الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » اللغة و الأدب

تطور الدراسات اللغوية

أ. أيمن حاج أسد

 

الدرس النحوي بشطريه الإعراب والصرف ظاهرة علمية و عملية، تتفاعل وما حولها من ميادين الثقافة والمعرفة، وتتبادل وإياه ثمرات الجهود ونتائج البحث والخبرة والأداء. ذلك لأنها عنصر جوهري في تزويد الفكر وتوجيهه، وآلة نظرية وعملية لسائر العلوم، وسبيل قويم لتسديد اللسان والبيان وتوطيد العلاقات الإنسانية، في التواصل ونقل الفكر والشعور والعواطف والخبرة والتجارب، كما يراها الدكتور فخر الدين قباوة (إشكاليات في البحث والنقد النحويين/ دار الملتقى)، وقد نشأ هذا الدرس في حياة العرب إيحاءً وتلقياً، قبل أن يكون تلقيناً وتدريباً، وكان في المرحلتين يتبادل بينه وبين ما في واقعه ألوان التأثر والتأثير.

ما في النفس الإنسانية من نزوع إلى التقليد وتطلع إلى التواصل والتكامل، هو السر في انفتاح العلوم والفنون والحضارات، وامتصاص المنجزات وتسربها بسبل وقنوات ظاهرة وخفية، على أن ذلك أظهر ما يكون بين القوي والضعيف، أو بين المسيطر القاهر والتابع المقهور، ولهذا ترى الفقير يمتص تقاليد الأغنياء، والأمة العاجزة تتهافت على فتات موائد الأمم المستبدة، وتعتز بما تكتسبه من النفايات وسقط المتاع. على ذلك كانت مسيرة الحياة الحضارية والعلمية والفنية والاجتماعية، تعاون وتبادل وتأثر وتأثير، واقتباس للمنجزات والحصائل، توظف في الميادين المختلفة، ليكون للوجود استمرار حي، ويأخذ سبيله إلى أقصى مداه.

فلا عجب أن نرى الدرس النحوي يعيش في هذا الحال، من التوجه بمناحي العلوم والفنون التي حوله، فيقتبس منها ما يزوده بنسغ التجدد والنمو والعطاء. لقد نشأ في الحضارة الإسلامية بكراً للعلوم العربية، وأخذ يشقّ طريقه في العقد الثالث من القرن الهجري الأول، قبل أن ترى سائر شقائقه نور الحياة. لكنه ـ حسب قباوة ـ كان على ترقب وبصيرة، يتلمس بوادر تلك العلوم، ويتزود منها بما يسدد خطاه ويغني حصيلته، في المادة والأسلوب والتنفيذ. ولذا تراه يعتمد حصائل ما انتهى إليه علماء اللغة والرواية للنثر والشعر، ويستمد ما أمكنه من علوم القرآن والقراءات، ثم يميل إلى معطيات علم البلاغة ويقتبس منها الكثير في مسيرته وتاريخه، بل لقد رأيناه يتطلع إلى كل جديدٍ طاغٍ في الحياة، محاولاً الاستفادة من منجزاته وتجاربه، كالفقه وأصوله والتفسير وأصول الدين، حتى إذا بسط المنطق ظلاله في القرن الرابع كان للنحاة اعتماد لأساليبه في البحث والدرس والإعلام.

عاشت الدراسات اللغوية في بلاد الغرب حبيس الاتجاهين التاريخي والمقارن، منذ أيام النهضة، فكان الدارس إذا وقف على ظاهرة من اللغات الأوربية يضعها إزاء ما يعرف عن السنسكريتية، للبحث والمقارنة، حتى أصبحت هذه اللغة الشرقية أساساً لا محيد عنه في ميدان البحث، أما واقع اللغة كما هو فقلما نال من الدارسين اهتماماً أو بحثاً خاصاً، يكشف ظواهره ويتتبع سلوكه في مناحي الإنجاز. واستمر ذلك إلى أواخر القرن التاسع عشر، حيث أطلّت النزعات القومية، فكان أن استجاب لها نفرٌ من المجددين، يرفدون القوميات بدراسات وتوجيهات دائبة، ولذا ظهرت بوادر علم الاجتماع على أيدي رجال شغلتهم الظواهر الاجتماعية، وخصوصاً بالبحث والتنقيب، لأنها وقائع عامة لها تميز الموضوعات العلمية الطبيعية.

نتيجة لهذا الاتجاه العلمي الجديد انبسط سلطان الدراسات الاجتماعية على كثير من العلوم، وأصبح يقودها تبعاً لمقاصده، ويزودها بالمناهج والأساليب والأهداف. وفي هذه الأثناء، كان اللغويين قد اطّلعوا على التراث النحوي العربي، ولمسو فيه تجريد الدراسات النحوية من منازع المقارنة، وحصرها في مجالها الواقعي. ومن ثمَّ أخذت اللغة في ميدان البحث حيزاً متميزاً، على أنها ظاهرة اجتماعية، لا تدرك بالنشاط العقلي الداخلي، وتقتضي لمعرفة ضوابطها وسلوكها الخبرة والملاحظة والتجربة. قد رافق ذلك نشوء فلسفة نظرية وليدة النظر الاجتماعي عرفت بالفلسفة البنيوية، تهتم بالنظام العام للظواهر وارتباط بعضها ببعض، في دائرة النظام المنطقي المركب، ثم تسربت هذه الفلسفة إلى ميادين العلوم المختلفة، فكان لها في اللغة نصيب موفور تجرد له بعض اللغويين، ومنحوه جهوداً متوالية، منذ نهاية القرن التاسع عشر، ومن هذه الجهود انبثقت النظرية البنيوية في علم اللغة، وأخذت تتنامى في أشكال متعاقبة.

لقد هبت الرياح المنهجية متتابعة على البلاد العربية، في مراحل انتشارها توزعها في المنشآت العلمية وميدان البحث والنشر والتوزيع، فكان من الترجمات البكر والاتصال المباشر بالغرب تلمذةً وتلقياً وتقديم بحوث، أن دخلت قلوب الدارسين للنحو العربي نماذج متفرقة، من أنماط النظريات اللغوية المعاصرة، وظهرت في نتاجهم وتوجيهاتهم، ولا غرو أن ينحصر ذلك في نطاق المستوى الجامعي، بشطريه من الدراسات الدنيا والعليا، لأن المنافذ التي عبر منها لم يكن للمراحل المدرسية فيها نصيب، فقد بقي الدرس النحوي في المدارس على اختلاف مناحيها، مع النهج التراثي في جميع بلاد العرب، مع المنهج التراثي في جميع بلاد العرب، وتشعبت آثار الرياح الغربية فيما سوى ذلك بأشكال مختلفة متباينة، بعد انقضاء منتصف القرن العشرين.ففي المغرب العربي، حيث كان الاتصال أقدم وأوثق، واللغات الأجنبية أرسخ وأشيع، والوافدون إلى أوربة أكثر عدداً وأقل خبرة بالعربية وتمرساً بالتراث، توضعت بوادر التأثر والاقتباس، وأخذت رقعة واسعة من المقررات الدرسية، في فروع اللغة العربية من الجامعات. حتى إن كل جديد، يطفو على ساحة البحث اللغوي المعاصر، يجد له مجالاً واقعياً في الدرس والنحو المغربي.أما مصر والشام فكانتا أقل تأثراً بتلك الرياح، لأن الاتصال أضعف وأقل، والخبرة التراثية أظهر وأنضج، فانتثرت بقع طفيفة من البنيوية، كاد يقتصر معظمها على المنهج الوصفي، فقد رجع بعض الدارسين من الغرب في النصف الثاني من ذلك القرن إلى مصر، يبشر بما حمله من أساليب في البحث والدراسة، ويترجم ما اطلع عليه من المقالات والكتب، ثم يسقط ذلك كله على الدرس النحوي في الجامعة والرسائل المطروحة.

تلك هي حال التوجهات النحوية الجامعية في الوطن العربي، أنماط متباينة متفاوتة، من المحافظة النهائية، إلى الانصهار الغربي، مع خليط من التطلع والحيرة. مثل هذه الأمشاج جدير بالملاحظة والاهتمام، لما له من أثر في حاضر الدرس النحوي ومستقبله.فالأنماط المتباينة هذه متمايز، يعيش كل منها في بيئته، مستقلاً بعيداً من التواصل والتعاون والوفاق، إذ ليس لدينا من يجمع بنجاح واقتدار بين نمطين منها، ليستطيع أن يقيم بعض ما يرتجى من تلاقح الأفكار وامتزاج الآراء، بله أن يحيط بكل ما يتناثر، ليصنع منه وحدة متكاملة، إن الوشائج مبتوتة، والتفاوت مردومة، والتبادل معدوم.

فقد يتصدى نحوي معاصر للتراث دارساً محللاً، إلا أنه يبدو قاصراً في فهم المصطلحات والمنهج والمقاصد والأدلة والنتائج، فيعبر عن ذلك بالتضليل والأوهام، أو بالسخط والنقمة، وقد يحاول عالم تراثي أن يتناول النظريات الغربية بالدرس والمعالجة، فإذا هو يتهجم عليها منكراً مستهجناً، دون معرفة لمواطن تميزها أو ضعفها، أو مخاطر تطبيقها برمتها في الميدان العربي، قلما تجد من وُفِّق في إقامة تواصل ناجح بين بعض الأنماط المتقدمة الذكر. إضافة إلى هذا، النظريات تعرض عن طريق الترجمة، بأساليب ملتوية وعبارات هجينة، يسودها الركة والغموض والتهويم، مع تداخل للاتجاهات والمذاهب والمصطلحات الأعجمية، مما يستحيل فيه معرفة المقاصد والدلالات.

أما الدرس التراثي فيحال طلابه إلى المتون والحواشي والتقريرات عليها، وفيها من العسر والكزازة والتكثيف والاستطراد، وتداخل الاحتجاج والتعليل والاستدلال والتعقب، مما يعجز فطاحل العلماء عن متابعته، إلا بعد تبصر ومراجعات وافتراضات واستشارات للمعاجم والمطولات. أما الدراسة الملفقة فيستمد طلابها معلوماتهم من كتيبات، تقتصر على بعض الموضوعات النحوية، فتكون حجاباً دون الرجوع إلى المصادر التراثية، وتُعرض بألوان من التفكير متناقضة، ونظريات من الشرق والغرب متدافعة، مع نماذج من التعبير يعوزها الدقة والوضوح والصفاء. ذلك لأن من يعدها أساتذة مختلفون، وقد يستعينون ببعض الطلاب ويعتمدون عليهم، في جمع المعلومات وتصحيح التجارب وانجاز ما يطبع.

والنتيجة لهذا كله ـ في رأي قباوة ـ أن يرسخ في أذهان الدارسين والمدرسين وعامة الناس، ما غرسه الجهل وأعداء العربية، من أن لغتنا الحبيبة عسيرة جداً، ونحوها بحر لا ساحل له ولا قرار، والمهارة اللغوية عند العرب في القراءة والفهم والكلام والكتابة محال في محال.

 

 

 
أ. أيمن حاج أسد
تاريخ النشر:2009-02-01 الساعة 14:00:00
التعليقات:1
مرات القراءة: 3086
مرات الطباعة: 571
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
ابن حماه أبي الفداء

2010-06-19 | 18:41:04

مشكور أستاذ أيمن على هذا المقال الرائع

أبو عبيدة

 

 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan