الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » القضية الفلسطينية

فتح من التحرير إلى هجوم السلام

د. يوسف مكي

 

 تصادف هذه الأيام الذكرى التاسعة والأربعون لانطلاقة حركة فتح، حيث أطلقت في اليوم الأول لعام 1965 أول رصاصة معلنة ولادة حركة المقاومة الفلسطينية المعاصرة، ولتشكل أكبر فصيل مقاوم في هذه الحركة.

لقد واجهت حركة فتح منذ بداياتها تحديات كثيرة، وجاءت ولادتها عسيرة، وفي ظل ظروف بالغة التعقيد بالنسبة للكفاح الفلسطيني. وكانت المعضلة الأولى التي واجهها مؤسس الحركة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ورفاقه، قد نتجت عن الطرح النظري للحركة. فالحركة جاءت في مرحلة تاريخية سادت فيها الرؤية القومية، التي ترى أن تحرير فلسطين لن يكون سوى النتيجة الطبيعية لتحقيق الوحدة العربية، في حين ركزت حركة فتح على الهوية الفلسطينية، وعلى العنصر الفلسطيني في عملية التحرير.

انطلقت الرؤية القومية من نظرة كلية للصراع مع الصهاينة، حيث الصراع في حقيقته هو مواجهة بين قوى تصبو إلى الحرية والاستقلال، وقوى تحاول تكريس سيطرتها على الوطن العربي، عن طريق الاحتلال والعبث بالمقدرات. في حين كانت حركة فتح ترى أن على الفلسطينيين أن يمسكوا بزمام المبادرة، ويقودوا بأنفسهم عملية تحرير أراضيهم، وأن عملية التحرير لا ينبغي لها أن ترتبط بقضية الوحدة، لأن ذلك سيؤجل خوضها إلى أجل غير معلوم.

وهكذا تم النظر إلى عمليات حركة فتح من قبل معظم القيادات العربية، على أنها فعل مغامر، من شأنه الزج بالأمة في مواجهة عسكرية غير متكافئة مع الصهاينة قبل أن تتوفر مستلزمات المعركة.

لكن حدث حزيران المزلزل، عام 1967 أفرز حقائق جديدة في علاقة النظام العربي بحركة فتح بشكل خاص، والمقاومة بشكل عام. فالمشروع الصهيوني، لم يعد مجرد خطر جاثم فوق الأراضي الفلسطينية، يهدد الأمة في مصيرها ومستقبلها، ولكنه بتوسع كيانه الغاصب وتمدده أربعة أضعاف ما كان عليه بعد النكبة، واستيلائه على الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، وسيناء وهضبة الجولان، أصبح يحتل أراضي عربية، من خارج فلسطين.

هذا يعني أن شكل الصراع العربي - الصهيوني قد تغير جذرياً، وبشكل خاص في ما أصبح يعرف لاحقاً بدول الطوق، أو المواجهة سابقاً، من موقف تضامني يتبناه القادة العرب مع أشقائهم الفلسطينيين، ومشروع تحرير مؤجل، إلى اندماج كامل بالصراع، من خلال وجود أراض محتلة لهذه الأقطار في قبضة الكيان الغاصب. في هذا السياق، تغيرت الأجندات العربية من الهدف الاستراتيجي البعيد، رفع شعار تحرير فلسطين، الذي أثبتت حرب حزيران بالدليل عدم قدرة النظام العربي على تحقيقه، إلى إزالة آثار العدوان.

وما دام الهدف الرئيس قد اختزل هكذا من التحرير الشامل، إلى التعامل مع نتائج نكسة،1967 ومع ما يتسق مع “مبادئ الشرعية الدولية” وقراريها 242 و338 التي تعاملت مع الصراع باعتباره نزاعاً على الحدود وليس قضية شعب جرى تجريده من وطنه، وصودرت هويته، وحرم من حق تقرير مصيره، فإن استراتيجية معالجة نتائج النكسة تستلزم بالضرورة إسناداً للمقاومة بهدف إزالة العدوان.

لكن هذا الإسناد، لم يكن موجهاً منذ البداية نحو هدف تحرير فلسطين، بمعنى أنه ليس مفتوحاً إلى ما لا نهاية. وهو أيضاً إسناد رديف للعملية السياسية، المرتبطة بالقرارات الدولية بعد نكسة عام 1967. لقد اتفق القادة العرب في مؤتمر قمة الخرطوم، الذي عقد بعد النكسة، على أن معالجة نتائج حزيران يمكن أن تتم من خلال جهد دبلوماسي، وتنسيق مع الأمم المتحدة ومجلس الأمن. ومع تبني القادة العرب لسياستهم الجديدة، فيما يتعلق بالصراع مع الصهاينة، أصبح حضور الفعل المقاوم مطلوباً كرديف تكتيكي للاستراتيجية السلمية الهادفة ليس إلى تحرير فلسطين، ولكن لإزالة آثار العدوان.

إن تبني الحلول السياسية، كبديل عن المواجهة العسكرية، هو الذي يتيح فهم موقف جميع الأنظمة العربية المحاذية لفلسطين، من دون استثناء، بما في ذلك الأنظمة التي أنشأت حركات مقاومة فلسطينية تابعة لها، في الحيلولة دون انطلاق المقاومة الفلسطينية من أراضيها، حين تتعارض مع استراتيجياتها الدفاعية، بل ومطاردة الفدائيين الفلسطينيين وملاحقتهم واعتقالهم أثناء تنفيذ عملياتهم العسكرية ضد الصهاينة. إن تلك العمليات من وجهة نظر الأنظمة السياسية ستزيد من تعقيدات الموقف وتعطل من الوصول إلى حلول سلمية سريعة مع العدو، تضمن استرجاع الأراضي التي احتلت في نكسة حزيران.

في هذا السياق، يلاحظ أن حكومتي مصر وسوريا كانتا الأكثر صرامة، فيما يتعلق بمراقبة حركة المقاومين الفلسطينيين، ومنعهم من الانطلاق من أراضيهما لشن عمليات فدائية ضد الصهاينة. ويرجع ذلك بشكل خاص، إلى أن القيادتين المصرية والسورية عكفتا على استعادة بناء قوتهما العسكرية، مباشرة بعد النكسة. وكانت رؤيتهما للصدام العسكري مع العدو تركز على دور الجيوش النظامية، وترى في المقاومة، في أحسن الأحوال، رديفا لتلك الجيوش. إن استمرار العمليات الفدائية من أراضيهما ضد الكيان الصهيوني يعني، من وجهة نظرهما التعجيل بالالتحام العسكري مع العدو، قبل اكتمال الإعداد له، من وجهة النظر المصرية، وقبل تحقيق التوازن الاستراتيجي، كما تراه القيادة السورية.

لم يكن متاحاً للعمل الفدائي بعد النكسة أن يؤدي دوره سوى من الجبهتين الأردنية واللبنانية، وذلك يعود بشكل رئيسي إلى ضعف مقاومة أجهزتهما الأمنية لحضور المقاومة. فتأثيرات النكسة هزت النظام الأردني بقوة بعد سقوط الضفة الغربية، والنزوح الكبير من غرب النهر إلى شرقه. وأيضا بسبب التركيبة الديموغرافية التي ترجح كفة الحضور الفلسطيني بالأردن. يضاف إلى ذلك أن المقاومة الفلسطينية هي ما تبقى من جذوة أمل للعرب، في العتمة التي أعقبت حرب حزيران. أما لبنان، فإن ضعف مؤسسات الدولة، وتعدد مراكز الاصطفاف، ووجود حاضن قوي للمقاومة الفلسطينية، نتيجة لانتشار المخيمات الفلسطينية فيه، والدعم الذي حازته المقاومة من قبل الحركة الوطنية، قد مكن الفدائيين من القيام بعمليات مسلحة من جنوبه صوب المستوطنات الصهيونية.

لقد أدى النجاح المطرد للمقاومة الفلسطينية، بقيادة فتح بعد عدوان حزيران 1967 وخاصة المقاومة البطولية في معركة الكرامة، إلى تأجيج مشاعر الدعم والتأييد للمقاومة من قبل جماهير الشعب العربي في كل مكان. وأصبحت المقاومة عنواناً للمرحلة التي أعقبت النكسة، وبرزت مشروعيتها الثورية، مشروعية نظم المواجهة، بما في ذلك الأنظمة العربية التقدمية.

وحتى حرب الاستنزاف التي مثلت ملحمة بطولية من ملاحم الكفاح العربي في مواجهة “إسرائيل”، لم تخرج عن إطار التحضير لإزالة آثار العدوان. وتزامنت مع تحركات سياسية، قام بها المبعوث الدولي جونار يارنج، واختتمت بقبول مشروع روجرز، ومن ثم رحيل القائد جمال عبد الناصر، إلى العالم الآخر.

ويمكن القول إن البلد الوحيد الذي تمتعت فيه المقاومة الفلسطينية باستقرار نسبي هو لبنان، وفي لبنان أيضاً تمكنت من بناء مؤسساتها، وتأسيس هياكلها السياسية والاجتماعية. وخلال حقبة السبعينات، حتى الغزو “الإسرائيلي” لبيروت في صيف 1982 تطورت منظمة التحرير الفلسطينية، لتشمل تنفيذ مهام اجتماعية وثقافية واقتصادية، كالهلال الأحمر، ودور الحضانة المعروفة ببيت الصمود وسوق الغرب. كما تم تقديم خدمات للاجئين الفلسطينيين في مخيمات بيروت وصيدا وطرابلس.

وما يهم في هذه التفاصيل، هو البعد السياسي لتلك التطورات وصلتها بالعلاقة بين النظام العربي الرسمي والمقاومة. فقد أسهم حضور المقاومة الفلسطينية في لبنان، وتحالفها مع الحركة الوطنية اللبنانية، في تغيير الخارطة السياسية اللبنانية. وفي إحداث خلل كبير في توازنات القوى، في المجتمع اللبناني، التوازنات التي صاحبت مسيرة هذا القطر منذ استقلاله، حتى بروز إفرازات الخامس من حزيران 1967 كما أسهم في تغيير طبيعة الصراع بين لبنان والكيان الصهيوني. فقد انتقل لبنان من بلد كانت جبهته، منذ النكبة، شبه محيدة في المواجهات العسكرية مع الصهاينة، إلى انهماك كامل بالصراع، ومن الأكثر تأثراً بتداعياته، خاصة بعد أن نقلت المقاومة الفلسطينية مقراتها إليه، واتخذت من حي الفاكهاني في بيروت، مركزاً رئيسياً.

ومن جهة أخرى، أثر حضور منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان وانشغالها ببناء هياكلها، وتحسين الأوضاع الحياتية للفلسطينيين المقيمين فيه، في تعزيز توجهاتها التي هدفت إلى تعبئتهم خلفها. وقد أدى ذلك إلى تحويل اهتمام المنظمة عن هدفها الحقيقي، كحركة تحرر وطني. فبدلاً من تطوير تكتيكات جديدة للنهوض باستراتيجية الكفاح المسلح، أهدرت جهوداً كبيرة في التعامل مع المتطلبات الاجتماعية والاقتصادية للفلسطينيين. وكانت نتيجة ذلك أن بدأت المنظمة في ممارسة دور الدولة داخل الدولة اللبنانية، وابتعدت عن دورها الأساسي كحركة تحرر وطنية. وقد أدى ذلك إلى توسع كبير في الجهاز البيروقراطي للمنظمة لمواجهة المتطلبات الجديدة، ولضمان استمرار المؤسسات الفلسطينية التي بنيت حديثا.

ما علاقة هذه التطورات بانتقال حركة فتح من هدف التحرير إلى ما أطلق عليه الرئيس الراحل عرفات بهجوم السلام؟ ذلك ما سوف تكون لنا معه وقفة في الحديث القادم بإذن الله.

المصدر: صحيفة الخليج الإماراتية 31/12/2009

 
د. يوسف مكي
تاريخ النشر:2010-01-14 الساعة 00:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 2091
مرات الطباعة: 428
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan