الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » الإسلام و الغرب » الاستشراق

تمايز «الاستشراق البوسنوي»: الأسس والنتائج

 

في الحديث عن «دور الاستشراق البوسنوي» يبدو من الضروري أولاً التوقف عند مفهوم «الاستشراق البوسنوي» وخصوصيته بالنسبة إلى الاستشراق الأوروبي بشكل عام أو بالنسبة إلى الاستشراق الموجود في يوغوسلافيا السابقة.

صحيح أن البوسنة تحتفل في هذه السنة بالذكرى الستين لتأسيس قسم الاستشراق في جامعة ساراييفو ومعهد الاستشراق في ساراييفو إلا أن السؤال لا يزال مفتوحاً والجواب مختلفاً حول بداية الاستشراق في البوسنة وحول طبيعة الاستشراق لدى شعب مسلم (البشانقة) كان يعتبر جزءاً من الشرق لقرون عدة وكان له إسهامه المميز في الثقافة الإسلامية.

وصحيح أن الفتح العثماني للبوسنة جرى على يد السلطان محمد الفاتح نفسه في 1463م وتواصل مع فتح الهرسك المجاورة لها في 1482م إلا أن الوجود العثماني العسكري وما لحق به من امتداد ديني / ثقافي في البوسنة يعود إلى ما قبل ذلك. فقد توغل العثمانيون لأول مرة في جنوب البوسنة خلال 1336-1338 إلا أنهم ردّوا، ثم عادوا بقوة في 1448 حيث أصبح لهم وجود دائم في جيب هودي جد حيث بنى الوالي عيس بك السراي الخاص به حوالي 1450م، الذي ستنسب له البلدة الجديدة (سراي بوسنة أو ساراييفو)، ثم بنى هناك الجامع السلطاني حوالي 1457م وأنشأ حوله وقفه الخاص الذي كان نواة البلدة الجديدة ما استحق معه لقب «مؤسس ساراييفو».

والمهم هنا أنه مع استقرار البوسنة والهرسك تحت الحكم العثماني برزت وتطورت بسرعة المدن الجديدة التي تحولت إلى مراكز للثقافة الجديدة الشرقية في البوسنة (ساراييفو، موستار، ترافنيك الخ). وفي هذه المراكز التي غدت معروفة بمدارسها المختلفة تخرجت أجيال من طلاب العلم الذين تابع بعضهم الدراسة في أمهات المراكز في الدولة العثمانية (اسطنبول، حلب، دمشق والقاهرة الخ)، حيث عاد بعضهم من هناك بحصيلة معرفية غنية ومخطوطات ليشتغل في التأليف والتدريس والإفتاء الخ. وفي هذه المراكز تكونت المكتبات الخاصة والمكتبات العامة وشبه العامة (مكتبات المدارس والمساجد) التي حفلت بالمخطوطات الشرقية في اللغات التي غدت مشتركة مع المسلمين في العالم (العربية والتركية والفارسية). وفي هذه المراكز برزت خلال قرون الحكم العثماني أجيال من العلماء الذين حرصوا على اقتناء المؤلفات / المخطوطات في اللغات الشرقية المذكورة وساهموا بدورهم في إغناء رصيد البوسنة من هذه المخطوطات بما ألّفوه في مختلف المجالات (علوم الدين واللغة والأدب والتاريخ الخ) باللغات الشرقية بالإضافة إلى لغتهم الأم التي أصبحت تكتب بالحروف العربية.

وفي مثل هذا الوسط الثقافي يبدو من الواضح أن علماء وأدباء البوسنة على الأقل كانوا على معرفة بالآداب الشرقية (العربية والتركية والفارسية) حيث أن مشاركتهم الأدبية باللغات الشرقية كانت تفترض معرفتهم بها.

ويمكن القول أن التمايز بين «الشرق» و «الاستشراق» في البوسنة بدأ في 1878، حين قامت إمبراطورية النمسا والمجر باحتلال البوسنة والهرسك بتفويض من مؤتمر برلين لإدارة هذه الولاية العثمانية التي بقيت اسمياً تابعة للدولة العثمانية. إلا أن الإدارة النمسوية المجرية سعت منذ البداية إلى تطبيق إجراءات إدارية واقتصادية وتعليمية مختلفة لتكريس الفصل بين هذه الولاية وبين الدولة العثمانية تمهيداً لإلحاقها نهائياً بالامبراطورية النمسوية المجرية في 1908.

وإلى تلك السنوات الانتقالية، التي كانت فيه البوسنة تنتقل بالمفهوم السياسي والإداري والاقتصادي والثقافي من «الشرق» إلى «الغرب» لدينا شخصيتان مركزيتان تمثلان نقطة الافتراق بين العالم البوسنوي «الشرقي» والعالم البوسنوي «المستشرق».

أما الأول فقد كان علي فهمي جابيتش (1853-1918) الذي ولد في موستار ودرس فيها إذ كانت مركزاً معتبراً للثقافة الشرقية الإسلامية آنذاك، وبرز في علوم الدين واللغة والأدب حتى أصبح مدرساً ومفتياً لموستار ثم أستاذاً للغة العربية وأدبها في جامعة اسطنبول خلال 1902-1908. وقد اشتهر جابيتش بكتابين نشرهما في اسطنبول باللغة العربية ويدلان على معرفته الجيدة باللغة العربية وأدبها. أما الكتاب الأول فقد كان مختارات شعرية من صدر الإسلام سماها «حسن الصحابة في شرح أشعار الصحابة» اشتملت على ستين شاعراً، بينما كان الكتاب الثاني «طلبة الطالب في شرح لامية أبي طالب» التي شرح فيها القصيدة اللامية المنسوبة إلى الإمام علي بن أبي طالب.

وأما الثاني فقد كان صفوت بك باشاغيتش (1870-1934)، الذي ينحدر من أسرة معروفة ذات ثقافة شرقية. فقد كان أبوه إبراهيم من علماء بلاده وأتاح له اطلاعه الواسع على التراث الشرقي للبوسنة المبادرة إلى التعريف بالشخصيات البوسنوية التي تميزت بإنجازاتها في اللغات الشرقية مثل الكاتب الموسوعي حسن كافي الإقحصاري والشاعر درويش باشا الموستاري والشاعر محمد نرجسي وغيرهم. وقد تابع الابن صفوت هذا العمل الرائد ولكن في إطار آخر إذ كان أول بوسنوي مسلم يلتحق بجامعة فيينا ويدرس اللغات الشرقية والتاريخ بحسب المناهج العلمية الحديثة على يد إعلام الاستشراق النمسوي ليناقش في 1910 أطروحته للدكتوراه «البوسنويون والهرسكيون في الأدب الإسلامي». وقد رشّح باشاغيتش في 1910 ليشغل منصب أستاذ اللغة العربية في جامعة زغرب ليؤسس هناك نواة للدراسات الاستشراقية، ولكن انشغاله بالانتخابات لبرلمان البوسنة جعله يعزف عن ذلك.

وإذا كان باشاغيتش بهذا المعنى الواسع للكلمة أول «مستشرق»، بعد أن أصبحت البوسنة جزءاً من الإمبراطورية النمسوية المجرية، فقد انعكس هذا على أطروحته التي تناول فيها الموضوع بمنهجية جديدة عرّف فيها بالعلماء والأدباء البشانقة الذين ألّفوا في مختلف العلوم باللغات الشرقية وبمؤلفاتهم المخطوطة وأماكن وجودها الخ. وكان ممن اطلع على هذا العمل الرائد، بعد أن قام باشاغيتش بترجمته ونشره في ساراييفو في 1912، الشاب البوسنوي محمد خانجيتش قبل ذهابه إلى القاهرة للدراسة في الأزهر، حيث استفاد منه ومن إقامته في القاهرة للاطلاع على بعض المصادر العربية والتركية لينجز هناك كتابه «الجوهر الأسنى في تراجم علماء وشعراء بوسنة».

ولكن إذا كان باشاغيتش أول «مستشرق» بمعنى ما فإن مواطنه فهيم بايراكتاروفيتش (1889-1970) يعتبر أول مستشرق بالمعنى المعروف للكلمة بل انه أصبح يعتبر «عميد الاستشراق» في يوغوسلافيا التي تأسست في 1918 بضم البوسنة وكرواتيا وسلوفينيا إلى صربيا والجبل الأسود. فقد أسّس بايراكتاروفيتش أول قسم للاستشراق في يوغوسلافيا والبلقان في 1926، وذلك في جامعة بلغراد التي كانت عاصمة الدولة الجديدة. ونظراً إلى أن بايراكتاروفيتش كان يعتبر أقرب إلى الاستشراق الأوروبي المركزي فقد كان اهتمامه بهذا المجال (التراث الشرقي للبوسنة) محدوداً، إذ أنه انشغل أكثر باللغة الفارسية وأدبها.

ومع تأسيس أول قسم للاستشراق في بلغراد، الذي سيبقى الوحيد من نوعه طيلة وجود يوغوسلافيا الأولى 1918-1941، سيبرز الجيل الأول من «المستشرقين» البوسنويين (نديم فيليبوفيتش الخ) الذين تخرجوا من هذا القسم وساهموا لاحقاً في تأسيس «الاستشراق البوسنوي» الذي تميز لاحقاً عما كان موجوداً في بلغراد.

وإذا كان قسم الاستشراق في جامعة ساراييفو قد تأسس مع تأسيس الجامعة (1950) واستلهم القسم الأول في تركيزه على الجانب الفيلولوجي (دراسة اللغات والآداب العربية والتركية والفارسية) فإن معهد الاستشراق في ساراييفو الذي تأسس في السنة ذاتها (1950) كان يختلف عنه في تكوينه ومهماته. فقد تأسس المعهد من خليط من الباحثين «الشرقيين» الذين تخرجوا من المؤسسات التعليمية التقليدية مثل بسيم كركوت وصالح عليتش ومحمد مويتش ومن الباحثين «المخضرمين» الذين جمعوا بين التعليم التقليدي والتحصيل الأكاديمي الحديث مثل حميد حاجي بيغيتش وعمر موشيتش وحازم شعبانوفيتش وغيرهم ومن «المستشرقين» الذين تخرجوا من قسم الاستشراق في بلغراد مثل نديم فيليبوفيتش وبرنيسلاف جورجيف وغيرهم. ومن ناحية أخرى فإن الهدف من تأسيس معهد علمي للاستشراق (الذي كان الوحيد من نوعه في يوغوسلافيا السابقة) كان يختلف بطبيعة الحال عن الهدف من تأسيس قسم الاستشراق في جامعة ساراييفو. فقد نصّ المرسوم المؤسس للمعهد على جملة مهمات:

- جمع ونشر المخطوطات الشرقية والوثائق المتعلقة بالبوسنة.

- دراسة اللغات العربية والتركية والفارسية وآدابها وتأثيرها في اللغة البوسنوية وثقافتها.

- دراسة ثقافة البوسنة في اللغات الشرقية.

وبناء على ذلك يمكن القول أن «الاستشراق البوسنوي» منذ انطلاقته المؤسسية والعملية في 1950 أخذ بعداً يميزه عن الاستشراق الأوروبي بالمعنى المألوف للكلمة. فقد كلّف المعهد بـ «جمع ونشر المخطوطات الشرقية» التي «تتعلق بتاريخ البوسنة» و «دراسة اللغات العربية والتركية والفارسية وتأثيرها في اللغة البوسنوية وثقافتها» و «دراسة ثقافة البوسنة في اللغات الشرقية»، أي أن «الاستشراق البوسنوي» ارتبط منذ تأسيسه وانطلاقته بمفهوم مغاير عن الاستشراق الأوروبي التقليدي من حيث النظر إلى «التراث الشرقي» الموجود في البوسنة. فإذا كان هذا «التراث الشرقي» بالنسبة إلى الاستشراق الأوروبي التقليدي يمثل «الآخر» أو موضوع الدراسة للتعرف على «الآخر» سواء لفهمه أو لإخضاعه فإنه بالنسبة إلى الاستشراق البوسنوي أصبح يمثل الذات وليس الآخر، وهو ما تبلور لاحقاً بشكل أوضح مع عمل المعهد. وهكذا يمكن القول أن سنوات الخمسينات للقرن العشرين كانت سنوات التأسيس والتأصيل والتفعيل لتحويل هذا المفهوم الجديد للاستشراق في البوسنة إلى واقع ملموس مع أنشطة المعهد في هذا المجال:

- تكوين مكتبة خاصة بمعهد الاستشراق تجمع ما يمكن جمعه من المخطوطات الشرقية في البوسنة. وقد نجحت إدارة المعهد في إغناء هذه المكتبة بالمخطوطات الشرقية حتى غدت من أهم المكتبات في البلقان في هذا المجال.

- إصدار مجلة علمية دورية باسم «إسهامات في الفيلولوجيا الشرقية» تحولت إلى منبر معروف على المستوى البلقاني والأوروبي بنشر الدراسات عن المخطوطات الشرقية الموجودة في البوسنة.

- إصدار سلسلة النشريات العلمية في المعهد التي اشتملت أيضاً على نشر دراسات عن المخطوطات الشرقية في البوسنة وعن الآداب الشرقية.

- تكوين أجيال جديدة من المستشرقين وذلك بالتوسع بضم العناصر الشابة من خريجي قسم الاستشراق ضمن المشاريع العلمية للمعهد.

وفي ضوء ذلك يمكن أن نتابع بتفصيل أكثر دور الاستشراق البوسنوي في المجالين المحددين للدراسة، أي في التعريف بالأدب العربي والاعتناء بالمخطوطات الشرقية في البوسنة، مع أنه بعد حوالي ربع قرن من تأسيس قسم الاستشراق ومعهد الاستشراق أصبحت لدينا في ساراييفو «كلية الدراسات الإسلامية» التي وجد بين أساتذتها من يهتم بالأدب العربي (يوسف راميتش) و «حولية مكتبة الغازي خسرو بك» التي أصبحت تنشر أيضاً دراسات وتحقيقات للمستشرقين البوسنويين وغيرهم عن التراث الشرقي للبوسنة.

المصدر: مقاطع من الورقة التي قدمها الكاتب للدورة الـ 12 للبابطين في ساراييفو 19/10/2010، نقلاً عن صحيفة الحياة.

 

 
تاريخ النشر:2010-12-02 الساعة 10:27:19
التعليقات:0
مرات القراءة: 2147
مرات الطباعة: 600
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan