الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » الأسرة والمجتمع » المرأة

تيار النهضة النسائية: النشأة والخطاب

أ. فاطمة حافظ

 

ثمة اتجاه عام لدى الدوائر البحثية والنسوية لا يرى في بعض التحركات والتنظيمات النسائية في أوائل القرن الماضي صفة إسلامية ويميل إلى طبعها جميعا بالطابع العلماني، وهذا ما يمكن أن نعزوه إلى الاتكاء على فرضيات ومقولات سادت منذ فترة طويلة ولم يتم مراجعتها أو الرغبة في التكتم على فريق بعينه من تيارات الحركة النسائية مقابل تيار آخر يحظى بالرعاية وتسليط الأضواء ([1]).

وبدورنا نسعى هاهنا إلى التحقق من صحة الافتراض القائل بعلمانية التحركات والتنظيمات النسائية في السنوات الممتدة منذ بداية القرن العشرين وحتى مطلع الحرب العالمية الأولى (1914)، وننطلق من فرضيتين أساسيتين:

الأولى: أن بعضا من الرموز والتشكيلات والإصدارات النسائية في بواكير القرن العشرين يمكن أن تحسب بشكل أو بآخر على تيار النهضة الإسلامية وحتى إن لم تكن هذه التنظيمات على علاقة عضوية ومباشرة بهذا التيار فإنها استقت بعض أطروحاته؛ فأفكار مثل التمييز بين ما هو من الأعراف وما هو من الشريعة، والدعوة للحد من الطلاق وتقييد التعدد كلها أفكار تنتمي للإصلاحية الإسلامية.

والثانية: أننا نلحظ أن اقتباس أفكار وأدوات الحداثة في المجال النسائي كان يبادر إليه تيار هو أقرب في ثقافاته وأساليب معاشه إلى الغرب، وما تلبث أن تحدث عملية استيعاب وتوطين لهذه الأدوات على يد عناصر تقوم بتطويعها في سبيل القضايا والأهداف الإسلامية فتخرج بذلك هذه الأدوات عن وظيفتها التحديثية التي استجلبت لأجلها، ويبدو لنا أن هذه القاعدة هي التي حكمت تاريخ الحركة النسائية بأسره.

الصحافة النسائية .. أصوات النساء

لم يكن الحديث عن النساء وأوضاعهن أمرا جديدا على الثقافة الإسلامية فقد كن موضوعا للبحث والنقاش في عصور الإسلام الوسيطة حين كتب ابن القيم الجوزية "أخبار النساء" وحين حمل ابن الحاج على سلوكيات النساء في "المدخل إلى الشرع الشريف" ولكن النصف الثاني من القرن التاسع عشر حمل متغيرا جديدا ألا وهو اشتراك النساء للمرة الأولى في النقاشات الدائرة حول دورهن في الحياة العامة وضوابطه وذلك عبر الكتابات النسائية الفردية (عائشة التيمورية، زينب فواز) أو عبر منبر الصحافة النسائية وبمضي الوقت أصبحت النساء طرفا أساسيا في النقاش. ويرتبط بهذا تفككك التوافق القائم حول مرجعية الشريعة التي ظلت لقرون المرجعية الوحيدة التي يتم الاحتكام إليها لمناقشة الأوضاع النسائية؛ فقد بدأت تنازعها المرجعية الغربية ونشب نزاع حاد بين أنصار المرجعيتين.  

كانت المسيحيات من الشوام والأوربيات أول من سعين لتأسيس الصحافة النسائية في العالم العربي؛ فقد كانت هند نوفل المسيحية السورية أول من أصدرت مجلة نسائية عام 1892 تحت عنوان (الفتاة) وجعلت "مبدأها الوحيد هو الدفاع عن المحرومات ولفت النظر إلى الالتزامات المستحقة لهن"([2]) ومع إدراكها لحداثة التجربة وكونها تخترق –للمرة الأولى- جدار الصمت النسائي وتتحدى المحظورات الاجتماعية المفروضة على تعبير النساء عن أنفسهن ناشدت هند قارئاتها "أن يساهمن بالكتابة في المجلة ولا يعتبرن ذلك مما يحط من القدر أو يخدش من العفاف"([3]) وما يسترعي الانتباه أنها تقيدت بعدم الخوض في الجدالات الدينية والسياسية واقتصرت على نشر المقالات المتعلقة بالنساء والثقافة النسائية([4]).

وفي عام 1896 صدرت (الفردوس) و (مرآة الحسناء) وأتبعتهما ألكسندرا أفيرنيوه بإصدار (أنيس الجليس) عام 1898 التي كانت أقوى صدى من سابقتها واستمر ظهورها قرابة عشر سنوات، وتوالى صدور الدوريات تباعا وتنوعت مشاربها وتوجهاتها بتنوع القائمين عليها، وهو ما يوحي برسوخ أقدامها واتساع دوائر قرائها لتشمل الإناث والذكور.

 واكب ظهور هذه المجلات حدثين مهمين، الأول رسوخ أقدام الاستعمار الغربي في العالم الإسلامي وانتقال المواجهة معه من الشكل العسكري المباشر إلى المجابهة الثقافية التي كان قوامها عملية تحديث واسعة النطاق أسفرت عن زعزعة بعضا من المفاهيم والأفكار السائدة واستبدالها بأخرى، والثاني ميلاد الحركة النسوية التي ينظر لكتاب قاسم أمين "تحرير المرأة" (1899) بحسبانه شهادة ميلادها الرسمية، وقد اتخذت الحركة من الصحافة النسائية منبرا لها ولخطابها الآخذ في التشكل آنذاك.

رغم أن الجيل الأول من الصحافة النسائية لعب دورا لا يمكن إنكاره في التعريف بوجهات نظر النساء ورفع الوعي الثقافي لديهن فإن تحليل مضمونها في أعوامها الأولى -وعلى بساطته- يحملنا على الاستنتاج أنه لم يكن بعيدا عن مسلسل العلمنة ذلك أن ادعاء بعض الدوريات قصر نشاطها على الشئون النسائية والابتعاد عن مناقشة الشأن الديني كان يعني تطبيقا واقعيا لمفهوم العلمنة في الحياة العامة.

ومن جهة ثانية فإن هذه الدوريات لم تكن بمنأى عن التوظيف الطائفي فقد حرصت ملكة سعد أن تكون الغلبة للأقلام القبطية في (الجنس اللطيف)، وقد لعبت المجلة دورا فعالا على خلفية التوترات بين المسلمين والأقباط كما جسدها اغتيال بطرس غالي وعقد المؤتمر القبطي 1911حين تحولت إلى منبر إعلامي قبطي بعد أن جرى التشديد على الصحافة القبطية بفعل التصعيد الطائفي.

أما اليهودية إستر مويال أزهري فقد أسست (العائلة) عام 1899 وعلى عكس الاتجاه الشائع اهتمت بمعالجة القضايا العالمية وذلك ليتسنى لها التطرق لقضية الاضطهاد العالمي لليهود وقد ركزت بوجه خاص  على متابعة قضية دريفورس في فرنسا ([5]) ويعزز من التوجه اليهودي للمجلة أن صاحبتها قد احتفت بأدب إميل زولا حين ترجمت عدد من أعماله إلى العربية وأرخت لحياته الشخصية، وهذا الاهتمام ربما يُفسر على ضوء أن زولا كان أحد المنافحين عن دريفورس وأثار قضيته في كتاباته ([6]).

ومن جهة ثالثة وأخيرة فإن صلات هذه الدوريات بالدوائر الإمبريالية حقيقة مثبتة فوفقا للوثائق البريطانية فإن ألكسندرا أفيرنيوه كانت "ذات فائدة كبيرة" لجهاز المخابرات البريطاني في مصر والمعلوم أنها كانت المتحدثة الرسمية للحركة النسائية ليس في مصر وحدها وإنما في الشرق بأسره ولذلك دعيت لحضور أول مؤتمر نسائي عالمي لنزع السلاح كممثلة لنساء الشرق (عام 1900) وقد نالت أوسمة من كل من: السلطان العثماني، شاه إيران، بابا روما تقديرا لجهودها في النهضة النسائية([7]).

وسرعان ما تكشف الدور الذي تلعبه ألكسندرا فقد اتهمتها السلطات المصرية بممارسة أنشطة سياسية سرية وبالتورط في محاولة اغتيال رئيس الوزراء سعد زغلول، ومن ثم قامت باحتجازها عدة أيام وتفتيش منزلها. وعادت السلطات واتهمتها مجددا بإدارة منزلها لأغراض الدعارة بالاشتراك مع أحد أصدقائها البريطانيين، وعلى خلفية هذا الاتهام غادرت ألكسندرا مصر ولم تمنح بعدها تأشيرة للعودة ([8]).

ورغم ما تردد بشأن ألكسندرا فإن بعض الدوائر النسوية تقف عند حدود القراءة الظاهرية لكتاباتها في (أنيس الجليس) التي هاجمت خلالها اللورد كرومر وشجبت ما ذهب إليه عن تكريس الإسلام اضطهاد المرأة.. ووفقا لتلك القراءة النسوية فإن ألكسندرة كانت عرضة لمشاعر عدائية ضد الأجانب غير مبررة ([9]رغم كونها هي ورائدات الصحافة النسائية من المسيحيات واليهوديات "كانت كتاباتهن جسرا بين الثقافتين العربية والغربية‏،‏ وكن يشعرن بانتماء عميق للشرق"‏‏إذ طالبن قارئاتهن بعدم الاندفاع في تقليد الغرب،‏ وتجنب ما يخالف الأعراف والتقاليد الشرقية‏،‏ ودافعن عن اللغة العربية وطالبن بتدريسها في المدارس‏،‏ بدلا من الفرنسية وغيرها ([10]) وهنا يثور تساؤل أكان بمقدور هؤلاء أن يجهرن بمهاجمة الإسلام والثقافة العربية وهن يعشن في مجتمع يحكمه الإسلام وثقافته، وما هو النجاح الذي يمكن أن يحرزنه إن فعلن ذلك.‏ 

الريحانة وتأسيس التيار النسائي الإسلامي

مثل عام (1907) بداية المرحلة الثانية من مراحل الصحافة النسائية التي عرفت للمرة الأولى طريقها إلى الأسلمة؛ ففي هذا العام أصدرت المصرية جميلة حافظ (الريحانة) كأول مجلة نسائية تتبنى النهج الإسلامي في التعاطي مع قضايا المرأة. لقد كانت الريحانة ردة فعل مباشرة للموجة الحداثية التي جسدها الجيل الأول للصحافة النسائية وتأسيسا لما يمكن أن نطلق عليه "التيار النسائي الإسلامي" الذي رأى في الإسلام منطلقا لترقية أوضاع المرأة ومنحها حقوقها، ومشددا في الوقت نفسه على أن العلمانيين ودعاة الحداثة لا يمكنهم احتكار الدفاع عن حقوق المرأة.

يستلفت النظر أن (الريحانة) عالجت قضية المرأة من منظور كلي ضمن معالجتها لقضايا الأمة؛ فقد نظر القائمون عليها لقضية المرأة باعتبارها واحدة من قضايا الأمة وليست قضية مستقلة في ذاتها، ومن ثم لم يتبلور خطابهم باتجاه المطالبة بمطالب فئوية تخص النساء دون الرجال. وعلى هذا الأساس نافحت الريحانة عن المفاهيم الإسلامية الكبرى مثل: الخلافة والأمة والتي تعرضت لهجوم أنصار القطرية الذين دعوا لقطع الصلات مع الأبعاد العقدية التي تشكلها الأمة وقصر الانتماء على الوطن بحدوده الجغرافية.

ترقية المرأة.. أولى الجمعيات النسائية

لم تكن الريحانة التجلي الوحيد للتيار الإسلامي الوليد؛ ففي العام التالي (1908) عبر التيار عن ذاته بصورة أكثر وضوحا حين اجتمع عدد من النسوة في منزل فاطمة راشد - زوجة المفكر الإسلامي محمد فريد وجدي-([11]) لتكوين جمعية ترقية المرأة أول منظمة نسائية من نوعها تقام في مصر، وقد قامت العضوات بإصدار مجلة نسائية حملت اسم الجمعية وتبنت الدعوة إلى نشر أهدافها واختيرت فاطمة راشد لرئاسة تحريرها.  

الملمح الأبرز الذي تميزت به الجمعية أن عضواتها كن ينتمين للطبقة الوسطى إذ تؤكد سجلات الجمعية أنهن كن زوجات أفندية أو بهوات وهذه نقطة هامة إذ من المعتاد أن يعزى فضل تأسيس المنظمات النسائية الأولى إلى نساء النخبة، ولكنا هنا إزاء حالة مغايرة تحملنا على الاستنتاج أنه بينما جذب التيار النسائي الإسلامي المثقفات من أبناء الشرائح الوسطى فإن الحركة النسوية ذات التوجه الحداثي تكونت أساسا من نساء النخبة وظلت منفصلة عن القاعدة النسائية العريضة.

انطلقت (ترقية المرأة) من رؤية دينية لقضايا المرأة فطالبت بتطبيق أحكام الشريعة فيما يتعلق بالإرث ودعت الدولة باعتبارها ممثل بيت مال المسلمين لإعالة من لا زوج لها من النساء، كما تبنت الدعوة للتوسع في تعليم الإناث وذهبت إلى حد الدعوة إلى عدم قصر التعليم الديني في الأزهر الشريف على البنين.

ومن الأطروحات الجريئة التي تبنتها الجمعية اشتراطها على كاتبات المجلة أن ينشرن بأسمائهن الحقيقية بهدف تأكيد حضور المرأة في المجال العام ودفعها للإفصاح عن هويتها وذلك رغم أن العرف السائد كان أن تخفي الكاتبة هويتها الحقيقية تحت أسماء مستعارة، وقد استندت الجمعية في ذلك إلى أن النصوص الشرعية ليس بها ما يفيد منع النساء من إعلان هويتهن حيث كانت أسماء النساء معروفة ومعلنة في عهد النبوة ([12]).

حزب العفاف الإسلامي

بمضي الوقت أضحى التيار النسائي الإسلامي أشد رسوخا من ذي قبل ففي عام 1910 ظهرت جريدة (العفاف) أهم منبر للتعبير عن التيار الوليد وقد استمر صدورها عشرة أعوام كاملة واستطاعت أن تجمع طائفة من أهم الكاتبات المعبرات عن هذا التيار أمثال: فاطمة راشد، سارة الميهية، ملك حفني ناصف وغيرهن.

حاولت العفاف أن تقدم طرحا عصريا اجتهاديا لقضايا المرأة لا يتنافى مع المبادئ الشرعية، وقد تفردت بتبني الدعوة إلى تأسيس أحزاب للنساء على غرار أحزاب الرجال. ولم تكتف الجريدة بطرح الفكرة نظرياً وإنما بادرت إلى تأسيس (حزب العفاف النشيط) وقد عهد للسيدة زكية الكفراوية إدارة شئون الحزب وتسلم مراسلاته لحين انتخاب رئيسة له ([13]).

ورغم أن مصير حزب العفاف يظل مجهولاً إلا أننا نعلم أن جرأة الجريدة في طرح مثل هذه الموضوعات جعلها عرضة للنقد الشديد وبخاصة من جانب بعض الأصوات التي ارتأت فيها خرقا للتقاليد الإسلامية المتعلقة بأدوار النساء الأمر الذي دفع رئيس تحرير (العفاف) سليمان السليمي أن يؤكد على الهوية الإسلامية للجريدة وأنها تصنف نفسها باعتبارها مدافعا عن عفة المرأة في مواجهة تيار السفور.

فتاة النيل والتشديد على الهوية

قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى بعام واحد نجحت سارة الميهية في إصدار (فتاة النيل) مختتمة بذلك سلسلة الدوريات الإسلامية التي صدرت قبيل الحرب العالمية الأولى. وقد كانت فتاة النيل موضع ثناء مجلة المنار للسيد رشيد رضا التي حثت التلميذات والعائلات على الإقبال على قراءتها ([14]).

وما يسترعي انتباهنا ذلك العنوان الذي اتخذته المجلة لنفسها والذي يفصح عن مدى التأثر بالروح الوطنية المصرية لدى صاحبات التيار النسائي الإسلامي، وهو اتجاه لم يكن ملموسا بوضوح من قبل إذ كان التعبير عن الهوية المصرية ضامرا لصالح الانتماء للخلافة، وهو ما عبرت عنه فاطمة راشد بشكل أوضح من زميلاتها تأثرا بكون زوجها المفكر محمد فريد وجدي أحد المنتمين للحزب الوطني ورئيس تحرير صحيفة الدستور المؤيدة للعثمانيين.  

على أي حال سارت المجلة على نهج المجلات الإسلامية فنافحت عن الحجاب وانتقدت حالات السفور المتزايد في المدن الإسلامية وقد تفردت بمعالجة نقدية لبعض القضايا الاجتماعية المتعلقة بالمرأة مثل الزار و الثأر.

وتعد سارة الميهية رئيسة تحرير المجلة واحدة من أهم الكاتبات الإسلاميات اللواتي برزن خلال هذه الفترة وقد امتلكت موهبة أدبية كبيرة وأسهمت بالكتابة في الدوريات الإسلامية قبيل أن تصدر دوريتها، وكانت سارة قد أفردت بابا للرسائل في فتاة النيل ضمنته خطابات من شقيقتها وصديقاتها ومعلمتها. وما يستوقفنا فيها هو رغبتها في تخطي حاجز الفصل بين العام والخاص؛ فمن غير المألوف حتى ذلك الوقت أن تنشر كاتبة موضوعات تنتمي للمجال الخاص سيما إذا كانت لا تتخفى تحت اسم مستعار وهو ما يعكس إصرارا من جانبها على الإفصاح عن هويتها الذاتية بكل الطرق المتاحة لديها.

خطاب المرأة وقضايا النهضة

كان من الطبيعي أن تركز الصحافة الإسلامية على القضايا الكبرى المثارة آنذاك مثل: الحجاب، المساواة، التغريب، التعليم والعمل، وموقع المرأة في منظومة الإصلاح الاجتماعي وما إلى ذلك من قضايا.

أ- الحجاب: ينظر إلى الحجاب بحسبانه القضية المفتاحية في سلسلة القضايا التي ارتبطت بالمرأة، وتحديد الموقف منه كان يعني تلقائيا تحديد الموقف من بقية القضايا وتصنيف الشخص إما باعتباره حداثيا أو إسلاميا، وهكذا عُد الموقف من الحجاب الفيصل الحقيقي بين فريقين لم يكن الخلاف بينهما حديا -حتى تلك اللحظة - إذ التقى الفريقان علي تنزيه الشريعة وتبرئتها مما لحق بالنساء في عصور التراجع الحضاري وإرجاع ذلك العادات والتقاليد ([15]). 

لقد كان من البدهي أن تُجمع الكاتبات الإسلاميات على اختلاف مشاربهن على رفض دعوة قاسم أمين وإن تفاوتت منطلقات الرفض لديهن، إذ بينما رفضت ملك حفني ناصف دعوى السفور من وجهة اجتماعية وليس دينية معتبرة أنه يمكن تطبيقها فقط في حال ما إذا كانت أخلاق الرجال والنساء ترقى لدرجة الكمال ولكن هذا برأيها درب من دروب المحال وبالتالي يتعذر أن تصبح النساء سافرات ([16]) على إن غالبية الكاتبات انتقدن الدعوة من منظور ديني حيث ربطن بين السفور وضياع العفاف الذي بضياعه يضيع الدين، ومن هذا المنظور فإن كتاب تحرير المرأة  هو "سهم موجه إلى كبد الإسلام من أحد أبنائه"([17]) وفي رأي فاطمة راشد فإن الحجاب "ليس نقمة تشدنا للوراء، بل هو نعمة" وعلى النساء التمسك بها، أما سارة الميهية فتساءلت مستهجنة في عام 1910 "من أين أتت هذه النساء الشاردة في الشوارع هل سقطت من السماء أم انشقت عنهن الأرض" وناشدت الرجال أن يفرضن الحجاب على نسائهن ([18]).

وهذا التشدد في رفض السفور لم يكن ليعني دعوة النساء المحجبات أن يلزمن بيوتهن ويعتزلن الحياة العامة "فالمرأة لها رجلان يجب أن تتحركا وعينان يجب أن تبصرا؛ فإذا صاحبها أبوها أو أخوها أو زوجها.. وهي بمئزرها محتشمة فلا يخرج ذلك عن معنى الحجاب"([19]) وإذا كان خروج المرأة للتنزه ضرورة فإن مشاركتها في الشأن العام واجبة، ومن ثم وجهت الإسلاميات الدعوة للنساء كي ينخرطن في الجمعيات النسائية الوليدة وأن يسهمن في تغيير المجتمع. وللحق فإنهن كن سباقات للانخراط في تأسيس الجمعيات وبادرن لعقد الندوات وإلقاء الخطب في المنتديات فقدمن بذلك القدوة والمثل للنساء وترجمن أفكارهن إلى واقع ملموس.

ب- التعليم والمساواة: ورغم دعوتها للانخراط في المجال العام فقد أكدت الصحافة النسائية الإسلامية على أهمية موقع المرأة داخل الأسرة وعلى رفض فكرة المساواة المؤدية إلى تماثل الجنسين وقد بدا واضحا أن هناك قلقا من أن يؤدي التوسع في تعليم الفتيات إلى الشعور بالتماثل ولذلك كثيرا ما لفتت الكاتبات الانتباه إلى أن غاية التعليم أن تكون المرأة زوجة صالحة تحسن التعامل مع زوجها وتربي أبنائها بشكل أفضل، ودعما لهذا الرأي عمدت الكاتبات للجوء للنصوص الشرعية لتعزيز دعواهن فاستشهدن بأحاديث الرسول وأقوال الفقهاء التي تؤكد أن الإسلام لم يسلب المرأة حقها في التعليم، وأن حرمانها منه محض عرف ينبغي تغييره، وفي هذا الصدد حاولت سلمى الرضاوية من (فتاة النيل) تغيير الارتباط الشرطي الماثل في الأذهان بين جهل المرأة وعفافها مؤكدة على العلاقة ما بين التقوى والتعليم ([20]) ولكن هذا لا يعني أن الصحافة الإسلامية كانت مع الخروج المطلق دون ضوابط فقد كانت هناك خشية أن يؤدي إلى زعزعة جدار الفصل بين الجنسين وهو ما عبرت عنه (العفاف) التي ناقشت فكرة أن "العلم يمنع السافرة المختلطة بالرجال من السقوط في بؤرة الفساد" الأمر الذي نفته الجريدة التي رصدت قيام بعض الفتيات بمواعدة الرجال أثناء الذهاب والإياب من المدرسة ولم يقف العلم حائلا دون ترديهن الأخلاقي، ومن ثم اقترحت تخصيص  عربات لنقل التلميذات ضمانا لعدم الاختلاط ([21]).

ج_ عمل المرأة بين التقييد والإلغاء: قاد الجدل حول التعليم وشرائطه إلى مناقشة عمل المرأة، ولكن بينما كان التعليم محل إجماع فإن العمل كان موضع خلاف ليس بين التيارين المتنازعين وحسب وإنما داخل التيار الواحد؛ إذ اعتبر الحداثيون أنه بفضل التعليم ارتقى عقل المرأة "حتى لم يعد يحتمل أن يبقى محجوزا ضمن جدران البيت، وأن تكون معارفه محصورة في ترتيب أثاثه وفي الغسل والطبخ والخياطة وشغل الصنارة وغير ذلك من الأشغال المملة المضيقة للنفس والعقل التي لا يزال يتعاطاها معظم نساء الشرق"([22]).

وعلى الجهة المقابلة اعتبرت فاطمة راشد من تسعى للعمل المأجور خارج منزلها ليست بامرأة وإنما هي "جنس ثالث" يخلط أدوار الجنسين معا، وناقشت دواعي خروج النساء للعمل وأبرزت أن المرأة الأوروبية مضطرة للعمل تحت وطأة الحاجة حيث أن أسرتها لا تنفق عليها، ولكن المرأة المسلمة ذات وضعية مغايرة فلها حق الإعالة الشرعية إما من الأسرة أو من الدولة؛ فإذا اضطرت أن تخرج للعمل فهذا يعني أن الأسرة والدولة مقصرون في أداء واجبهم. أما سارة الميهية فقد عالجت قضية عمل المرأة من منظور تأثيراتها السلبية على الحياة الأسرية مفترضة أن المرأة العاملة لابد وأن تهمل بيتها وأن تضعه في مرتبة تالية في أولوياتها، وهو ما يهدد بمحو الأسرة وبروز النزعة الفردية على نحو ما هو شائع في الغرب.

وكعادتها تسلك ملك حفني ناصف سبيلا أكثر انفتاحا من نظيراتها فتذهب إلى أن العمل بالنسبة للمرأة ليس ترفا أو اختيارا عقليا وإنما هو ضرورة حتمتها الظروف الاقتصادية فهناك من النساء من لم يتزوجن بعد ومن توفي أزواجهن ومن ضاقت بهن سبل العيش وعليهن أن يعملن بدلا من أن يسألن الصدقات، وأولئك يجب –وفقا لملك- ألا يضطررن للعمل في حرف رديئة وأن يجتهدن في البحث عن فرص ملائمة وكريمة وهي تتوافر في المهن النسائية مثل الطب أو التدريس. وهكذا يتضح أن ملك لم تتوقف كثيرا أمام مبدأ العمل في حد ذاته وإنما ذهبت أبعد إلى حيث مناقشة بيئة العمل وشروطها معتبرة أنها المساحة الأولى بالاجتهاد([23]).

د-التغريب والعلمنة: من القضايا الأخرى التي استغرقت جدلا في الصحافة مسألة التغريب؛ والمعلوم أن الإسلاميات كن يشعرن بقلق عميق من تنامي أنماط المعيشة وأساليب التفكير الغربية لذلك أخذت الكاتبات على عاتقهن أن يدافعن عن النموذج الإسلامي للمجتمع الذي خلفه الرسول الكريم لحظة وفاته وموقع النساء خلاله ولذلك تم تخصيص أبواب ثابتة للسير في المجلات ركزت على سير أمهات المؤمنين والصحابيات باعتبارهن رموز ينبغي احتذاؤها وللبرهنة على أن الفاعلية النسائية متأصلة في تاريخ الإسلام وليست وافدة من الحضارة الغربية كما يدعي الخطاب الكولونيالي. ومن جانب آخر قاومت الكاتبات دعاوى التغريب الفكري فهاجمن العادات والتقاليد الغربية التي انتشرت بين الطبقات العليا وذهبت سارة الميهية إلى حد الدعوة إلى مقاطعة البضائع والمنتجات الغربية. أما فاطمة راشد فقد أعلنت عن عدم تقبلها للآداب الغربية التي لا تتوافق مع الثقافة والقيم الإسلامية واهتمت في مجلتها بنشر مقتطفات من الأدب التركي الذي هو أقرب لنفسها من الأدب الغربي، وباختصار لقد حاولت الكاتبات إيجاد بدائل إسلامية لما يواجه المجتمع والثقافة العربية من تحديات غربية آنذاك. 

هـ قوانين الأسرة والإصلاح الاجتماعي: ومع رفض التغريب آمنت الإسلاميات بضرورة الإصلاح الاجتماعي الذي يجد ركيزته في رفع الغبن الواقع على المرأة؛ فتصف ملك حفني ناصف تعدد الزوجات –وقد كانت هي نفسها زوجة ثانية- بأنه "عدو النساء الألد وشيطانهن الفرد" وذهبت إلى أنه خيرا للرجل الذي يتعذر عليه أن يعيش هنيئا مع زوجته أن يطلقها من أن يتزوج عليها بأخرى وتبرر ذلك بقولها "والطلاق على مذهبي أسهل وقعا وأخف ألما من الضرر؛ فالأول شقاء وحرية والثاني شقاء وتقييد فإذا كان الشقاء واقعا على كل حال فلماذا تلتزم المرأة الصبر على الشدة وترى بعينيها ما يدمي قلبها"([24]).

شاطرت الصحافة النسائية باحثة البادية الرأي واعتبرت أن النساء يتعرضن للاضطهاد والظلم جراء تعسف الرجل في استخدام بعض حقوقه وقد غصت الصحافة الإسلامية وبخاصة العفاف بقصص لسيدات منين بالشقاء بسبب التعدد أو الطلاق ومن ثم جهرت الجريدة بضرورة تعديل قوانين الأسرة بما يكفل حقوق المرأة ويحميها من تعسف الرجل، وفي هذا الصدد يمكن أن نتوقف أمام الخطاب الذي وجهه صاحب العفاف إلى شيخ الأزهر الإمام سليم البشري المنشور  في 30 مارس 1914 تحت عنوان (رجاؤنا في شيخ الإسلام) وفيه يقترح السليمي أن يؤلف شيخ الأزهر جمعية تحت رئاسته للتباحث في عشرة عناصر من بينها "وضع حد للإسراف في مسألة الطلاق بوضع ضريبة عن كل من يطلق امرأته لسبب غير مقبول، ووضع قيد لتعدد الزوجات الذي لم يبحه الإسلام إلا لظروف مخصوصة وبشروط لا يوجد في هذا الزمن من يقوم بها... وضع قانون لمعاقبة الزوج الخائن كما وضعت قانون لمعاقبة الزوجة الخائنة"([25]).

ما يسترعي الانتباه في مقترحات السليمي أنها لا يصعب نسبتها إلى تيار النهضة الإسلامية فيما يتعلق بمسائل الطلاق، التعدد وإن كان اجتهد وأضاف إليها مقترح قانون معاقبة الزوج الخائن أسوة بمعاقبة الزوجة الخائنة.

تعليقات ختامية

 من خلال الاستعراض السابق يبدو جليا بروز تيار نسائي يتبنى طرحا إسلاميا لقضايا المرأة وقد عرف التيار تعددية ملموسة في الرؤى والاتجاهات؛ فيبدو خطاب ملك حفني ناصف أكثر تقدمية من خطابي فاطمة راشد وسارة الميهية، ولكن تحركات وممارسات الميهية وراشد تبدو أكثر تقدمية من خطاباتهن ونعني تحديدا تأسيس حزب نسائي وإصدار دورية.

وقد تميز الخطاب الذي أنتجته الكاتبات الإسلاميات بأنه على درجة كبيرة من التكاملية وبحيث غطى مجالات امتدت من السياسي إلى الاجتماعي إلى الثقافي وقد تشابك مع الخطاب الإصلاحي العام في كثير من المواطن. أما من حيث المعالجة فيمكننا ملاحظة أن الخطاب لم يتمثل الفردية ولم يقع في شرك الطبقية؛ ومن هنا ظل هناك تشديد على الحديث عن واقع النساء - وبخاصة نساء الطبقة الوسطى- وليس عن واقع المرأة المفردة التي تجابه الرجل.

وعلى الرغم من أن التيار النسائي الإسلامي تبنى المرجعية الشرعية لتكون منطلقا لقضايا المرأة إلا أنه لم يكن خاضعا لتأثير أصحاب الدينية المتشددة بل لقد خاض التيار معركة مزدوحة ضد الحداثيين والمتشددين في ذات الوقت.


[1] راجع على سبيل المثال كتاب "مسيرة المرأة المصرية " الصادر عن المجلس القومي للمرأة، الذي استهدف التأريخ للحركة النسائية المصرية لكنه غض الطرف عن تنظيمات التيار الإسلامي ورموزه اللهم من إشارة وحيدة مرتبطة بجمعية ترقية المرأة.

[2] مارجو بدران، رائدات الحركة النسوية المصرية والإسلام والوطن، (القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 2000) ترجمة علي بدران، ص 36.

[3] هدى الصدة، عماد أبو غازي، مسيرة المرأة المصرية علامات ومواقف (القاهرة، المجلس القومي للمرأة، 2001) ص 46.

[4] عمر رضا كحالة، أعلام النساء في عالمي العرب والإسلام (بيروت، مؤسسة الرسالة، بدون تاريخ)، الجزء الخامس ص 265-266.

[5] ضابط فرنسي يهودي اتهم بتسريب أسرار عسكرية إلى السفارة الألمانية في باريس. وحكم عليه عام 1894 بتجريده من رتبته العسكرية، وطرده من الخدمة وسجنه مدى الحياة في جزيرة الشيطان، وأثار أمره الرأي العام الفرنسي وسقطت لأجله عدة وزارات، وردد اليهود آنذاك أن الحكم الصادر بحقه هو جزء من حملة معاداة السامية في فرنسا.

[6] بث بارون، النهضة النسائية في مصر: الثقافة والمجتمع والصحافة (القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 1999)، ص 26.

[7] منى أبو الفضل وهند مصطفى،"خطاب المرأة في عصر النهضة قراءة بديلة"، في: مائة عام على تحرير المرأة (القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، ،1999) الجزء الأول ص 300.

[8] بث بارون، المرجع السابق، ص 24-25.

[9] إقبال بركة، ألكسندرا أفيرنيوه زعيمة الشرق (القاهرة، صحيفة الأهرام، 20 يونيو 2001) العدد 41834.

 [10]إقبال بركة، الموجة الثانية من المجلات النسائية (القاهرة، صحيفة الأهرام، 1 نوفمبر 2000) العدد 41603.

[11] يخلط البعض ما بين السيدة فاطمة راشد والسيدة فاطمة نعمت راشد والأخيرة هي مؤسسة الحزب النسائي المصري.

[12] هدى الصدة، عماد أبو غازي، مسيرة المرأة المصرية، ص 58.

[13] بث بارون ، المرجع السابق، ص 170.

[14] أنظر ما كتب في دورية المنار على الرابط التالي:

http://safeena.org/vb/showthread.php?t=1101654&page=65

[15]  أنظر تفصيلات أوفى حول ذلك في، أحمد لطفي السيد، المرأة والأمة (القاهرة، الجريدة، 20 يوليو 1907) العدد 112.

[16] ملك حفني ناصف، النسائيات (القاهرة، ملتقى المرأة والذاكرة، 1998)، ص 64.

[17] فردوس كامل، آثار قاسم أمين (العفاف، 11 مارس 1914)، العدد 54.

[18] سارة الميهية، قاطعت (العفاف، 2 ديسمبر 1910)، العدد 5، نقلا عن بث بارون المرجع السابق، ص 111.

[19] ملك حفني ناصف، المرجع السابق، ص 64.

[20] بث بارون، المرجع السابق، ص 121.

[21] أفلح طلاب السفور (العفاف، 24 مارس 1911)، العدد 20.

[22] خليل الغريب، المرأة العاملة (فتاة الشرق، ديسمبر 1912).

[23] بث بارون، المرجع السابق، ص141-142.

[24] ملك حفني ناصف، المرجع السابق، ص 76-78.

[25] يمكن الاطلاع على نص المقال في: أميرة خواسك، معركة المرأة المصرية للخروج من عصر الحريم (القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2004)، ص 217-220. 

 

 
أ. فاطمة حافظ
تاريخ النشر:2009-05-22 الساعة 13:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 3649
مرات الطباعة: 665
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 

 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan