الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » تيارات و شخصيات » أعلام

الرافعي والدفاع عن القرآن

د. حسام الدين فوزي

 

رائد للأدب العربي في الثلاثين عاماً الأولى من هذا القرن، وهو من عظماء الكُتاب الذين خلفوا وراءهم روائع من الأدب العربي، وكانت أعماله عاملاً رئيسياً في تطور النثر الحديث وكتابة المقال.

عندما يُذْكَر فإنَّما يُذْكَر أُسْلُوبه البياني الذي تَفرَّد بِهِ بَيْنَ أدباء عصره، ودفاعُه المجيد عن القرآن الكريم، وقَناتُه التي لا تَلِين عندما يتَهَجَّم مُدَّعٍ، أو مُتطَفِّلٌ على هذا الدِّين، أو على لغته العربية؛ لغةِ القرآن الكريم. وكأنما كان الرافعيُّ أمَّةً وَحْدَه، قَيَّضه الله في تلك الفترة ليكون الحِصْنَ الحصين للُّغة العربية، وللأدب العربي وتاريخ الأُمَّة وسيرة رسولها؛ من نفثات وسموم كلِّ منحرفٍ وضالٍّ، أو مستشرق مُغْرِض. ومع كثْرَةِ هؤُلاء، وتعدُّد أساليبهم، وتلوُّن طُرُق كَيْدِهم، فما يكاد يَنْتَضِي قَلَمَهُ الأصيل، حتى تَتَهَاوَى أَمَامَه تلك الصروحُ الورقية، والنمور الهُلاميَّة؛ )بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ على الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ( فكان - رحمه الله - يُصحِّح الأفكار، ويوضِّح ما الْتَبَس على الأفهام في صلابة وجرأة لا تعرف الهوادة أو الملاينة، في مواقفَ خلَّدَها التاريخ، وقف فيها تحت راية القرآن، يدافع في كل مجال، ويصول على أعداء هذه اللغة ودينها وأدبها، يُصْلِيهِم نارًا من نَقْدِه المُرِّ، الذي ينفذ إلى القلوب ويشوِي أفكارهم على سفُّوده المَحْمِيّ، حتى تصير رمادًا، وهباءً، فتنتهي المعركة حينئذٍ.إنه مصطفى صادق بن عبد الرزاق بن سعيد بن عبد القادر الرافعي .

عراقة أسرة الرافعي

- يعود أصل أسرة الرافعي إلى مدينة طرابلس في لبنان، ومازالت أسرة الرافعي موجودة في طرابلس حتى الآن، أما الفرع الذي جاء إلى مصر من أسرة الرافعي فإن الذي أسسه هو الشيخ محمد الطاهر الرافعي الذي وفد إلى مصر سنة 1827م.

- وقد جاء الشيخ بأمر من السلطان العثماني ليتولي قضاء مصر، وكانت مصر وقتها ولاية عثمانية، وكان المذهب الرسمي لمصر هو المذهب الحنفي، فجاء جده قاضيا للمذهب الحنفي.

النشأة والتكوين

وُلد مصطفى الرافعي في محرم 1291 الهجري الموافق يناير من عام 1881م، من أبوين لبنانيين هاجرا إلى سوريا ثم إلى مصر في قرية بهتيم بمحافظة القليوبية، حيث يتصل نسب أسرة والده بعمر بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم في نسب طويل من أهل الفضل والكرامة والفقه في الدين. وقد وفد من آل الرافعي إلى مصر طائفة كبيرة اشتغلوا في القضاء على مذهب الإمام الأكبر أبي حنيفة النعمان حتى آل الأمر أن اجتمع منهم في وقت واحدٍ أربعون قاضياً في مختلف المحاكم المصرية؛ وأوشكت وظائف القضاء أن تكون حِكراً عليهم، وقد تنبه اللورد كرومر لذلك وأثبتها في بعض التقارير إلى وزارة الخارجية البريطانية.

أما والد الرافعي الشيخ عبد الرزاق سعيد الرافعي فكان رئيساً للمحاكم الشرعية في كثير من الأقاليم المصرية، وقد استقر به المقام رئيساً لمحكمة طنطا الشرعية، وهناك كانت إقامته حتى وفاته، وفيها درج مصطفى صادق وإخوته لا يعرفون غيرها، ولا يبغون عنها حولاً.

أما والدته فهي من أسرة الطوخي وتُدعي «أسماء» وأصلها من حلب، سكن أبوها الشيخ الطوخي في مصر قبل أن يتصل نسبهم بآل الرافعي. وهي أسرة اشتهر أفرادها بالاشتغال بالتجارة وضروبها.

و بلغ عدد أفراد أسرة الرافعي في مصر حين وفاة مصطفى صادق الرافعي سنة 1937ما يزيد على ستمائة.

أتم حفظ القرآن الكريم بمساعدة والده قبل بلوغه العاشرة من عمره، انتسب إلى مدرسة دمنهور الابتدائية، ثم انتقل إلى مدرسة المنصورة الأميرية، التي حصل منها على الشهادة الابتدائية وعمره آنذاك سبع عشرة سنة.

أصابه مرض لم يتركه حتى أضعف سمعه وفي سن الثلاثين أضحى أصم تماماً، وهو ما اضطره إلى ترك التعليم الرسمي، مستعيضاً عنه بمكتبة أبيه الزاخرة بنفائس الكتب، إذ عكف عليها حتى استوعبها وأحاط بما فيها، وبفضل قوة عزيمته وثقافته الذاتية استطاع الرافعي أن يُعد من كتاب الأدب والمفكرين. عمل في عام 1899 ككاتب محكمة في محكمة طخا، ثم انتقل إلى محكمة طنطا الشرعية، ثم إلى المحكمة الأهلية، وبقي فيها حتى لقي وجه ربه الكريم.

ونظراً لموهبته الرفيعة فقد كتب الرافعي الشعر منذ سن مراهقته، فتبع الاتجاه المحافظ الذي قاده الشاعر العظيم البارودي، حيث أصدر ديوانه الأول عام 1903 قبل بلوغه العشرين من عمره، والذي كان له صدى عظيم بين كبار شعراء مصر، وأُعجب بشعره البارودي وحافظ إبراهيم.

كانت الإسلامية في أدبه تياراً متدفقاً، فقرظ محمود سامي البارودي شعره الملتزم، وأثنى عليه مصطفى لطفي المنفلوطي، وحيَّاه الشيخ محمد عبده قائلاً: «أسأل الله أن يجعل للحق من لسانك سيفاً يمحق الباطل» وقد كان.

- حمل على عاتقه المحافظة على أصالة اللغة العربية بالإضافة إلى الدفاع عن دينه الإسلامي، فكان من أبرز الشخصيات التي ساهمت بإسناد السور اللغوي للإسلام العظيم .

- ففي كل مؤلفاته وأشعاره ودراساته ونثره، جعل الإسلام غايته وخدمة عقيدة التوحيد مقصده وبغيته.

- تنوعت كتابات الرافعي ابتداء من «رسائل الرافعي» وهي مجموعة رسائل خاصة حملت الكثير من آرائه حول الأدب والسياسة ورجالهما.

- وقد وقف أمام مؤامرات الإنجليز ضد الإسلام ومؤامرات الصهيونية في فلسطين ومؤامرات الذين أرادوا إحياء العامية والقضاء على اللغة العربية، وأبرز قضايا الإسلامية عند الرافعي هي قضية إعجاز القرآن الكريم، وقضية البلاغة النبوية وقضية المقالات الإسلامية.

- ولم أجد أصدق تعبير عن حال مؤلفاته، وقيمتها، وأسلوبها من الكلمات التي وصف بها الزعيم المصري سعد زغلول الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي فقال: «كأنه تنزيل من التنزيل».

ثقافته وأدبه

لهذه الأسرة المورقة الفروع ينتمي مصطفى صادق وفي فنائها درج، وعلى الثقافة السائدة لأسرة أهل العلم نشأ؛ فاستمع من أبيه أول ما استمع إلى تعاليم الدين، وجمع القرآن حفظاً وهو دون العاشرة، فلم يدخل المدرسة إلا بعدما جاوز العاشرة بسنة أو اثنتين، وفي السنة التي نال فيها الرافعي الشهادة الابتدائية وسنه يومئذٍ 17 عاماً أصابه مرض التيفوئيد فما نجا منه إلا وقد ترك في أعصابه أثراً ووقراً في أذنيه لم يزل يعاني منه حتى فقد حاسة السمع وهو بعد لم يجاوز الثلاثين.

وكانت بوادر هذه العلة هي التي صرفته عن إتمام تعليمه بعد الابتدائية. فانقطع إلى مدرسته التي أنشأها لنفسه وأعد برامجها بنفسه؛ فكان هو المعلم والتلميذ، فأكبَّ على مكتبة والده الحافلة التي تجمع نوادر كتب الفقه والدين والعربية؛ فاستوعبها وراح يطلب المزيد، وكانت علته سببًا باعد بينه وبين مخالطة الناس، فكانت مكتبته هي دنياه التي يعيشها وناسها ناسه، وجوها جوه وأهلها صحبته وخلانه وسمّاره، وقد ظل على دأبه في القراءة والاطلاع إلى آخر يوم في عمره، يقرأ كل يوم 8 ساعات لا يكل ولا يمل كأنه في التعليم شادٍ لا يرى أنه وصل إلى غاية.

ظهرت موهبة الرافعي في ثلاثة اتجاهات رئيسية:

النثر الشعري: وكتب فيه أعمالاً رائعة مثل "حديث القمر" و "أوراق وزهرة" و "السحابة الحمراء" و "الفقير" وفي هذه الأعمال ظهرت رغبته في استعمال الشعر المقفي والشعر الحر.

الدراسات الأدبية: وكان أهم كتاب له في هذا الاتجاه هو "تاريخ اللغة العربية" ومهد هذا الكتاب غير المسبوق الطريق أمام الرافعي ليعلو درجات المجتمع الأدبي.

المقال: كانت عبقرية الرافعي واضحة في مجال كتابة المقال وفي سنواته الأخيرة كرس حياته لكتابة المقال فكتب كثيرا من المقالات القيمة والتي تم جمعها في كتابه المشهور "وحي القلم".

نتاجه الأدبي والفكري

استطاع الرافعي خلال فترة حياته الأدبية التي تربو على خمسٍ وثلاثين سنة إنتاج مجموعة كبيرة ومهمة من الدواوين والكتب أصبحت علامات مميزة في تاريخ الأدب العربي.

دواوينه الشعرية

كان الرافعي شاعراً مطبوعاً بدأ قرض الشعر وهو دون العشرين، وطبع الجزء الأول من ديوانه في عام 1903 وهو بعد لم يتجاوز الثالثة والعشرين، وقد قدّم له بمقدمة بارعة فصّل فيها معنى الشعر وفنونه ومذاهبه وأوليته. وتألق نجم الرافعي الشاعر بعد الجزء الأول واستطاع بغير عناء أن يلفت نظر أدباء عصره، واستمر على دأبه فأصدر الجزءين الثاني والثالث من ديوانه. وبعد فترة أصدر ديوان النظرات، ولقي الرافعي حفاوة بالغة من علماء العربية وأدبائها قلّ نظيرها، حتى كتب إليه الإمام محمد عبده قائلاً: «أسأل الله أن يجعل للحق من لسانك سيفاً يمحق الباطل، وأن يقيمك في الأواخر مقام حسان في الأوائل».

كتبه النثرية

قلّ اهتمام الرافعي بالشعر عما كان في مبتدئه؛ وذلك لأن القوالب الشعرية تضيق عن شعوره الذي يعبر عن خلجات نفسه وخطرات قلبه ووحي وجدانه ووثبات فكره، فنزع إلى النثر محاولاً إعادة الجملة القرآنية إلى مكانها مما يكتب الكتاب والنشء والأدباء، أيقن أن عليه رسالة يؤديها إلى أدباء جيله، وأن له غاية هو عليها أقدر، فجعل هدفه الذي يسعي إليه أن يكون لهذا الدين حارساً يدفع عنه أسباب الزيغ والفتنة والضلال، وينفخ في هذه اللغة روحاً من روحه، يردّها إلى مكانها ويرد عنها فلا يجترئ عليها مجترئ، ولا ينال منها نائل، ولا يتندر بها ساخر إلا انبرى له يبدد أوهامه ويكشف دخيلته. فكتب مجموعة من الكتب تعبر عن هذه الأغراض عُدت من عيون الأدب في مطلع هذا القرن. وأهمها:

 

- تحت راية القرآن: المعركة بين القديم والجديد: وهو كتاب وقفه على تبيان غلطات المجددين الذي يريدون بأغراضهم وأهوائهم أن يبتلوا الناس في دينهم وأخلاقهم ولغتهم، وهو في الأصل مجموعة مقالات كان ينشرها في الصحف في أعقاب خلافه مع طه حسين الذي احتل رده على كتاب «في الشعر الجاهلي» معظم صفحات الكتاب.

 

- وحي القلم: وهو مجموعة من مقالاته النقدية والإنشائية المستوحاة من الحياة الاجتماعية المعاصرة والقصص والتاريخ الإسلامي المتناثرة في العديد من المجلات المصرية المشهورة في مطلع القرن الماضي مثل: الرسالة، والمؤيد والبلاغ والمقتطف والسياسة وغيرها.

 

- تاريخ الأدب العربي: وهو كتاب في ثلاثة أجزاء، الأول: في أبواب الأدب والرواية والرواة والشواهد الشعرية، والثاني: في إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، وأما الثالث: فقد انتقل الرافعي إلى رحمة ربه قبل أن يري النور؛ فتولي تلميذه محمد سعيد العريان إخراجه؛ غير أنه ناقص عن المنهج الذي خطه الرافعي له في مقدمة الجزء الأول.

 

- حديث القمر: هو ثاني كتبه النثرية وقد أنشأه بعد عودته من رحلة إلى لبنان عام 1912 عرف فيها شاعرة من شاعرات لبنان (مي زيادة)، وكان بين قلبيهما حديث طويل، فلما عاد من رحلته أراد أن يقول فكان «حديث القمر».

 

- كتاب المساكين: وهو كتاب قدّم له بمقدمة بليغة في معنى الفقر والإحسان والتعاطف الإنساني، وهو فصول شتى ليس له وحدة تربطها سوي أنها صور من الآلام الإنسانية الكثيرة الألوان المتعددة الظلال. وقد أسند الكلام فيه إلى الشيخ على الذي يصفه الرافعي بأنه: «الجبل الباذخ الأشم في هذه الإنسانية التي يتخبطها الفقر بأذاه»، وقد لقي هذا الكتاب احتفالاً كبيراً من أهل الأدب حتى قال عنه أحمد زكي باشاً: «لقد جعلت لنا شكسبير كما للإنجليز شكسبير وهيجو كما للفرنسيين هيجو وجوته كما للألمان جوته».

 

- رسائل الأحزان: من روائع الرافعي الثلاثة؛ التي هي نفحات الحب التي تملكت قلبه وإشراقات روحه، وقد كانت لوعة القطيعة ومرارتها أوحت إليه برسائل الأحزان التي يقول فيها «هي رسائل الأحزان لا لأنها من الحزن جاءت؛ ولكن لأنها إلى الأحزان انتهت؛ ثم لأنها من لسان كان سلماً يترجم عن قلب كان حرباً؛ ثم لأن هذا التاريخ الغزلي كان ينبع كالحياة وكان كالحياة ماضياً إلى قبر».

- السحاب الأحمر: وقد جاء بعد رسائل الأحزان، وهو يتمحور حول فلسفة البغض، وطيش القلب، ولؤم المرأة.

-أوراق الورد رسائله ورسائلها: وهو طائفة من خواطر النفس المنثورة في فلسفة الحب والجمال، أنشأه الرافعي ليصف حالةً من حالاته ويثبت تاريخاً من تاريخه، كانت رسائل يناجي بها محبوبته في خلوته، ويتحدث بها إلى نفسه أو يبعث بها إلى خيالها في غفوة المنى، ويترسل بها إلى طيفها في جلوة الأحلام.

- على السَّفُّود: وهو كتاب لم يكتب عليه اسم الرافعي وإنما رمز إليه بعبارة إمام من أئمة الأدب العربي؛ وهو عبارة عن مجموعة مقالات في نقد بعض نتاج العقاد الأدبي.

موقفه من القضايا الوطنية

في غرة المحرم 1356ه (الموافق 14 مارس 1937م) زحف موكب كبير من طلبة الجامعة المصرية والأزهر ودار العلوم يزيد على أربعة آلاف نسمة، ومن خلفهم أضعاف أضعافهم من ولاة أمور الطلاب، واتجه الموكب إلى قصر الأمير (محمد علي) رئيس مجلس الوصاية مطالبين بتعميم التعليم الديني والتربية الإسلامية في جميع أدوار التعليم إلى نهاية درجته العليا وفصل الشابات عن الشبان في الجامعة المصرية كما هو الحال في أدوار التعليم التي قبل الجامعة، والاهتمام بالتربية بقدر الاهتمام بالتعليم فانبري الأديب الكبير (مصطفى صادق الرافعي) يبارك مطالب شباب الجامعة التي تجاوبت بها أصداء البلاد ويرد على «طه حسين» وأشياعه تحت عنوان: إلى شباب الجامعة:

- (حياكم الله يا شباب الجامعة المصرية، لقد كتبتم الكلمات التي تصرخ منها الشياطين، كلمات لو انتسبن لانتسبت كل واحدة منهن إلى آية مما أنزل به الوحي في كتاب الله.

- فطلب تعليم الدين لشباب الجامعة ينتمي إلى هذه الآية: )إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ( الأحزاب (33)

- وطلب الفصل بين الشباب والفتيات ويرجع إلى هذه الآية: )ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ( الأحزاب (53)

- يريد الشباب مع حقيقة العلم وحقيقة الدين، فإن العلم لا يعلم الصبر ولا الصدق ولا الذمة، يريدون قوة النفس مع قوة العقل.

- فإن القانون الأدبي في الشعب لا يضعه العقل وحده، ولا ينفذه وحده.

- ويريدون قوة العقيدة حتى إذا لم ينفعهم في بعض شدائد الحياة ما تعلموه نفعهم ما اعتقدوه.

- لا.. لا.. يا رجال الجامعة ! إن كان هناك شيء اسمه حرية الفكر فليس هناك شيء اسمه حرية الأخلاق.

- وتقولون: أوروبا وتقليد أوروبا؟ ونحن نريد الشباب الذين يعملون لاستقلالنا لا لخضوعنا لأوروبا.

- وتقولون: إن الجامعات ليست محل الدين، ومن الذي يجهل أنها بهذا صارت محلا لفوضي الأخلاق؟

- وتزعمون أن الشباب تعلموا ما يكفي من الدين في المدارس الابتدائية الثانوية، فلا حاجة إليه في الجامعة.

- أفترون الإسلام دروساً ابتدائية وثانوية فقط؟ أم تريدونه شجرة تغرس هناك لتقلع عندكم؟. «وحي القلم» 3/184-188 تحت عنوان: (قنبلة بالبارود لا بالماء المقطر).

- ومن أقواله الخالدة: «ألا ليت المنابر الإسلامية لا يخطب عليها إلا من يحمل قوة المدافع، لا من يحمل ألواحا من خشب».

جهوده في حماية اللغة العربية

- قال الأديب مصطفى صادق الرافعي في وحي القلم: (وما ذلَّت لغة شعب إلا ذلّ، ولا انحطت إلا كان أمره في ذهاب وإدبار، ومن هذا يفرض الأجنبي المستعمر لغته فرضاً على الأمة المستعمرة، ويرعبهم بها، ويشعرهم عظمته فيها، ويستلحقهم من ناحيتها، فيحكم عليهم أحكامًا ثلاثة في عمل واحد:

- أما الأول: فيسجن لغتهم في لغته سجناً مؤبداً.

- وأما الثاني: فالحكم على ماضيهم بالقتل محواً ونسياناً.

- وأما الثالث: فتقييد مستقبلهم بالأغلال التي يصنعها فأمرهم من بعدها لأمره تبع).

- فكيف إذا زاد على ذلك عدد من المبتعثين الذين رضعوا من صلب الاستعمار فأنتج منهم نتاجًا هزيلاً ليخدم المستعمر، ويضيع خصائص بلده وأمته، ومن أشد هذه المسالك لؤمًا ما يعود به عدد من المبتعثين من شباب هذه الأمة إلى ديار الكفر، إذ يعودون وهم يحملون تحللاً عقدياً رهيباً منضوين تحت لواء حزبي مارق، وفي لحظات يمسكون بأعمال قيادية عن طريقها ينفذون مخططاتهم، ويدعو بعضهم بعضاً، فيتداعون على صالحي الأمة، وعلى صالح أعمالها، وهذا أضر داء استشري في هذه الجزيرة، فهل من مستيقظ؟ وهل من مستبصر)؟.

- ويقول الرافعي: (إن اللغة مظهر من مظاهر التاريخ، والتاريخ صفة الأمة. كيفما قلّبت أمر اللغة - من حيث اتصالها بتاريخ الأمة واتصال الأمة بها - وجدتها الصفة الثابتة التي لا تزول إلا بزوال الجنسية وانسلاخ الأمة من تاريخها).

- ويقول الرافعي: (إنما القرآن جنسية لغوية تجمع أطراف النسبة إلى العربية، فلا يزال أهله مستعربين به، متميزين بهذه الجنسية حقيقةً أو حكماً).

الرافعي ومعاركه الأدبية

كان الرافعي ناقداً أدبياً عنيفاً حديد اللسان والطبع لا يعرف المداراة، ولا يصطنع الأدب في نضال خصومه، وكانت فيه غيرة واعتداد بالنفس، وكان فيه حرص على اللغة كما يقول: «من جهة الحرص على الدين إذ لا يزال منهما شيء قائم كالأساس والبناء لا منفعة بأحدهما إلا بقيامهما معاً». وكان يهاجم خصومه على طريقة عنترة، يضرب الجبان ضربة ينخلع لها قلب الشجاع، فكانت له خصومات عديدة مع شخصيات عنيدة وأسماء نجوم في الأدب والفكر والثقافة في مطلع القرن، فكانت بينه وبين المنفلوطي خصومة ابتدأها هذا الأخير بسبب رأي الرافعي في شعراء العصر. وكانت له صولات مع الجامعة المصرية حول طريقة تدريس الأدب العربي، وجولات أخرى مع عبد الله عفيفي وزكي مبارك. على أن أكثر معاركه شهرةً وحدة هو ما كان بينه وبين طه حسين، وبينه وبين العقاد، بل لعلها أشهر وأقسى ما في العربية من معارك الأدب.

خصومته مع طه حسين

كانت هذه الخصومة بسبب كتاب طه حسين «في الشعر الجاهلي» الذي ضمّنه رأيه في أن جُلّ الشعر الجاهلي منحول، وهي مقولة خطيرة تنبه لها الرافعي؛ فحمل عليه حملة شعواء في الصحافة المصرية واستعدى عليه الحكومة والقانون وعلماء الدين، وطلب منهم أن يأخذوا على يده وأن يمنعوه من أن تشيع بدعته بين طلاب الجامعة، وترادفت مقالاته عاصفة مهتاجة تفور بالغيظ والحميّة الدينية والعصبيّة للإسلام والعرب، كأن فيها معنى من معاني الدم، حتى كادت هذه الحملة تذهب بـ " طه " وشيعته؛ إذ وقف معقود اللسان والقلم أمام قوة قلم الرافعي وحجته البالغة، وقد أسرّ " طه " هذا الموقف للرافعي، فما سنحت له سانحة ينال بها من الرافعي إلا استغلها كي يرد له الصاع صاعين. غير أن الرافعي كان يقارعه حجة بحجة ونقداً بنقد حتى توفي رحمه الله .

خصومته مع العقاد

وكان السبب فيها كتاب الرافعي «إعجاز القرآن والبلاغة القرآنية» إذ كان العقاد يرى رأياً مخالفاً لما يرى الرافعي، وقد نشبت بينهما لذلك خصومة شديدة تجاوزت ميدانها الذي بدأت فيه، ومحورها الذي كانت تدور عليه إلى ميادين أخرى؛ جعلت كلا الأديبين الكبيرين ينسي مكانه، ويغفل أدبه ليلغو في عرض صاحبه، ويأكل لحمه من غير أن يرى ذلك مَعابة عليه، وكان البادئ الرافعي في مقالاته "على السفود " التي جمعها له في كتاب صديقه إسماعيل مظهر، وتوقفت المعركة بينهما فترة وجيزة ما لبثت أن اشتعل أوارها مرة أخرى عندما نشر العقاد ديوانه «وحي الأربعين» فكتب الرافعي نقداً لديوانه، تلقفه العقاد بالسخرية والتهكم والشتم والسباب، ولم تزل بينهما الخصومات الأدبية حتى توفي الرافعي رحمه الله.

وفــــــــــــــــــاته

تنحى فارس اللغة السليمة والعبارات البديعة، حامل لواء الأصالة في الأدب ورافع راية البلاغة فيه، عن صهوة قلمه في يوم الاثنين العاشر من مايو من عام 1937م فقد كانت أحب الأوقات إليه فترة ما بعد صلاة الفجر، وشاءت الإرادة الإلهية أن تفارق روح فيلسوف القرآن جسده بعد مضي ساعة من صلاة الفجر، حيث جلس ليتلو القرآن فأحس بحرقة تغزو معدته، ذهب ليتناول الدواء المفيد لهذا الداء المفاجئ، ويكمل صلاته وقراءته، ثم نهض وسار في البهو، وهاهي خطواته تتثاقل حتى سقط على الأرض مفارقًا للحياة، ليهب أهل الدار لإسعافه ولكن مشيئة الله آلت بأن تفيض هذه الروح الطيبة إلى بارئها. حمل جثمانه الصادق على أكتاف أبناء عروبته ليدفن بعد صلاة الظهر إلى جوار أبويه في مقبرة العائلة في طنطا، توفي عن عمر يناهز الـ 57 عامًا.

الخاتمة

ودَّع الرافعي الحياة عام 1937 م - 1356هـ، بعد أن عاش سبعًا وخمسين سنة فقط، خلَّد فيها ذلك المجدَ كلَّه، فتنفس أعداء القرآن الكريم الصُّعَداء، فقد هوى بموته عَلَمٌ شامخ من أعلام هذه الأمة الخالدة، ثم يسدل عليه ستار النسيان، وكأنه لم يكن صاحب الصوت المجلِّل والمكان العريض! وما ذلك إلا مظهرٌ من مظاهر غفلة الأمة، وعدم قدرتها على التمييز الصحيح، عندما تتعلق ببعض الرموز ممن فرضهم الاستعمار وأعوانه، مِمَّن يحمِلُونَ عناصِرَ هدْمِها، ومادَّة فسادها بما ينشرون ويقولون، دون الخُلَّص من الأعلام الروَّاد، الذين يحملون المشعل المنير عن سلفهم الأمجاد، في سلسلةٍ مُتَواصِلة الحلَقات، مستنيرةِ الطريق حتى تَصِلَ إلى إمام هذه الأمة ورسولها محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم. فرَحِمَ الله الرافعيَّ، صاحبَ الفِكْر المنير والعبقرية النادرة، والروح التي عرَفت طريقها يوم عرَفت انتماءها الصحيح؛ فكانت خير داعية إليه، بينما كان بعض مَن يُسمَّوْن أقطاب الأدب، لا يزالون يَهيمون في كل وادٍ، ويستجْلِبُون لأمَّتِهم مرذولَ الفِكْر، وساقطَ الرأي في دعوات هدامة مشبوهة.. رحمه الله تعالى وأخلف على الإسلام و العروبة خيرًا.

المصدر: موقع جريدة الراية

 
د. حسام الدين فوزي
تاريخ النشر:2010-02-22 الساعة 13:05:16
التعليقات:0
مرات القراءة: 2175
مرات الطباعة: 524
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan