الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » تاريخ وحضارة

المسلمون وابتكار المستشفيات

د. راغب السرجاني

 

لم تبدأ الحضارة الإسلامية الاهتمام بالطب في القرن الثاني أو الثالث الهجري -كما يعتقد البعض- وإنما بدأ الاهتمام حقيقةً منذ البدايات الأولى لهذا الدين العظيم، وما أكثر الأحاديث والمواقف التي حث فيها رسول الله r المسلمين على التداوي، وما أكثر الضوابط التي حواها شرعنا الحكيم؛ ليجعل الطب في النهاية علمًا مفيدًا نافعًا أخلاقيًا إنسانيًا، يهدف إلى نفع البشرية وخدمة الإنسانية.

يقول رسولنا r فيما رواه البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه: (ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاءً) وإسهامات المسلمين في مجال الطب لا تُحصى لعل من أجَلِّ هذه الإسهامات وأعظمها أن المسلمين هم أول من أسس المستشفيات في العالم، بل إنهم سبقوا غيرهم في ذلك الأمر بأكثر من تسعة قرون!! فأول مستشفى إسلامي أُسِّس في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، والذي حكم (من سنة 86 هـ إلى سنة 96 هـ)، وكان هذا المستشفى متخصصًا في الجذام، أنشئت بعد ذلك المستشفيات العديدة في العالم الإسلامي، وبلغ بعضها شأوًا عظيمًا، حتى كانت هذه المستشفيات تُعدّ قلاعًا للعلم والطب، وتُعتبر من أوائل الكليات والجامعات في العالم· بينما أُنشِئ أول مستشفى أوروبي في باريس بعد ذلك بأكثر من تسعة قرون!!

وكانت المستشفيات تُعرف بـ (البيمارِسْتانات)، وكان منها الثابت ومنها المتنقّل، فالثابت هو الذي يُنشَأ في المدن، وقلَّما تجد مدينة إسلامية - ولو صغيرة - بغير مستشفى، أما المستشفى المتنقل فهو الذي يجوب القرى البعيدة والصحارى والجبال·· وكانت المستشفيات المتنقّلة تُحمَل على مجموعة كبيرة من الجِمال (وصلت في بعض الأحيان إلى أربعين جملاً!! وذلك في عهد السلطان محمود السلجوقي رحمه الله والذي حكم من سنة 511 هـ إلى سنة 525 هـ) وكانت هذه القوافل مُزوَّدة بالآلات العلاجية والأدوية، ويرافقها عدد من الأطباء، وكان بمقدورها الوصول إلى كل رقعة في الأمة الإسلامية.

وقد وصلت المستشفيات الثابتة في المدن الكبرى إلى درجة راقية جدًا في المستوى، وكان من أشهرها المستشفى العضُدي ببغداد (والذي أنشئ في سنة 371 هـ)، والمستشفى النوري بدمشق (والذي أنشئ في سنة 549 هـ)، والمستشفى المنصوري الكبير بالقاهرة (والذي أنشئ سنة 683 هـ)، وكان بقرطبة (وحدها) أكثر من خمسين مستشفى!!

وكانت هذه المستشفيات العملاقة تُقسّم إلى أقسام بحسب التخصص: فهناك أقسام للأمراض الباطنة، وأقسام للجراحة، وأقسام للأمراض الجلدية، وأقسام لأمراض العيون، وأقسام للأمراض النفسية، وأقسام للعظام والكسور ولم تكن هذه المستشفيات مجرد دور علاج، بل كانت كلّيات طب حقيقية على أرقى مستوى، فكان الطبيب المتخصص (الأستاذ) يمرُّ على الحالات في الصباح، ومعه الأطباء الذين هم في أولى مراحلهم الطبية، فيعلمهم، ويدوّن ملاحظاته، ويصف العلاج، وهم يراقبون ويتعلمون، ثم ينتقل الأستاذ بعد ذلك إلى قاعة كبيرة ويجلس حوله الطلاب فيقرأ عليهم الكتب الطبية، ويشرح ويوضّح، ويجيب عن أسئلتهم·· بل إنه يعقد لهم امتحانًا في نهاية كل برنامج تعليمي معين ينتهون من دراسته، ومن ثم يعطيهم إجازة في الفرع الذي تخصصوا فيه.

وكانت المستشفيات الإسلامية تضم في داخلها مكتبات ضخمة تحوي عددًا هائلاً من الكتب المتخصصة في الطب والصيدلة وعلم التشريح ووظائف الأعضاء·· إلى جانب علوم الفقه المتعلقة بالطب، وغير ذلك من علوم تهم الطبيب.

ومما يذكر على سبيل المثال -لنعرف ضخامة هذه المكتبات- أن مكتبة مستشفى ابن طولون بالقاهرة كانت تضم بين جنباتها أكثر من مائة ألف كتاب!!.

وكانت تُزرَع - إلى جوار المستشفيات - المزارع الضخمة التي تنمو فيها الأعشاب الطبية والنباتات العلاجية، وذلك لإمداد المستشفى بما يحتاجه من الأدوية.

الإجراءات التي كانت تُتخذ في المستشفيات لتجنب العدوى كانت متميزة·· بل عجيبة!! فكان المريض إذا دخل المستشفى يُسلّم ملابسه التي دخل بها، ثم يُعطَى ملابس جديدة مجانية لمنع انتقال العدوى عن طريق ملابسه (التي مرض وهو لابس لها)، ثم يدخل كل مريض في عنبر مختص بمرضه، ولا يُسمح له بدخول العنابر الأخرى لمنع انتقال العدوى أيضًا، وينام كل مريض على سرير خاص به (بملاءات جديدة وأدوات خاصة) قارن كل ذلك بالمستشفى الذي أنشئ في باريس بعد هذه المستشفيات الإسلامية بقرون، حيث كان يَُسمح للمرضى بالإقامة في عنبر واحد (بصرف النظر عن نوعية مرضهم!) بل ويُسمح بنوم ثلاثة أو أربعة أو أحيانًا خمسة من المرضى على سرير واحد! فتجد مريض الجدري إلى جوار حالات الكسور إلى جوار السيدة التي تلد! كما كان الأطباء والممرضون لا يستطيعون دخول العنابر إلا بوضع كمّامات على الأنف من الرائحة شديدة العفونة في داخل هذه العنابر! بل كان الموتى لا يُنقلون إلى خارج العنابر إلا بعد مرور أربعٍ وعشرين ساعةً على الأقل من الوفاة!! فتخيل مدى خطورة هذا الأمر على بقية المرضى! فالحمد لله الذي شرفنا بالإسلام·· ومن أعظم المستشفيات الإسلامية: المستشفى العضُدي، الذي أنشأه (عضد الدولة ابن بويه) عام 371 هـ في بغداد، وكان يقوم بالعلاج فيه عند إنشائه أربعة وعشرون طبيبًا تزايدوا بعد ذلك جدًا، كما كان يضم مكتبة علمية فخمة وصيدلية ومطابخ، وكان يخدم فيه عدد ضخم من الموظفين والفرَّاشين، وكان الأطباء يتناوبون على خدمة المرضى بحيث يكون هناك أطباء بالمستشفى أربعةً وعشرين ساعة يوميًا·

من المستشفيات الإسلامية العظمى أيضا: المستشفى النوري الكبير بدمشق، والذي أنشأه السلطان العادل (نور الدين محمود الشهيد رحمه الله) وذلك في سنة 549 هـ، وكان من أجَلّ المستشفيات وأعظمها، واستمر في العمل فترة طويلة جدًا من الزمان، حيث بقي يستقبل المرضى حتى سنة 1317 هـ (1899م) أي قرابة ثمانمائة سنة!!

كذلك من أعظم المستشفيات في تاريخ الإسلام: المستشفى المنصوري الكبير الذي أنشأه (الملك المنصور سيف الدين قلاوون رحمه الله) في القاهرة، وذلك سنة 683 هـ وكان آية من آيات الدنيا في الدقة والنظام والنظافة، وكان من الضخامة بحيث إنه كان يعالج في اليوم الواحد أكثر من أربعة آلاف مريض!

ولا ننسى في هذا المضمار مستشفى مراكش الذي أنشأه (المنصور أبو يوسف يعقوب رحمه الله) ملك دولة الموحدين بالمغرب الذي حكم من 580 هـ إلى 595 هـ، وكان بناء هذا المستشفى آية من آيات والإتقان والروعة! فقد غُرست فيه جميع أنواع الأشجار والزروع، بل كانت في داخله أربع بحيرات صناعية صغيرة!! وكان على مستوىً عالٍ جدًا من حيث الإمكانيات الطبية والأدوية الحديثة والأطباء المهرة·· لقد كان - بحق - درّة في جبين الأمة الإسلامية.

ليس هذا فقط·· بل كانت هناك المستشفيات المتخصصة، التي لا تعالج إلا نوعًا معينًا من الأمراض: كمستشفيات العيون، ومستشفيات الجذام، ومستشفيات الأمراض العقلية، وغير ذلك.

وأعجب من ذلك وأغرب أنه كانت توجد في بعض المدن الإسلامية الكبرى أحياء طبية متكاملة؛ فقد حدَّث ابن جبير رحمه الله في رحلته (التي قام بها في سنة 580 هـ تقريبًا) أنه رأى في بغداد -عاصمة الخلافة العباسية- حيًّا كاملاً من أحيائها يشبه المدينة الصغيرة، يتوسطه قصر فخم جميل، تحيط به الحدائق والبيوت المتعددة، وكان كل ذلك وقفًا على المرضى، وكان يؤمه الأطباء من مختلف التخصصات (فضلا عن الصيادلة وطلبة الطب) وكان النفقة جارية عليهم من الدولة ومن الأوقاف التي يجعلها الأغنياء من الأمة لعلاج الفقراء وغيرهم.

وبعد·· فهذا قليل من كثير، وما أغفلنا ذكره أكثر بكثير مما علّقنا عليه، وليس هذا إلا وجه بسيط من أوجه الحضارة الإسلامية العظيمة.

المصدر: جريدة اللواء اللبنانية

 
د. راغب السرجاني
تاريخ النشر:2009-08-01 الساعة 13:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 3153
مرات الطباعة: 692
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 

 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan