الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » تاريخ وحضارة

الإسلام وحماية الأقليات

د. محمد مورو

 

حماية الأقليات، فضلاً عن أنها فريضة شرعية، فإنها أيضًا تعكس القيم العظيمة لحضارة الإسلام، ولا شك أن الكثير من الأقليات الدينية والعرقية والقومية في العالم تعاني من الاضطهاد منذ أن سادت وهيمنت الحضارة الغربية على مقدرات العالم.

والأصول النظرية، والممارسات العملية في حضارة الإسلام تمثل أروع وأعظم ما عرفته البشرية في هذا الإطار، وبداية فإن الإسلام يحترم خصوصية الأقليات ويحرص على تأكيدها )لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ( [البقرة: 256] )مَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ( [الكهف: 29]، ويدعو إلى التعارف مع الجماعات البشرية )وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا( [الحجرات: 13]، ويجعل المعيار القانوني واحدًا بالنسبة للأقلية والأغلبية، فلا ازدواج معايير هناك، ) وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ( [المائدة: 8]، ) كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ( [النساء: 135]، ) لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ( [الممتحنة: 8].

 ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (وخالق الناس بخلق حسن) رواه الترمذي (1987) وحسنه.
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من ظلم معاهدًا أو كلَّفه فوق طاقته فأنا حجيجه يوم القيامة) [رواه أبو داود (3052)].وقوى إسناده الحافظ العراقي.

وقال البيهقي في المعرفة (15/13) : روينا في الحديث الثابت عن عمرو بن ميمون، عن عمر بن الخطاب، أنه قال: (أوصي الخليفة من بعدي بأهل الذمة خيرا، أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، وأن لا يكلفوا فوق طاقتهم).

ولمسلم في الأدب (2613) أن هشام بن حكيم وجد رجلا وهو على حمص يشمس ناسا من النبط في أداء الجزية فقال : ما هذا ؟ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :(إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا). 

 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة -ليس بيني وبينه نبي- والأنبياء أولاد علات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد) [رواه البخاري (3443)] .
وقد بشَّر الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام بفتح مصر، وأوصى بقبطها خيرًا حيث قال: (إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها فإن لهم ذمة ورحمًا) [رواه مسلم في الفضائل(2543)].

والوثيقة التاريخية الهامة التي كتبها الرسول صلى الله عليه وسلم لأهالي نجران تشهد على عدل الإسلام ورحمته، وقد جاء فيها: (ولنجران وحاشيتها ذمة الله وذمة رسوله على دمائهم وأموالهم، وملتهم وبِيَعهم ورهبانهم، وأساقفهم وشاهدهم وغائبهم، وكل ما تملك أيديهم من قليل أو كثير، وعلى أن لا يغيروا أسقفًا من سقيفاه، ولا واقهًا من واقيهاه، ولا راهبًا من رهبانيته، وعلى ألا يحشروا ولا يعشروا ولا يطأ أرضهم جيش... ومن سأل منهم حقًّا فالنصف بينهم بنجران على ألا يأكلوا الربا، فمن أكل الربا من ذي قبل فذمتي منه بريئة، وعليهم الجهد والنصح فيما استقبلوا غير مظلومين ولا معنوف عليهم، شهد بذلك عثمان بن عفان) [أورده ابن تيمية في الجواب الصحيح: ص30].

 وبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم سار أبو بكر الصديق، رضي الله عنه على نفس المنهج، فكتب لأهل نجران كتابًا حذا فيه حذو الرسول صلى الله عليه وسلم.

وفي عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أعطى عمر لأهل إيلياء في بيت المقدس كتابًا جاء فيه: «هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم، سقيمها وبريئها وسائر ملتها أنه لا تُسكَن كنائسهم ولا تُهدم ولا يُنْتَقص منها، ولا من خيرها، ولا من صليبهم ولا شيء من أموالهم، ولا يُكْرَهون على دينهم، ولا يُضَارّ أحد منهم ولا يسكن إيلياء معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن، وأن يُخْرِجوا منها الروم واللصوص.. فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم، ويخلي بِيَعهم وصلبهم فإنهم آمنون على أنفسهم وبيعهم وصلبهم حتى يبلغوا مأمنهم».

بل إن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قام وصلى خارج الكنيسة على الدرجة التي على بابها عندما حانت الصلاة، وقال للبطريرك: لو صليت داخل الكنيسة لأخذها المسلمون من بعدي.
ويقول ساويرس بن المقفع (1) : «إن عمرو بن العاص عندما دخل مصر فاتحًا كان بطريرك الأقباط مختفيًا من وطأة الاستبداد البيزنطي، فكتب عمرو بن العاص إلى عمال مصر كتابًا يقول فيه:
«الموضع الذي فيه بنيامين بطريرك النصارى له العهد والأمان والسلامة من الله، فليحضر آمنًا مطمئنًا ويدبر حال بيعته وسياسة طائفته».

وتحكي المصادر التاريخية أنه في عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قام الوليد عبد الملك بهدم جزء من كنيسة يوحنا ليضيفه إلى المسجد الأموي بدمشق، فشكا إليه النصارى ذلك، وعرض المسلمون أن يدفعوا تعويضًا للكنيسة، فأصدر عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قرارًا بهدم جزء من هذا المسجد، وردّه إلى الكنيسة، وعندما تباطأ والي دمشق في التنفيذ أصدر عمر بن عبد العزيز قرارًا جديدًا حدد فيه اليوم والساعة التي يجب أن تتم فيها عملية الهدم والتسليم.
ولم يكن كل هذا إلا ترجمة أمينة لروح الإسلام ووصايا الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يقول: «من ظلم معاهدًا فأنا حجيجه » [سبق تخريجه].

وإذا قارنَّا ذلك التسامح الإسلامي بتاريخ الاضطهاد الديني في أوروبا نجد أن هناك فرقًا شاسعًا، فالاضطهاد الديني عَلَم على أوروبا قديمها وحديثها، فالرومان اضطهدوا المسيحيين في بداية ظهور المسيحية أيّما اضطهاد، بل وعندما دخلت الدولة الرومانية في المسيحية حوَّلتها إلى مسيحية وثنية، ولم يتوقف الاضطهاد الديني، وانصب هذه المرة على المسيحيين المخالفين في المذهب لمذهب الدولة الرومانية، واشتدت عمليات القتل والتحريض للمسيحيين المخالفين للمذهب الرسمي للدولة الرومانية، حتى إنه في بلد مثل مصر سقط آلاف القتلى حرقًا وتعذيبًا وتنكيلاً على يد السلطة الرومانية، لدرجة أن التراث الكنسي المصري يسمي هذا العصر عصر الشهداء.
 وبعد ذلك تحولت الكنائس الأوروبية إلى مؤسسات للقهر والنهب، فمارست الاضطهاد للآخرين، ونهبت الأتباع تحت مسميات مختلفة مثل صكوك الغفران، وتحالفت مع الأمراء ودخلت في صراعات مستمرة داخل أوروبا، وظهرت محاكم التفتيش من خلال الكنائس الأوروبية واضطهدت هذه المحاكم المخالفين في الدين كالمسلمين واليهود، وأصحاب الديانة المسيحية أنفسهم ممن كانت لهم آراء علمية أو فلسفية وعندما ظهر المذهب البروتستانتي تعرض أتباعه إلى عملية اضطهاد قاسية، فقُتلوا وحُرقوا على يد الكاثوليك، وعندما تمكن البروتستانت في بعض البلدان الأوروبية قاموا بدورهم بتنظيم المذابح للكاثوليك.. وهكذا بل وهناك حروب دينية استمرت عشرات السنين، وحتى في الأيام الأخيرة وجدنا الاضطهاد الديني الأوروبي على قدم وساق، فالفرنسيون اضطهدوا المسلمين في الجزائر، والصرب ذبحوا المسلمين في البوسنة والهرسك، وشاركهم في ذلك الكروات، وبارك عملهم بالصمت أو بغيره المجتمع الأوروبي بأسره، وهكذا فالاضطهاد الديني ظاهرة مميزة للحضارة الغربية في كل مراحلها.
يقول شكيب أرسلان في كتابه حاضر العالم الإسلامي: «إن أحد الوزراء العثمانيين كان مرة في أحد المجالس في جدال مع بعض رجال الدولة في أوروبا فيما يتعلق بموضوع التعصب، فقال لهم الوزير العثماني: إننا نحن المسلمين من ترك وعرب وغيرهم، مهما بلغ بنا التعصب في الدين فلا يصل بنا إلى درجة استئصال شأفة أعدائنا، ولو كنا قادرين على استئصالهم، ولقد مرت بنا قرون وأدوار كنا قادرين فيها على ألا نُبقي بين أظهرنا إلا من أقر بالشهادتين، وأن نجعل بلداننا كلها صافية للإسلام، فما هجس في ضمائرنا خاطر، كهذا الخاطر أصلاً، وكان إذا خطر هذا ببال أحد من ملوكنا، كما وقع للسلطان سليم الأول العثماني تقوم في وجهه الملة، ومثل زنبيلي علي أفندي شيخ الإسلام، ويقول له بلا محاباة: ليس لك على النصارى واليهود إلا الجزية، وليس لك أن تزعجهم عن أوطانهم، فيرجع السلطان عن عزمه امتثالاً للشرع الحنيف، فبقي بين أظهرنا حتى أبعد الفرق وأصغرها، نصارى ويهود وصابئة وسامرة ومجوس، وكانوا كلهم وافدين، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين، أما أنتم معاشر الأوروبيين فلم تطيقوا أن يبقى بين أظهركم مسلم واحد، واشترطتم عليه إذا بقي بينكم أن يتنصَّر ولقد كان في أسبانيا ملايين وملايين من المسلمين، وكان في جنوب فرنسا وفي شمال إيطاليا وجنوبها مئات الآلاف منهم، ولبثوا في هذه الأوطان أعصرًا مديدة، ولا تزالون تستأصلونهم حتى لم يبق في هذه البلدان شخص واحد يدين بالإسلام، ولقد طفت ببلاد أسبانيا كلها فلم أعثر فيها على قبر واحد يعرف أنه قبر مسلم».
وفي إطار الحضارة الإسلامية، عاشت الأقليات ومارست عقيدتها وحريتها، بل شاركت في الممارسات الحضارية الإسلامية، وقد بلغ التسامح الإسلامي الديني في تجربة الحضارة الإسلامية في الأندلس مبلغًا عظيمًا، ولدت أسماء مسيحية ويهودية في إطار الحضارة الإسلامية، ولعل ابن ميمون الأندلسي خير شاهد على ذلك، فبرغم كونه يهوديًّا يعيش في مجتمع مسلم، إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يصبح مفكرًا أو فيلسوفًا بارزًا.

وفي الحقيقة فإنه إذا كانت الأقليات قد مارست حريتها في ظل الحضارة الإسلامية، وإذا كانت هذه الأقليات في الشرق بالذات، وفي حالة أقباط مصر على وجه الخصوص قد اندمجوا في الحضارة الإسلامية، وأصبحوا بالتالي جزءًا منها؛ بحيث إنهم أصبحوا ينتمون إلى الإسلام كثقافة وكحضارة وكوطن، وإن اختلفوا في الدين والعقيدة، فإن هذا يعني أن المشروع الحضاري الإسلامي يضم المسلمين ويضم مسيحي الشرق عمومًا، وأقباط مصر خصوصًا.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نقلاً عن د. وليم سليمان، الإسلام والمسيحية على أرض

المصدر: موقع لواء الشريعة

 
د. محمد مورو
تاريخ النشر:2009-08-15 الساعة 13:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 3105
مرات الطباعة: 635
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 

 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan