الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » حوارات

حوار مع المستشار طارق البشري: التعددية مثَّلت مدخل تجديد للفقه الإسلامي المعاصر حجم الحركة الإسلامية

حوار: وسام فؤاد - عبد الله الطحاوي

 

في خضم حوارات الإصلاح والتغيير ومشهد الانتخابات التي تشهدها مصر، تحدث المستشار طارق البشري في هذا الحوار؛ عن قيمة التعددية معتبرا أنها مثلت مدخل الفقه الإسلامي للتجدد ولاستيعاب ظرف الدولة القومية. وفي إطار حديثه عن المدنية أوضح أنه لم يوجد في القوانين المصرية على مدى القرن العشرين قانون يميز بين المواطنين على أساس ديني. ونفى أن تكون المصادمات حيال المدنية حالة مجتمعية أو ثقافية حقيقية. وشدد على أن علاج تراجع المدنية في الممارسة المصرية الراهنة هو باندماج الأقباط لا انعزالهم. ولفت إلى أن النموذج الذي يطالب فيه البعض بأن تكون القوانين ذات مرجعية إسلامية، هو نموذج لدولة مدنية.

وفيما يتعلق بالحركة الإسلامية، أشار المستشار البشري أن الحركة الإسلامية- كحركة منظمة وليس كتيار شائع- دائمًا تظل قدراتها أقل كثيرا من حجمها. وأفاد حديثه أن الديمقراطية ستؤدي إلى مزيد من المزج بين الدعاوى السياسية المختلفة وبين المرجعية الإسلامية، وأن الديمقراطية ستتيح لهذا المزيج أن ينمو وأن يكون أكثر فعالية في المجتمع المصري. وأكد على أن عدم وجود حركة شعبية في الشارع مؤثرة وقوية؛ لا يفهم منها ضعف الحالة الفكرية الإسلامية، لافتا إلى أن الحركة الإسلامية أنتجت تأثيرًا ثقافيا قويا بالنسبة للشعب المصري. وفسر المحدودية السياسية للحركة الإسلامية بأن الامتدادات التنظيمية لهذه الحركة ليست موجودة كلها، وغيابها يؤثر على مدى الانتشار الشعبي.

نص الحوار:

- في إطار المراجعات التجديدية التي تشهدها الساحة الفكرية والفقهية نتساءل: هل استطاع الفقه الإسلامي أن يستوعب فكرة الدولة القومية، وأن يتعامل معها؟ وهل يمكن إسقاط رؤية حضرتك على قضية مثل قضية الولاية العامة؟

- برأيي أنه استطاع أن يستوعبها. فقديمًا كان الخطاب الفقهي مفاده أنه لا بد وأن تكون ثمة دولة واحدة تجمع المسلمين مع بعضهم البعض، ولم يكن ثمة نظر لاحتمال تعدد الدول الإسلامية. وعندما نقرأ للفقهاء الذين بادروا بالضبط الفقهي في مجال الأحكام السلطانية، نجد أن الأساس بالنسبة لهم تمثل في أن التعدد غير متصور بالنسبة للدولة. ومنذ بداية القرن العشرين؛ أصبح ثمة مجموعة من الدول الإسلامية تحدد وجودها وفقًا لظروف تصنيفات قومية، أو تصنيفات جغرافية، أو تصنيفات تاريخية، وعبر التاريخ شهدت أقاليمها حركية تاريخية معينة، نشأت في إطارها هذه الدول. ولذلك نجد أن الفقهاء المحدثين في القرن العشرين بدأوا يتفهمون هذا الوضع، وشرعوا ينظرون بعين الاعتبار إلى ظاهرة التعدد.

قديمًا، كان يُنظر إلى التعدد في الدولة على أنه تنازع على سلطان دولة واحدة، فلم يوجد تصور لاحتمال أن تكون ثمة أكثر من دولة واحدة تجمع مسلمين. وكان ثمة تصور ثان يفترض ضرورة اجتماع المسلمين في دولة واحدة. وكان ذلك التعدد في وجود الدول لدى فقهاء الأحكام السلطانية يعني تنازعا. وقد وجد الفقهاء المحدثون أن الأمر المستجد لا يتضمن تنازعًا. ولذلك نجد مثلاً عند رشيد رضا وعند الشيخ مصطفى صبري شيخ الإسلام في أيام الدولة العثمانية، وبعض فقهاء الهند، يقولون: إذا اتسعت الأصقاع وترامت البلاد فيجوز إنشاء دولة أخرى. بمعنى آخر؛ صار ثمة إيمان بأن فكرة التعددية لا تعني التنازع، ولا تعني الصراع المضعف للأمة، هذا مستوى يتعلق بالكيانات السياسية المعبرة عن الأمة.

وفي مستوى آخر: مستوى إدارة الدولة، نجد أن تشكيلات الهيئات في الدولة الحديثة أصبحت تشكيلات جماعية وليست تشكيلات فردية. فالسلطة قديمًا كانت للشخص، وأوضاع الحكم كانت لأشخاص، ثم أصبحت الآن لمجالس وهيئات، وأصبح ثمة نوع من الأنواع الجماعية في اتخاذ القرار، فظهرت فكرة الولاية العامة للهيئة وليس للشخص. فما دلالة الهيئة هنا؟ دلالتها أنه لم يعد يُشترط موافقة جميع أعضاء هذه الهيئات على القرار الذي يصدر عنها؛ حيث تكفي أغلبيتهم، برغم أن الناتج النهائي لن ينسب إلى الأغلبية فقط، بل ينسب إلى المجموع كله وإلى الهيئة كلها. وطالما أن الهيئة أصبحت متمايزة ومستقلة تقريبًا عن الأفراد المكونين لها، فهذا مؤشر ولا شك على أن التعددية قد تم استيعابها وقبولها في الفقه الإسلامي؛ من فقهاء القرن العشرين على الأقل، وهم فقهاء معتبرين ومعتد بهم. كما صارت عملية إنفاذ الولاية العامة لهيئات جماعية كذلك وليست لأفراد مثلما كان من قبل، وهذا له دلالته في استيعاب الفقه الإسلامي لفكرة الدولة القومية وأفكار فرعية أخرى مرتبطة بها كالمواطنة وغيرها

- عندما تثير بعض الجماعات الإسلامية قضية الخلافة وما تستدعيه من أحكام متعلقة بولاية المرأة وغير المسلمين؛ نجد أن مثل هذه الأطروحات لا يزال النقاش في سياقها يتم عبر استحضار الفرد وليس في إطار الهيئة. ما رأيكم؟

- بالنسبة للخلافة عندنا الاجتهاد الخاص بالدكتور عبد الرزاق السنهوري، الذي يتعاطى مع الخلافة في صورة عصبة أمم إسلامية. وهذا المفهوم: الخلافة مفاده أنه إذا حدث وصارت التعددية في الجماعات/الشعوب الإسلامية، فإنه من الممكن جمعها في إطار من التناسق في السياسات المتبعة في إطار عصبة أمم، أو هيئة أمم، أو مجلس مثل جامعة الدول العربية، أو أي شيء من هذا القبيل ينسق بين هذه السياسات ويجعل لها نظر للصالح المشترك العام. هذا على الصعيد الدولي.

أما على مستوى الفقه السياسي الداخلي؛ فإن الفقه الذي يناقش شرطية أن يكون رئيس الدولة ذكرًا ومسلمًا، فمثل هذه المعالجة تصدر عن اتجاه في الفقه لا يزال يتعامل مع الولاية العامة باعتبارها لا تزال لأفراد. هذا الاتجاه ليس منفردا بالحضور. ثمة اتجاه آخر يعتبر الولاية العامة للهيئات. وإذا نظرنا للولاية العامة من هذا المنظور نجد أنه لا محل لهذا الاشتراط (الذكورة والإسلام). فلو نظرنا للماوردي – كمثال - وكيفية علاجه لمثل هذه القضية؛ سنجد أنه قد ميز بين منصبين: وزير التفويض ووزير التنفيذ. وفيما يتعلق بوزير التفويض: الذي يفوضه الإمام في جل سلطاته؛ فقد اشترط الماوردي له أن يكون مسلمًا. وأما وزير التنفيذ؛ فهو ذلك الوزير الذي يؤدي للسلطان، ويؤدي عن السلطان، ويشارك في الرأي؛ فلم يشترط فيه أن يكون مسلمًا.

بإمكاننا اليوم أن نصوغ الدولة على هذا الأساس، أن تجعل جميع من فيها ممن يساهمون في الولاية العامة، كل منهم كفرد يؤدي لسلطان الهيئة ويؤدي عنها ويشارك في الرأي داخلها، ومن ثم لا يشترط فيها الذكورة أو الإسلام.

- في هذا السياق، كيف ينظر المستشار البشري لمفهوم الدولة المدنية في ضوء ما يطرحه فريق من الإسلاميين حول مفهوم الدولة المدنية القائمة على مرجعية الشريعة، وطرح الأطراف المختلفة حول ضرورة تحقيق مدنية الدولة المدنية بدون مرجعية للشريعة؟

- أنا حقيقة لا أفهم جدوى ما يثار حول هذه المسألة. هل يعني من يطالبون بالدولة المدنية، هل يعنون أن ما نعيش فيه دولة إسلامية مثلاً؟ أو يرون أن الوضع الحالي للدولة بمثابة تعبير عن الدين؟ هذا الطرح محير؛ لأن غاية ما تطالب به أي من الحركات الإسلامية في مصر هو أن تعاد صياغة المرجعية الخاصة بقوانين هذه الدولة صياغة إسلامية. وغلاة الإسلاميين يطالبون بأن تصاغ بنية الدولة نفسها صياغة إسلامية. هذا يعني أنها ليست دولة تمثل تعبيرا عن الدين بأي حال؛ تلك التي نعيش فيها.

- لكن أطروحات الإسلاميين لا تقتصر على مساحة القانون فقط، فهم يطالبون بمساحات أكبر؟

- أريد أن أبدأ بتحليل الوضع القانوني. فلا يوجد في مصر قانون يفرق ما بين الناس على أساس الدين.

ومثل هذا القانون قد يوجد في حدود التخصص العلمي المطلوب لمنصب من المناصب، مثل أن يكون الأستاذ في مجال الإكليركية مسيحي أرثوذكسي قبطي، ويكون شيخ الأزهر مسلم. وشرائط تولي الوظائف بالتخصص في تقاطعها مع الدين، تمثل مراعاة للتخصص فكريا لا أكثر.

لكن لا يوجد أبدًا في أي قانون من القوانين المصرية، ولم يوجد في القوانين المصرية على مدى القرن العشرين قانوناً بهذا الشكل؛ إلا قانوناً واحداً فقط هو المرسوم الخاص بتولي العرش. وفي هذا القانون لم يكن مذكورًا كشرط في تولي العرش، لكنه كان مذكورًا في باب الحديث عن تعيين أوصياء في حالة الملك القاصر، حيث اشترط في الأوصياء أن يكونوا مسلمين. هذا هو النص الوحيد. وما أقوله هنا ليس رأيا؛ بل قام على استقراء بحثي في القوانين المصرية.

الأصل الفكري والثقافي القائم في مرجعية القوانين المصرية هو مشاركة الجميع، دون تمييز، في وظائف الولاية العامة ، سواء في تولي السلطات التنفيذية، أو في تولي القضاء، أو في انتخابات مجلس الشعب.

الشعور بالنقصان وتراجع الحالة المدنية سببه الحراك السياسي الآني. ومعالجة هذا النقصان في الحالة المصرية الراهنة لا يحتاج إلى الدخول من مدخل الدولة المدنية؛ لأنها قائمة بالفعل. الوضع في مصر يحتاج إلى نوع من أنواع تنشيط الإطار القانوني القائم، سواء من جانب الأقباط عندما يكونون أكثر اندماجًا في الشعب، والمسلمون يكونوا أكثرة قدرة على استيعاب هذا الاندماج. وهذه حركية سياسية وثقافية لا بد وأن نرعاها.

أما فيما يتعلق بالمرجعية الشرعية للدولة المدنية، فالمطلوب - في هذا الإطار- أن تكون للعملية التشريعية بالدولة مرجعية إسلامية. ومن قال بالمرجعية الشرعية الإسلامية للتشريعات أناس وفقهاء ليسوا من الأزهر، وليسوا من الحركة الإسلامية. فقد قالها أناس كثيرون من خارج هذا المجال من كليات الحقوق المختلفة العلمانية الموجودة في البلد، مثل المستشار السنهوري، والمستشار عبد الحليم الجندي، والدكتور عبد المنعم فرج الصدا.

وهذه المسألة مطلب ثقافي أكثر منها مطلب سياسي إذا نظرنا لها بشكل عام. البعض يستخدمها سياسيًّا، لكنها أساسًا هي مطلب ثقافي. وعندما نبقيها ثقافية تجد أنها تشمل شرائح من المصريين أكثر كثيرًا. وأتصور أن هذا المطلب ومن يطالبون به، ومن يمارسون الاقتراح بشأنه: مشروعات قوانين وغيرها، كل هذه الفعاليات المرتبطة به لم تستبعد المسيحيين، ولم يرد الاستبعاد بأذهانهم أبدًا، إنما كانت في أذهانهم دائمًا الجماعة الوطنية بالمعنى الشامل الموجود في مصر حاليًّا: وجود المسلمين والمسيحيين في وشيجة واحدة في مصر الآن، وهم ينتهجون في تفسيراتهم ما تسعه النصوص الإسلامية من مساواة بين المسلمين والمسيحيين بتولي الوظائف العامة، وغيرها من المبادئ. هذه الحالة الواقعية يثار عكسها صحفيًا، وبشكل غير عميق.

فالدولة القائمة دولة مدنية، وحتى النموذج الذي يطالب فيه البعض أن تكون القوانين ذات مرجعية إسلامية، هو نموذج لدولة مدنية.

وإذا أردنا إدراك الفارق الجوهري بين المدني والديني فلن نعرفه إلا بالحديث عن معنى الدولة الدينية. إن مفهوم الدولة الدينية لا يعني المرجعية. فكل دولة لها مرجعية، وفي أوروبا ثمة دول مرجعيتها مسيحية ومع ذلك تدار إدارة مدنية. المدنية أو عدم المدنية تتعلق بالمؤسسة الحاكمة، أو الهيئة ذات الولاية. هل هذه الهيئة تُعتبر وسيطا بين الله سبحانه وتعالى وبين البشر أم لا تعتبر؟ إن لم تعتبرها وسيطًا بين الله والبشر أصبحت مدنية، اجتهاد ضمن الاجتهادات الموجودة.

ولذلك أؤكد أنه حتى الدولة عندما كانت مرجعيتها إسلامية كاملة في القرون الوسطى، وحتى آخر حضور الدولة العثمانية، كانت هذه الدولة دولة مدنية؛ لأن الحاكم كان يحكم باجتهاد في إطار الإسلام، والمعارض الذي يريد إقصاء هذا الحاكم وإحلال غيره محله يقول كلمته باجتهاد في إطار الإسلام أيضًا، لا ولاية لأحد عليه. فلم توجد ولاية مؤسسية ثقافية حصرية للإسلام في تنظيم معين. وما دامت لا توجد ولاية مؤسسية حصرية للإسلام تكون الدولة مدنية.

- ألذلك كان الخارج عن الحاكم يسمونه باغيًا وليس كافرًا؟

- نعم، وتصنيف العلوم السياسية للدولة المدنية يقصد به الدولة غير الدينية؛ أي التي لا توجد فيها مؤسسة دينية تحكم باسم الله. فالبابا في روما يحكم باسم الله. وقد قرأت تصريحاً في الجرائد لأحد الشخصيات المسيحية في أوروبا يقول: أنا أقبل يد رجل الدين لأنه يمثل الله، وهذا مفهوم مسيحي، وهو غير موجود عندنا في الإسلام. فمن يقبل يد شيخ الأزهر أو أي عالم دين؛ هل يقبله لأنه يمثل الله؟ لا توجد فكرة تمثيل الله عندنا في الإسلام. فعالم الشريعة بشر عندنا. والأزهر أمامنا. لم يقل يوما إنه يحكم باسم الله ولا فتواه تصدر باسم الله، ولا المفتي الرسمي قال يوما أنه يفتي باسم الله. كلها اجتهادات بشرية في إطار الشريعة.

- يتبقى في فكرة الدولة المدنية محكان يتعلق أولهما الخبرة الإيرانية التي كانت تتحدث عن دولة إسلامية، كان للمرجعية الإسلامية في خبرة الدولة الإيرانية انعكاس مؤسسي، نجد مثلاً مجلس الخبراء، ومجلس صيانة الدستور، وفي هذا انعكاس لهذه المرجعية، هذا من جانب. ومن جانب آخر يتعلق بمدى استقرار الأطر القانونية المستمدة من الشريعة في حالة قبول الحركة الإسلامية لتداول السلطة. ومعى هذا حدث أن خسرت في إحدى العمليات الانتخابية؟

- المؤسسات القانونية والقوانين نفسها هي مراكز قانونية تنشأ وفقًا للأوضاع التي أنتجتها. عندنا هذه القوانين للناس عامة، وللمواطنين وإن اختلفت أديانهم، هذان هما المعياران اللذان يحكمان عملية إصدار القوانين، ومنها تلك التي تتعلق بالمؤسسات. أما عن المؤسسات التي قد تتأسس وفق مرجعية الشريعة فمدنيتها تتعلق بالصيغة التي تعمل وفقها. فإن ادعت أن ما تقوله هو رؤية الدين حصرًا في صدد ما تتصدى له فهذه الصيغة ليست مدنية. أما الصيغة المدنية فتعني أن ما تقدمه هذه المؤسسة هو اجتهاد بشري؛ لا تتحدث باسم الله حصريا في إصداره وقوله.

- ربما ينصرف السؤال السابق في أحد أبعاده إلى وجود كيان مؤسسي يراقب من مدخل الشريعة؟

- ما بقي التشكيل المؤسسي في إطار الثقافة العامة ولم يعن النطق حصريا باسم الدين والإلزام بهذا النطق فإن المؤسسة تكون مدنية. ونحن نجد في المؤسسات الاقتصادية الإسلامية - كمثال خارج التجربة الإيرانية- نجد لجنة للرقابة الشرعية التي تقول إن مسلكًا اقتصاديًا ما شرعياً أو غير شرعي، لكنه في النهاية رأي خبير. والمفتون المختلفون يفتون في القضايا المختلفة وفتواهم نسبية وغير ملزمة؛ بل وتتعدد الفتاوى وأحكامها في المسألة الواحدة. وباستقراء التاريخ، لم توجد في تاريخنا السني لا قديما ولا في الوقت الراهن ما يجعل لمؤسسة دينية بعينها في مجالات الفكر أو الرأي أن تتحدث باسم الدين حصريا وأن تقول رأيا تراه رأي الإسلام وحده في قضية من القضايا.

هذا لا يخالف مرجعية الشريعة التي طالب بها مفكرون وعمالقة في مجال القانون قبل الحركة الإسلامية. ولو استقرأنا الخبرات المختلفة سنجد أن كل مفهوم أو رؤية قانونية لها مرجعيتها. فلوائح ونصوص حقوق الإنسان الصادرة عن الأمم المتحدة لها مرجعيتها من الثورة الفرنسية والثورة الأمريكية وقرارات الأمم المتحدة، فهذه الأحداث تحولت إلى مرجعية نصية. ولكل مبدأ مرجعيته التي ينظر لها بعين التقدير، ولا يوجد مبدأ بدون مرجعية؛ وإلا فمن أين أتى؟!

- يمكن القول في إطار مبدأ الجماعة الوطنية أن تلك الجهة الرقابية التي تتفاعل بمنطق الرقابة هي المحكمة الدستورية كما في مصر مثلا؟

- نعم، هذا هو الحادث بالفعل، وليس كما الخبرة الإيرانية التي تمثل الرقابة الشرعية فيها جماعة من العلماء.

- هل نخلص من هذا تاريخيا إلى أن شكل الدولة ومؤسساتها لا علاقة لها بالقول بمدنيتها من عدمه، فقط المبدأ الحاكم هو احتكار الحديث باسم الله؟

- نعم، لكن عدم وجود هذا الاحتكار هذا أحد معيارين لتمييز الدولة المدنية، ولابد من وجود معيار آخر هو معيار قبول الآخر الديني داخل مؤسسات الدولة، والتعامل معهم على حد سواء؛ وإن اختلفت أديانهم، باعتبار أن ما يصدر عن هذه الدولة ينشئ مراكز قانونية موحدة لشعب هذه الدولة بدون تمييز بينهم على أساس من الدين.

- هذا يجرنا في الحقيقة لمساحة أخرى ترتبط بمشاركة الحركة السياسية الإسلامية في مصر في الانتخابات والصراع السياسي. البعض يطرح ضرورة وجود مزيد من المشاركة، ويثار أيضا في نفس الإطار جدل وصراع شديد ينتقل من كونه صراعا سياسيا بين أطراف وأحزاب سياسية إلى صراع حول مفاهيم أساسية تتعلق بالدين نفسه، وأصبح الدين كدين في بؤرة الصراع أو من القضايا المحورية في قضايا الصراع، رغم أن الخبرة التاريخية التي تفضلت بالإشارة إليها في التجربة المصرية أبانت أنه ليس هناك شكل من أشكال التصادم مع فكرة الدين أو خروج عليه أو شيء من هذا القبيل، وأصبح فيه حالة من حالات الصراع الشديد حول قضايا متعلقة بالدين في جوهره بشكل أو بأخرى، ومن ضمن هذه القضايا الصراعية مسألة الدولة المدنية.

- أنا لا أتصور أن هذه المصادمات والحالة الصراعية حالة مجتمعية حقيقية؛ وهي حتى غير قائمة فعلا على الصعيد الثقافي على أرض الواقع. وبرأيي أن هذه الظاهرة ظاهرة صحفية أكثر منها ظاهرة عامة في المجتمع. أنا لم أكن أجد لدى الناس من المسلمين والمسيحيين مسألة متعلقة بالتمييز وإشكالية المدنية. هذه الدعاوى صحافية وأدت إلى التأثير على الموقف المسيحي العام؛ بما في ذلك موقف الكنيسة.

فعندما نقرأ الصحف نجد هذا الموضوع مشتعل، وعندما نمارس حياتنا العادية وسط الناس لا نجد له تأثيرًا كبيرًا. ليس هذا وحسب، بل إننا نجد أن أوضاع الوفاق أو التداخل، أو نقط الاتفاق بين الناس وبعضها البعض أوسع كثيرًا جدًّا مما يحاول أن يضعه الكتاب الظاهرين في الصحف. نحن أيضا نحيا في هذا البلد، ونحن شهود على هذا البلد، ولا نجد الظواهر المثارة في الصحف بمثل تلك الهوة التي تتحدث عنها الصحف!؟

- لو انتقلنا للحركة الإسلامية ودخولها منذ منتصف الثمانينيات لساحة المشاركة السياسية والانتخابية، فبعد حوالي خمسة وعشرين سنة تقريبًا أو أكثر، ما التقييم الإجمالي لهذه التجربة التاريخية؟

- هي حركة أولاً لا بأس بها. وهي ثانيا حركة تمثل انعكاسا حتميا لوجود اجتماعي وسياسي. لكن القضية التي تتراءى لي مهمة لأن الحركة الإسلامية؛ كحركة منظمة وليس كتيار شائع؛ دائمًا تظل قدراتها أقل كثيرا من حجمها. فحجمها التنظيمي أكبر من قدراتها الفعالة والمؤثرة في المجتمع. وهذه ليست ظاهرة حديثة في مصر، بل قديمة، وأصحاب الشأن هم الذين يملكون معرفة سببها وليس أنا.

- هل يرتبط هذا التفاوت بين الحجم والتأثير بنظرة هذه الحركة للمشاركة باعتبار أن غرضها الأساسي ذو بُعد ثقافي وليس بُعدا سياسيا، بمعنى أنها تريد نشر أفكارها ودعوتها في المجموع العام، وليس المقصود بها أن يكون لها تأثير سياسي في العملية السياسية المباشرة؟

- من ناحية الأثر الثقافي فهذا الأثر حاصل وموجود، لكن هذه الحركة تحاسب سياسيًا على فعل ثقافي في الأساس. وهذا يتصل ببعد آخر قوامه أن ثمة قضية مهمة لم تحسم بعد؛ هي علاقة الدعوي/الثقافي، بالسياسي.

- هل ترى أنه يجب الفصل بينهما؟

- ليس عندي إجابة محددة على هذا السؤال. أعني أنني لا أستطيع أن أقول لشخص أن عليه أن يضع قدميه بعيدا عن يديه ودماغه. لكن الإشكال أنها فعلاً قضية على مدى عقود من التاريخ لم تحسم، وبقيت هكذا. الحركة الإسلامية تقوم بدور ثقافي مؤثر، وبدور خدمي مؤثر، لكن هذا الذي تنجزه يؤدي لحالة حراك سياسي، ويظل هذا السؤال محيرا. طبعًا ثمة أناس - بحكم تكوينها - يعملون سياسيين، وآخرين - بحكم تكوينهم - يعملوا دعاة فقط. وهذه المسألة تحتاج لتأمل وحسم. وأهل الأمر هم أولى بمعرفة شعابه.

- إذا؛ ما تقييمكم المجمل لخبرة مشاركة الإسلاميين؟ هل هذه المشاركة التي امتدت قرابة سبعة وعشرين عاما كان لها تأثير إيجابي فيما يمكن أن نطلق عليه زيادة مساحة الديمقراطية في النظام السياسي المصري؟ وهل كان التأثير متبادلا؟ أي هل تأثرت الحركة نفسها بالمناخ الديمقراطي والقيم الديمقراطية؟

- الحركة الإسلامية نفسها أصبحت أكثر انفتاحًا على الجوانب الديمقراطية وأضحت أكثر استهدافًا لها مما كانت من قبل. ففي الأربعينيات والخمسينيات لم تكن هكذا حقيقة. الآن أصبحت أكثر انفتاحًا على جوانب الديمقراطية. وأنا أتصور بالنسبة لمصر أن الديمقراطية ستؤدي إلى مزيد من المزج بين الدعاوى السياسية المختلفة وبين المرجعية الإسلامية، وأن الديمقراطية ستتيح لهذا المزيج أن ينمو وأن يكون أكثر فعالية في المجتمع المصري.

- هل تعنون أن تبني المشروع الديمقراطي للحركة الإسلامية يفيد الثقافة الإسلامية أكثر من غيرها؟

- طبعًا؛ وأؤكد على أنه لن توجد ديمقراطية حقيقية وتتحقق فعلاً بدون امتزاج الدعاوى السياسية بالمرجعية الإسلامية بشكل كامل، القائم حاليا هو ديمقراطية النخب. وهي نخب مميزة ونخب حرة جدًّا وديمقراطية جدًّا؛ لكن كان ينقصها هذا العنصر: عنصر امتزاجها بثقافة الشعب. الآن يستطيعون أن يؤثروا في المجتمع تأثيرا شعبيا كاملا. وما كان لهذا المزيج أن يخلق لولا ظهور حركة الإخوان.

- هل ثمة قيمة مضافة حققها الوجود الإسلامي بممارساته للعملية الديمقراطية وسط الناس؟ عندما نقارن الفترة الراهنة بفترة أواخر السبعينيات وانتفاضة 1977، وهذه الحيوية التي كانت موجودة في الشعب حيال القضايا التي تمس حياته، هل اليوم تراجع هذه الحيوية يعطي مؤشرات لدور سلبي أم لحالة استبدال ثقافي، استبدلنا ثقافة الاحتجاج بثقافة المشاركة، أم أن ما حدث هو انسحاب وتآكل في الرغبة العامة الشعبية في المشاركة؟ نحن نشعر أن المشاركة خلال الفترة الماضية لم تفض إلى إعطاء الشعب حيوية واستعداد لكي يتحمل التكلفة الاجتماعية للتغيير. بل على العكس. فما رأيكم في هذا؟

- قضية الحركية الشعبية مختلفة قليلا عن قضية المشاركة. قضية الحركية الشعبية مرتبطة أساسًا بالتشكلات التنظيمية، حيث يكون للحركة قدرة على بناء تشكلات تنظيمية قادرة على التحريك الواسع للجماهير، وحين لا يكون لك هذه التشكلات فلن تستطيع تحريك الجماهير؛ مهما عظم نفوذك الثقافي. الحركية الشعبية تحتاج إلى تنظيم يؤدي إلى تحريك الناس. أنا لا أستطيع أن أحرك يدي هذه من أسفل لأعلى إلا إذا كان ثمة شبكة شرايين، وشبكة أعصاب تسري وتتولى تحريك اليد.

الحركية محتاجة لأمر آخر هو الفاعلية والحضور التنظيمي. التشكلات التنظيمية هذه مضروبة، نراها في النقابات العمالية، وفي النقابات المهنية، وفي الجمعيات المختلفة، وفي الامتدادات المفترضة للأحزاب التي يفترض أن تقود تحركات الناس، هذه الامتدادات التنظيمية ليست موجودة كلها، وهي التي تؤثر على مدى الانتشار وعدم الانتشار الشعبي.

ومع ضربة عبد الناصر للإخوان المسلمين في الخمسينيات والستينيات- ضربهم كقوة سياسية - لم يكن المشروع السياسي يعتمد على المرجعية الإسلامية آنذاك، ولكن كان ثمة انتشار للإسلام، وكان ثمة حضور ثقافي له، بدليل أن أكثر حركة شبان خرجت إسلامية وتزعمت ودعمت الحركة الإسلامية بعد ذلك في السبعينات، هم الشبان الذين تربوا في مدارس وإعلام عبد الناصر في الستينيات، وهؤلاء قاموا بتشكيل الحركة الإسلامية في السبعينيات والثمانينيات بعد ذلك. آنذاك تجد كتب التراث وقد أتيحت بشكل شعبي رخيص التكلفة جدًّا، وكانت تباع على الأرصفة أيام عبد الناصر. وكان ثمة أمثال الشيخ محمد الغزالي والشيخ السيد سابق وثمة أيضا أناس من قيادات الحركة الإسلامية اليوم تربوا في منظمة الشباب في الحقبة الناصرية، رغم الحضور قوي للاتجاه الماركسي. ما أريد أن أبينه هنا أن الإسلام أكبر كثيرا في مصر من أن تحاول معاول الهدم هدمه. وفي نفس الوقت أغلب المهنيين المصريين، الذين تكونت منهم الطبقة الحاكمة في مصر في الخمسينيات والستينيات، هذه الطبقة كانت مسلمة، وكان الإسلام عنصرا ثقافيا ثابتا غير هين لديهم.

وبالنسبة للحركة الإسلامية فقد أنتجت تأثيرا ثقافيا بالنسبة للشعب طبعًا، وجهدها في هذه المساحة ليس بقليل حقيقة. وظاهرة التأثير الثقافي هذه عايشناها بأنفسنا. وقد عاصرنا في السبعينيات والثمانينيات، عندما كان الناس بشكل صامت يتأثرون ويتغيرون، فتجد السيدات يرتدين الحجاب، وتجد الرجال يخلعون خواتم الزواج المصنوعة من الذهب ويلبسون الخواتم الفضية، ولم يكن أولئك في الحركة الإسلامية، كان هذا التحول بفعل وبتأثير هذا الزخم. أنا كنت أراها في العمل، وبدأت ألاحظ هذه الحركة في تمددها. وهذا مسجد الطريقة الشاذلية الذي بجانبنا، كنا نصلي فيه التراويح، فتجد فيه صفا أو صفا ونصف بالكثير، واليوم صار لا يسع الناس. هذه ظواهر حدثت أمام أعيننا، ونحن كشهود على الحياة نفسها.

- تساءلنا أيضا عن الثقافة السياسية الناجمة عن هذه المشاركة. هل أسهم حضور الحركة الإسلامية في الشارع المصري تاريخيًا في تعزيز وتطوير الثقافة السياسية للشارع المصري باتجاه أكثر اعتناقا للديمقراطية وأكثر استعدادًا لتحمل التكلفة الاجتماعية للتغيير.

- نعم في تصوري. لقد حصل أمران في الناحية الفكرية الثقافية. ففي أوائل القرن العشرين كان هناك انشقاقًا بين أهل المحافظة الإسلامية وبين أهل التجديد الإسلامي. وكان المحافظون الإسلاميون مسيطرين على الأزهر، ويشعرون أن الثقافة القادمة من الغرب والفلسفات القادمة من الغرب مصدر تهديد لمعتقدات الناس، وكانت بواباتها صحف الغرب التي تنطق بالعربية مثل صحيفة المقطم وغيرها. وبدأ هؤلاء يدخلون في المعالجات الفلسفية في محاولة لاجتثاث الإسلام من أصوله، وكانت مقاومة المحافظين متمثلة في أن يحافظوا على الثوابت وعلى الأصول. وساد شعار: لا تجديد وأنت تدافع. وكان المنطق في هذا التوقيت بدون حرج: وأنت تدافع ثبت قدميك أكثر مما تحركها، فإن حركتها فمن الممكن أن تعود للوراء. كان هذا فكر المحافظين. وإلى جانبهم؛ كان ثمة المجددون، وكانت مقولتهم أنه لكي يكون للإسلام حضور؛ فلابد وأن يتجدد، فقاموا بدور ثان، لكن هذا الحضور المزدوج أدى إلى تصارع المجددين والمحافظين برغم أن كليهما كان يخدم الإسلام ويذود عنه.

انتهى هذا الصراع وأصبح التجديد والحفاظ على الأصول شيء واحد في النصف الثاني من القرن العشرين على يد أمثال الشيخ محمد الغزالي والشيخ السيد سابق، والدكتور يوسف القرضاوي. وبتنا نرى التجديد والمحافظة لحمة واحدة لدى هؤلاء العلماء والمفكرين.

الخطوة التالية التي شهدها آخر الثلث الثاني من القرن العشرين، أن العلماء اتجهوا للتخصصات، وبدأنا نرى الاقتصاديين الإسلاميين، وعلماء الاجتماع الإسلاميين، وحتى كلية الاقتصاد والعلوم سياسية بها اليوم اتجاه إسلامي معتبر أكاديميا يعرف علوم الغرب تمامًا، ويتخصص في هذه العلوم السياسية مستوعبا ضمن توجهاتها ذلك التوجه الإسلامي الحضاري. والمطالع للمشهد الثقافي اليوم يجده أكثر تنوعًا وأكثر ثراءً مما كان عليه الأمر في بداية القرن العشرين على الصعيد الفكري الإسلامي. وجيلكم هو من يمثل هذه الخطوة، يستوعب كل الأفكار العالمية والداخلية الحديثة، وينتج من هضمها هذا المزج الثقافي.

ما أقصده أن عدم وجود حركة شعبية في الشارع مؤثرة وقوية؛ لا يفهم منها ضعف الفكرية الإسلامية، هذا لا يعود إلى ضعف الفكرة الإسلامية، إنما يعود إلى جانب تنظيمي في تقديري.

- ما رؤيتكم لاتجاه التدافع ما بين نظام الجماعة الوطنية الذي ينتظم مشروعك الفكري/السياسي وبين نظام الملة الذي تحدثت عن عودته بصورة أو بأخرى في مقالاتك الأخيرة بصحيفة الشروق؟ وهل تعتقد أن نظام الملة يمثل حقبة تاريخية انتهت، أم أنه يمثل بنية اجتماعية يمكن أن تعود في المستقبل؟

- بالحديث عن مصر، نحن تحولنا منذ فترة عن نظام الملة إلى نظام يربط كل فرد في هذا الوطن بوطنه؛ وهو نظام المواطنة. قديما؛ كان النظام القائم هو نظام الملة، والذي كان يعني - فيما يعني - أن ينظر لكل صاحب دين باعتبار أن دينه يمثل إطارا مرجعيا كليا له، وأن يترك له أن يتحاكم إلى ملته وفق نظم هذه الملة وأحكامها. هذا النظام كان قبل التحرر وتثبيت أركان الدولة الوطنية، ويبقى لغير المسلمين مجالسهم الملية الخاصة بفض المنازعات الاجتماعية؛ والتي تكون بين أفرادها بعضهم ببعض في علاقاتهم الاجتماعية وأنشطتهم، وحياتهم.

وهذا النظام عرفته الجماعة المسلمة أو النظام الإسلامي في القديم، وكان نظاما فيه نوع من الديمقراطية؛ قوامها أن يترك لأهل الملل المختلفة أن يتحاكموا فيما بينهم وفق شريعتهم الخاصة بهم؛ إذا ارتأوا ذلك. لكن ارتبط بهذا النظام أن تلك الملل لم تشارك في بناء الدولة، وفي المجال العام. ولذلك فإن فكرة "لهم ما لنا وعليهم ما علينا"؛ هذه الفكرة كانت تنتظم العلاقات الخاصة بين المسلمين وغير المسلمين في المجتمع المصري.

وفيما يتعلق بتولي الولايات العامة واشتراط ارتباطها بالدين، سنجد إذا طالعنا كتب الفقه؛ ومثالها كتاب الأحكام السلطانية نجدها تنص على أن يكون صاحب الولاية العامة مسلم، في القضاء تجد هذا الشرط، وكذا في إمارة الجند، وفي سائر الولايات. ومرد هذا الاختلاف أن نظام الملل يمثل نوعا من أنواع الحكم الذاتي، أو نظام ذاتي يدير الشؤون الذاتية لأهل الملة، ونظام إدارة الملل يختلف بعض الشئ عن نظام إدارة الولايات الذي يعتمد على النظم الفيدرالية؛ من حيث أن كل ولاية لها أرض، ومن يسكنون أو يعيشون على هذه الأرض تحكمهم الأنظمة المحلية الخاصة بهذه الأرض التي تقع ضمن دائرة معينة بحدود.

نظام الملة ليس فيه أرض. إنما هو جماعة ثقافية، أو فكرية، أو عقيدية، تلتقي على شرعيات معينة، وكانوا أساسًا من المسيحيين في بلادنا (كمصر)، أو المجوس (العراق)، أو اليهود. وكان الانتماء لهذه الملل يبنى على أساس ثقافي، فلم تكن ولايات محددة جغرافيا؛ وليس لها أرض محددة.

وما حدث أن مفهوم الجماعة الوطنية دمج الملل المختلفة في الجماعة الأصلية. وفي إطاره أقيمت الدولة الوطنية على أساس من هذا الوجود المشترك المختلط، وكان ذلك في فترة مقاومة الاستعمار الغربي الذي دخل بلادنا وحكم هذه البلاد. فمع الاستعمار ظهرت حركات وطنية من مجمل ومجموع القاطنين على أرض هذه البلاد، فتكونت جماعة وطنية من العناصر التي شاركت في تحرير الوطن.

ولذلك هنا نقول: قد سقط عقد الذمة لهذا السبب، وحلت محله منظومة المواطنة.

وإثر هذه العلاقة الجديدة؛ أصبحت العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين في هذه البلاد لا يحكمها علاقة ما بين مسلم ومسيحي فقط، إنما مشاركة في تحرير هذه الأوطان مما كانت عليه من الاستعمار.

إن نشأة الجماعة الوطنية لم تكن تعني تحالفًا بين فئات مختلفة، إنما هو امتزاج في إطار مفهوم جديد، ووضع جديد، وانتماء يشمل الجميع، انتماء جامع يشمل المسلمين وغير المسلمين في هذه البلاد، الذين تشاركوا في تحرير وطنهم من المعتدي عليه.

- إثراء للقارئ: ما تعريفكم لمفهوم الجماعة الوطنية؟

- المقصود بالجماعة الوطنية أنها تصنيف يتم وفقًا لمعيار معين وتقوم عليه الدولة. فالدولة في القانون الدولي: هي شعب يعيش على أرض واحدة وتحكمه على هذه الأرض حكومة، والشعب بهذا المعنى هو ما أقصده بالجماعة الوطنية؛ لأنه يتكون وفق للتصنيف الذي يخص خبرتنا هنا والذي يعني الاشتراك في إطار مشروع لتحرير بلادهم، وإنشاء دولتهم المستقلة على هذه الأرض.

في هذه اللحظة التاريخية؛ نظام الملة لم يعد له وجود بهذا الشكل، وأصبح المتشاركون في هذه الجماعة من عناصرها المتعددة والمتنوعة من الناحية الدينية والإقليمية والمهنية وغيرها، يتشاركون في بناء دولتهم، وهو ما سينعكس على تولى الأمور العامة في مصر. هكذا كان الوضع من الناحية التاريخية.

أما من الناحية الشرعية؛ فموضوع الولايات العامة الحقيقة تباين في الرؤى التجديدية عن الرؤى الكلاسيكية. فإذا كان الفقهاء القدامى قد اشترطوا الإسلام لتولي الولايات العامة، فالنظم الحديثة اليوم جعلت تنظيم وإسناد الولايات العامة ليس للأفراد، ولكن للهيئات، بحيث إن الفرد لا يملك شيئا بذاته، فالقرار هو للهيئة مجتمعة، مثل المجالس النيابية، مجلس النواب مثلاً، أو مثل مجلس رئاسي مثلاً، أو مثل المحكمة التي تتكون من خمسة أعضاء أو ثلاثة أعضاء، فهنا الولاية أصبحت للهيئة وليست للفرد. وطالما أن الولاية للهيئة وليست للفرد؛ يمكن للمسلمين وغير المسلمين يمكن أن يتشاركوا معًا في هذا الإطار. وتبقى المرجعية هنا هي المرجعية القانونية العامة التي تحكم النظام القانوني في هذا البلد.

- ما تقييمكم لمفهوم الجماعة الوطنية في ضوء المشهد الراهن الذي يفرض نفسه في مصر: هل نظام الملة كفكرة وكبنية اجتماعية قابلة للتجدد والحضور في المجال العام في المستقبل؛ أم أنها صارت تاريخا يصعب استرداده في إطار استقرار مفهوم الجماعة الوطنية؟

- المشهد المصري يحتاج لبعض التأمل. فعندما يقول أحدهم أن على المسيحيين في بلدٍ معين عليهم أن يتحاكموا إلى مجالسهم الخاصة، وعليهم أن يرجعوا إلى قانونهم الذي يعدونه في هذا الشأن، وأن يحكمهم نصه؛ أنت في هذه الحال تستدعي نظام الملة، وهذا حاصل نسبيا، ويمكن رؤيته من خلال بعض التصريحات الكنسية الأخيرة التي سمعناها. وقد بدأت هذه التصريحات بشكل واضح منذ عام 2008.

- أليست هذه المطالبات مشروعة إسلاميا لارتباطها بإقرار الشريعة بأنهم يحق لهم يتحاكموا إلى شرعتهم؟

- هذا تنظيم تاريخي. نشأ تاريخيًا في إطار الفقه الإسلامي، وباعتبار تاريخيته؛ فإنه من الممكن أن يتغير تاريخيًا نتيجة للظروف التاريخية.

- هل ترى أنه من المهم الآن أن نتحاكم إلى ما يمكن أن نطلق عليه قواعد وآليات وهيئات الدولة الحديثة، وليس إلى ما انتهى إليه الفقه الإسلامي في مسألة إقرار الشريعة لهم بحقهم في إدارة شؤونهم بصورة مستقلة؟

- هذا صحيح، مع ملاحظة أننا نريد أن تكون القوانين التي تصدرها الدولة الحديثة ذات مرجعية إسلامية، حينذاك تكون الهيئة هيئة إسلامية؛ لأن الهيئة تعني مرجعيتها. فعندما يحكم القاضي المدني بقوانين الوصية، والميراث الموجودة في مصر مثلاً، هو يحكم حكمًا وفقًا للشريعة الإسلامية حتى ولو كانت الدائرة القضائية التي تنظر القضية يترأسها قاض مسيحي، فهو يحكم بقوانين الشريعة الإسلامية، وتبقى المحكمة نفسها محكمة مشكلة، ذات ولاية تقبلها الشريعة الإسلامية، والتحاكم هنا يكون للمرجعية الأساسية.

فالمطالبة بعودة الشريعة لا تعني أن تطبق هذه الشريعة في بعدها القانوني مباشرة من الأفراد على شئونهم، إنما أن تصدر بها نصوص قانونية، وتكون الشريعة مرجعية لهذه القوانين، وتصدر القوانين وفقًا لرأي ما من الآراء الموجودة في الفقه الإسلامي، أو مما تسعه الشريعة أو الفقه الإسلامي من آراء. ولا يفوتنا أن ننوه إلى أن "ولي الأمر" في الفقه الإسلامي التقليدي يستطيع أن يرجح من بين الآراء المتنوعة التي يسعها نص من النصوص؛ فبإمكانه أن يرجح معنى من المعاني ويلزم به القضاء في هذا الأمر.

- نود أن تلقوا مزيدا من الضوء على قضية احتمال تحول الحركة التاريخية المصرية عائدة مرة ثانية بالقوى الاجتماعية المصرية؛ وبخاصة الطوائف، إلى النظام الملي على مستوى الممارسة، واسترداد هذا النظام مرة أخرى؟

- ما حدث مؤخرا هو ظهور اتجاه بين المسيحيين في مصر يطالب بتطبيق شرائعهم الخاصة، وأن يكون هذا التطبيق مقيدا لهيئة القضاء المصري أو تقوم به مجالس أخرى، وعلى أن تلتزم هذه الهيئات والمجالس بما تقرره الهيئات الخاصة للأقباط. هذا الخطاب ظهر بين أشخاص مسئولين داخل الإطار الكنسي المصري. وأوضحنا للجميع أن هذا الخطاب من شأنه أن يعيدهم ويعيدنا إلى نظام الملة من جديد، هل هم يقبلون هذا أم لا؟ هذه قضية أخرى. وعليه، من الممكن أن يعود نظام الملة مجددا، ويمكن أن نكرس نظام الجماعة الوطنية، وهذه حركة تاريخية، فما تستقر عليه الجماعة سياسيًا من أوضاع متعلقة بتحديد علاقات فئاتها بعضهم وبعض، سيكون هو المستقبل.

ففي عالمنا العربي هناك مثلاً نظام القبيلة الموجود في بعض المناطق؛ حيث يكون الحكم للقبيلة، ولهذا النظام خصوصياته في الحكم. وهناك مناطق تشهد حضورا قويا لنظام الطوائف، ولهذا النظام ودواعي حضوره خصوصياته وقدرته على التعامل مع الأوضاع الخاصة بهذه الدول. فالمسألة تاريخية، مسألة واقع تاريخي في منطقة معينة أو في بلد معين. فمن الممكن للحركية التاريخية أن تؤدي بنا إلى الذهاب إلى نظام الجماعة الوطنية، ثم العودة إلى نظام الملة من جديد ممكن، هذا وارد الحدوث إذا تراضى الناس على هذا الوضع في وقت من الأوقات، وهذا ما أرى أن نقاومه وأن نتمسك بمفهوم الجماعة الوطنية.

لكنني أردت أن أؤكد أن هذه المعاني التي تقال في هذا الشأن، من ناحية أن يكون هناك قوانين، أحكام خاصة يلجأون إليها مباشرة قفزًا على قوانين الدولة، ودون الرجوع إلى الدولة لتحديد هذا الأمر، وأن يكون مجالس خاصة تقضي بهذا، هذا عودة لنظام الملة.

- ألا ترون أن المطالب القبطية نسبية ولا تنطبق في مجمل الأحكام، وإنما فقط في مساحة الأحوال الشخصية وما يتعلق بها. ألا ترون أن الطرح القبطي لا يعني رفض الجماعة الوطنية؟

- حتى لو كان المقصود هو دائرة الأحوال الشخصية. فأن يكون لك القدرة على أن تنشئ القواعد القانونية الخاصة بك في فترة من الفترات، وتعدلها كما تشاء في إطار الملة دون الرجوع إلى قواعد الدولة، ودون احتياج لاستلهام رؤية الدولة وتنظيمها لهذا الأمر، فأنت في هذه الحال تعود إلى ظواهر الملة.

وبرؤية مقارنة؛ فهذا المنطق لا نجده عند أولئك الذين ينادون بتطبيق الشريعة الإسلامية. فهم لا يرغبون في أن يتحاكموا إلى الشريعة مباشرة، بل يطالبون أن تصدر القوانين وفقًا للمرجعية الإسلامية، ولتختار الهيئات العامة الرأي الذي ستنتهي إليه من بين الآراء المتعددة والمتنوعة الموجودة في الفقه الإسلامي في أي مسألة من المسائل، كما هو شأننا الآن بما تفعله الدولة في شأن قوانين المواريث والوصية والأحوال الشخصية.

- لكن ألا ترون أن ضغوط القوى السياسية أمر مقبول؛ حيث ثمة آليات في المجال العام تلجأ إليها جماعة ما للتعبير عن مصالحها، وتبلغ أحيانا درجة تبني قوانين وتحاول أن تصوغها وفق رؤيتها وتكون تعبيرًا عن مصالحها؟

- هذه الجماعات لا تتبنى قانون، إنما تقترح قانون، وما تفعله في هذا الشأن مشروع، وعندما توافق عليه الدولة يصير قانونا. وأنا لا أقصد الدولة هنا بالمعنى المركزي أو السلطوي أو الاستبدادي، بل أقصد دولة بمعنى التشكيلات الديمقراطية الموجودة في الدولة.

إن الدولة هي صاحبة الولاية العامة، والولاية العامة هي إنفاذ قول على الغير غير المحدد أو غير المعين، بعكس الولاية الخاصة التي هي إنفاذ قول على غيرٍ محدد بذاته، مثل الوكالة، والوصاية على القصَّر. والولاية العامة لا بد وأن تُمارس فقط من قِبَل الجهة صاحبة الولاية العامة.

- هذا برأيكم يعني مشروعية قيام غير المسلمين بصياغة قانون متعلق بالأحوال الشخصية الخاصة بهم، إذا سلك هذا المقترح آليات الدولة في إنتاج القوانين؟

- طبعًا هنا يكون مشروعا. وهو عين المطلوب. فبطبيعة الحال، حين يصدر قانون يتعلق بالأحوال الشخصية لغير المسلمين، لابد وأن تكون مرجعيته هي مرجعيتهم الدينية. فليس المطلوب من قانون كهذا أن يحلل حراما في دينهم، أو أن يحرم الحلال عندهم. لكن المهم أن يصدر مِن الهيئة صاحبة الولاية العامة، وليس عبر تجاوز هذه الهيئة.

- هل أطروحتكم هذه تعبير عن حالة تجديد في الفقه؛ تجاوز فيها رؤيته التقليدية ليتجه لاستيعاب مفهوم الدولة القطرية/القومية، ومن ثَم يباشر تجديده في إطار هذا الظرف التاريخي الجديد بإبطال مفاهيم قديمة كالذمة وبناء واستيعاب مفاهيم جديدة كالمواطنة وولاية الهيئات؟

- ما معنى التجديد الفقهي وكيف يتم؟ التجديد في الفقه هو تحريك النص الثابت على واقع متغير. المعضلة كلها كيف يكون النص ثابتا والواقع متغيرا، ونحن نقوم بتحريك النص الثابت مع الواقع المتغير. وهذه الحركة تأخذ شكلين:

الأول: يتمثل في استخلاص معنى من النص، مما يسعه النص من معانٍ ينطبق على الحالة الموجودة.

والثاني: يتمثل في تكييف الواقعة نفسها، وتشكيلها بالشكل الذي يجعلها تندرج تحت حكم النص، وكثيرا ما نقوم بهاتين العمليتين مع بعضهما البعض.

التجديد يتعلق بالمواءمة ما بين نص ثابت له معان متنوعة كما يقول الفقهاء الإسلاميين؛ فهو ليس مضيقا ولا معيارًا، ولكنه موسع وظرف؛ لأنه لا يسع غيره من جنسه. وأغلب النصوص بهذا الشكل. ومثال ذلك الصيام في رمضان. فالوقت في رمضان محدد بمعيار، أنه من الفجر لغاية المغرب. على عكس الوقت في الصلاة؛ فالصلاة في الإسلام موسعة وظرف لأنها تسع غيرها من جنسها؛ فوقت الصلاة يتسع لساعتين أو أكثر تستطيع أن تصلي فيه. وتختلف النصوص فيما بينها وتتنوع في مدى الضيق والسعة التي يحتملها النص في تطبيقه. فالنص هنا مثل الطريق في اتساعه، له يمين وله يسار وله وسط. وقد يتسع أو يضيق، ولكن له حدان في النهاية؛ لا تستطيع أن يخرج عنهما، وداخل هذين الحدين تستطيع أن تتحرك وفقًا للواقع الذي أمامك، والأحوال التي أمامك.

لذلك تحدث الفقهاء في كتبهم عن إجمال ما يتغير، وتفصيل ما لا يتغير. ما لا يتغير هذا يبقى مضيق ومعيار، وإجمال ما يتغير ضروري لإعطائك السعة المطلوبة، ولاستيعاب تغير الأوضاع. فنحن عندما نعمل في هذا الموضوع، نفكر بطريق ما لا يسعه النص من أوضاع، وفي هذه الحالة نلجأ إلى تشكيل الوضع نفسه بالشكل الذي يقبل إسقاط النص عليه. وكلا الشكلين يحققان مقتضى مرجعية الشريعة.

- كتبتم صيغة عن الولايات الاجتماعية، ونظام الطوائف ونظام الطوائف والحرفية، التي تتمتع بالإدارة الذاتية وتمثل انتماءات فرعية، هذه الأبنية، غابت مع نظام الجماعة الوطنية، وثمة من يسعى لاستعادتها من خلال مشروعات سياسية واجتماعية أو من خلال أفكار،.فهل ترون أنها مرحلة تاريخية انتهت، ولا سبيل لمعاودتها أو لاستعادتها؟

- يقينًا في تصوري لم ينته، بدليل ما تقوله بنفسك بخصوص جماعات الانتماء الفرعية. لا يوجد انتماء وحيد للإنسان. وإذا وضعت أي إنسان في وسط مجموعات من الناس، تستطيع أن تصنفه داخل هذه المجموعات تصنيفات لا تعد: وفقًا للثقافة، أو وفقًا للمهنة، أو وفقًا للدين، أو وفقًا للإقليم الذي يعيش فيه، وحتى وفقًا للطول والقصر، وفقًا للبياض والسمار. يمكنك أن تصنفه وفقًا لكل شيء.

من هذه التصنيفات ما نسميه انتماء فرعي. انتماء فرعي بأي معني؟ الانتماء الفرعي هو انتماء محكوم بغيره. حيث ثمة انتماء حاكم. فهذه الانتماءات المتعددة والمتنوعة ينظمها انتماء حاكم، هذا الانتماء الحاكم هو المقصود بالجماعة الوطنية. وهو التصنيف الأساسي الذي تتفتق عنه الحركة التاريخية، وأدت إلى أن يكون هو حاكمًا لهذه الانتماءات الفرعية المختلفة في الحركة.

والانتماءات الفرعية المعتبرة ليست ثابتة، بل تتغير وفق الحركة التاريخية، وتتبادل المقاعد فيما بينها. فإبان الدولة العثمانية كان الدين هو معيار الانتماء الحاكم للجماعة السياسية الموجودة وقتها، وكانت الانتماءات القومية انتماءات فرعية، وتبدل الوضع في الفترة الناصرية؛ حيث كان الانتماء القومي هو التصنيف والانتماء الحاكم. وفي فترة من الفترات كان الانتماء الثقافي هو الانتماء الحاكم في دولة مثل الاتحاد السوفيتي، حيث كانت الشيوعية هي الانتماء الحاكم، وهي مذهب فكري وعقيدي. ولذلك كل القوميات والأديان وغيرها انتماءات فرعية. هذه المسألة لا يحكمها أنا ولا أنت، بل تحكمها الحركية التاريخية، ونحن نساهم فيها ونشارك فيها، ونحاول أن نعلي انتماء على انتماء آخر، إنما في النهاية يحكمنا انتماء حاكم واحد فرضته علينا الحركية التاريخية في مرحلة معينة، وصار من الواجب علينا أن نتعامل على أساسه ما دام باقيا ومسيطرا.

- هل هذا يعني أنه ليس ثمة انتماء حاكم يمكن أن نقول إنه انتماء يقبله النظام الإسلامي؟

- الانتماءات الحاكمة في تاريخ البشرية فيما أتصور يمكن تحديدها في ثلاث انتماءات:

أولها: انتماء النسب وعليه قام نظام القبيلة، وهذا كان في فجر الإسلام يمثل انتماء سياسيا حاكما، وفي هذا الإطار قام بنو هاشم بحماية الرسول عليه الصلاة والسلام رغم أنه كان ذي عقيدة مناقضة لعقائدهم بل ومزيلة لهذه العقائد كلها.

الانتماء الثاني هو: الانتماء الديني.. ودول كثيرة جدًّا نشأت وفق الانتماء الديني، وكان الدين هو الحاكم.

والانتماء القومي هو ثالث هذه الانتماءات الأساسية التي عرفها التاريخ، كانتماءات حاكمة.

وحركية المجتمعات التاريخية هي التي تحدد هيمنة أحدها. ونحن نشارك في صياغة هذه الحركية وتفاعلاتها، ولكننا في النهاية نخضع لها عندما يسود وجه انتماء معين على غيره، ونتعامل معه.

- أليس من بينها الانتماء الطبقي، أو الاجتماعي؟ نقصد أن التعبير عن المصالح الاقتصادية ليس من الانتماءات الحاكمة؟

- نعم، هذه ليست انتماءات حاكمة. وجود تعبير سياسي عن مصالح اقتصادية ممكن وجوده في بؤرة السلطة، لكن هذا الوجود حصل كعقيدة عند الاتحاد السوفيتي وليس متمركزا حول معيار المصلحة الاقتصادية. فقد كانت العقيدة الحاكمة هي العقيدة الشيوعية، وكان الانتماء الحاكم هو هذا المذهب والاقتناع به.

ولا نستطيع أن نصوغ أي من هذه الانتماءات باعتبار أنها تمثل صورة تخلف، وانتماءات أخرى تمثل صورة التقدم، كما كان الحال في هذه العقيدة. الانتماءات لا توضع على سلم التخلف والتقدم، هذه حركات تاريخية. وحتى الاتحاد السوفيتي الذي كانت عقيدته ترى أنها سلم التطور في العقائد ومعايير الانتماء، كان انتماؤه قبل ثورة 1917 انتماء قومي هو روسيا، وبعد الثورة صار له انتماء أتصور أنه ديني: الماركسية، لكنه لم يلبث في بداية تسعينات القرن العشرين أن عاد ثانية للانتماء القومي من جديد.

وفي أوروبا مثل آخر، حيث كان الانتماء لديني في البداية هو الحاكم، ثم صار الحاكم فيها ذلك الانتماء القومي، وبعد ذلك عاد انتماءً دينيا في فترة لاحقة بظهور العقيدة الشيوعية، هذا يعني أني لا أستطيع أن أقول إن أي من هذه الانتماءات متطور/متقدم أو متخلف، وأحاكمها بمعايير التقدم والتخلف كما يريد الغرب أن نضعه في هذا الشكل، إنما هي حركية تاريخية فيها صراعات تاريخية، وفيها دعوات تتدافع، ويحدث في خاتمة التدافع نجاح لانتماء حاكم معين؛ يفرض نفسه علينا في النهاية ويحكمنا وعلينا أن نتعامل معه.

- هل ترون أن ما نعايشه اليوم ليس إحياء لنظام الملة، ولكنه افتقاد للمعيار الحاكم، وعدم انضواء الأقباط تحت هذا الانتماء الحاكم؟

- ما يحدث اليوم هو تحدٍ للانتماء الحاكم. والتحدي بطبيعته لا يفرز دولة، لأن الدولة كما قلنا شعب على أرض عليه حكومة. وفي حالة مصر، لا يوجد الأرض المحددة المتحيزة للشعب المعين. من الممكن الحديث عن وجود مثل ذلك الوجود المتحيز إقليميا في حالة السودان؛ إنما في مصر لا توجد هذه الحالة. ولذلك أقصى ما يصل إليه تطور الوضع الحالي هو نظام الملة. فنحن ليس لدينا في مصر أقاليم جغرافية معينة غير إسلامية ذات وضع ديموجرافي ذو وزن عال.

- الصورة هنا برأيك تعني إحياء نظام الملة في إطار تحدي الانتماء الحاكم، وليس إحياء نظام الملة فقط؟

- نعم، هو تحدي لمعيار الجماعة الوطنية الحاكم.

- كنا في حاجة لترسيم حد آخر يتعلق بما أثاره المستشار البشري عن مفهوم الجماعة الوطنية. فماذا تبقى من مفهوم الأمة بتكويناته في ظل تكريس مفهوم الجماعة الوطنية؟

- الأمة مفهوم يمثل التصنيف الجامع للجماعات الوطنية المتعددة التي يغلب عليها المسلمين. فالجماعة الوطنية التي يكون المسلمون أغلبية فيها، يحدث فيها التشكل الثقافي والهوياتي بصورة تحددها الجماعة الإسلامية وفق أصولها الفكرية الإسلامية. هذه الفكرية الإسلامية تتحدد بموجب توجه الغالبية، أو توجه الأكثرية ولن أستعمل مفهوم الغالبية لأن فيها غالب ومغلوب. والأكثرية مفهوم يربطنا بالسنة النبوية: "تكاثروا فإن مباه بكم الأمم يوم القيامة".

- هل معنى المباهاة هنا الأكثرية في تشكيل الجماعات الوطنية المختلفة؟

- نعم، وتبقى الأمة الإسلامية هي التصنيف الذي يجمع كل هذه الجماعات السياسية التي يغلبها عليها أكثرية مسلمين.

والله أعلم

المصدر: موقع أون إسلام

 
حوار: وسام فؤاد - عبد الله الطحاوي
تاريخ النشر:2010-12-04 الساعة 15:44:34
التعليقات:0
مرات القراءة: 1982
مرات الطباعة: 541
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan