الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » القضية الفلسطينية

فلسطين من التحرير إلى هجوم السلام

د. يوسف مكي

 

في الحديث الماضي ولمناسبة مرور الذكرى الخمسين على تأسيس حركة فتح، بدأنا سلسلة مقالات في محاولة لتقديم قراءة تحليلية لسيرورة انتقال حركة فتح من تحرير فلسطين، إلى القبول بدولة فلسطينية على الأراضي التي احتلها الصهاينة في حرب يونيو/ حزيران عام 1967م، وتحديداً بالضفة الغربية وقطاع غزة، تكون عاصمتها مدينة القدس الشريف.

 

والواقع أن ما يهم في هذا السياق، ليس تقديم قراءة مجردة عن تطور حركة فتح، دونما وضع ذلك في السياق التاريخي للصراع مع الكيان الغاصب. إن وعي هذا السياق لن يكون ممكناً إلا من خلال قراءة المتغيرات السياسية والهيكلية التي حدثت في فتح، كونها حتى وقت متأخر جداً، قد شكلت العمود الفقري للمقاومة الفلسطينية. ولن يكون ممكناً أيضاً، ما لم يتم مقاربته مع التحولات الدراماتيكية في سياسة النظام العربي الرسمي تجاه المقاومة الفلسطينية. وما دام الهدف هو هكذا فإن الحديث عن فتح وهجوم السلام، هو حديث عن القضية الفلسطينية، وعن سيرورة الكفاح الدؤوب لتحقيق صبوات شعب فلسطين في الحرية وتقرير المصير.

 

أثر انتقال مقرات منظمة التحرير الفلسطينية، وحركات المقاومة التابعة لها إلى لبنان وانشغالها ببناء هياكلها، وتحسين الأوضاع الحياتية للفلسطينيين المقيمين به، في تعزيز توجهاتها التي هدفت إلى تعبئتهم خلفها. وقد أدى ذلك إلى تحويل اهتمام المنظمة عن هدفها الحقيقي، كحركة تحرر وطني، هدفها المنازلة المسلحة مع “إسرائيل”. فبدلاً من تطوير تكتيكات جديدة للنهوض باستراتيجية الكفاح المسلح، أهدرت جهود كبيرة في التعامل مع المتطلبات الاجتماعية والاقتصادية للفلسطينيين. وكانت نتيجة ذلك أن بدأت المنظمة في ممارسة دور الدولة داخل الدولة اللبنانية، وابتعدت عن دورها الأساسي كحركة تحرر وطنية. وقد أدى ذلك إلى توسع كبير في الجهاز البيروقراطي للمنظمة لمواجهة المتطلبات الجديدة، ولضمان استمرار المؤسسات الفلسطينية التي بنيت حديثاً.

 يضاف إلى ذلك، أنه على النقيض من القواعد الأساسية في حرب العصابات، وجدت منظمة التحرير بعد تأسيسها لبنيانها الاقتصادي والعسكري والاجتماعي في لبنان، نفسها مضطرة لحماية تلك المنشآت كقواعد ثابتة للمقاومة الفلسطينية. وبينما يتوقع من قيادة منظمة التحرير، كحركة ثورية أن تخلق قواعد حرب عصابات متحركة، بما يمكنها من مواصلة عملياتها ضد الاحتلال، فإنها بقيت مكانها، وواصلت تلقي الضربات من أعدائها، وامتصاصها باستمرار. وبدلاً من التركيز في العتاد على الأسلحة الخفيفة واعتماد سياسة المواجهة العسكرية سريعة الحركة، فإنها استبدلت ذلك بمدرعات ومدفعية ثقيلة الحركة، وضعت في قواعد ثابتة لحماية المنشآت الثابتة التابعة للمنظمة، وهكذا ساد منطق التريث والصبر، بدلا عن منطق الجرأة والاقتحام.

 إن الحقائق الجديدة، إضافة إلى عناصر أخرى، جعلت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية أكثر ارتباطاً بسياسات النظام العربي الرسمي، من أي وقت مضى. فالمؤسسات التي جرى بناؤها بحاجة إلى تمويل مستمر، يأتيها في الغالب من الحكومات العربية، وبشكل خاص من الخليج والجزيرة العربية. وانسيابية هذا التمويل هي رهن للقبول بمواقف سياسية، ترتكز على القبول بقراري مجلس الأمن الدولي رقم 242 و338. ومن جهة أخرى، فإن منظمة التحرير، بعد تراجع عملياتها العسكرية، وانشغالها بأحداث لبنان، وبعد النهوض الفلسطيني الشعبي بالضفة الغربية، الذي نقل جاذبية الصراع من المخيمات الفلسطينية بالخارج، حيث الهدف المركزي هو التحرير الكامل لفلسطين، من النهر إلى البحر، إلى داخل الأراضي المحتلة عام ،1967 وبشكل خاص الضفة الغربية حيث الهدف إزالة الاحتلال عن الأراضي التي احتلت في النكسة. مضافاً إلى ذلك الضربات المتتالية من قبل العدو الصهيوني، والأبرز بينها اجتاح مارس/ آذار عام ،1979 وغزو بيروت في صيف عام ،1982 جعلها أكثر ميلاً للحلول السياسية منها، إلى استراتيجية الكفاح المسلح.

 

وقد أدت جميع هذه العوامل، مضافا لها طبيعة هيكلية منظمة التحرير ذاتها، والاختراقات الواسعة لبنيتها من قبل الأنظمة العربية، إلى أن تغير المنظمة من أهدافها وإستراتيجياتها بشكل دراماتيكي.

 غيّرت منظمة التحرير أهدافها بسرعة، من التأكيد على عروبة فلسطين، وتحريرها من الصهاينة، من النهر إلى البحر، إلى الدولة الديمقراطية التي يتعايش فيها العرب واليهود، متمتعين بحقوق متساوية، إلى سلطة فلسطينية على الأراضي التي احتلها الصهاينة، في حرب يونيو/ حزيران عام ،1967 وتحديداً في الضفة الغربية وقطاع غزة، وأخيراً إلى تبني قيام دولة فلسطينية مستقلة في تلك الأراضي. كما بدلت المنظمة من استراتيجيتها النضالية من الكفاح المسلح كطريق وحيد للتحرير، إلى المزاوجة بين العمل المسلح والنضال السياسي، وأخيراً، الاقتصار على ما عرف ب “هجوم السلام”.

إن قراءة هذه التغيرات الدراماتيكية، لن تكون مكتملة إن لم تأخذ بحسبانها التغيرات التي حدثت في مواقف النظام العربي الرسمي من القضية الفلسطينية.

 فالمنظمة ذاتها، في لحظة تأسيسها، هي نتاج لقرار صادر عن مؤتمر قمة عربي، عقد بالقاهرة عام 1964 بدعوة من الرئيس عبد الناصر، لمناقشة المشروع “الإسرائيلي” لتحويل مياه نهر الأردن للأراضي المحتلة، ولاتخاذ الخطوات الضرورية للحيلولة دون تنفيذ هذا المشروع. وفي ذلك المؤتمر توصل الزعماء العرب إلى ضرورة تشكيل كيان سياسي يمثل الفلسطينيين، حيثما وجدوا. وذلك يعني بداهة، أن تشكيل المنظمة لم يكن قراراً فلسطينياً مستقلاً، بل جاء ليخدم استراتيجيات النظام العربي الرسمي في مرحلة تاريخية محددة.

 وحتى تعيين أعضاء المجلس الوطني، في المراحل التي سبقت النكسة، كان يتم من خلال رئيس المنظمة المرحوم أحمد الشقيري، وبالتشاور مع جامعة الدول العربية. ولم يتغير ذلك إلا بالدورة الرابعة للمجلس الوطني الفلسطيني التي عقدت بالقاهرة في يوليو/ تموز عام ،1968 وتسلمت فيها حركة المقاومة الفلسطينية قيادة منظمة التحرير، وأصبح ياسر عرفات، منذ ذلك الحين حتى وفاته، رئيسا للجنة التنفيذية للمنظمة. وخلالها، شاركت بفعالية حركات المقاومة في اجتماعات المجلس الوطني وفي قيادة منظمة التحرير. ونقلت معها إلى المنظمة توجهاتها الأيديولوجية والسياسية المختلفة والمتباعدة، والتي يجمعها جميعا أنها مثلت التيارات السياسية السائدة في النظام العربي الرسمي. والواقع أن عدم التجانس في المواقف داخل المنظمة، بين حركات المقاومة هو وجه آخر للخلافات العربية- العربية، الرسمية.

 

إن ذلك يعني بداهة، أن اختلاف المواقف بين حركات المقاومة هو بالنتيجة انعكاس لاختلاف سياسات النظام العربي الرسمي. كما يعني أن اتفاق الأنظمة العربية على استراتيجية محددة، تجاه الصراع مع الصهاينة، يعني اتفاق الفلسطينيين على هذه الاستراتيجية، بغض النظر عما إذا كانت نتائجها تصب، أو لا تصب في النهاية باتجاه تحقيق هدف التحرير.

 

وهكذا رأينا التغيرات في اتجاه منظمة التحرير الفلسطينية من تبني التحرير الكامل لفلسطين إلى القبول بدولة فلسطينية، بالضفة الغربية وقطاع غزة، تكون عاصمتها القدس الشريف قد تم طرحه أول مرة في فبراير/ شباط ،1974 من قبل ثلاث منظمات من حركات المقاومة للمجلس المركزي للمنظمة، بعد عدة أشهر من حرب أكتوبر/ تشرين الأول التي مثلت انتقالاً استراتيجياً في الموقف والاستراتيجيات العربية، باتجاه القبول بالتصالح مع الكيان الصهيوني. وخلال العام نفسه، اتخذ القادة العرب في مؤتمر قمتهم الذي عقد بالرباط في اكتوبر/ تشرين الأول عام 1974 قراراً باعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وأن المنظمة هي الجهة المخولة بقيادة نضال هذا الشعب نحو الحرية وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة. فإذا بذلك الاعتراف يصبح تنصلا كاملا لهؤلاء القادة من مشروع التحرير، وإذا بوحدانية التمثيل تنتهي، بعد انتفاضة بطولية لأطفال الحجارة، هي من أنصع صفحات النضال الفلسطيني، بتوقيع اتفاق صغير، عرف باتفاق غزة- أريحا، التزم به الجانب الفلسطيني من جانب واحد، وضرب الكيان الصهيوني بجل بنوده عرض الحائط.

 

ومع توقيع اتفاق أوسلو، تم الخلط بشكل تام ونهائي بين دور منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها حركة تحرر وطني، يقع عليها عبء استكمال مهمة التحرير، وبين مهام السلطة الفلسطينية، التي خرجت من رحم اتفاق أوسلو.

 ومع أن فك التشابك بين المهمتين كان ولا يزال ضرورة ملحة، للتمييز بين السلطة الفلسطينية المفترض فيها إدارة شؤون الفلسطينيين في المناطق التي ينسحب منها المحتل “الإسرائيلي”، وبين منظمة التحرير كطليعة للثورة الوطنية، لم تستكمل مهماتها بعد، وينبغي أن تتفرغ بالكامل لتلك المهمات، دون ضغوط أو مساومات، ودون الإخلال بالمبررات الأساسية المعلنة التي أدت إلى منحها وحدانية تمثيل الشعب الفلسطيني في كل المواقع والمنابر، وعلى كافة الصعد، بقي الخلط قائماً، ومتعمداً بين مهمات السلطة، ومهمات التحرير.

المصدر: صحيفة الخليج الإماراتية  07/01/2010

 
د. يوسف مكي
تاريخ النشر:2010-01-14 الساعة 00:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 2272
مرات الطباعة: 550
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan