الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » اللغة و الأدب

قبسات من عبقريَّة المعرِّي

أ. صالح إبراهيم مضوي

 

تفيض ساحة الأدب العربي بالأعلام، ولكن بقدر إبداع هؤلاء الأعلام بقدر ما غفل عنهم المثقف والقارئ العربي؛ فعَلَمٌ مثل أبي العلاء المعري جدير بأن يلمَّ بأدبه ومؤلفاته كل من يمت للعربية بِصِلة، فقد سما أبو العلاء  في دنيا الأدب فكان نجماً زاهراً، وارتقى إلى أفلاك الحكمة فكان فارساً لا يُجارَى، ويراعاً لا يُبارَى، وإنّ فقده لبصره لم يغير في سموّ بصيرته، بل زاد من عبقريّته وإبداعه..

هو أحمد بن عبد الله التنوخي المكنَّى بأبي العلاء، وُلِد في معرَّة النعمان، وإليها نُسِب، وكانت ولادته يوم الجمعة عند مغيب الشمس لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة 363هـ. (973م).

ولم يبلغ الرابعة من عمره حتى أصابه الجدري، فذهب بعينه اليسرى، وغشي اليمنى بياض لم يلبث أن أطفأها.

عاش أبو العلاء أعمى، وكان يقول: إنه لا يتذكَّر من الألوان إلاّ الأحمر؛ لأنه أُلبس في أيام إصابته بالجدري ثوباً معصفراً.

وأبو العلاء سليل بيت علم وأدب، فكان أبوه من أهل الأدب، وجدّه سليمان قاضي المعرّة؛ وكانت أمّه من أسرة تُعرف بآل سبكة، اشتهر منهم غير واحد بالوجاهة والأدب، فهو إذاً مكتنف من الطرفين بالعلم والوجاهة والأدب.

وأُعطِي من قوة الحافظة ما يفوق التصور، ولعل لعماه يداً في تقوية حافظته، تلك الحافظة التي كان يخزن فيها كل مفردات اللغة حتى قيل: ما نطقت العرب بكلمة لم يعرفها أبو العلاء. نظم الشعر وهو في الحادية عشرة من سنّه. ولما نضج عقله آثر العزلة فاحتبس في منزله، وسمّى نفسه "رهين المحبسين" إشارة إلى عماه، ولزومه منزله.

وقد نطَّم ذلك شعراً، وزاد سجناً آخر، وهو كونه موجوداً في هذه الحياة الدنيا، يقول:

أراني في الثلاثةِ من سجوني      فلا تسألْ عن الخبرِ النّبيثِ

لفقدي ناظري ولزومِ بيتي      وكونِ النفسِ في الجسدِ الخبيثِ

فالمعري اشتهر بمقته للحياة، وقد تمنى أنه لم يُولَد، بل أورد في شعره أن أباه قد جنى عليه بتسبّبه في مجيئه لهذه الحياة، وله أشعار كثيرة يُفضِّل فيها الموت على الحياة، مثل قوله في اللزوميات:

يدلُّ على فضلِ المماتِ وكونِه      إراحةُ جسمٍ أن مسلكَه صعبُ

ألم ترَ أن المجدَ تلقاك دونه       شدائدُ من أمثالها وجبَ الرعبُ

إذا افترقت أجزاؤنا حُطّ ثقلُنا      ونحملُ عبئاً حين يلتئمُ الشَّعبُ

وأخذ أبو العلاء بالتأليف والنظم، على أنه لم تتيسر له العزلة الدائمة؛ إذ تحوّل محبسه إلى مزار يؤمه الطلاب، فما يضن عليهم بالفوائد اللغوية وشرح معاني الألفاظ، وشعر القدماء والمحدثين، وكانت تنهال عليه الرسائل فما يتلكأ عن الإجابة عليها.

ويجمع مؤرّخوه على أنه انقطع عن أكل اللحم، واقتصر على النبات، ذاهباً مذهب البراهمة الذين لا يأكلون اللحم لكي لا يذبحوا الحيوان ففيه تعذيب له، ويتجافون عن إيلامه؛ فمضى خمس وأربعون سنة، طعامه العدس وحلواه التين.

إن المتأمل لشخصية المعري يجد نفسه أمام موسوعة علميّة لا يخبو بريقها، وأمام معين لا ينضب، وأمام بحر خضم لا ساحل له.

إن الفلسفة التي اتخذها المعري سبيلاً ومنهاجاً لحياته وبكل ما تحمله ـ أحياناً- من مخالفات جرت عليها عادة بني البشر، إلاّ أن هذه الفلسفة والنظرة المتشائمة للحياة لم تذهب رونق الضياء الوهاج الذي تزخر به حياة المعري، كما أن الآراء التي قيلت عن شخصية المعري -على فرض صحتها- لا تمنع من أن نأخذ من أدبه ما يريح النفوس، ويطرب الوجدان.

كيف لا وقد سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم- رديفه قائلاً: هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟ فقال له: نعم. فاستنشده حتى أنشده مائة بيت...

فالنبي صلى الله عليه وسلم استحسن شعر أمية، واستزاد من إنشاده على الرغم من أن أمية شاعر جاهلي لم يسلم!

لقد كان المعري حسن الشعر، جزل العبارة، فصيح اللسان، غزير الأدب، عالماً بفنون اللغة، حافظاً لأسرارها، متمكِّناً من دقائقها، وهو حقيق وجدير بأن يُقال له: (فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة).

فالذي يقف على مؤلفات المعري يجد نفسه منجذباً ليأخذ منها المزيد والمزيد، بل يجد نفسه أمام معلِّم بارع في كل ضروب الحياة.

فمالنا لا نأخذ منه ونتعلَّم كيف نرد على من أساء لنا دون أن ننفعل ونتنفس الصعداء، وكيف نواجه النقد الذي وُجِّه لنا، أو لمن يهمنا أمره،  وذلك بأن نتمعن في قصته مع الشريف المرتضى، فقد دخل أبو العلاء المعري يوماً على الشريف المرتضى فعثر برَجُل، فقال له الرجل: من هذا الكلب؟! فقال أبو العلاء: الكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسماً.  فقرّبه المرتضى وأدناه، واختبره، فوجده عالماً مشبعاً بالفطنة والذكاء، فأقبل عليه إقبالاً كثيراً.

وكان المعري يتعصَّب لأبي الطيب المتنبي كثيراً، ويفضله على بشار وأبي النواس وأبي تمام، وكان المرتضى يبغض المتنبي، ويتعصَّب عليه، فجرى يوماً ذكر المتنبي فتنقَّصه المرتضى، وجعل يتتبع عيوبه، فقال المعري: لو لم يكن للمتنبي من الشعر إلاّ قوله:

لك يا منازلُ في القلوب منازلُ     أقفرتِ أنتِ وهُنَّ منكِ أواهلُ

لكفاه فضلاً وشرفاً. فغضب المرتضى، وأمر به فسُحب برجله، وأُخرج من مجلسه. وقال لمن بحضرته: أتدرون أي شيء أراد هذا الأعمى بذكر هذه القصيدة؟! فإن لأبي الطيب ما هو أجود منها لم يذكرها. فقالوا: لا. فقال لهم: أراد أن يذمني بقول المتنبي فيها:

وإذا أتتك مذمتي من ناقصٍ      فهي الشهادةُ لي بأني كاملُ

فأي سلاح فتّاك يستطيع أن يصل إلى دار الخصم، ويفعل بالخصم الأفاعيل مثلما فعل السلاح الذي استعمله المعري.

وما الذي يمنع من أن ننظر بالنظرة الوسطية التي طالما نادى بها المعري في شعره مثل قوله:

إذا كنت تبغي العيشَ فابغِ توسّطاً      فعند التناهي يقصرُ المتطاولُ

تُوقَّى البدورُ النقصَ وهي أهلَّة       ويدركُها النقصانُ وهي كواملُ

فهو في هذين البيتين نادى بمبدأ الفطرة الإنسانية في براءتها وبساطتها وسماحتها.

ومما يدل على فطنة أبي العلاء وصفاء ذهنه وذاكرته الوقَّادة، يُحكى أنه كان له جار أعجمي، فاتفق أنه غاب عن معرّة النعمان، فحضر رجل أعجمي يطلبه قد قدم من بلده، فوجده غائباً ولم يمكنه المقام، فأشار إليه أبو العلاء أن يذكر حاجته إليه، فجعل ذلك الرجل يتكلَّم كثيراً بالفارسية وأبو العلاء يصغي إليه إلى أن فرغ من كلامه، (ولم يكن أبو العلاء يعرف باللسان الفارسي)، ومضى الرجل، فقدم جارُه الغائب، وحضر عند أبي العلاء، فذكر له حال الرجل، وجعل أبو العلاء يذكر له بالفارسية كلَّ ما قاله الرجل، مما جعل الرجل يبكي ويستغيث ويلطم، إلى أن فرغ من حديثه، وسُئل عن حاله، فأخبرهم أنه أُخْبِر بموت أبيه وإخوته وجماعة من أهله.

إن شخصية مثل شخصية المعري ينبغي ألاّ يكون النسيان حليفاً لها، وألاّ تكون مؤلفاته حبيسة الرفوف تنادي من يزيح الغبار عنها، فحتماً سيجد كل من تصفَّح صفحة من مؤلفات المعري ينبوعاً من علم، أو معلومة فريدة، أو حكمة بليغة، أو عبارة سلسة يضيفها إلى رصيده المعرفي والثقافي واللغوي..

ومن الحكم المروية عن أبي العلاء المعري قوله: الخير كل الخير فيما أُكْرِهت النفس الطبيعية عليه، والشرّ كل الشرّ فيما أكرَهَتك النفس الطبيعية عليه. وهذا قريب من قول ابن المقفع «إذا اختلط عليك أمران ولا تدري أيهما تفعل فانظر إلى أحبهما إليك وخالفه؛ فإن أكثر الصواب في مخالفة الهوى».

ومن طريف ما جاء في أشعاره أنه شوهد واقفاً عند المستجار متعلقاً بأستار الكعبة يقول:

ستورُ بيتِك ظلُّ الأمن منك وقد      علقتها مستجيراً أيها الباري

وما أظنّك لما أن علقت بها        خوفاً من النار تدنيني من النارِ

فها أنا جارُ بيتٍ أنت قلت لنا       حجُّوا إليه وقد وصيتَ بالجارِ

ومن شعره في الزهد:

فلا تشرفْ بدنيا عنك معرضةٍ          فما التشرّفُ بالدنيا هو الشرفُ

واصرفْ فؤادَك عنها مثلما انصرفت     فكلُّنا عن مغانيها سينصرفُ

يا أمَّ دفرٍ لحاك اللهُ والدةً          فيك الخناءُ وفيك البؤسُ والسرفُ

لو أنك العرسُ أوقعت الطلاقَ بها    لكنك الأمُّ ما لي عنك منصرفُ

وقال مخاطباً الدنيا (أم دفر):

عرفتك جيداً يا أمَّ دفرٍ      وما إن زِلتِ ظالمةً فزولي

دعيتُ أبا العلا وذاك مَيْنٌ    ولكنَ الصحيحَ أبو النزولِ

آثاره العلمية:

مات أبو العلاء (في الثاني من ربيع الأول سنة 449هـ، 1057م)، ولكنه ما زال حيًّا بما خلَّف وراءه من ثروة علميَّة يتوارثها الأدباء والدارسون  والباحثون على مرِّ العصور.

وقيمةُ المرءِ ما قد كان يحسنُهُ      والجاهلون لأهل العلم أعداءُ

فقمْ بعلمٍ ولا تطلبْ به بدلاً       فالناسُ موتى وأهلُ العلم أحياءُ

ومن أشهر آثاره العلمية:

 

- رسالة الغفران: والتي كانت مدار حديث كثير من الأدباء والشعراء على مَرِّ التاريخ.

- سقط الزند: وهو كتاب يجمع شعر أبي العلاء في شبابه.

- لزوم ما لا يلزم (اللزوميات)، و يحتوي على شعره الذي نظمه في كهولته.

- معجز أحمد: وهو شرح إبي العلاء لديوان "أبي الطيب المتنبي".

- عبث الوليد: وهو شرحه لديوان البحتري.

كما أن له عدداً من الرسائل منها:- رسالة الملائكة- رسالة الحروف- الرسالة الإغريضية- الرسالة المنيحية.

المصدر: موقع الإسلام اليوم

 
أ. صالح إبراهيم مضوي
تاريخ النشر:2009-02-02 الساعة 15:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 2166
مرات الطباعة: 557
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan