الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » تاريخ وحضارة

الاختيارات المصيرية للحضارة الغربية

أ. محمد بوهرو

 

السؤال الأكثر إلحاحا في الأوساط الثقافية العربية، بعد الأحداث التي عرفتها بداية القرن الحالي، هو كيف ينظر الغرب، من خلال خطابه الإعلامي وإنتاجاته الفكرية والأدبية إلى العالم الإسلامي.

إلا أنه قليلا ما تهتم هذه الأوساط بمعرفة طبيعة تمثل الفكر العربي المعاصر للحضارة الغربية، وأظن أن هذا السؤال أهم بكثير من سابقه لان الفكر العربي المعاصر يتناول "الآخر الحضاري" من خلال نماذج إدراكية ساهمت في تكوينها التجارب القاسية التي عاشتها الحضارة العربية الإسلامية على طول خطوط التماس الجغرافي والتاريخي مع الحضارة الغربية.

وهذه النماذج الإدراكية تستبطن حالة من الاستلاب المركب الذي يعاني منه هذا الفكر، فهو من جهة استلاب تاريخي يمثله اتجاه نحو قراءة الحضارة الغربية قراءة تاريخية عبر إسقاط آليات نقدية أنتجتها الثقافة الإسلامية عبر العصور على حضارة لم تعد خاضعة لنفس المقاييس التقليدية، وهو من جهة أخرى استلاب جغرافي يمثله اتجاه نحو التماهي مع الآخر الحضاري كتعبير عن حالة الهزيمة والدونية أمام قوته التقنية والتنظيمية.

إن التحدي الكبير الذي يواجه الفكر العربي المعاصر هو التخلص من الانطباعات الوصفية ومن هذه القطبية المزدوجة كبداية لفهم علمي للاختيارات الكبرى للحضارة الغربية بعيدا عن تأثيرات صفة العلو الحضاري والإلحاق التي تسمها، وبعيدا كذلك عن خصيصة الهزيمة والدونية التي يعاني منها الفكر العربي المعاصر.

ولا شك أن غياب هذه القراءة المتوازنة يساهم في تفاقم حالة الانبهار بهذه الحضارة والعجز أمامها، مما يفقدنا العديد من العناصر الجوهرية لفهم واستيعاب هذه التجربة التاريخية، ودراسة اعتلال الأساس المعرفي الذي قامت عليه، فالحوار الحقيقي مع الغرب يبدأ من خلال القراءة النقدية لتجربته ولاختياراته الحضارية الكبرى.

البعد الثقافي في مقاربة الاختيارات الكبرى للحضارة الغربية:

لقد تأسست موجة الكتابات النقدية المعاصرة على خلفية النقد الحضاري للتحولات الحضارية الراهنة، اعتبارا لكون "النقد الحضاري يشكل الشرط الأساسي لعملية التغيير الاجتماعي"، وكذلك لكون استكشاف القوانين التي تؤطر عمل ثقافتنا وثقافة الآخر تمكن من خلق وعي ذاتي مستقل بالمحيط الحضاري الذي نعيش فيه.

ولذلك كان المدخل الأساسي لدراسة هذه الحضارة هو دراستها من منظور النقد الثقافياتي Culturaliste الذي يجعل من الثقافة أهم الأسس الفاعلة في الأبنية الاجتماعية، بحيث لا تنحصر دائرة الثقافي في المستوى التوصيفي لمختلف الأشكال المعنوية في معاشات الجماعات البشرية، بل تتعداه إلى دراسة طبيعة تأثير الفاعلين الثقافيين في أنساقهم الاجتماعية، إذ تظهر المعتقدات والأفكار كأسباب وليس فقط كآثار للتطور الاجتماعي، مما يجعل المنتجات الثقافية، " تساهم في صنع العالم".

لقد أشار علماء الاجتماع إلى أن الحضارات تتطور وفق نواميس كونية، وقد تحدث ابن خلدون عن طبائع العمران البشري وعن صعود وأفول الحضارات وفق حتميات تاريخية، فكل حضارة تؤسس تفوقها على اختيارات وقيم تشكل "عصبية" تعتبر قوام هذه الحضارة، إن إيمان الأفراد بهذه العصبية هو الذي يحدد استمرار هذه الحضارة وتطورها وفعلها في التاريخ.

وإذا أردنا أن نستخلص من دراستنا للتاريخ القريب للحضارة الغربية بعض محددات تطورها يمكن أن نجزم أن الاختيارات الحضارية الكبرى للمجتمعات الغربية مشكلة من "عصبية جديدة"، وخصيصة هذه العصبية تكمن في كونها تسمح للقيم الجديدة أن تتكامل وتخدم بعضها البعض لإعادة إنتاج نفس المخرجات ودون المساس بالمسار العام لهذه الحضارة.

إن البناء المفاهيمي للمنظومة الحضارية للغرب لا يستعصي على الفهم باعتماد منهج يرتكز على بعض التوصيفات القرآنية للاجتماع البشري، كون هذه التوصيفات ذات دلالات عميقة باعتبارها علامات جامعة لظواهر اجتماعية وثقافية تسم الحضارة الغربية الراهنة، فقد أشار القرآن الكريم إلى سنن التطور الفاعلة في الإنسان والتاريخ، كما أشار إلى بعض الظواهر الاجتماعية والفكرية إشارات دقيقة يمكن استكشاف معالمها في دراستنا للاختيارات الحضارية الكبرى للغرب.

وقد اقتبسنا مفهومي "الاستغناء" و" التكاثر" من البناء المفاهيمي القرآني لتوصيف نمطين ثقافيين فاعلين في أسس الحضارة الغربية، اقتباسا يتجاوز الاستعمال المصطلحي إلى محاولة بناء تفسير علمي للاختيارات الكبرى للحضارة الغربية الراهنة.

إن مفهومي "الاستغناء" و"التكاثر" مفهومين يحيلان على اختيارين كبيرين جامعين لثوابث البناء المعرفي للحضارة الغربية، وهما مفهومين مفسرين يجب التوقف عندهما.

فأما مفهوم الاستغناء فيحيل على أزمة الهوية في الحضارة الغربية وهي أزمة تستبطن حالة من التناقض بين الطابع الكوني للوجود الإنساني الفرد وانغلاق وعي هذا الفرد في الأطر الذاتية والوطنية والقومية والحضارية وأما مفهوم التكاثر فيحيل على أزمة مشروع الحداثة وهو المشروع التأسيسي للحضارة الغربية وهي أزمة تستبطن من جهتها تناقض بين النموذج التنموي الأحادي البعد للحضارة الغربية ومعطيات هذا النموذج الإستلابية لطبيعة الإنسان.

الاستغناء:

لقد جاء التوصيف القرآني فريدا لطبائع الاجتماع البشري، حيث أشار في مواضع كثيرة إلى الخصائص الاجتماعية والنفسية لفئات اجتماعية وبشرية في عصر الرسالة وفي العصور التاريخية التي سبقتها. ولم تكن التحولات الحضارية الكبيرة التي طرأت على المجتمعات منذ البعثة إلى الآن لتحول دون الاستعانة بهذه التوصيفات لتفكيك أسس الاختيارات الحضارية الكبرى للغرب.

إن مفهوم الاستغناء ينهل من معين البناء المفاهيمي القرآني، حيث يقول الله تعالى في سورة الإنسان: " كلا إِنَّ الإنسان لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى إِنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعَى"، فكيف يفسر مفهوم "الاستغناء" الاختيارات الكبرى للحضارة الغربية؟

لقد بنيت ثقافة عصر الأنوار على مناهج جديدة في النظر إلى الإنسان ومآلاته، وركزت على البعد المادي في الإنسان وأعرضت عن استكشاف عوالمه الروحية والقيمية، فأصبح كل شيء غير قابل للقياس والتناول العقلي غير ذي معنى، وتمت مقاربة الجوانب الروحية في الإنسان من منظور سلوكي بحت.

كما أن تطور العلوم واحتلالها مكانة مركزية في حياة الإنسان أدى إلى نوع من الاستغناء بالعلم عن أية قوة خارجية كما أدى إلى الإحساس بالقوة والسيطرة على الحاضر والمستقبل، وأساس هذا الاستغناء الثقة المطلقة في "العلم" الذي جعل منه الإنسان الغربي الإله الجديد الذي يعوض إله الكنيسة.

إن ميلاد مجتمع الاستغناء كان نتيجة غير مباشرة للتطور التاريخي لمناهج العلوم التي تأسست على التجريب وعلى مقاومة كل تفكير يخرج عن دائرة الحس المادي، وفي هذا المجال يقول ر.

آرون "إننا مادمنا نفكر بشكل وضعي في مادة علم الفلك أو الفيزياء لم يعد بإمكاننا أن نفكر بطريقة مغايرة في مادة السياسة أو الدين، فالمنهج الوضعي الذي نجح في علوم الطبيعة يجب أن يمتد إلى كل أبعاد التفكير".

إن مشكلة مناهج العلوم في الغرب هي أنها مؤسسة على مسلمة لا يمكن أن تقبل المراجعة دون إحداث قطيعة كبرى في طريقة تفكير الإنسان الغربي وتناوله للظواهر.

إن العلوم التي أنتجتها الحضارة الغربية لا يمكن أن تكون إلا تجريبية ومن ثم كان الاتجاه إلى سد الطريق على كل تفكير لا يعتمد الحس والتجربة وكان اختزال الحياة والتجربة الإنسانية في جانبها المادي هو نتيجة هذا التوجه، إذ لا تعترف هذه العلوم بأية خصوصية وجودية للتجربة الإنسانية وتختزلها في جوانبها السلوكية القابلة للقياس والتجريب.

إن تقديس العلم قاعدة تاريخية ليست وليدة العصر، وأصل كل التحولات منذ ميلاد المجتمع الحديث كانت مسبوقة ببحث علمي أو اكتشاف تكنولوجي وحتى على مستوى الإنتاج الفلسفي والإبداعي نلاحظ مدى الارتباط بين التحولات في العلوم والتحولات الفكرية العامة.

لقد ارتبطت المدرسة الوضعية مند أوغست كونت بالتجريبية وتأسست بعض مقولات الماركسية على نظرية التطور الداروينية التي وطنت مفهوم الصراع في العلوم الاجتماعية الغربية، وإذا قمنا بعملية تحقيب Périodisation لتاريخ الغرب المعرفي نجد تمفصلا عجيبا يربط هذه الإبداعات مع النظريات العلمية.

لقد أثرت الاكتشافات العلمية على نظرة الناس للحياة وعلى رؤاهم، وبالتالي على إبداعاتهم في كل المجالات، إذ نلاحظ كيف تم التحول من المسرح إلى السينما والصورة، وكيف ظهرت السيميولوجيا وعلوم الإعلام وكيف ظهرت فنون جديدة كفن الفوتوغرافيا وكيف أثرت تكنولوجيا الكمبيوتر على الفنون عموما وكيف ارتبط الإبداع الفني والأدبي بقيم الثورة العلمية مند تصميمات دافنشي وروايات الأديب الفرنسي "جيل فرن" Jules Verne.

إن تاريخ العلم يؤكد أن تطوره لم يكن قط محايدا، بل كان يتخذ مسارا يخدم توجهات حضارة الغرب، إلى أن أصبح العلم هو القيمة السامية التي حلت محل القيم الاخرى المنحطة.

لقد حول الاقتصاد العلم إلى أداة طيعة وظفها لأغراض الربح والشهرة، وعمل العلم على تعطيل التعريف الأصلي للإنسان ككائن حي- ثقافي واعتمد مقولة " الإنسان الطبيعي" كما قدمه له جان جاك روسو كمنطلق ووحدة القياس الأساسية في الدراسات الاجتماعية، وأصبح تبادل التأثير بين العلم واقتصاد السوق جليا، ومولت الشركات الأبحاث العلمية إلى جانب المؤسسات العسكرية وكانت النتيجة هذا الانحياز الكبير للعلم، وتوجيه الأبحاث العلمية لخدمة الاقتصاد.

إذ لم يعد البحث العلمي بريئا ولم يعد جوابا على تساؤلات الإنسان وتلبية لحاجياته، بل أصبح أداة للتسويق والاشهار لبعض العلامات التجارية، - يشير موقع شركة منسانتو Monsanto إلى مساهمة الزراعة المعدلة وراثيا في الحفاظ على التربة والبيئة علما أن ارتفاع نسبة الزراعة المعدلة وراثيا بلغ نسبة 200% سنة 2004.

إن عصرنا يعرف نهاية "العلم" وميلاد "الخبرة" وبنهايته يفقد العقل أية مرجعية يحتكم إليها ويصبح الحكم على "المقولات" ليس بمعقوليتها ولكن بمردوديتها الاقتصادية ويختل بذلك ميزان الصواب والخطأ وتحل نسبية شاملة بدل المطلقات.

التكـاثر:

إن مفهوم "التكاثر" مفهوم قرآني يشير إلى خصيصة من خصائص الحضارة الراهنة وهو جعل الوفرة أسمى غايات الفعل الإنساني، مهما تجاوزت هذه الوفرة حد الإشباع، ومهما توسعت على حساب قيم أخرى. لقد أصبح الرفاه قيمة عليا وأصبحت الثروة المادية فوق آداب السلوك والاستنارة، وقد لخص وزير التجارة والصناعة في حكومة حزب العمال الجديد في المملكة المتحدة ستيفن بايرز سنة 1999 هذا الاتجاه بقوله " إن صنع الثروة الآن أهم من توزيع الثروة".

لقد بدأ التحول نحو مجتمع التكاثر في الغرب بارتفاع الإنفاق على الخدمات الترفيهية واعتبار السوق الحرة قادرة بشكل أفضل من الدولة على توزيع البضائع والخدمات، لقد ارتفع في منتصف السبعينيات الإنفاق على خدمات الرفاه الرئيسية في المملكة المتحدة من إجمالي الناتج المحلي من 5 % إلى20 %، وتمت إعادة ترتيب رهيبة للقيم في المجتمعات الغربية.

إذ لأول مرة يعتبر الجشع من القيم الايجابية، وتزامن هذا التحول مع ميلاد اتجاه فكري عام مواز لمقولة الإنسان الاقتصادي Homo économicus، أما على مستوى الإنتاج الفكري فقد ظهرت مجموعة من الكتب لتمجيد هذه القيم الجديدة وتوطينها في المتخيل الغربي ككتاب Wall street لاوليفر ستون وكتاب Bonfire of vanities لتوم وولف، وكتاب Money لمارتن أمس.

لقد عرف الاقتصاد العالمي تحولا نحو القطاع السياحي، وبعد النزوح الاستعماري نحو الجنوب لجلب المواد الأولية واليد العاملة بدأ هذا النزوح يأخد أبعادا أخرى ذات طبيعة ترفيهية Ludique فانتعشت السياحة التي تحولت من الاغزوتيزم إلى السياحة الجنسية، وتطور اقتصاد الألعاب والموضة، وبدأت هذه القطاعات تحقق أرباحا طائلة بالمقارنة مع باقي القطاعات الاقتصادية التقليدية.

إذ بلغ رقم معاملات قطاع ألعاب الفيديو عالميا سنة 2006 حوالي 25 مليار أورو، وبلغ سنة 2005 في الولايات المتحدة وحدها 10.5 مليار دولار، وترتبط الأبحاث القائمة في هذا المجال مع الصناعات العسكرية والطبية وتعتبر ذات طبيعة إستراتيجية، إذ يظهر كل ست سنوات جيل جديد من هذه الألعاب، كما أن هذا القطاع من القطاعات الأكثر انتعاشا في الاقتصاد العالمي.

لقد وصل رقم معاملات المجلات المصورة 298 مليون أرور في نفس السنة، وفي فرنسا حققت الشركة الفرنسية للألعابLa Française des Jeux  سنة 2005 رقم معاملات وصل إلى 8.93 مليار أورو، إذ أن ثلاثة من كل خمس فرنسيين تعاملوا مع شركات الألعاب ولو لمرة واحدة في السنة.

أما فيما يخص الاقتصاديات المؤسسة على تجارة الجنس، فقد وصل رقم معاملات هذه الصناعة إلى 52 مليار اورو، حيث ارتفع عدد المواقع الإباحية في الانترنيت من 22 ألف موقع سنة 1997 إلى حوالي 280 ألف موقع سنة 2000 وفي نفس السنة سجل حوالي 11 ألف شريط إباحي في الولايات المتحدة وحدها.

وقد أضحت هذه الأشرطة المتاحة مجانا على الانترنت تهدد صناعة وتسويق الأفلام الإباحية باعتراف حرفيي هذه الصناعة، ويتجلى خطر عولمة هذه الصناعة في التشويه الكبير لمتخيل المتلقي وطريقة تمثله للجسد البشري مما يطرح إشكالات أخلاقية عديدة.

إن هدف مجتمع التكاثر هو إفراغ الإنسان من كل محتوى ثقافي ليصبح فريسة سهلة لشبكة الاستهلاك، حيث أصبحت الحاجيات البشرية موجهة من طرف اقتصاد السوق وظهرت حاجيات غير طبيعية بظهور علوم تخصصت في صناعة هذه الحاجيات، فبعد إشباع الحاجات الأساسية للإنسان الغربي بفضل التقدم التكنولوجي وصناعة الغذاء "خلال ثلاث سنوات من 1995 كان 25 في المائة من القمح المنتج في الولايات المتحدة الأمريكية و 37 في المائة من حبوب الصويا و 45 في المائة من القطن معدلة وراثيا.

وكانت جميع بدورها من شركة مانسانتو وقد عدلت هذه البذور لكي تصبح أكثر مقاومة للمبيدات الحشرية التي تنتجها نفس الشركة" بدأ الاتجاه نحو ما يمكن تسميته باقتصاد الوهم وهو اقتصاد قائم على صناعة الموضة والسينما والتجميل والبورنوغرافيا، ويهدف هذا الاقتصاد إلى إشباع حاجات ثانوية بل حاجات مختلقة ووهمية.

إن المنتج الجديد والأكثر استهلاكا هو منتوج "لامادي"، لقد صارت الأسواق الكبرى هي الكنائس الجديدة للطبقة الوسطى في بريطانيا وبإخراجه من منظومة الغرب القيمية يصبح دون قيمة بل ذو قيمة سلبية في بعض الأحيان، وقد بدأ الانتباه في الغرب إلى هذه الظاهرة ودشنت محاولات عديدة للأفراد والجمعيات الأهلية لمواجهة هذا المد.

وعرفت نهاية التسعينيات حركة مناهضة للأغذية المعدلة وراثيا في أوروبا وبعد ذلك في الولايات المتحدة الأمريكية وقد أصبحت " الاستهلاكية في حقبة عدم الاكثرات السياسي والتحلل من الارتباط... تحل محل المواطنة على اعتبار أنها الأداة التي يحصل بها الفرد العادي على هويته وعلى الاعتراف به في الساحة العامة".

وقد أكد استطلاع للرأي أجراه معهد غالوب في بريطانيا سنة 1995 أن ثلاثة من بين خمسة مستهلكين في المملكة المتحدة مستعدين لمقاطعة المتاجر أو المنتوجات التي يتشككون في معاييرها الأخلاقية و أن 75 في المائة من الأمريكيين كذلك وقد أطلقت الصحافة البريطانية على الأطعمة المعدلة وراثيا اسم "أطعمة فرانكانشتاين" دلالة على درجة العبث التي وصلت إليه الشركات بالمنتوجات الطبيعية.

آثار التحولات الحضارية الغربية

إن الانحراف الذي بدأ في تاريخ الحضارة عن خط الاتزان بين المادي والقيمي جر العالم إلى ويلات وحروب ذهب ضحيتها ملايين القتلى في مواجهات عالمية طاحنة، وأدى إلى زوال حضارات وشعوب بكاملها، وظهور تفاوتات قاتلة في توزيع الثروة والمعرفة، ورهن مصير الأجيال القادمة لمئات السنين.

لقد كانت تكلفة مجتمع التكاثر والاستغناء الاجتماعية والمادية باهظة جدا بالنظر إلى المآلات التي آلت إليها هذه المجتمعات، ومصير البشرية الحضاري الآن رهين بتحديد هذه الاختلالات ومعالجتها.

ونظرا لكون مجتمعات التكاثر والاستغناء لا تخرج على أن تكون مجتمعات شمولية ومنغلقة فإن أهم تهديد ينتج عنها يمس التنوع الإنساني في كل مجالاته ويشمل هذا التهديد:

- تهديد التنوع الثقافي:

إن تهديد التنوع الثقافي يتزامن مع تنامي نزعة التنميط Uniformisation الثقافي وعولمة قيم وسلوكات وأنماط حياة الإنسان الغربي. فالمشروع الثقافي الغربي لا يخدم إلا ذاته وعالمه المغلق، كما أن الإنتاج الثقافي الموجه إلى الشرق عبر مؤسسات الاستشراق ثم عبر مؤسسات العولمة جعل من الشرق موضوعا للمعرفة وليس موضوعا للحوار، فالغرب يحاول أن يكون في علاقته مع الشرق مرجعا وقانونا حضاريا مطلقا.

وبذلك تحولت حضارة الغرب إلى آلة عملاقة لمؤسسة التبعية ولتسويق قيمها وفرضها على العالم، بحيث أصبحنا نعيش عصر القيم العابرة للقارات

Valeurs transnationales بواسطة آليات مركزية تعتبر كل القيم المغايرة قيم دونية، مع ما يترتب عن هذه الرؤى من صدامات حضارية وحروب وأزمات يكون الخاسر فيها والرابح سيان. وقد تجاوز التنميط القسري الحياة الثقافية للإنسان إلى مستويات أعمق تمس الكيان الإنساني في أخص خصوصياته.

إن توحيد المخيال Imaginaire باستعمال صناعة السينما والمجلات والازياء وتسويق هذه النماذج لخدمة الرأسمال ينحو بالعالم نحو كارثة معرفية بدأت ملامحها تتجلى منذ الان، إن عالم الغد سيكون عالما ميكانيكيا رتيبا دون اختلاف ولا تنوع، وسيبدو الإنسان كصورة طبق الاصل لغيره ما دامت كل القيم والخصوصيات ستختفي لتحل محلها قيم الاستهلاك واللذة وسيجد الإنسان نفسه مهددا في خصوصياته النفسية والوجودية.

ويتنامى تهديد التنوع الوجودي في حياة الإنسان المعاصر بتغييب البعد الروحي والقيمي وما ينتجه من شقاء وبؤس، وما يؤدي إليه من ظهور لطوائف دينية غريبة وسلوكات تعويضية مدمرة.

- تهديد التنوع البيولوجي:

يحمل تقرير التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الائتمائي لسنة 2007-2008 محاربة تغير المناخ: التضامن الإنساني في عالم منقسم في طياته كما هائلا من المعلومات الدقيقة عن الوضعية الكارثية للبيئة في الدول المتقدمة والنامية على السواء.

وقد تنامى في السنوات الأخيرة الحديث عن الكلفة البيئية للتنمية وعن التفاوتات الناتجة عن اتساع الهوة الاقتصادية بين الشمال والجنوب مما يؤثر سلبا على التوازن البيئي وعلى أمن واستقرار هذه الأقليات.

واعتمادا على أرقام تقارير التنمية البشرية التي تصدرها الأمم المتحدة، والذي تحاول من خلالها لفت الانتباه إلى طبيعة هذا النمو وقياس مدى تحقيق الأهداف المرسومة من طرف المجتمع الدولي خاصة أهداف الألفية في مؤتمر كوبنهاغن والذي يوجد على رأسها القضاء على الفقر والأمية، فإن نسبة التفاوتات في تصاعد مهول رغم وجود الإمكانيات العلمية والتقنية للحد منها.

وتقدم هذه التقارير، التي تحولت إلى محاكمات سنوية لسياسات الدول الكبرى، ملامح إحصائية لبعض التفاوتات الخطيرة في توزيع الثروات والخدمات بين دول الشمال وباقي دول العالم حيث يستهلك 20% من سكان العالم المترفين 85% من مجموع السلع والخدمات في العالم في حين يحصل فيه 20% من الساكنة الاكثر فقرا في العالم على 1% من هذه السلع والخدمات.

ويوجد الآن أقل من 100 شركة متعددة الجنسيات تتحكم في نحو 20% من الاصول المالية العالمية وتزيد مبيعات شركتي "جنرال موتورز" و"فورد" على إجمالي الناتج المحلي لجميع دول ما وراء الصحراء الإفريقية، كما تزيد الأصول المالية لشركات "اي بي ام" و"بي بي" و"جنرال إليكتريك" على المقدرات الاقتصادية لمعظم الأمم الصغيرة.

وتجدر الإشارة إلى أن معظم تقارير منظمة الأمم المتحدة للتنمية تؤكد بجلاء هذا التفاوت الحاصل بين دول الجنوب ودول الشمال من حيث الاستفادة من توزيع الخدمات وثروات الأرض، وتشير إحدى هذه التقارير إلى أن مجموع ما هو ضروري لضمان التربية الأساسية لكل فرد في العالم يبلغ 6 مليار دولار، وثلاثة أرباع هذا المقدار يصرفه الأمريكيون وحدهم على منتجات التجميل والنيولوك، حيث ينفق الأمريكيون 8 ملايين دولار سنويا على مواد التجميل.

كما يشير تقرير التنمية لسنة 2006 إلى أنه يشهد كل عام موت 1.8 مليون طفل من مرض الإسهال الذي يمكن تجنبه بتوفير الماء النظيف والمراحيض، كما يتم التغيب عن 443 مليون يوم دراسي بسبب الأمراض المتعلقة بشح المياه النظيفة.

وفي هذا المجال يقدم تقرير الأمم المتحدة " ما هو أبعد من الندرة: القوة والفقر وأزمة المياه العالمية، " تحليلا شاملا حول ما وصلت إليه حالة البيئة اليوم خصوصا حالة الموارد المائية في العالم إذ أحصى التقرير 507 مواقف خلافية سجلت حول مصادر المياه 37 منها قادت إلى استعمال القوة وذكر أنه يتوقع أن شح المياه سيرتفع خلال 2025 إلى 50% في الدول النامية و18% في الدول المتقدمة.

وفي مجال التنوع البيولوجي ذكر التقرير أن 24% من اللبائن و12% من الطيور باتت مهددة وأن ما بين 34 و80 نوعا من الأسماك انقرضت منذ نهاية القرن التاسع عشر إلى اليوم، كما لاحظ المراقبون أنه منذ 1987 حصلت أكثر من 15 كارثة بيئية ذهبت بـ 15 مليار دولار بالإضافة إلى الأمراض والأوبئة الحديثة والتي تهدد الثروة الحيوانية والإنسان والمجال.

إن الفوارق العجيبة في حجم الاستهلاك ونوعيته بين السكان الأكثر غنى في العالم والسكان الاكثر فقرا يحيل على نموذج تنموي لا إنساني، ولعل المتأمل في هذه الأرقام يمكن أن يستخلص أن غنى الشمال لا يمكن أن يتحقق بدون فقر الجنوب وأن الحل يكمن في تعديل نموذج التنمية الشاملة المعمول به، ويجب أن تنعكس التنمية على طبيعة الحياة اليومية للإنسان بدل الانعكاس على التوازنات الاقتصادية الكبرى، فالتقدم ليس عملية مرتبطة بالغرب ارتباطا عضويا.

كما أنه ليس جملة من المؤشرات الكمية، إنما هو صيرورة تاريخية تلامس البنى الجوهرية للمجتمعات، وهناك كثير من الشعوب بنت نماذج تنموية مفارقة بعيدا عن مركزية الغرب ونمطه.

إن الاختيارات الكبرى للحضارة الغربية تعمل بشكل لا يسمح بظهور مسارات متميزة لحضارات مختلفة بل مسار واحد لحضارة مركزية تجر معها العالم بأسره نحوا تجاه واحد وبطريقة قهرية، إذ لأول مرة في تاريخ البشرية يكون مصير العالم بأسره مرهون بمصير حضارة معينة، ولا يمكن وقف هذا التحول إلا بإحداث ثغرة ثورية في طريقة تفكير الإنسان الغربي بإعادة النظر في مسلمات عصر الأنوار وعصر الحداثة.

كما أن مسار هذه الحضارة هومسار مبرم " Irréversible " بحيث لا يمكن وقفه بإحداث ثورة داخلية في أسسه، رغم أزماته المرحلية، لان الغرب لا يمكن أن يسمح بالمراجعة الشاملة لهذا المسار لأنه بنى كل مقومات حضارته وغناه وأسس تفوقه وهيمنته على مقولاته.

المصدر: موقع العرب أون لاين

 
أ. محمد بوهرو
تاريخ النشر:2009-05-20 الساعة 13:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 1953
مرات الطباعة: 375
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan