الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » فقه الدعوة

الحلم.. وأثره في الدعوة إلى الله

د. حمزة الطيار

 

الحلم من أبرز الأخلاق التي تتجلى فيها سماحة الإسلام، قال ابن منظور: «وحلم يحلم حلماً تأنَّى وسكن عند غضب أو مكروه مع قدرة وقوة، والحليم في صفة الله عزَّ وجلَّ معناه: الصبور، وقيل: هو الذي لا يستخفه عصيان العصاة ولا يستفزه الغضب عليهم، ولكنه جعل لكل شيء مقداراً فهو منته إليه».

وقال الراغب في المفردات: «الحلم ضبط النفس والطبع عند هيجان الغضب».

وقال الجرجاني: «الحلم هو الطمأنينة عند ثورة الغضب، وقيل: تأخير مكافأة الظالم أي مجازاته بظلمه». وقد حث القرآن الكريم على خلق الحلم فهو صفة من صفات الله – عزَّ وجلَّ – قال تعالى: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 225]، وقال سبحانه: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} [الإسراء: 44].

قال الإمام الطيبي: «والحليم من أسماء الله الحسنى وهو الذي لا يحمله غيظ على استعجال العقوبة والمسارعة إلى الانتقام، وحاصله راجع إلى التنزيه عن العجلة وحظ العبد منه أن يتخلَّق به ويحمل نفسه على كظم الغيظ وإطفاء ثائرة الغضب بالحلم، قال الشيخ أبو القاسم: وإنما يلذ حلمه لرجاء عفوه لأنه إذا ستر في الحال بفضله، فالمأمول منه أن يغفر في المآل بلطفه، قال القاضي: الفرق بين الحقود والحليم: أن الحقود يوخر الانتقام انتهازاً للفرصة، والحليم يؤخره انتظاراً للتوبة».

وإذا كان الحلم من صفات الله –عزَّ وجلَّ– فهو أيضاً من صفات الأنبياء، قال سبحانه عن نبيه إبراهيم عليه السلام: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: 114]. وقال عن إسماعيل عليه السلام: مبشراً أباه به: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} [الصافات: 101]. وقال قوم شعيب عليه السلام عنه كما حكى القرآن: {قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود: 87]. ومن حلم الله بعباده عدم تعجيل الشر لهم قال تعالى: {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [يونس: 11].

وإذا كان القرآن الكريم قد حثّ على الحلم وجعله من صفات الله سبحانه وصفات أنبيائه، فقد دعت السنة النبوية إلى التخلُّق بخلق الحلم وتعظيم أمره، وتمجيد الأناة التي هي من الحلم أو قرينته، فعن أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه– أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للمنذر بن عائذ – أشجّ عبد القيس -: (إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة).

ومن مظاهر سماحته وحلمه –صلى الله عليه وسلم– ما رواه أبو هريرة –رضي الله عنه-: (دعوهُ، وهَريقوا على بوله سَجْلاً من ماء –أو ذنوباً من ماء– فإنما بُعِثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين).

«فقد علم الرسول –صلى الله عليه وسلم– في هذا الحديث كيف تكون سماحة الأخلاق بالحلم مع الجاهلين، وكيف يكون الرفق بهم وكيف يجب أن يكون الدعاة إلى الله دعاة الحق والخير والفضيلة ميسرين لا معسرين».

وفي رواية أخرى عن أنس –رضي الله عنه– قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله إذ جاء أعرابي، فقام يَبُولُ في المسجد، فقال أصحاب رسول الله: مَهْ مَهْ. قال: قال رسول الله: (لا تُزْرِمُوهُ. دَعوهُ) فتركوه حتى بال. ثم إن رسول الله دعاه فقال له: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر. إنما لذكر الله عزَّ وجلَّ، والصلاة، وقراءة القرآن)، أو كما قال رسول الله. قال فأمر رجلاً من القوم، فجاء بدلو من ماء، فَشَنَّه عليه.

ففي الرواية الثانية زيادة مفيدة، تبين حكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم التربوية لهذا الإعرابي الجاهل بآداب المساجد، وهي تدل على حلمه وسماحته صلى الله عليه وسلم وحسن سياسته وهذا الخلق العظيم هو الذي ملك به قلوب أصحابه – رضي الله عنهم – وفرض به احترامه على أعدائه.

إن دعوة الناس إلى الإسلام تحتاج إلى الحلم خاصة مع الجاهلين، لأن الحلم يعد من مفاتيح شخصيات كثير من الناس، لأن الداعية حينما يفقد الحلم فإنه يفرق أكثر مما يجمع وينفّر أكثر مما يؤلّف، ومن ثم فإن تحلي الداعية بالحلم يجعله متسامحاً مع المدعوين مراعياً لأحوالهم وظروفهم وهكذا كان صلى الله عليه وسلم في دعوته فعن أنس –رضي الله عنه – قال: (كنت أمشي مع رسول الله، وعليه رداء نجراني غليظ الحاشية. فأدركه أعرابي. فجبذه بردائه جبذة شديدة. نظرت إلى صفحة عنق رسول الله وقد أثرت بها حاشية الرداء. من شدة جبذته. ثم قال: يا محمد مُرْ لِي من مال الله الذي عندك فالتفتَ إليه رسول الله. فضحك ثم أمر له بعطاءٍ).

فأي احتمال أشد من هذا الاحتمال، وأي عفو أشد من هذا العفو؟ أعرابي يجذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤثّر في عاتقه ويلتفت إليه وهو يضحك ومع ذلك يلبي طلبه بكل سعة وارتياح، فصلوات الله وسلامه على هذا النبي الرحيم بالأمة.

وإذا كان هذا الأمر يواجه أفضل الخلق – محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم – ومع ذلك يتحمل ويعفو ويسامح فغيره من باب أولى، وهذا يبين مدى سماحة أخلاقه صلى الله عليه وسلم.

ومن أعظم الأمثلة التي ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته والتي تدل على سماحة خلقه وشدة حلمه وعفوه ما روته أم المؤمنين عائشة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: (لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم استفق إلا بقرن الثعالب. فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني. فقال: إن الله عزَّ وجلَّ قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. قال: فناداني ملك الجبال وسَلَّم عَليَّ. ثم قال: يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربُّكَ إليك لتأمرني بأمرك. فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال له رسول الله: بل أرجو أن يُخرجَ اللهُ من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئا).

هذا الحديث يبيّن بوضوح سماحة الأخلاق والعفو والحلم الذي جبل عليه الرسول صلى الله عليه وسلم يأتي ملك الجبال في ساعة ضيق وحرج من القوم ويأتي إليه لكي ينتصر له وأي نصر؟ إنه هلاك القوم.

لكن نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم بعيدة وبعيدة، فهو لا ينظر إلى الساعة التي هو فيها فقط، ولكنه ينظر إلى المستقبل البعيد، لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله، فعلاً أصابت نظرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج من أصلابهم آلاف الرجال الأفذاذ الذين عبدوا الله على أكمل وجه. لقد كانت نظرة النبي صلى الله عليه وسلم بعيدة تجاوز فيها آلامه النفسية والجسدية واستشرف الأفق الرحب للدعوة الإسلامية، لأن هداية الناس إلى الإسلام هي الغاية التي يسعى إليها ولأن تعبيد الناس لخالقهم هو الهدف الأسمى، ومن ثم فإن سماحة خلقه صلى الله عليه وسلم وحلمه كان لها الأثر العظيم في دعوته. ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائماً يوجه أصحابه إلى عدم مقابلة الإساءة بالإساءة، وإنما يدعوهم دائماً إلى السماحة والعفو والإحسان والتحمّل لمعرفته صلى الله عليه وسلم بما يصلح النفوس، فالعفو والتسامح أقرب إلى الإصلاح من المقابلة بالمثل.

لقد شكا أحد الصحابة ما يجده من أقربائه من سوء المعاملة رغم إحسانه إليهم، فأمره بالاستمرار بحسن معاملته وبيَّن له النتيجة في النهاية. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني. وأحسن إليهم ويسيئون إلي. وأحلم عنهم ويجهلون عليَّ. فقال صلى الله عليه وسلم: (لئن كنت كما قلت، فكأنما تُسفهم الملَّ. ولا يزالُ معك من الله ظهير عليهم، ما دمت على ذلك).

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فما تعدون الصُّرَعَة فيكم؟ قال: قُلنا: الذي لا يصرعُهُ الرَّجالُ. قال: ليس بذلك. ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب).

وكلما ربا الإيمان في القلب ربت معه السماحة وازداد الحلم، ونفر المرء من طلب الهلاك والغضب للمخطئين في حقه فقد قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ادع على المشركين، فقال: (إني لم أبعث لعاناً، وإنما بعثت رحمة).

وعلى قدر ما يضبط المسلم نفسه، ويكظم غيظه ويملك قوله، ويتجاوز عن الهفوات، ويرثى للعثرات تكون منزلته عند الله.

إن الدعاة إلى الله تعالى أحوج الناس إلى خلق الحلم لأنهم قد يصادفون من المدعوين من هو فظ غليظ، ومن هو متجاوز حده ولا يفلح مع هذا الصنف إلا الحلم وسماحة الخلق، حيث يستطيع الداعية من خلال تحليه بسماحة الخلق أن يستوعب أصناف المدعوين.

«إن الداعية الحكيم لا بد أن يتحلى بسعة الصدر وجميل الصبر حتى تثمر دعوته ويحقق أهدافه، ويبلغ غايته. ويخطئ أفحش الخطأ من يظن أن المشكلات الفردية أو العادات الاجتماعية يمكن أن تعالج بجرة قلم أو قوة سلطان، أو فورة غضب فإن تغيير السلوك الفردي أو الاجتماعي ليس كتغيير شيء من الجماد عن موضعه، وإن فطم النفس عن المعصية إذا ألفتها واعتادت عليها من أشق الأمور وأصعبها، والداعية الأريب يجب أن يكون عارفاً بدوافع النفوس وكوابحها، قادراً على حسن توظيفها واستغلالها حتى لا تفل عزيمته ولا يدب اليأس إلى قلبه، وينكص على عقبيه».

إن الحلم هو الأناة والتثبت في الأمر وما يلزم ذلك من ضبط النفس عن الغضب وكظم للغيظ وعفو عن السيئة، «والداعية الحليم هو ذو الأناة الذي لا يستفزه الغضب إذا واجه ما يغضبه، ولا يتسرع بالعقوبة، بل يضبط نفسه ويتريث وبعد الأناة يتصرف على وفق مقتضيات الحكمة، وكل ذلك لا يكون إلا بضبط النفس عن الاندفاع بعوامل الغضب، ولأهمية خلق الحلم فيجب أن يتجنب العجلة الرعناء في تصريف الأمور، وفي القيام بالأعمال وفي الحكم على الأشياء، واستعجال الأشياء قبل أوانها والسرعة في العقاب دون إمهال تقتضيه الحكمة التربوية، وأن يتجنب الطيش كلما ثارت في النفس ثائرة، وكلما تحرك في النفس دافع من الدوافع لتحقيق مطلب من المطالب، وأن يتجنب سرعة الغضب حينما يصطدم الإنسان بما يثير غضبه أو يخالف هواه».

المصدر: مجلة مؤسسة الدعوة الإسلامية

 

 
د. حمزة الطيار
تاريخ النشر:2010-12-06 الساعة 14:47:43
التعليقات:0
مرات القراءة: 2041
مرات الطباعة: 456
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan