الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » اللغة و الأدب

نزار قباني شاعر إشكالي واستثنائي

عزيزة سبيني

 

عندما نتحدث عن الشاعر نزار قباني، فإننا نتحدث عن دمشق العتيقة، وأبوابها التي وقفت صامدة شامخة في وجه الغزاة والطامعين. نتحدث عن حاراتها وبيوتها المتلاصقة التي تخفي وراء جدرانها العالية حكاية الآباء والأجداد الذين رهنوا أنفسهم لحماية مدينتهم والحفاظ عليها. نتحدث عن نسائها التي تفوح من أجسادهن رائحة الفل والياسمين وزهر النارنج. نشتم رائحة القهوة الصباحية فيستيقظ عصفور الدار، وتمرح القطة لاهية تبحث عن رزقها بين أحواض الشمشير والشب الظريف.

من رحم هذه اللوحة التشكيلية خرج الشاعر نزار قباني، ونحن إذ نسترجع اليوم ذكرى وفاته، ليس من باب التقريظ المجاني أو رثاء الأحبة، وإنما هي مناسبة نستعيد من خلالها تفاصيل تجربة أفرزت وجهات نظر متباينة، وأرست قواعد خطاب شعري امتلك خصوصيته وفرض نمطه وأسلوبه على مشهدنا الشعري العربي الحديث.

ولدت التجربة النزارية ونمت بتصاعد نبرات الخطابات الإيديولوجية التي تجد تبريراتها في الشروط السياسية والثقافية التي كان يعيشها المجتمع العربي إبان تزايد المطالبة بتحرير الأوطان العربية، وتزايد الإحساس بالثورة على القيم المستهلكة والبنيات التقليدية. ونزار قباني انتمى منذ نشأته إلى قضايا مجتمعه، لكن مشاركته كانت استثنائية كما هو، وكان ذلك عبر امتلاكه نبرة متميزة ظهرت بقوة وسط صخب الأجواق الشعرية، ومارس بمهارة عالية، لعبة اقتناص اللحظات المنفلتة من وسط اندفاعات اليومي والإنساني، فعانق بذلك، التجربة الإنسانية في عمقها وحقيقتها البشرية الطبيعية، وبذلك نراه قد أنتج شعراً إشكالياً واستثنائياً في آن. وهذا ما دعا أصحاب قصيدة الرؤيا ونقادها إلى وصفه بأنه شاعر الجماهير الغوغاء، وفي المقابل وصفه شعراء الالتزام بأنه شاعر البورجوازية المثخنة بالغرائز والنزعات الشهوانية، وخاصة، فيما يتعلق بإثارته لسؤال المرأة الإشكالي!! ونتيجة ذلك نرى أن نزار قباني قد نال عداء الاتجاهين، وبات يمثل بمفرده صوتاً شعرياً متميزاً كُتب له الخلود.

اشتهر نزار بكتاباته عن المرأة لأنه كرّس حياته الشعرية للحديث عنها. وهذا جانب مهم ، لكن في حقيقة الأمر أرى أن الموضوع لا يصنع شاعراً، بل أسلوب تناول الموضوع، والطريقة التي يعرض بها. وهذا ما يميز شاعر عن آخر، وكاتب عن آخر. وتستمد الطريقة النزارية أساسها من عنصرين أثنين هما: اللغة الشعرية، والإيقاع. وليس معنى هذا أن الذي لم يكتب عن المرأة هو شاعر نخبوي، أو أن الذي يكتب عنها هو شاعر جماهيري، فالمحدد الأساس لجماهيرية نزار الشعرية، يمكن في إرجاعه إلى المستوى الثقافي للإنسان العربي. ففي ظل مجتمعاتنا العربية التي طغت عليها الثقافة الاستهلاكية والسطحية، كيف يمكن لهذا الإنسان أن يحقق التواصل مع الشعر الذي يلفه الغموض بصوره المجردة، والأساطير التي يحتاج لفهمها واستيعابها الاستعانة بالقواميس واستلهام الأحداث التاريخية!؟.

أما نزار قباني فنراه وقد اشتغل على ما يسمى بالشعر الغنائي الذي يرتبط بالذات والوجدان. فحتى عندما تكلم عن موضوعات أكثر شمولية، وخاصة السياسية منها، فإنه يتكلم بضمير المتكلم. ومعنى هذا أنه كان يدرك أن الشعر هو الأنا بالدرجة الأولى، وأنه كان يكتب الشعر لإرضاء نفسه، وبعد ذلك لإرضاء الجمهور. مقتحماً جميع الفضاءات المحظورة ، فكتب ما هو سياسي واجتماعي ووجداني، ونجح وتألق في كل ما كتب.

ولمعرفة موقف نزار قباني من الحداثات الشعرية، يجدر بنا العودة إلى دواوينه الشعرية. فنراها لا تقتصر على ثيمات محددة وثابتة، كالمرأة والسلطة، بل تذهب في كثير من الأحيان إلى الحديث عن ثيمة الكتابة ذاتها، أو ممارسة التنظير للكتابة الشعرية. وهي ثيمة بارزة في تجربته الشعرية. تأتي على شكل بيانات، وهذه البيانات متضمنة نصوصاً نعثر بين كلماتها على لغة إلغاء الشعراء الآخرين. ومن النادر الإحساس بأن هناك هامشاً متاحاً لشاعر آخر غيره. لأنه أدرك أن هؤلاء الحداثيين قد تعاملوا مع الشعر والحداثة الشعرية بنوايا مسبقة، وبمرجعيات وخلفيات مستحضرة. فكان هناك مشروع نظري، وجملة من المبادئ النظرية التي تؤهل للدخول في حمى الحداثة. ثم يُجهد الشاعر نفسه من أجل أن يصوغ نصوصاً على مقاس تلك الخلفيات والمرجعيات، وهذا ما انتبه إليه نزار قباني بعفوية وتلقائية، مدعومة بالوقت نفسه، بثقافة أدبية ولغوية وتاريخية رفيعة تفطّن إليها من خلال حدسه الخاص ومهارته الشعرية، فحرر تجربته الشعرية في كثير من الأحيان من المسوح الثقافية والأقماط المعرفية والطقوس الاستعارية والمجازية. ويمكننا تحديد عاملين أثنين شكلا الأبجدية الأولى لمشروع الحداثة عند نزار قباني. العامل الأول: يتجلى في اقتحام نزار المحظور، أو المسكوت عنه داخل الوجدان والضمير العربي. فنراه وقد اتخذ من المرأة محوراً وموضوعاً لشعره بطريقة حديثة ومغايرة للأساليب والرؤى والأنماط التي تعامل بها من سبقه من الشعراء، والذين كانوا يحيطون به زمنياً. فقد اخترق جسد المرأة اختراقاً جريئاً، وأدخل ثيمة الجنس بطريقة صريحة ومكشوفة . وهو القائل :" لم أفعل ذلك بصورة إرادية.. استيقظت ذات صباح فوجدت امرأة تجلس على حافة سريري، وتقدم لي فنجان قهوة.. أرادت أن تتكلم فمنعتها من الكلام.. وأرادت أن تقول لي ما اسمها فمنعتها من الدخول في التفاصيل.. وأرادت أن تذهب فمنعتها من الذهاب.. المرأة خرجت كسنبلة القمح من داخلي. ولم تزل السنبلة تعطي مئة سنبلة حتى صارت حياتي حقولاً لا نهائية من الحنطة..." ويتساءل في مكان آخر:" هل تريدون مني أن أعتذر إليكم عن كتاباتي عن المرأة؟.. طبعاً.. لن أفعل.. بل سأطلب منكم أن تعتذروا لي.. ولها.. وللحضارة لأن حبيبتي هي الحضارة. هل أكون مغروراً إذا قلت لكم إن قصائد الحب التي كتبتها كانت (مكيفات الهواء) التي قلبت مناخ الصحراء وجعلت الأرض العربية قابلة للسكنى..".

أما العامل الثاني فهو خلخلته لبنية النص الشعري التي كانت سائدة في تلك الفترة. فقد استطاع أن يوظف لأول مرة لغة شعرية لم تكن تحتل أدنى مكانة بالنسبة إلى النصوص الشعرية السابقة. والمقصود هنا، لغة الشارع، واللافت للنظر أنه في تجديده وتطويره للمعجم الشعري اللغوي واستمداده لكثير من مفردات هذا المعجم من الشارع العربي، لم يكن يستبقي تلك الكلمات على حالها، بل كان يعيد إنتاجها شعرياً، وذلك عن طريق إدخال كلمات ومفردات اجتماعية متداولة عامية، ودارجة على النسيج الشعري، ويجعل منها مفردات شعرية لها وقع خاص بالنسبة للنص أولاً، والمتلقي ثانياً. مع احترامه البالغ لبحور الشعر العربي القديم، لذا فإن شعر نزار يعتمد على الأذن أكثر من اعتماده على العين. وهنا يكمن الدور الهام الذي لعبه الشاعر نزار قباني على صعيد تطوير وتجديد اللغة الشعرية. وهذا الدور فتح الباب، وعبد الطريق أمام الرواد الشعراء الذين احتفى بهم النقد الأكاديمي على حساب التجربة النزارية.

واليوم إذ نستذكره بعد عشر سنوات على الرحيل، لا يزال حاضراً في خبزنا اليومي، في عشقنا وفرحنا، في حزننا وألمنا، في أحواض الياسمين، اختصر مآسينا في هواجس على دفتر الهزيمة، واكتشف هشاشة أحلامنا، فلا قمر في سماء أريحا/ ولا سمك في مياه الفرات/ ولا قهوة في عدن/ رأيت فتوحاً وما من فتوح/ وتابعت كل الحروب على شاشة التلفزة/ ولكني ما رأيت العرب. وهنا تستحضرني مقولة السهرودري المقتول في حكمة الإشراق: " سلام على قوم صاروا حيارى وفي شوق عالم النور وعشق جلال نور الأنوار، وتشبهوا في مواجيدهم بالسبع الشداد".

 
عزيزة سبيني
تاريخ النشر:2009-03-20 الساعة 14:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 2843
مرات الطباعة: 611
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan