الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » السنة والسيرة النبوية

‏ نماذج التعايش مع الآخر‏: مكة بعد البعثة

‏علي جمعة‏

 

ضرب الإسلام أبدع الأمثلة في التعايش السلمي مع الآخر‏,‏ حتى في ظل الاضطهاد والتعذيب‏,‏ وفي هذا يأتي نموذج التعايش بين المسلمين والآخر بعد البعثة النبوية‏.

فبعد نزول الوحي لم يترك الرسول صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه الأوائل ممن آمن بدعوته أشغالهم‏,‏ كما لم يحبسوا أنفسهم عن الناس وعن التجارة والسفر رغم ما عانوه من اضطهاد قريش‏,‏ ولم يرفض المسلمون التعايش مع الآخر‏,‏ بل إن الآخر‏_‏ أي مشركي قريش‏_‏ هم من قاموا بنبذ المسلمين ورفض التعامل معهم‏,‏ وفرضوا حصارا على المسلمين في شعب أبي طالب ثلاث سنوات‏,‏حتى اشتد بهم البلاء‏,‏ ولجأ الصغار إلى أكل ورق الشجر‏, ‏ووصل الظلم مداه إلى أن كره عامة قريش ما أصاب المسلمين‏,‏ وأظهروا كراهيتهم لصحيفتهم الظالمة‏,‏ فنقضوها‏.(‏السيرة النبوية لابن كثير‏47/2).‏

كما لم يهجر الرسول صلى الله عليه وسلم الكعبة‏, ‏ولم يمنعه وجود الشرك وكثرة الأصنام فيها عن ارتيادها‏,‏ فعن ابن مسعود قال‏:‏ (والله لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي بالكعبة‏-‏ أي عندها‏ـ‏ ظاهرين آمنين‏,‏ حتى أسلم عمر بن الخطاب‏,‏ فقاتلهم حتى تركونا‏,‏ فصلينا‏-‏ أي وجهروا بالقراءة ـ‏ وكانوا قبل ذلك لا يقرؤون إلا سرا‏.‏

ولم يسلم الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه من الإيذاء على يد قريش‏,‏ سئل ابن عمرو بن العاص عن أشد شيء صنعه المشركون بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال‏: ‏بينا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط‏,‏ فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا‏,‏ فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي صلي الله عليه وسلم‏,‏وقال‏: (‏أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله‏) ‏رواه البخاري‏179/13.‏

ولقد وجد الصحابة كذلك من صنوف العذاب ألوانا على يد مشركي قريش‏,‏ إذ وثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر‏, ‏ليفتنوهم عن دينهم‏.‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحثهم على الصبر وقوة التحمل إلى أن يجعل الله لهم مخرجا‏, ‏قال خباب‏:‏ أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة‏,‏ وهو في ظل الكعبة‏,‏ وقد لقينا من المشركين شدة فقلت‏:‏ ألا تدعو الله؟ فقعد وهو محمر وجهه فقال‏: (لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه‏,‏ ويوضع المنشار على مفرق رأسه‏,‏ فيشق باثنين‏,‏ ما يصرفه ذلك عن دينه‏,‏ وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله‏) ‏رواه البخاري‏1322/3.‏

ولما سمع المسلمون ذلك تقووا وازدادوا في الثبات علي العقيدة والصبر علي البلاء‏,‏ فهذا سيدنا بلال بن رباح‏,‏يوضع الحجر العظيم علي صدره‏,‏ويقال له‏:‏لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى‏,‏ فيقول وهو في ذلك البلاء‏: '‏أحد أحد‏'.‏ فمر به أبو بكر الصديق رضي الله عنه يوما فاشتراه وأعتقه‏.(‏السيرة النبوية لابن هشام‏317/1).‏

وفي ظل هذه الظروف القاسية قد يضعف بعضهم ويتراجع عن عقيدته جراء التعذيب الشديد‏,‏ وهناك صنف آخر أضمر الإيمان وأظهر الكفر هربا من التعذيب والتنكيل مثل سيدنا عمار بن ياسر رضي الله عنه‏; ‏إذ أخذه المشركون فلم يتركوه حتى سب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير‏, ‏ثم تركوه‏, ‏فلما أتى رسول الله صلي الله عليه وسلم قال‏: (‏ما وراءك؟‏) قال‏: ‏شر يا رسول الله‏,‏ ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير‏.‏قال‏: (‏كيف تجد قلبك؟‏) قال‏:‏ مطمئنا بالإيمان‏.‏ قال‏: (‏إن عادوا فعد) المستدرك علي الصحيحين (‏389/2),‏ وفي شأنه نزل قوله تعالى‏:‏ {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا‏}(‏النحل‏:106),‏ ولم يقف التعذيب عند الرجال‏,‏ بل تعدى ذلك إلى النساء‏, ‏فعذب المشركون أم عمار السيدة سمية حتى استشهدت‏,‏ فكانت أول شهيدة في الإسلام‏,‏ واستشهد كذلك زوجها ياسر‏,‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر عليهم فيأمرهم بالصبر ويبشرهم بالجنة‏,‏ قائلا‏: ‏(صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة‏).‏

كذلك أعطى الرسول صلى الله عليه وسلم نموذجا إنسانيا ساميا للتعايش مع الآخر في ظل الاضطهاد والتعذيب‏, ‏إذ لم يعاملهم بالمثل‏, ‏بل قابل السيئة بالحسنة‏,‏ حيث تمسك بأخلاقه الرفيعة في معاملة أهل مكة من المشركين‏,‏ وهو الذي وصفه الله تعالى بقوله‏: {وإنك لعلي خلق عظيم‏}, ‏فكان أهل مكة ـ رغم تكذيبهم واضطهادهم له‏ـ‏ يأتمنونه على أشيائهم الثمينة والنفيسة‏,‏ وقد تجلى صدق المعاملة والأمانة حين أمر صلى الله عليه وسلم بالهجرة من مكة إلى المدينة فترك وراءه سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليرد الأمانات إليى أهلها‏, ‏ليكون مثالا فريدا في حفظ الأمانات والحرص على تأديتها لأهلها رغم عداوتهم واضطهادهم له‏,‏ مصداقا لقوله تعالى‏: {‏ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى‏}(‏المائدة‏:8).‏

إن المعاملة الحسنى في مواجهة الإساءة‏, ‏تجعل العدو صديقا‏, ‏وتكون بابا من أبواب الدعوة إلى الإسلام بين غير المسلمين‏,‏ كما قال الله عز وجل‏:{‏ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم‏}(‏فصلت‏:34).‏

إن هذا النموذج الرائع‏-‏ ومقامه‏ (الصبر على البلاء في التعايش مع الآخر‏)-‏ يعد مثالا يحتذى في كل زمان ومكان‏, ‏خاصة عندما يكون المسلمون أقلية في بلاد يعمل المتشددون فيها على تشويه صورة الإسلام والمسلمين‏,‏ ويحاولون اضطهادهم وإقصاءهم‏,‏ ساعتها يتذكر المسلمون أسلافهم فيقتدون بهم في التمسك بثوابت الدين الحنيف مع بسط ثقافة التعايش السلمي ومكارم الأخلاق في العالمين‏.‏

  المصدر: صحيفة الأهرام

 

 
‏علي جمعة‏
تاريخ النشر:2010-12-18 الساعة 15:58:07
التعليقات:0
مرات القراءة: 1989
مرات الطباعة: 444
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan