الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » قضايا فكرية » وجهات نظر

شخصنة الفكرة وفكرة الشخصنة

أ. حازم علي ماهر

 

حين نتأمل حال الأفكار في عالمنا الإسلامي نجدها تحولت -أو كادت- من مصدر للقوة والنهوض إلى مصدر للشقاق والجمود، رغم أننا نمتلك أفكارا تمثل المرجعية الهادية للبشرية، ولكن يبدو أن منهج تعاملنا مع هذه الأفكار يعاني من أزمات أدت إلى هذا التحول البغيض.

من أجل هذا بات من المهم أن نتأمل في أحوالنا الفكرية وننظر إليها نظرة شاملة نراجع فيها خطواتنا ومناهجنا عن طريق إلقاء الضوء على بعض المشكلات التي تعانيها في عالمنا الإسلامي، حيث نبدأ ببحث مشكلة فكرية حقيقية وهي مشكلة "الشخصنة، شخصنة الفكرة"، فما حقيقة تلك المشكلة؟ وما أهم مظاهرها في عالمنا الإسلامي؟ وما مدى مساهمتها في تحويل خلافاتنا الفكرية الموضوعية إلى معارك شخصية؟ وهل من ضرورة أو فائدة تعود علينا من وجود شخص تتجسد فيه أفكارنا أم أن هذا يؤدي إلى مخاطر تجعلنا نتمهل في قبول هذه المسألة؟ وما موقف المرجعية الإسلامية من شخصنة الأفكار؟ وما الأسباب التي أدت إلى شخصنة الفكرة في بلادنا على الوجه الذي نلمسه جميعًا؟ وهل من سبيل لمعالجة حاسمة لتلك المشكلة؟

هذه بعض الأسئلة والإشكالات سنحاول أن نناقشها.. آملين أن نسهم في تقديم ما يساعد على إثارة الانتباه وشحذ الجهود للتخلص من هذا الداء الذي يمثل تحديا كبيرا يواجه الوحدة الفكرية المنشودة بين أطياف الأمة المختلفة.

شخصنة الفكرة.. المصطلح والمفهوم

نقصد بشخصنة الفكرة تحويلها من فكرة مجردة إلى فكرة مجسدة تتمحور في شخص معين، سواء سلبًا أو إيجابًا، أو ربط الفكرة بأمور شخصية خارجة عن موضوعها ومنهجيتها وأصولها وأدلتها، كالعواطف الإنسانية والمصالح السياسية والرؤى المذهبية.

وقد عرف المعجم الوسيط(1) الفكرة بأنها "الفكر والصورة الذهنية لأمر ما"؛ فهي بطبيعتها أمر معنوي مجرد لا ترتبط بشخص أو بشيء خارجها إلا على النحو الذي يساعد على فهمها أو تفسيرها لا أكثر ولا أقل، فإذا اتصلت الفكرة بعالم الأشخاص أو بعالم الأشياء فهي لا تنتج -في الغالب- حضارة حقيقية إلا إذا ظلت منفصلة في الوعي عن الأشخاص، لا تموت بموتهم، ولا تتقلب مع تقلباتهم، وتبقى هي الحكم عليهم والميزان الذي توزن به أعمالهم.

ومؤدى هذا أن تجسيد الفكرة في شخص ما لا يعني بالضرورة وجود خطورة على الفكرة وتجريدها، بل قد يكون في تجسيدها إضافة قوية لها باعتبار أن حاملها يقوم مقام القدوة التي تؤكد على إمكانية تطبيق الفكرة وتحققها، إلا أن الخطورة تحدث حين يتم التبادل في ذهن الناس بين الفكرة المجردة والشخص الذي تجسدت فيه فتصبح الفكرة طوع تصرفات الإنسان، تُعرف به وتنتهي بتخليه عنها أو بموته، عندئذ تحدث المشكلة محل النقاش.

وشخصنة الفكرة قد تتحقق بربطها بشخص طبيعي (إنسان)، أو بشخص معنوي (حركة، جماعة، حزب، مؤسسة، شعب، عِرق... إلخ)، ولا يُشترط أن يكون الشخص الطبيعي -الذي تتمحور حوله الفكرة- حيا، أو أن يكون الشخص المعنوي موجودًا بل على العكس من ذلك، فقد يكون موت الإنسان، خاصة استشهاده، سببًا في تقديس أفكاره وجعله معيارا عليها، ويعتبر المخالف لرأيه فيها أو لمنهجه بشأنها خارجًا على الفكر الصحيح نفسه، وكارهًا بل محاربًا لهذا الإنسان، أو عكس ذلك كله إذا كان صاحب الفكرة من المغضوب عليهم أو الضالين -في نظر المشخصين- فتُحتقَر أو تُبخَس أفكاره الغث منها والثمين!.

مظاهر الشخصنة

يجب علينا أولا أن نؤكد على حقيقة بالغة الأهمية في الموضوع الذي نحن بصدده، ألا وهي أن مرض "شخصنة الفكرة" ليس مرتبطًا بعالم المسلمين وحده، بل هو مرض يعاني منه الناس في العالم أجمع ولكن بنسب متفاوتة، فالغرب- على سبيل المثال- يعاني من أنه يجعل من نفسه محور الكون ومركزه، وأن الحكمة متجسدة في الرجل الأبيض وحده، وأن أفكاره معيارية بالنسبة لما ينتجه العالم كله من أفكار، بل إن الآخر نفسه لا يعتبر موجودًا إلا إذا اكتشفه الغربيون!.

ومن نماذج الشخصنة كذلك خارج العالم الإسلامي ما يتعلق برؤية اليهود لأنفسهم على أنهم شعب الله المختار، وزعمهم أن الله سبحانه قد فضلهم على العالمين واختارهم ليكونوا أصفياءه من دون خلقه، لا لصفات موضوعية فيهم ولكن لذواتهم، ولهذا فلم يروا إلا أنفسهم )وقالوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ( (آل عمران: 75) فحرموا الظلم وسوء الخُلق بينهم فقط وأحلّوه في تعاملهم مع غيرهم، فربطوا القيم بذواتهم ومصالحهم وكأنهم هم المعيار عليها!.

أما عن عالمنا الإسلامي فعلى الرغم من تميزه عما عداه فإنه يئن هو الآخر تحت وطأة الشخصنة، ونورد هنا بعض أعراض هذا الداء الدفين الذي لم يسلم منه كثير من المسلمين:

1- الجمود على الموجود وتسييد التقليد:

فالربط بين أخلاق الأولين وتقواهم وبين ما توصلوا إليه من أفكار من أعظم الأسباب وراء التهيب من مخالفتهم في الأفكار التي انتهوا إليها حتى لو كان الأولون أنفسهم قد بدلوا فيها في حياتهم ونهوا عن تقليدهم، ولو علم المقلدون والداعون إلى التقليد أن الأفكار ليست وليدة البر والتقوى(2) والتقارب الزمني من عصر النبي r فقط، بل هي نتاج عوامل كثيرة تختلف باختلافها وتتأثر بوجودها، ومنها الظروف والأحوال والأشخاص والأزمنة والأمكنة... إلخ، ولو أدركوا أن الأولين على عظم قدرهم يخطئون ويصيبون لأنهم ليسوا معصومين لعلموا أن في تقديس أفكارهم وشخصنتها ظلم لأنفسهم بل ولأصحابها لأنهم ما كانوا ليرضوا أن توضع أفكارهم في غير الموضع الذي أرادوا، أو أن يتسبب التمحور حول أفكارهم في فوات تحقيق مصالح المسلمين بعد أن كانوا ينشدون منها تحقيق تلك المصالح في الدنيا والآخرة فيما لا يخالف نصوص الشريعة ومقاصدها.

2- تحويل خلافاتنا الفكرية إلى معارك شخصية:

فجعل الفكرة مرتبطة بالأشخاص يحول الحوار الموضوعي حول الفكرة إلى سجال شخصي قد يتحول إلى معارك شخصية تستخدم فيها أسلحة التدمير الشامل لمعنويات المختلفين، وتكفي نظرة واحدة إلى عدد من البرامج الحوارية في بعض القنوات الفضائية لنعرف مدى ما وصلنا إليه من انحدار في كيفية إدارة الحوار حتى لا يكاد ينتهي الحوار الهادئ إلا وقد تعارك المتحاورون بالأيدي قبل الألسنة، وقد حدث قريبًا أن اختلف بعض علماء المسلمين ومفكريهم حول قضية فكرية معينة بشكل علني، لأنهم غالبًا ما يختلفون في الأماكن المغلقة بشكل موضوعي لا يؤثر على علاقاتهم الودية فيما بينهم، فما كان من تلامذة وأتباع هؤلاء وأولئك إلا أن حولوا الاختلاف الفكري الموضوعي إلى خلاف شخصي، وهاجم كل منهم الآخر، وأخذ يشكك فيه وفي أغراضه، وصوره على أنه عميل لهذه الدولة أو تلك، أو أنه من المؤلفة قلوبهم، متناسين أن أولئك العلماء والمفكرين المختلفين أصحاب تاريخ نقي شامخ قضوه في خدمة دينهم وأمتهم، وأنهم حتى لو أخطأوا في موقفهم في تلك القضية فهي زلة العالم أو كبوة الجواد.

3- جعل الفكرة المشخصنة لا الحكمة المجردة كأنها ضالة المؤمن:

فعلى الرغم من أن ديننا الحنيف أمرنا بأن نتبع الحكمة المجردة من أي مصدر جاءت (الكلمة الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها) (الترمذي)، فإننا بتجسيد هذه الفكرة جعلناها ضالتنا، ففكرة الإصلاح -على سبيل المثال- شخصنّاها، وبتنا ننتظر المهدي المنتظر، وصلاح الدين الأيوبي، ومجدد القرن... وانشغلنا بالأشخاص عن القيمة نفسها، وبالأماني عن العمل، وبالتقليد عن الإبداع، وبالقعود والانتظار عن الجهاد، وأصبح الإصلاح المشخصن ضالتنا.

والأمر نفسه بالنسبة للفساد فأصبح هو الآخر ينحصر في شخص الحاكم أيا كان، وظن البعض أن طريق القضاء على الفساد يكمن في التخلص من الحاكم، فأصبح التخلص منه في ظنهم وكأنه ضالة المؤمن، وقد وقع بالفعل أن قام ثلة من هؤلاء باغتيال أحد الحكام للسبب نفسه، ففوجئوا أن الفساد من بعده زاد واستشرى.

4- غياب الفكر المؤسسي:

فشخصنة الفكر أودت بنا إلى فكر الشخصنة، فأصبحت الشخصنة سمة أساسية، ليس في فكرنا وحده، بل في حياتنا العملية كذلك، فغاب الفكر المؤسسي، وكادت تنعدم مؤسسة الفكر، فماتت أفكار بموت أصحابها، وتبعثرت جهودنا العلمية والفكرية لعدم وجود مؤسسات تقوم بالرعاية والإشراف عليها، وإذا وجدت المؤسسات تشخصنت قيادتها، وتشخصنت معايير الالتحاق بها حتى بات المعيّنون فيها من أهل الثقة والقرابة لا من أهل القدرة والكفاءة والأمانة، وإذا تغير القائد أو المدير تغيرت كل السياسات والأفكار بل وتغير الأشخاص، حتى وصلنا إلى "شخصنة الدولة" نفسها، على حد تعبير المستشار طارق البشري.

مخاطر الشخصنة

شخصنة الفكرة تضعف الفكرة نفسها وتعيق الوصول للحق والحقيقة، وتضعف المشُخِّصِين، وذلك على التفصيل الآتي:

أ - بالنسبة لإضعاف الفكرة لم يكن مالك بن نبي مبالغًا حين ذكر -في كتابه "الصراع الفكري في البلاد المستعمرة"- الفارق بين الفكرة المجسدة والفكرة المجردة، وأكد ضعف الأولى وهوانها إلى أن تتجرد، وقوة الثانية ما لم تتشخصن، فأشار إلى أن الاستعمار (وشقيقه الاستبداد) يسهل عليه القضاء على الفكرة المجسدة عن طريق استعمال القوة ضد صاحبها أو إغوائه، على عكس المجردة التي يجد صعوبة هائلة في القضاء عليها، فيحاول شخصنتها من جديد حتى يتمكن من التخلص منها أو تشويهها.

والشخصنة تعوق إثراء الفكرة في جو طبيعي تتلاقح فيه الأفكار وتتبادل فيه الآراء، كما تحجب عنها الاجتهاد الموضوعي الذي يطرحها طرحًا يركز على المحتوى والمضمون، فتقع في أسر الشكلية والتقليد الذي يجمدها أو يبتعد بها عن مقاصدها أو قيمها مما يؤدي بها إلى أن تمسي أفكارا ميتة لا حياة فيها، أو تبقى شعارا تنطق به الألسنة دون أن تغوص في القلب أو تُصدَّق في الواقع، وإن غاصت أو صُدِّقَت فإنها تكون كالقطار الذي ينطلق بسرعة ولكن بعيدًا عن قضبانه أو عن هدفه الذي يرنو إليه فينطلق إلى حتفه.

ب- بخصوص المشخِّصِين فإنهم ينقسمون إلى طائفتين:

أولاً: الشخصنة بالتقديس

فالذين تتمحور حولهم الفكرة قد ينخدعون ويظنون أنهم ما داموا أبدعوا الفكرة أو لفتوا النظر إليها فقد باتوا أوصياء عليها، فيصبح من يعبر عن رؤية أو وجهة نظر مخالفة معتديا طاعنا في شخصهم متطاولا عليهم، فينافحون ويفتخرون، ويوجهون تلاميذهم فيحتشدون، فيظلمون المخالف الذي ما أراد إلا الوصول إلى الحق، ويظلمون تلاميذهم بجعلهم يجاهدون في المعركة الخطأ، ويظلمون أنفسهم بالكبر الخفي أو تضخيم الذات على حساب الموضوع، أو بالاستسلام للمدح والثناء على حساب تقبل النقد البناء.

ثانيًا: الشخصنة بالتبخيس

وعلى العكس ممن تجسدت فيهم الفكرة بالمدح والتقديس والثناء يكون حال من تم شخصنة الفكرة فيهم بالقدح والتبخيس، فقد تضعف ثقتهم بأنفسهم وبأفكارهم فيتخلوا عنها على الرغم من أنها قد تكون صحيحة نافعة فاعلة ناجعة، ولكن المقاومة الشديدة لأفكارهم والنقد الهدام لها يؤثر عليهم بالسلب، كما أنهم قد لا يجرؤون -أصلاً- على الإعلان عن أفكارهم لكونها أفكارًا تجديدية قد يفقدهم الإفصاح عنها احترام الناس لهم، ويؤدي إلى التشكيك فيهم وفي دينهم، فيؤثرون السلامة -حسب ظنهم- ويكتفون بكتمانها في الصدور لتموت معهم.

وأما الطائفة الثانية، فهم الذين يبتلون بتشخيص الفكرة المجردة فيخلطون في الحكم عليها بين الاعتبارات الموضوعية المتعلقة بالفكرة، والمشاعر الشخصية تجاه قائلها، أو يحددون موقفهم منها بمدى تحقيقها لمصالحهم الشخصية الدنيوية، المادية منها والمعنوية، وهؤلاء من أكبر الخاسرين، لأنهم بذلك قد يتخلون عن أفكار صحيحة كانت كافية لتقدمهم لولا بغضهم لقائلها، وقد يتبنون فكرة خاطئة لمجرد أن صاحبها من المقربين.

المرجعية الإسلامية

من الممكن أن نقول مطمئنين: إن المرجعية الإسلامية ترفض منذ بدئها شخصنة الفكرة، ولن نجد عناء في ذكر النماذج المؤكدة على ذلك من نصوص القرآن الكريم ومن السنة النبوية، ومن سنة الخلفاء الراشدين المهديين على النحو الآتي:

1- مبدأ التوحيد:

فمن مقتضيات التوحيد رفض وجود واسطة بين الإنسان وربه أو وجود وصاية من أحد على المسلم "لا كهنوت في الإسلام"، فليس في الإسلام واسطة بين العبد وربه يتجسد فيها الإسلام وتعطي صكوكًا للغفران، وقد ذم القرآن بني إسرائيل والنصارى لأنهم )اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ اللهِ( (التوبة: 31)، ولهذا فلا يوجد في الإسلام طبقة تسمى بـ"رجال الدين"، بل هناك أهل ذكر لا يختلفون عن غيرهم إلا في أنهم تفرغوا للعلم الديني ودرسوه وتخصصوا فيه، وهو أمر متاح لمن سعى وأراد، وأهل الذكر ليسوا حكما على الدين بل الإسلام حكم عليهم بنصوصه ومقاصده وقيمه، والكهنوتية في حقيقتها هي شخصنة للدين في نصوصه وقيمه ومبادئه المجردة في أناس يحتكرونها من دون الناس ويقيمون أنفسهم حكما عليها وميزانا توزن به.

2- التمييز بين الرسالة وشخص النبي (صلى الله عليه وسلم)

ونجد الأمثلة على ذلك كثيرة:

أ- فالرسالة لم يكن اسمها المحمدية -على نسق المسيحية مثلاً- بل تم تسميتها باسم الفكرة ذاتها وهي الإسلام، فهذا فصل كامل بين العقيدة (الفكرة) وبين حامليها من الناس والرسل وغيرهم من الأشخاص على رفعة قدرهم ومقامهم عند الخالق سبحانه. ولهذا أطلق د.محمد فتحي عثمان على الدولة الإسلامية -بحق- مفهوم "دولة الفكرة" واعتبرها الدولة الوحيدة في التاريخ التي قامت على الفكرة المجردة وحدها.

ب- ويرتبط بما سبق أن القرآن استنكر أن يرتبط إيمان المسلمين بالإسلام بوجود النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، فيرتدوا عن العقيدة بمجرد وفاته، وذلك في قوله تعالى: )وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ( (آل عمران: 144).

3- ربط الإسلام خيرية الأمة الإسلامية بتحقق شروط موضوعية على عكس ما يعتقد اليهود على النحو الذي أشرنا إليه سلفًا؛ فالمسلمون خير أمة أخرجت للناس إذا ما توافرت فيهم الشروط الموضوعية التي أوجزتها هذه الآية الكريمة )كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ( (آل عمران: 110)؛ فخيرية الأمة الإسلامية فكرة مبنية على أسباب موضوعية لا شخصانية عرقية.

أسباب الشخصنة

الأسباب الخلقية:

1- الغيرة والحقد:

فقد تؤدي غيرة الإنسان أو حسده أو حقده على صاحب الفكرة أو من طرحها إلى رفض فكرته والسخرية منها، على الرغم من أنه في داخله يعلم أنها فكرة صحيحة وصالحة فإن حقده يجعله يشخصنها ويهاجمها.

2- التعصب:

فالمتعصب لا يرى إلا رأيه أو رأي من يحب، ويعتبره صوابًا لا يقبل الخطأ، ورأي غيره خطأ لا يقبل الصواب، ومن هنا تتشخصن عنده الأفكار فيقبل -مثلا- الفكرة التي تصدر من جماعته أو تياره أيا كانت ضحالتها، ويرفضها ممن يخالفه ولو كانت فكرته بالغة الصحة والأهمية، والعجيب أن الفكرة الواحدة إذا طرحت ممن يتعصب ضده رفضها، وإذا طرحت بعد ذلك ممن يتعصب له قبلها وقد يكيل لها المدح والثناء، وهذا أمر مشاهد وملحوظ في الواقع للأسف الشديد.

الأسباب النفسية:

1- ضعف الثقة بالنفس:

فإن الإنسان إذا ضعفت ثقته بنفسه سلم قياده لغيره وذاب في فكره، ومن هنا تأتي مشكلة القبول الشامل لفكر غيره ممن يحوز ثقته ليعوض بها المشخصن القصور في إيمانه بقدرته العقلية على التمييز بين الأفكار الحسن منها والسيئ.

2- الإعجاب والافتتان:

فالإنسان إذا أعجب بإنسان وافتتن به وقع في أسره فلا يرى فيه عيبًا ولا يتصور منه خطأ، وقد رأينا من يفتتن بعالم الفقه فيأخذ منه الحديث ويكذب المحدثين إذا خالفوه، ورأينا من يعتبر المفكر فقيها، والعالم الشرعي خبيرا في علم السياسة ويعرف فيها أكثر من أهلها، وقد يكون الإعجاب والافتتان بالذات وليس بالغير، فيصاب المفتتن بنفسه بداء شخصنة أفكاره واعتبار أنه بات وصيا عليها ليس من حق أحد أن يخالفه فيها أو حتى يناقشه ويجادله.

الأسباب العقلية (الفكرية):

1- الجهل:

فالجاهل لا يدرك حقيقة وخطورة تجسيد الفكرة أو محورتها حول إنسان يصيب ويخطئ ويعتريه النقص ولا تُؤمَن فتنته أو يضل وينسى، أو يخضع لهواه فيشقى.. فلو أدرك ذلك حقيقة لكان أشد حرصا على التمييز بين الفكرة وبين مبدعها أو الداعي إليها من الناس، ولكنه -بجهله- يظن أنه بهذا أبعد عن الخطأ وأقرب إلى الصواب، وأحوط له من إعمال عقله القاصر، فيتبع الفكرة -مثلاً- لمجرد صدورها عن مؤسس جماعته جاهلا حقيقة أنه لا أحد من البشر يحتكر الصواب فكل بني آدم خطاء.

2- الخوف المبالغ فيه على الإسلام أو على قيمه ومقاصده:

نعم قد يكون هذا دافعا حقيقيا للمخلصين لدينهم يؤدي بهم إلى شخصنة الأفكار؛ فهم قد يناصرون العالم المسلم ضد المفكر العلماني خشية افتتان العوام بالآخرين، فيحقرون أفكار الأخير كلها ولو صدق بعضها، ويعظمون أفكار العالم جميعها ولو لم يصح بعضها، وهكذا...

معالجة الشخصنة

قد يتوقع القارئ أن نطرح رؤية حاسمة في معالجة الشخصنة وأن نرسم له خريطة طريق للتخلص من هذا الداء، كما أنه قد ينتظر أن نعالج ما أوردناه من أسباب لها واحدا تلو الآخر، ولكننا نعتذر له عن ذلك، ونقرر أننا لا نملك حلولا سحرية؛ إذ إن الشخصنة داء متأصل فينا، أسبابه عديدة، معقدة، متداخلة، ولذا لم نوردها جميعًا بل أشرنا إلى بعضها فقط آملين أن نتوسع فيها في موضع آخر، ولكننا سنشير هنا إلى بعض السبل التي نعتقد أن الوعي بها والعمل على تفعيلها يمثل خطوات مهمة في سبيل القضاء على هذا الداء الخطير:

1- التربية على التمييز بين الأشخاص والأفكار

يجب أن نربي أنفسنا على عدم تقديس الأشخاص، وأن يكون تركيزنا فقط على الفكرة ومدى صحتها، وأن نفصل بين الفكرة وقائلها فلا يجرمننا شنآن قوم على ألا نعدل، ولا يدفعنا حب أو ود أو مصلحة إلى عدم الأمانة في التعامل مع الفكرة والتنادي بصلاحيتها وعمقها على تفاهتها لمجرد أن صاحبها من أولي القربى، يجب أن نربي أنفسنا على أن قوله تعالى )...فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى...( (الأنعام: 152) ليس موجهًا فقط للحكم بين الناس، بل هو شامل كذلك للحكم على أفكار الناس فلا نظلمهم بتقديس أو تبخيس في غير محله.

2- تنقية الصدور مما يوغرها

يجب أن نغرس في أنفسنا سلامة الصدر فلا نحمل غيرة أو حقدا لأحد أيا كان مسلما أو غير مسلم؛ لأن الأخلاق لا تتجزأ، والمسلم مأمور بها في كل حال ومع كل الناس المفسد منهم والمصلح؛ لأنه ليس إمعة؛ فهو يعامل الناس بأخلاقه لا بأخلاقهم، ويحسن إليهم ولو أساءوا إليه، فيفعل الخير في أهله وفي غير أهله لا يريد منهم جزاء ولا شكورا، ومن فعله الخير أن ينصف في فهمهم ولا يحمل كلامهم على محامل شخصية لا موضوعية.

3- تدعيم الثقة في النفس

يتعين علينا أن نثق بأنفسنا دون عجب أو افتتان، نثق في أنفسنا؛ لأننا مكرمون من خالق الكون، حبانا بنعمة العقل وحملنا الأمانة لننظر ماذا سنفعل؛ فلا يجوز لنا بعد هذا أن نهدر نعمته ونستغني عن عقولنا ونسلمها لمخلوق آخر ليشكلها لنا كيفما شاء، واهمين أنه امتلك الحق وحده، وكأن عقله مخلوق من مادة أصلح من التي خلقت منها عقولنا؛ فنحن لم نعدم التمييز والإدراك ولا ينقصنا سوى بذل الجهد المعرفي المطلوب لتمحيص الأفكار وتبيان السقيم فيها من الصحيح والأولى بالترجيح، لا وفقا لشخص قائلها ولكن وفقا لعناصر الفكرة ومنهجها وفاعليتها.

4- التوعية بفقه الاختلاف وآدابه

يجب نشر ثقافة الاختلاف وآدابه بين الناس والتي من أهمها التركيز على الموضوع لا الأشخاص، وأن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، وهذا في الأساس موجه إلى الدعاة والعلماء والأعلام ووسائل الإعلام؛ فهم الذين يشكلون الوعي ويبنون الوجدان.

5- تجنب المبالغة في الخوف على الإسلام

فالإسلام قوي بذاته، لا يطلب منا أن نركز جهودنا كلها في الدفاع عنه، بل يعلمنا أن الأولى من ذلك أن نلتزم بأوامره، وننتهي عما نهى عنه، أن نتحلى بقيمه ونَعِي مقاصده، أن نحيا به ونموت في سبيله، إذا فعلنا ذلك فلن يكون هناك ما يضطرنا إلى تزيين الباطل وإبطال الحق بحجة نصر من ينصر ديننا؛ فالإسلام لا يعترف بأن الغاية -دائمًا- تبرر الوسيلة، فهو يضع شرطا أساسيا هو أن تكون الوسيلة مشروعة وملتزمة بقيم الإسلام ومبادئه، ومن أهمها ما أمرنا الله به في قوله تعالى )يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ( (المائدة: 8).

يجب علينا جميعًا أن نحتشد لمنع شخصنة أفكارنا وجعلها سببًا لإفساد ذات البين بيننا بدلا من أن تقوم بدورها المنشود من إصلاح بين الناس وإصلاح للناس.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- مادة: "فَكَرَ".

2- قد يدفع البعض بأن هذا قد يتعارض مع ما جاء في قوله تعالى: )وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ( (البقرة 282)، وقوله جل شأنه: )إِن تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً( (الفرقان: 29)، غير أنني أوضحت في المتن أن التقوى تدخل ضمن العوامل التي قد تتوقف عليها صحة الفكرة، ولكنني آخذ بالتفرقة بين صحة الفكرة وصلاحيتها، فالفكرة قد تكون صحيحة وصالحة في عصرها وفي العصور التالية، ولكنها لم تعد صالحة للتطبيق في زماننا -رغم صحتها- لتغير العوامل التي أشرنا إليها مثل تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال... إلخ.

المصدر: مجلة الوعي الإسلامي الكويتية بتصرف

 
أ. حازم علي ماهر
تاريخ النشر:2009-05-20 الساعة 11:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 2366
مرات الطباعة: 559
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan