتاب ميثاق العهد»، وقبل ذلك كله كتاب «أبجديات البحث».

ولعل هذا الجانب التطبيقي يمكن عده من فقه التنزيل إلى جانب نقده للممارسات السياسية لدى بعض العاملين في الحقل الدعوي السياسي كما هو الحال في كتابي «البيان الدعوي» و«الأخطاء الستة» اللذين يمكن عدهما اجتهادا تنزيليا اختص به نظر فريد بعدما استحكم في فقه الدين والدعوة والواقع فبدا له خوض تجربة الاجتهاد على بصيرة بأدواته وطرائقه وشرائطه في فقه التنزيل بعد ذك.

ثانيا:الجانب الهدمي

ويتعلق الأمر بنقد المسالك والمناهج التربوية المنحرفة لدى المسلمين قديما وحديثا وتجلى ذلك في:

أ- نقد المسلك التربوي الوساطي

وتجلى هذا في كتاب «التوحيد والوساطة» فقد كان هذا الكتاب مزدوج القصد يجمع بين البناء والهدم، وقد سبق عرض جانبه البنائي وبقي القول في جانبه الهدمي إذ لم يكن بيان المنهج التوحيدي كافيا من غير نقد مسالك التربية المنحرفة، والتي عبر عنها فريد بالتربية الوساطية القائمة على وجود الوسيط المربي بين العباد وبين المصادر الشرعية الأصلية، ومن أكبر تجلياتها التربية الصوفية التي تقوم على وساطة الشيخ وتقديس أفكاره وجعلها وسيلة لفهم الدين أو هي الفهم السليم للدين، والوساطة الفكرية التي تقوم على تقديس مفكر بعينه مفسرا أو متكلما أو فقيها أو مفكرا معاصرا أو داعية معينا.

وقد كان لشيوع التربية الوساطية آثاره الوخيمة والخطيرة في شيوع الجمود والتقليد والتعصب، وكان عملا مساعدا على التراجع الحضاري وتغييب الأمة عن الإمامة والشهادة على الناس، وكان سببا قويا في المساعدة على إضعاف جهاز المناعة في مقاومة كل مظاهر الفجور السياسي الطبيعي والمصنوع والخلافات المقيتة!!

ب- نقد المسلك التربوي التجزيئي والتضخيمي

إن بناء تصور تربوي سليم لا يجد له مكانة وقبولا ما لم يتم نقد التوجهات التربوية التي سادت الدعوة الإسلامية المعاصرة من قبيل التجزيء والتضخيم الفقهي أو الروحي أو الفكري أو السياسي، فليس أخطر على الإسلام من تحزيبه وتقزيمه في شكل مذاهب أو أحزاب وبرامج سياسية أو غير ذلك، وليس أضر بالإسلام من تضخيم الجزء أكثر من الكل لذلك لاحظ أن «من أخطر أخطاء العمل الإسلامي المعاصر الوقوع في شَرَك تحزيب الإسلام!» (30) ذلك أن علاقة السياسي بالديني في الإسلام ..«هي علاقة الجزئي بالكلي؛ وإذن فإن تدبير الكلي الديني من خلال الجزئي السياسي هو قلب للميزان، وتشويه للعمل الدعوي، بل تحريف له وتضليل!(30م)، لأن العمل السياسي ليس أصلا من أصول الدين ولا التدين، وليس هو ـ بناء على ذلك ـ أصلا من أصول الدعوة، وإنما هو وسيلة تابعة، وفرع خادم، وآلة استبصار مهمة، بل ضرورية؛ لتحقيق مناطات العمل الدعوي»(31).

ج- نقد المسلك التربوي التعليمي الرسمي التغريبي

إن مما يتعلق بالتربية والتعليم الإسلاميين ضرورة الوعي بالمخططات التربوية والتعليمية التغريبية التي دخلت الأمة مع الاستعمار والتيارات العلمانية بعده والتي كان من أهدافها الكبرى القضاء على الإسلام وعلى مؤسساته التوجيهية الضامنة لاستمرار التدين في المجتمع، «ولعل أهم ما يمكن رصده في المجالين التعليمي والثقافي ـ كما يقول فريد ـ هو سيطرة الفرنكوفونية على الوضع مطلقا! فالتعليم لم يستطع التخلص من عقدة اللغة الفرنسية»(32)، ف«اللغة الفرنسية ياسادتي! ليست لغة وكفى. إنها نوع خاص من الثقافة، إنها ثقافة العهارة!»(33).

فضلا عن هذا فبرامج التعليم بمضامينها وأهداف ذات طابع علماني تظل قاصرة عن تخريج العلماء الربانيين والدعاة المخلصين، كما أن غياب التربية المنهجية في البحث العلمي أدى إلى وجود ثلمات كبيرة في هذا الجانب طالما علا صوت الأستاذ الأنصاري في التنبيه على خطورتها في حال استمرارها.

د- نقد واقع الدراسات الإسلامية بالجامعات

حمل الأستاذ فريد منذ فترة مبكرة هم الدراسات الإسلامية وأقلقه واقع التعليم الجامعي عموما وواقع الدراسات الإسلامية خصوصا بسبب ما تعانيه الجامعات الإسلامية والمعاهد الشرعية عبر أقطار العالم الإسلامي ـ إلا قليلا ـ من أزمة ما سمي «بقضية التحديث أو إصلاح برامج التعليم» ومن أجل ذلك فقد «تدرجت (هذه الجامعات) ـ مع الأسف ـ من الأعلى إلى الأدنى عبر فترات ومراحل متتاليات»(34)؛ وهذا الوعي بهذا الواقع العقيم هو ما دعا فريد إلى تأليف كتابه في أبجديات البحث ومفهوم العالمية ومفهوم الفطرية وكذلك البيان الدعوي وغيرها من الكتب التي ضمنها هذا الهاجس بالأصالة أو بالتبع والعرض.

وأخيرا يظهر مما سبق أن هذا المقال لا يمكن أن يدعي الإحاطة بجميع جوانب مشروع رجل عالم قرآني وباحث أكاديمي ومرب صاحب رسالة شغلت كل لحظات حياته ولكن يكفي هذا المقال أن ينبه ـ من باب الإنصاف ـ إلى أهمية مشروع التربية القرآنية في نهضة الأمة وتجديد مسارها وتأسيس لبنات الانطلاق الرصين، وحسبنا أن نقول في هذه الخاتمة إن الأستاذ فريدا ـ رحمه الله ـ حمل في صدره هموم الأمة المسلمة وهموم التربية الإسلامية بمفهومها القرآني وتطبيقاتها النبوية وفي تجلياتها المختلفة، وفي مقاصدها العمرانية الحقيقية.

وقد كان وسط سجف الظلام الكثيف المحدق بالأمة ينسج خيوط عمل مضن وجاد وواعد، ومركب ينهض أولا ببناء التصور الإسلامي لمفاهيم التربية والدعوة والتجديد والإحياء وإبراز آلياته ووسائله وخططه العامة والعملية، وينهض ثانيا بتحليل غبار الواقع وسبر أغواره من أجل الاقتدار على بيان مختلف الأخطاء التي شابت واقع العمل الإسلامي من جهة، ثم تحليل والكشف عن الخيوط الخارجية المحدقة بهذا العمل، نصحا لله ولدينه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم؛ وإنك لتقرأ للرجل أفكاره التربوية فتجده عالما ربانيا وباحثا أصوليا ومصطلحيا بارزا وفقيها سياسيا ضليعا وأديبا رساليا ومصلحا اجتماعيا وناصحا أمينا وحكيما، وكان يجمع بين جوانحه النظر المستبصر بالقرآن وهداياته، والنظر الثاقب للماضي والعقل الفاحص للواقع والقلب المستشرف للمستقبل على بصيرة ويقين.

لله درك من مرب فريد، فهل تجود الدنيا بمثلك أم أن الفريد فريد وكفى؟!.

الهوامش:

1) التوحيد والوساطة1.

(2) نفسه1/33.

(3) نفسه1/33.

(4) مفهوم العالمية ص4.

(5) الفطرية5إلى8 بتصرف.

(6) التوحيد والوساطة ج 1 ص35.

(7) التوحيد والوساطة ج 1/ ص36.

(8) التوحيد والوساطة ج1 ص37.

(9) التوحيدوالوساطةج1 ص44.

(10) التوحيدوالوساطةج1 ص55.

(11) التوحيدوالوساطةج2/خاتمة.

(12) البيان الدعوي ص 5.

(13) مفهوم العالمية/ ص14.

(14) المصطلح الأصولي/ص112.

(14م) ( المصطلح الأصولي عند الشاطبي، ص11).

(15) مفهوم العالمية، ص 7.

(16) المصطلح الأصولي، ص15.

(17) البيان الدعوي ص 31-32- 33) (الفطرية ص 66إلى ص 70) والتوحيد والوساطة ج2 عرض فيه لنماذج عديدة تمثل نموذج التربية التوحيدية قديما وحديثا.

(18) الفجور السياسي ص78.

(19) التوحيد والوساطة/ ج1 ص27.

(20) التوحيد والوساطة / ج1 ص27.

(21) مفهوم العالمية ص68.

(22) الفطرية ص219.

(23) مفهوم العالمية ص 69إلى74.

(24) الفطرية ص220وما بعدها و224 وما بعدها.

(24م) مفهوم العالمية: الفصل الثالث، والفطرية الفصل الثالث أيضا وأبجديات البحث.

(25) مفهوم العالمية ص81.

(26) مفهوم العالمية ص.81

(27) مفهوم العالمية ص81 والفطرية228 وما بعدها.

(28) الفطرية228

(29) الفطرية ص41.

(30) البيان الدعوي ص 153.

(30م) البيان الدعوي ص8.

(31) البيان الدعوي ص 168.

(32) الفجور السياسي/ ص47.

(33) الفجور السياسي / ص48.

(34) مفهوم العالمية ص6

 
د. الطيب بن المختار الوزاني
تاريخ النشر:2010-01-15 الساعة 11:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 3553
مرات الطباعة: 1032
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan