الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » تاريخ وحضارة

حاجة البشرية إلى الرسالة الحضارية لأمتنا الإسلامية

د. يوسف القرضاوي

 

إن الأمة التي صنعت الحضارة القديمة قادرة على أن تصنع حضارة جديدة تأخذ من حضارة الغرب خير ما فيها من وثبات العلم، وتضيف إليها قيم الإيمان والإنسانية، وتضبط مسيرتها بالتشريعات الإلهية، وبهذا تكمل نقص الحضارة المعاصرة.

لم تصل حضارة من الحضارات طوال التاريخ إلى ما وصلت إليه الحضارة الغربية المعاصرة التي تسود عالمنا اليوم، والتي بلغت الأوج في التقدم العلمي والتكنولوجي، مما كان له أثره في اختصار المكان والزمان للإنسان، وتوفير الرفاهية والراحة له، حتى أصبحت حاجاته تُقضى بضغط على زر، بل يكاد الآن يستغني عن الأزرار، فهو يدخل الباب فينفتح له وحده، ويضع يده تحت الصنبور، فيصب الماء عليه، ويضع قدمه على السلم فيصعد به، إلى غير ذلك مما غدا معتادًا في حياتنا اليوم.

ولقد استطاع الإنسان أن يغزو الفضاء، ويبعث بمراكبه تدور حول الأرض، بل لقد نزل الإنسان بالفعل على سطح القمر، وجلب منه صخورًا وأتربة، وضعها تحت بحثه وتحليله. ويحاول الآن الوصول إلى الكواكب الأبعد في الفضاء الكوني، مثل الكوكب الأحمر، المريخ.

ولا ريب أن إنجازات العلم المادي في عصرنا إنجازات هائلة، لو ذكر عشر معشارها لمن كان قبلنا لاتهموا قائله بالجنون. وهي تدخل تحت قوله تعالى في القرآن: "ويخلق ما لا تعلمون" (النحل: 8).

شقاء الإنسان في هذه الحضارة

ولكن يبقى هنا سؤال في غاية الأهمية، وهو: هل استطاع العلم الذي رفع الإنسان إلى سطح القمر أن يحقق له السعادة على ظهر الأرض؟

الواقع المر يقول: لا. فإن العلم بمفهومه الغربي - وهو علم مادي بحت - وفر للإنسان راحة الجسم ولم يوفر له راحة النفس، حقق له الرفاهية المادية ولم يحقق له السكينة الروحية، هيأ له الوسائل والأدوات ولم يهيئ له المقاصد والغايات؛ ولهذا عاش الإنسان مزوق الظاهر، خرب الباطن، أشبه بقبور العظماء، مشيدة مزخرفة، وليس فيها إلا عظام نخرة.

ومن ثم رأينا الناس الذين يعيشون تحت سلطان هذه الحضارة يشكون من القلق، والاكتئاب، والخوف، والأسى، واليأس، والغربة النفسية، والشعور بالضياع وتفاهة الحياة، يحسون أن هذه الحياة لا هدف لها ولا رسالة ولا طعم ولا معنى. وهذا يحطم الإنسان من داخله.

ولا غرو أن كثرت العيادات النفسية والعصبية، حتى غدت تعد بالألوف، ومع هذا لا تكفي زائريها، وقلما يجدون عندها ما يشفي عليلاً، أو يروي غليلاً.

لقد بالغت الحضارة الغربية في إعطاء الحـرية الشخصية للإنسان، ليفعل ما يشاء ما دام لا يعتدي على غيره، فأفسدت عليه فطرته، ولم تستطع إشباع نهمه كله. فالشهوات كلما ازداد المرء منها عبًا، ازداد معها عطشًا، ولا يوجد في الكون كله شيء حر حرية مطلقة، فالبواخر في المحيطات، والطائرات في الفضاء، تسير في مسارات محـددة، لا يجــوز لها أن تتعــداها، وإلا هددت بكوارث لا تحمد عقباها، ولا تعرف نتائجها.

والحضارة لم تجن على الإنسان وحده، لقد جنت على البيئة من حوله، فلوثتها بدخان مصانعها، و فضلاتها، وآثار إشعاعها، ونفاياتها النووية، وتدخلاتها الكيماوية في النبات والحيوان، وأكثر من ذلك آثار الهندسة الوراثية. وقد بدأت هذه النتائج تبدو للعيان في مثل جنون البقر وغيره من المشكلات. وما يكنه الغد أشد وأقسى.

فهذه ثمار طبيعية لصنع الإنسان بنفسه وما حوله، إذا تصرف في نفسه وفي الكون، وكأنه إله لا يسأل عما يفعل، وما هو إلا مخلوق لخالق عظيم، يجب عليه أن يخضع لنواميسه الكونية، وقوانينه الشرعية، وبذلك ينجو ويفلح.

سر المعاناة في هذه الحضارة

وسر ما يعانيه الناس في الحضارة المعاصرة: أنها حضارة نسيت الله فأنساها أنفسها. إنها عاشت جسمًا بلا روح، أو قل :جسم فيل بروح نملة!

ولقد قال الشاعر الهندي الكبير طاغور لأحد مفكري الغرب: صحيح أنكم استطعتم أن تحلِّقوا في الهواء كالطير، وأن تغوصوا في البحر كالسمك، ولكنكم لم تحسنوا أن تمشوا على الأرض كالإنسان.

بل وجدنا من النقاد الغربيين أنفسهم من يشكو من الخواء الروحي في هذه الحضارة، بل من يدقون جرس الإنذار محذرين من التمادي في هذه الحياة المادية الإباحية النفعية، التي لا تطمئن الإنسان من قلق، ولا تؤمنه من خوف.

ومن ذلك ما قاله الفيلسوف الأمريكي الشهير جون ديوي: إن الحضارة التي تسمح للعلم بتحطيم القيم المتعارف عليها، ولا تثق بقوة هذا العلم في خلق قيم جديدة. لهي حضارة تدمر نفسها بنفسها.

وأوضح منه ما قاله المفكر الكبير المؤرخ البريطاني المعاصر أرنولد توينبي؛ إذ ينقل عنه الكاتب الأمريكي كولن ولسون مقولته: "لقد أغرت فنون الصناعة ضحاياها، وجعلتهم يسلمونها قياد أنفسهم، ببيعها المصابيح الجديدة لهم مقابل المصابيح القديمة، لقد أغرتهم فباعوا أرواحهم وأخذوا بدلاً منها السينما، والراديو، وكانت نتيجة هذا الدمار الحضاري الذي سببته تلك الصفقة الجديدة إقفارًا روحيًا وصفه أفلاطون بأنه مجتمع الخنازير، ووصفه إلدوس هكسلي بأنه عالم زاهٍ جديد!!".

ويأمل توينبي في نهاية البحث بأن خلاص الغرب لا يكون إلا بالانتقال من الاقتصاد إلى الدين.

وقال الأديب الأمريكي الكبير جون شتاينيك في خطاب أرسله إلى صديقه إدلاى ستيفينسون: "إن مشكلة أمريكا هي ثراؤها، وأن لديها أشياء كثيرة، ولكن ليس لديها رسالة روحية كافية. إننا في حاجة إلى ضربة تجعلنا نفيق من ثرائنا، لقد انتصرنا على الطبيعة، ولكننا لم ننتصر على أنفسنا".

وفي أكثر من كتاب، ومن محاضرة للمفكر الفرنسي جارودي، حمل على الحضارة الغربية، وسماها الحضارة الفرعونية، فقد تهيأ لها العلم، ولم تضم إليه الحكمة، وعنيت بالآلة ولم تعن بالإنسان، ولا سيما الحضارة الأمريكية التي تقوم على تأليه الدولار، ووحدانية السوق بدل وحدانية الله. وقد ألف أخيرًا كتاب (أمريكا طليعة الانحطاط). ولا يقلل من شهادته اهتــداؤه إلى الإسلام .ومن السياسيين الذين عنوا بهذا الجانب جون فوستر دالاس وزير الخارجية الأمريكي الشهير في عهد الرئيس الأميركي: أيزنهاور صاحب كتاب (حرب أم سلام) فقد خصص فصلاً من كتابه بعنوان (حاجتنا الروحية) بيَّن فيه ما ينقص أمريكا، فقال: "إن الأمر لا يتعلق بالماديات، فلدينا أعظم إنتاج عالمي في الأشياء المادية، إن ما ينقصنا هو إيمان صحيح قوي. فبدونه يكون كل ما لدينا قليلاً. وهذا النقص لا يعوضه السياسيون مهما بلغت قدرتهم، أو الدبلوماسيون مهما كانت فطنتهم، أو العلماء مهما كثرت اختراعاتهم، أو القنابل مهما بلغت قوتها".

المصدر: إسلام أون لاين

 
د. يوسف القرضاوي
تاريخ النشر:2009-06-01 الساعة 13:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 3298
مرات الطباعة: 528
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 

 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan