الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » العالم العربي

أين مراكز الدراسات الإستراتيجية العربية؟!

أحمد بن محمد العيسى

 

يعيش العالم اليوم في خضم تحولات فكرية وسياسية وإقتصادية هائلة ستغير حتماً كثيراً من الحقائق التي كانت سائدة خلال العقود الثلاثة الماضية. ولقد كان المحللون يرصدون في بداية التسعينات تأثير انهيار الإتحاد السوفياتي على التوازن السياسي والعسكري في العالم وما ترتب على ذلك من تحالفات دولية جديدة نشأت في اتجاه القطب الواحد الذي بدأ يستأثر بترتيب الشئون الدولية وبخاصة بعد حرب الخليج الثانية وذلك تحت شعار «العولمة» أو «النظام العالمي الجديد». ومع بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين تعرض القطب العالمي الواحد ـ الولايات المتحدة ـ لضربة موجعة جعلته يفقد صوابه ويغير من إستراتيجيته العالمية ليوجهها لمكافحة ما يسمى بـ «الإرهاب» وتطلب ذلك إعادة صياغة الفكر السياسي والعسكري ليس على مستوى الولايات المتحدة بل على مستوى العلاقات الدولية بمجملها.

في ظل هذا الوضع ـ والمستجدات على الساحة الدولية لا تنتهي ـ تبرز أهمية مراكز الدراسات الإستراتيجية التي تلعب دوراً هاماً في تعميق الرؤى والتصورات عن القضايا العالمية وانعكاساتها المحلية والإقليمية والدولية.

ولكن لماذا تعتمد كثير من الدول وبخاصة الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل وروسيا والصين واليابان على مراكز الدراسات الإستراتيجية لمساعدتها في رسم علاقاتها الدولية السياسية والعسكرية وهي التي تحرص على اختيار أفضل العناصر من الخبراء والمستشارين لتضعهم في خدمة صانع القرار في الإدارات المهمة في الحكومات المركزية. هل يمكن لمراكز الدراسات الإستراتيجية وهي في معظمها مؤسسات مستقلة إدارياً ومالياً عن الحكومات أن تقدم رؤية سياسية وعسكرية تخدم في تصوراتها الحكومات بعيداً عن الإلتزام أدبياً بدراساتها وأبحاثها المتعددة والمتضاربة أحياناً والمؤثرة أحياناً على سياسات دول أخرى؟

إن مراكز الدراسات الإستراتيجية تمثل «بيت الخبرة» السياسية والفكرية من خلال ما تقدمه من دراسات وبحوث وتقارير متنوعة وإقامة المؤتمرات والندوات حول القضايا العالمية التي تهم وتؤثر على السياسات المحلية أو العلاقات الخارجية. ولقد قدمت مراكز الدراسات الإستراتيجية خدمات عظيمة الفائدة للدول العظمى في رسم سياستها الخارجية والإقتصادية والعسكرية بناء على معطيات علمية واستنتاجات من باحثين وخبراء بعيداً عن الحسابات السياسية التي غالباً ما تكون مسيطرة على الحكومة والقوى السياسية المعارضة وقوى الضغط «اللوبي» ذات المصالح المتعددة.

ولو أخذنا أمثلة على بعض مراكز الدراسات الإستراتيجية المتقدمة لوجدنا أن مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية Center for Strategic International Studies في واشنطن يعتبر واحداً من أكثر المراكز نشاطاً وتأثيراً في السياسة الأمريكية إذ ينظم المركز نشاطه على هيئة مشاريع لمختلف القضايا العالمية ويضم هيئات ولجاناً متخصصة لكل منطقة جغرافية في العالم. المركز يضم مجلس أمناء يرأسه السناتور السابق سام نان، ويضم في عضويته عدداً من كبار السياسيين الأمريكيين الذين خدموا في الحكومات السابقة مثل زبيجنيو بريجينسكي، وهنري كيسنجر، وبرنت شوارسكوف، وويليام كوهين، وغيرهم. يضم المركز حالياً 190باحثاً وموظفاً مسانداً، ولديه مركز في هنولولو يعنى بدراسات آسيا والمحيط الباسفيكي ويرتبط بأكثر من ثلاثين معهد أبحاث في منطقة آسيا والباسفيك. يركز المركز أبحاثه ونشاطه في ثلاثة مواضيع رئيسة هي: (1) دراسة التأثيرات الكاملة للتحديات الجديدة للأمن الوطني والدولي، (2) احتضان خبراء مقيمين لكل منطقة جغرافية في العالم، (3) الإلتزام بتقديم المساعدة في تطوير وسائل جديدة للإدارة الحكومية في عصر العولمة، وتقديم برامج في التقنيات والسياسات العامة والتجارة الدولية والطاقة. وتنقسم الأعمال التي يقوم بها المركز إلى أربعة أقسام رئيسة هي: (1) تقديم رؤى إستراتيجية جديدة في القضايا العالمية، (2) إنشاء شبكات إستراتيجية من المفكرين والقادة العالميين، (3) تقديم حلول سياسية للقضايا المعاصرة، (4) تطوير قدرات لقادة اليوم أو قادة المستقبل. ومن الأمثلة على القسم الأول من هذه الأعمال مشروع ما يسمى بـ(الثورات السبع) The Seven Revolutions Project والذي يهتم بتحليل أهم سبع قضايا سيواجهها العالم في الخمسة والعشرين عاماً القادمة وهي: النمو الديموغرافي، إدارة الموارد، الإبتكارات التقنية، التطور العلمي وتوزيعه على مستوى العالم، التحولات في مجال التجارة الدولية والعمل، تنامي العولمة، تحديات الحكم على مستوى العالم.

إن هذا المشروع يمثل واحداً فقط من عشرات المشاريع التي يهتم بها المركز ويُجري الأبحاث والدراسات في تعقيداتها السياسية والإقتصادية والإجتماعية على مستوى العالم.

أما المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية International Institute for Strategic Studies الذي تأسس في عام 1958في العاصمة البريطانية فإنه يلعب دوراً مهماً في صياغة الرؤية الإستراتيجية لكثير من القضايا السياسية والعسكرية في العالم. فمن خلال نشاطاته والتي أهمها تنظيم المؤتمر السنوي للمعهد والذي يناقش المستجدات العالمية ويعقد في دول مختلفة كل عام، وكذلك يصدر المعهد عدداً من الدوريات المتخصصة منها The Military Balance وStrategic Surveyو Adelphi paper وعدداً آخر من النشرات والمطبوعات.

وهناك عدد من مراكز الدراسات الإستراتيجية تحتضنها الجامعات الأمريكية والبريطانية مثل معهد الدراسات الدولية في جامعة كاليفورنيا ـ بيركلي الذي تأسس في عام 1955ويحظى بسمعة جيدة في الدراسات التي تتناول السلام والأمن بعد الحرب الباردة والتحولات في الإقتصاد العالمي في ظل العولمة. وكذلك مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة هارفرد الذي تأسس في عام 1954م ويعمل فيه الآن أكثر من 50 أستاذاً ويضم أكثر من  100طالب للدراسات العليا في برامج لها علاقة بالشرق الأوسط. كما يقوم المركز باستضافة أكثر من 30 عالماً و 150 أستاذاً زائراً في العام. ويهتم المركز بالدراسات التاريخية منذ نشأة الإسلام وحتى الآن.

أما في إسرائيل فهناك العديد من مراكز الدراسات الإستراتيجية المتقدمة منها على سبيل المثال مركز جافي للدراسات الإستراتيجية jaffee Center for Strategic Studies الذي أُنشئ عام 1977في جامعة تل أبيب ويتم تمويله من المجموعات اليهودية في الولايات المتحدة بإشراف منظمة الأصدقاء الأمريكيين لجامعة تل أبيب. هذا المركز يقوم بإعداد الدراسات والبحوث في المجالات السياسية والعسكرية والإقتصادية ويصدر العديد من الكتب والدراسات والتقارير إضافة إلى مجلة سنوية باسم التوازن العسكري في منطقة الشرق الأوسط. وهناك مؤسسة أخرى مهمة تعنى بالدراسات الإستراتيجية هو معهد ليونارد ديفيس للعلاقات الدولية The Leonard Davis Institute For International Relation والذي أُنشئ عام 1972 في الجامعة العبرية في القدس. ويهتم المعهد بتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية هي:

(1) إعداد الدراسات والبحوث في قضايا ونظريات العلاقات الدولية من مختلف الأبعاد السياسية والإقتصادية والعسكرية، (2) تقديم الأفكار والطروحات عن العلاقات الدولية للشعب الإسرائيلي بهدف خلق الوعي بالقضايا الدولية، (3) تقديم خبرة المعهد واستشاراته في خدمة المؤسسات المعنية بالأمن الوطني والعلاقات الدولية.

كما أن هناك عدداً آخر من المعاهد المتخصصة في مجال الدراسات الإستراتيجية في دولة الكيان الصهيوني مثل معهد بيجن/ السادات لدراسات السلام الإستراتيجية، ومعهد الدراسات السياسية والإستراتيجية المتقدمة Institute For Advanced Strategic & Political Studies الذي أُنشئ عام 1984م في القدس ومن نشاطاته إعداد دورات متقدمة لأفضل خريجي الجامعات الإسرائيلية في مجال الدراسات الإستراتيجية وذلك لتمكينهم من العمل كمساعدين لأعضاء الكنيست والحكومة الإسرائيلية وكذلك مساعدين لأعضاء الكونغرس الأمريكي.

إن هذه المعاهد والمراكز المتخصصة في الدراسات الإستراتيجية تقدم خدمة عظيمة لصانعي السياسة في البلاد التي تحتضنها حيث تقوم بإجراء الدراسات والبحوث والتقارير وتنظيم المؤتمرات وإصدار الدوريات العلمية المتخصصة في الشئون السياسية أو العسكرية أو الإقتصادية. ولهذا فإنه وإن كانت معظم تلك المراكز والمعاهد مستقلة عن الحكومات ومراكز القرار إلا أنها تحظى بدعم وتشجيع من تلك الحكومات لما تقدمه من تحليل عميق للقضايا السياسية الدولية وبما تقدمه من تقارير ومعلومات غنية قد تكون بعيدة عن متناول السياسيين والقادة العسكريين. كما أنها تتيح مجالاً واسعاً للسياسيين المتقاعدين في مواصلة دورهم وخدمة بلدهم من خلال المشاركة في نشاطات تلك المراكز سواء بالبحث أو المشاركة في الندوات والمؤتمرات لتقديم رصد وتحليل للظواهر الطارئة وتقديم رؤية إستراتيجية تخدم متخذ القرار في تلك الدول.

وإذا كانت كثير من دول العالم في الغرب أو الشرق قد اهتمت بإنشاء مثل هذه المراكز والمعاهد حيث لا يوجد بلد فاعل في منطقة من المناطق أو على مستوى العالم، إلا وقد أنشأ مركزاً أو معهداً للدراسات الإستراتيجية سواء أكان تابعاً للجهات الحكومية مثل وزارات الخارجية أو الدفاع، أو كان مستقلاً أو كان تابعاً للمؤسسات الأكاديمية، إلا أن العالم العربي ـ مع الأسف ـ يفتقر إلى مثل تلك المراكز والمعاهد حيث تعتمد الدول العربية في رسم سياساتها السياسية والإقتصادية والعسكرية على رؤى نشأت إما في عقول الموظفين المستشارين في وزارات الدفاع والخارجية والإقتصاد أو بناء على ما يصلها من معلومات أو دراسات من مراكز الدراسات الإستراتيجية الدولية في أوروبا وأمريكا، وفي أحيان كثيرة من منظمات دولية مثل البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي أو منظمات الأمم المتحدة.

ولعل من المناسب الإشارة إلى أن هناك عدداً محدوداً من مراكز الدراسات الإستراتيجية العربية النشطة من أهمها مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية في القاهرة والذي يساهم من خلال الدراسات والأبحاث والتقارير العلمية وتنظيم المؤتمرات في مناقشة ورصد القضايا السياسية الدولية والعربية، وكذلك مركز الإمارات للدراسات الإستراتيجية والبحوث في أبوظبي والذي يركز بشكل خاص على الدراسات الإقتصادية.

وعدا النشاط المحدود لهذين المركزين فهناك غياب شبه تام لمراكز ومعاهد الدراسات الإستراتيجية في معظم الدول العربية سواء الحكومية أو المستقلة. كما أن معظم الجامعات العربية تفتقر للمراكز والمعاهد المتخصصة في الدراسات الإستراتيجية سواء ما يتعلق منها بالقضايا السياسية أو الإقتصادية أو حتى بالدراسات الإسلامية المعاصرة وتأثيرها في الواقع السياسي والإقتصادي والإجتماعي الدولي.

إن التحولات المتسارعة على الساحة الدولية والقضايا المعقدة التي نشأت بعد انتهاء الحرب الباردة والتحديات العظيمة التي بدأت تظهر في الأفق للدول العربية والإسلامية مجتمعة أو متفرقة، وتعاظم تفوق إسرائيل الإستراتيجي في القوة العسكرية والتقنية وتهديدها المستمر للدول العربية، كل هذا يجعل من الضروري التحرك في رصد هذه القضايا بطريقة علمية من خلال مراكز للدراسات الإستراتيجية تستقطب أفضل الخبرات المحلية والعربية لإجراء الدراسات والبحوث والتقارير وإصدار المجلات العلمية المتخصصة لتكون رافداً مهماً لأصحاب القرار السياسي والإقتصادي.

كما أن المملكة والتي تلعب دوراً مهماً على الساحة العربية والإسلامية والدولية سياسياً واقتصادياً وحضارياً هي بأمس الحاجة إلى تعزيز هذا الدور من خلال إنشاء مراكز متخصصة للدراسات الإستراتيجية سواء في المجالات العسكرية أو الإقتصادية أو في مجال الدراسات الإسلامية المعاصرة. وهذه المراكز قد تكون مؤسسات مستقلة مالياً وإدارياً عن الأجهزة الحكومية ذات العلاقة أو أن تتبع الجامعات السعودية بحيث تستفيد من القدرات الوطنية المتخصصة في تلك الجامعات.

المصدر: صحيفة الرياض

 
أحمد بن محمد العيسى
تاريخ النشر:2009-02-17 الساعة 00:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 4915
مرات الطباعة: 630
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan