الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » القضية الفلسطينية

سيناريوهات عباس البديلة

عبد الباري عطوان

 

كثيرة هي المرات التي أعلن فيها السيد محمود عباس الانسحاب من مهامه السياسية، اعتراضا أو حردا، كان آخرها قبل استشهاد الرئيس الراحل ياسر عرفات بعام، ولكن قراره الذي اتخذه يوم أمس الأول بعدم الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة يبدو مختلفا، وربما يكون الأصعب.

الرئيس عباس اتخذ هذا القرار لسببين رئيسيين، كشف احدهما في خطابه الذي أعلن فيه انسحابه من انتخابات الرئاسة، وهو محاباة الولايات المتحدة الأمريكية للحكومة الإسرائيلية، وتراجعها عن موقفها المعلن بضرورة تجميد الاستيطان في الأراضي المحتلة كافة، بما في ذلك القدس المحتلة، كشرط للعودة إلى مفاوضات التسوية السلمية. أما السبب الثاني، وكان بمثابة الشعرة التي قصمت ظهر البعير، فتمثل في الموقف الرسمي المصري الذي عبر عنه السيد احمد أبو الغيط وزير الخارجية، بعد زيارة نظيرته هيلاري كلينتون الخاطفة إلى القاهرة، وقال فيه ما معناه أن مصر تؤيد العودة إلى المفاوضات دون شرط تجميد الاستيطان طالما أن هناك مرجعية محددة لها.

من الواضح أن الرئيس عباس شعر أن الإدارة الأمريكية تخلت عنه، وتعاملت معه بازدراء شديد، وذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك عندما أقنعت الحكومة المصرية بتبني موقفها المحابي لإسرائيل، الأمر الذي وجده طعنة في الظهر، أو خيانة من دولة عربية كبرى، على حد وصف الدكتور محمد أشتيه أحد أقرب مساعديه، ولكن دون أن يسمي هذه الدولة بالاسم.

ولعل الطعنة الأكبر التي تلقاها السيد عباس هي تلك الموجهة من السيدة كلينتون في تعليقها على قرار استقالته من انتخابات سباق الرئاسة، عندما قالت إنها ستتعامل مع الرئيس عباس في أي موقع كان، مما يعني أنها ليست آسفة كثيرا على خطوته هذه، وهو موقف مفاجئ، فسره الكثيرون على أنه رسالة تقول للسيد عباس بأنه إذا كان يريد الضغط عليها من أجل تغيير سياستها في محاباة إسرائيل، فإنه مخطئ لأن هذه الضغوط لن تعطي ثمارها.

في جميع المرات السابقة التي اعتكف، أو انسحب فيها السيد عباس، لم يكن الرجل الأول في حينها، وكان يعيش تحت خيمة كبيرة اسمها ياسر عرفات، يلجأ إلى مصالحته في نهاية المطاف، ولكن السيد عباس يحتل منصب الرجل الأول في قمة أربع مؤسسات فلسطينية هي السلطة الفلسطينية، رئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، رئاسة اللجنة المركزية لحركة فتح، ورئاسة دولة فلسطين، وفوق هذا وذاك لا توجد خيمة الرئيس عرفات ولا كوفيته، الأمر الذي سيجعل مسألة تراجعه عن موقفه هذا أكثر تعقيدا، وإن كان ممكنا.

خطاب الرئيس عباس الذي أعلن فيه انسحابه كان مدروسا بعناية، وحافلا بالرسائل إلى أكثر من جهة، ويؤشر إلى المستقبل، ولكن الفقرة التي تهجّم فيها على حركة حماس لم تكن موفقة، وجاءت خارج السياق، وتنتقص من جدية قراره هذا، وتجعل البعض يميل إلى نظرية المناورة التي حاول أن يبددها وينفيها في الخطاب نفسه للتأكيد على جدية موقفه.

كان الأحرى بالرئيس عباس، وبعد أن اتخذ هذا الموقف الاحتجاجي القوي من الخذلان الأمريكي له، أن يبقي خياراته الأخرى مفتوحة، بما في ذلك خيار المصالحة مع حركة حماس وفصائل المقاومة الأخرى، ولو على الأقل من قبيل التكتيك السياسي وتعزيز أوراق الضغط، والتلويح بالبدائل الأخرى، ولكنه لم يفعل، ولعل مردود ذلك تدخلات بعض مستشاري السوء الذين أوصلوه إلى هذا الطريق المسدود بنصائحهم الملغومة بضرورة الاستمرار في الرهان على عملية سلمية مغشوشة وعبثية، ووضع بيض السلطة كله في السلة الأمريكية.

هناك عدة نقاط يجب التوقف عندها لتفسير خيارات الرئيس عباس في المستقبل القريب، وعدة سيناريوهات أخرى للخروج من مأزقه ومأزق حركة فتح الذي أوجده بخطوته تلك:

أولا: بات تأجيل انتخابات الرئاسة والمجلس التشريعي التي دعا إليها الرئيس عباس في كانون الثاني (يناير) المقبل أمرا مؤكدا، لعدم التأكد من جدية انسحاب عباس، ونهائية قراره هذا، وعدم وجود أي من شخصيات فتح النافذة التي يمكن أن تتقدم لملء الفراغ، وخوض انتخابات الرئاسة وتولي مسؤولية السلطة.

ثانيا: من الواضح أن إسرائيل والولايات المتحدة، وبعض الدول العربية لم تعد تؤيد الرئيس عباس وسلطته، بل لم تعد ترى في القضية الفلسطينية وتسويتها أولوية في الوقت الراهن، حيث بات الملف النووي الإيراني وكيفية التعاطي معه هما الأهم.

ثالثاً: تصاعد احتمالات الحرب في المنطقة، وتزايد التحرشات الإسرائيلية بسورية وإيران وحزب الله، من خلال اعتراض سفن تحمل أسلحة في عرض البحر، أو الحديث عن صواريخ في حوزة حماس يصل مداها إلى تل أبيب، أو تخزين حزب الله أسلحة وصواريخ متقدمة مضادة للطائرات في جنوب لبنان.

أما عن السيناريوهات أو الخيارات التي يمكن أن يلجأ إليها الرئيس عباس في الأيام أو الأشهر المقبلة فيمكن حصرها في النقاط التالية:

أولاً: الاستمرار في رئاسة السلطة والمواقع الأخرى بعد تأجيل الانتخابات وقياس ردود الفعل على انسحابه، الأمريكية منها على وجه الخصوص، على صعيد وقف المحاباة لإسرائيل، وتقديم بعض التنازلات للسلطة على صعيد الاستيطان، وهذا أمر غير ممكن، لأن السيدة كلينتون عندما تراجعت عن شرط تجميد الاستيطان كانت تنفذ قرار مؤسسة الرئاسة الأمريكية، أي أن قرارها هذا لم يكن مزاجياً أو شخصياً مثل قرارات معظم القادة العرب.

ثانياً: أن تلجأ الولايات المتحدة إلى استخدام سلاح المال ضد السيد عباس، بحيث يعجز عن الإيفاء بالتزاماته المالية ودفع الرواتب، وهناك عجز مقداره 400 مليون دولار في ميزانية السلطة، الأمر الذي يضعف موقف عباس ومكانته أمام مؤيديه وأعضاء حزبه الحاكم، أي حركة فتح، مما يدفعه للتراجع والخضوع للإملاءات الأمريكية بالعودة إلى مائدة المفاوضات، مسقطاً شرط تجميد الاستيطان، والبحث عن مخارج مشرفة للتراجع مثل تنظيم مظاهرات ومسيرات شعبية تطالبه بذلك، وتؤكد مساندتها له.

ثالثاً: أن تكون واشنطن استفزته بموقفها الأخير لدفعه إلى خطوة الانسحاب هذه، لأنها تأكدت من انتهاء دوره لبدء دور قيادة أخرى أكثر تناغماً معها، وهي قيادة السيد سلام فياض، رئيس الوزراء، الذي بات يملك أهم سلاحين في يده وهما المال (المساعدات الأمريكية) والأمن (قوات الجنرال الأمريكي دايتون).

رابعاً: الرئيس عباس شخص عنيد ومعروف بحرصه على كرامته الشخصية، وهناك احتمال بأن يؤدي استمرار الخذلان الأمريكي له إلى دفعه للمضي قدماً في قراره بعدم الترشح، وربما الذهاب إلى حل السلطة، ولكن هذا الاحتمال يظل ضعيفاً بالنظر إلى تراجعاته السابقة، وضغوط المحيطين به بالاستمرار في سياسته الحالية، والعودة إلى الحظيرة الأمريكية مجدداً وخلق المخارج اللازمة لهذا التراجع.

خامساً: يظل احتمال الاستماع إلى الجناح الوطني في حركة فتح الذي أصر على تبني خيار المقاومة المسلحة، في البيان الختامي للمؤتمر وارداً، وفي هذه الحالة قد يتم البدء في تصعيد المقاومة السلمية مثل العصيان المدني والمظاهرات، وربما العودة إلى الحجارة.

سادساً: في حالة انسداد كل احتمالات التجاوب الأمريكي مع حرد السيد عباس، فان فرص المصالحة مع فصائل المقاومة الأخرى، وحركة حماس على وجه التحديد، تظل أمراً وارداً، ولكن هذا يتطلب تغييراً جذرياً في بنية السلطة ونهجها، وإبعاد العديد من الرموز المحيطة برئيسها، وحدوث تغيير أيضا في خطاب حركة حماس ومواقفها تجاه الرئيس عباس في هذه الحالة.

نتمنى أن يستمر الرئيس عباس على موقفه هذا، وإن كنا نتحفظ في الذهاب بعيداً في هذه التمنيات، لأن الرجل أقدم على خطوة صعبة، وقد تكون مكلفة جداً بالنسبة له شخصياً، لأن الغرب والولايات المتحدة بالذات، استثمرت المليارات في قيادته وسلطته، وليس من السهل عليها بلع انسحابه هذا دون رد فعل قوي من جانبها اللهم إلا إذا كانت قد أعدت البدائل، وتأكدت من قدرتها على فرضها ومن ثم استمرارها في قيادة السلطة في مرحلة ما بعد عباس.

الإصرار على قرار الانسحاب قد يكون الانجاز الأهم في تاريخ السيد عباس السياسي، بعد أن انتهت اجتهاداته الأخرى إلى فشل مخجل، ومضيه قدماً فيه قد يغير الكثير من المعادلات، ليس في الساحة الفلسطينية فقط، بل في المنطقة العربية برمتها. من حق الرجل أن يريح ويرتاح، ولكن السؤال الأهم هو عما إذا كان مسموحاً له بذلك؟

من المفارقة أن انسحاب الرئيس عباس سيؤشر لنهاية مرحلته السياسية بشكل مشرّف، يمحو له بعض أخطائه وخطاياه أو معظمها، أما تراجعه فسينهيها أيضا، ولكن عكس ذلك تماماً.

المصدر: القدس العربي 07/11/2009

 
عبد الباري عطوان
تاريخ النشر:2009-11-11 الساعة 00:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 2163
مرات الطباعة: 597
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan