الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » العالم العربي

الجزائر بين الحَجر السياسي واستحقاقات المستقبل

سمير ناصر

 

كانت الجزائر خلال التسعينيات تنزف دماءً ويتطاير غبار أرضها خوفًا وألمًا، وكان الحق في الحياة حلمًا يراود أبناءها عندما استفحل الهرج والخوف، لكنه كان حلمَ المرحلة، مثلما كان الاستقلال حلم مرحلة حرب التحرير، وكان التطور وتحقيق التنمية حلم مرحلة ما بعد الاستقلال. ولنا أن نتساءل اليوم، والأمد يبتعد بنا أكثر فأكثر عن يوم الاستقلال، ما هو حلم الجزائر الآن كأمة لها تاريخ ولها كل القدرات المادية والبشرية لتحقيق الكثير؟ هل سنكتفي بالتلذذ بنعمة الأمن ونغفل عن تحديات المستقبل كما فعلنا لعشر سنوات؟ وبذلك ندس رؤوسنا في الرمال إزاء الانسداد الذي تعيشه البلاد، ونتركها نهبًا مباحًا لمن ينتصر في لعبة مراكز القوة، ونُسلم شعبنا لوصاية أبدية لا تنتهي لا بكهولة هذا الجيل ولا بشيخوخته؟ أم أننا سنتحمل مشقة الفهم ثم مسؤولية الكلمة للوصول لإدراك جماعي لحساسية الموقف، وضرورة تبني مشروع وطني يخرجنا من الدائرة المغلقة التي ما نكاد نخرج منها حتى نعود إليها ثانيةً؟ حتى نستقبل آفاقًا جديدةً تَعدُ بشيء غير الاستمرارية في طريق الأمس.

ولكي نعرف أين نتجه اليوم، علينا أولاً أن نتلمس طريقنا من خلال التجربة المرة التي عشناها بالأمس، وإلا ما معنى الضريبة الباهظة التي دفعها شعبنا، والمخاض السياسي والأمني الصعب الذي كاد أن يقضي على كل معنى للحياة أوالوطن؟ إن علينا أن نتمعن في تجربة ثلاثين سنة من التسيير الاشتراكي والدكتاتورية، وخلاصة عشر سنوات من الدماء والأشلاء، ثم نتساءل بعدها، هل نحن بالذكاء الذي يمكننا من توظيف هذا التراكم المر لرسم خارطة طريق تجنبنا إعادة استنساخ الماضي والوقوع في نفس الجُحر مرات أخرى؟ أم أن قراءتنا للأحداث ستكون انتقائية ومتأثرة بالحالة النفسية والاجتماعية والمصطلحية الآنية؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي الإجابة عليها لنتمكن من الحكم على التوجهات السياسية للبلاد في هذه المرحلة.

1.بداية الأزمة

برزت الأزمة الجزائرية في منتصف الثمانينيات كأزمة اقتصادية أدت إلى ظهور حدة الاختلال الاجتماعي والسياسي الحاصل في البلاد. فتراجُع عائدات النفط، كمورد وحيد للعملة الصعبة، كشف المستور من الفشل الذريع للسياسات الاقتصادية المنتهجة وعجز الاستثمارات الضخمة عن بناء اقتصاد بديل. ومع وصول أعداد كبيرة من الشباب إلى سوق العمل، وازدياد الطلب على الحاجيات الأساسية من سكن وعمل ومواد أخرى، انفجر الوضع، وتم الاعتراف بحالة الأزمة الشاملة في البلاد، والتي تحملها الحزب الحاكم خاصة ونظام الحكم المتبع بشكل عام. لقد أجمعت الطبقة السياسية حينها، معارضةً وسلطةً، على الخلاصة التالية:

سياسيا: أن النظام الأحادي المركزي وقمع الحريات السياسية كان السبب المباشر في انتهاج سياسات خاطئة، دون نقاش داخلي جاد وحر، ثم فرضها كخيار وطني وحيد، مما يجعل أصحاب القرار يتحملون المسؤولية كاملة ولوحدهم عن الكارثة.

اقتصاديا: أن الاعتماد على النفط كمورد اقتصادي وحيد سيجعل المستقبل في الجزائر غامضا ومؤهلا للانزلاق في كل لحظة، وأن أي سياسة اقتصادية مستقبلية يجب أن تضع الأُسس لاقتصاد متنوع وحر. وبالإضافة إلى التبعية المفرطة للنفط، أثبتت تلك الأزمة وتطور الاقتصاد العالمي فشل الاقتصاد المخطط أوما يعرف بالاشتراكية في تحقيق المردودية والتنافسية اللازمة للتنمية. فكثيرًا ما تحولت المؤسسات الاقتصادية العمومية إلي مراكز نفوذ سياسي، وأدوات لتطبيق السياسات الاجتماعية وتوزيع الثروة، بدل خلق الثروة والربحية الاقتصادية، وكنتيجة لذلك أيضا ظهرت الممارسات الغير مهنية وفساد تقاليد العمل وتدني التسيير الاقتصادي المسؤول إلى مستوى اللامبالاة.

اجتماعيا: لقد تميزت مرحلة اقتصاد الريع بظهور جماعات المصالح في مختلف مواقع السلطة، كما أدى الانكماش الاقتصادي إلى الاستئثار بالمنافع والثروة من قبلهم، وهوالأمر الذي أدى إلى امتعاض شعبي عام وإلى رغبة في وقف استغلال النفوذ والسلطة من قبل مجموعة معينة من المجتمع على حساب البقية. وهنا أيضا أصبحت واضحةً ضرورة ترسيخ مبدأ العدالة وقدسيتها، ليس فقط لأثرها الاجتماعي بل وأيضا لأهميتها في التنمية الاقتصادية والاستقرار السياسي.

2.عشرية الدماء

لقد تضافرت عوامل عدة لإجهاض التجربة الديمقراطية في الجزائر، بعضها يعود لعدم وجود قيادة سياسية كفء لدى الإسلاميين، وانعدام رؤية إستراتيجية قائمة على تحقيق المصلحة للمجتمع كأولوية على التمكين للايدولوجيا المجردة، وبعضها لتشبث أطراف في السلطة بالأساليب القديمة لممارسة الحكم، والتي تعتمد فرض أمر واقع على الجميع ثم إضفاء الشرعية عليه بكل الطرق. إن الوصاية على المجتمع، واعتباره قاصراً عن تولي أموره، هي في الغالب ما أملى تلك المواقف وبررها. نتيجة لذلك، دخلت البلاد مرحلة عراك شهدت أبشع الجرائم وأخطر التجاوزات على إنسان الجزائر، لتتحول الأرواح البشرية لمجرد وسائل ضغط على الآخر. زاد على ذلك التدني العام للوازع الأخلاقي تحت تأثير الحرب الشرسة التي تجاوزت حد المعقول.

لقد كانت استعادة الأمن أمرًا ملحًا اقتضى غض الطرف والسكوت على الكثير من تجاوزات السلطة حيال الحريات الأساسية في البلاد، وتأجيل الحديث عن الحقوق السياسية المصادرة، ومع ذلك فإنه ليس من المنطقي أبدًا اعتبار الأمن نقيضًا للحرية، أو مقايضة الديمقراطية ودولة المؤسسات والقانون بمتطلب الأمن كما فعل رجال وأحزاب السلطة لاحقًا. لقد أدت مرحلة اللادولة، أو ضعف الدولة، خلال ذلك لظهور واستشراء مظاهر خطيرة جدا من الفساد الإداري، قادها نفس الرجال الذين استنجدت الدولة بخدماتهم، نظرًا لحالة الشغور العام التي سادت بعد أن أعلن الحزب الحاكم بقيادة عبد الحميد مهري ابتعاده عن أساليب الانقلابات في الحكم، وتمسكه بالشرعية الشعبية كمصدر وحيد للسلطة، وهو ما فتح الأبواب لمجموعات الانتهازيين للتنافس على مواقع المسؤولية في مستويات مختلفة من إدارة الشأن العام.

مباشرةً بعد إلغاء الانتخابات الديمقراطية واندلاع الحرب، بدأت الترتيبات لصياغة نظام سياسي ودستوري جديد يضمن عدم تكرار تجربة الانفتاح، التي تؤدي بالسلطة الفعلية لفقد القدرة على التحكم في تطورات المشهد السياسي، أو إلى انكماش نفوذها في دواليب وكواليس صناعة القرار، أو بمعنى آخر، تضمن التحكم في مستوى ومقدار التمثيل الشعبي في هرم السلطة. فكانت التعديلات الدستورية التي بادر بتبنيها الرئيس السابق زروال بمثابة صمام الأمان الذي يدعم سلطة الرئيس وصلاحياته، على اعتبار أن التزكية لمنصب الرئيس من الصلاحيات التي اختص الجيش نفسه بها. لقد كان ذلك تراجعًا فعليًا عن الوصفة التي تبناها الوسط السياسي في الجزائر عقب أحداث أكتوبر. وكنتيجة ترتبت عن أول تجربة ديمقراطية في البلاد، أصبح البرلمان لا يقتصر على الانتخاب فقط، بل وأيضا على التعيين الرئاسي لترجيح سلطة الرئيس في البرلمان، كما أصبح الحزب الحاكم حزبين، هما التجمع الديمقراطي وجبهة التحرير الوطني، يستعمل أحدها للضغط على الآخر، كلما تطلب الأمر ذلك، حتى لا تتكرر تجربة العزلة السياسية التي سببها انسحاب جبهة التحرير، عقب الانقلاب الأبيض على سلطة الرئيس الشاذلي، إضافة لوضع ترتيبات وشروط جديدة لاعتماد الأحزاب في البلاد. لقد كان ذلك أول خط في رسم معالم الممكن السياسي، الذي وإن شكل نكبة ديمقراطية في البلاد إلا أنه حافظ على مبدأ التداول دستورياً على السلطة إلى حد ما. وعلى كل حال فانشغال الأمن جعل الشارع لا يأبه بشيء سوى الحق في الحياة.

3.عشرية التطويع السياسي

وضعت الحرب الأهلية أوزارها في الجزائر مع تراجع الجماعات الإسلامية المحاربة تدريجيا وتشتتها لصالح الجيش، الذي فرض عليهم خطة الاستسلام، التي لخصها مشروع المصالحة الوطنية لاحقاً، مما مهد الطريق لمرحلة سياسية جديدة، كانت بمثابة مساحة كبيرة للأمل. هذا الوضع استدعى نفسًا جديداً ووجهًا من خارج المرحلة المتعفنة، لإعادة تجميع الإرادة الشعبية حول اختيارات مسبقةُ الانتقاء.

مع تراجع الهاجس الأمني، كان من المفترض أن تعود السلطة إلى معالجة أسباب التدهور التي كانت موجودةً قبل مرحلة الحرب وأدت إليها واستفحلت خلالها أكثر فأكثر، وهي محاربة الفساد الإداري والرشوة والبيروقراطية، والتمكين للرقابة الشعبية من خلال مؤسسات قوية سيدة ومستقلة، وباعتماد مبدأ التداول على السلطة وفصل السلطات، لأنها الحائل الحقيقي دون تحقيق أي تنمية بشرية أو اقتصادية في البلاد. لكن السلطة كانت لها أولويات أخرى ومختلفة تماماً، تلخصت في الحيلولة دون وصول الغير مرغوب فيهم إلى سدة الحكم، وعدى ذلك فهو هين. وهو موقف يلخص رؤية السلطة للشعب، فهو ليس إلا وسيلة تجند بالطرق التي تخدم مصالحها ليس إلا. أما موضوع التنمية والعدالة للجميع، وما يترتب عليها من إصلاحات حقيقية، فهوأمر مَنع النقاش فيه، وغطت عليه حرارة التصفيق للرأي الواحد.

إن فكرة الرجل الجامع، الذي يتحدث عن هموم الشعب ويحافظ على مصالح السلطة الفعلية، والمتمثلة في العودة إلى ما قبل أكتوبر، كانت هي الوصفة المرغوب فيها، والتي كان لا بد لها من قائد يرسخها. عاد بوتفليقة للمشهد السياسي الجزائري، بعد أن عقد الجيش اتفاق الاستسلام مع الفصائل المقاتلة في الجبال، وسقط الهمُ الأمني إلى حد ما. ورغم توقع ازدياد القيود على الحريات في عهده وتقزيم الأخر المخالف، لما أعلنه من تصورات وآراء حول مستقبل البلاد لدى ترشحه للرئاسة، وهي مواقف وآراء تَعد إجمالاً بالتراجع عن الخيار الديمقراطي والشفافية في تسيير الشأن العام، لكن كان هنالك انطباع بأن شيئًا ما سيحدث في عهده، لتقويم المسار الوطني والتكفل بالسرطان الخطير الذي سرى في أوصال الدولة وأجهزتها، والتصدي لتدهور البلاد في كل المجالات. وعلى قدر حماسه لتطويق الساحة السياسية وتحييد أطرافها الواحد بعد الأخر بالترغيب وبالإقصاء، على قدر ما كان فاتر العزيمة عندما يتعلق الأمر بمحاربة الفساد واستغلال النفوذ. لقد أصبح جليًا للعيان التدهور الذي يُعيق حركة البلاد نتيجة ذلك، كما بدا واضحًا سيطرة المافيا السياسية الاقتصادية، ليس فقط على حركة الأموال والسوق في الجزائر، بل وعلى مراكز القرار أيضًا. إننا لو حاولنا تقييم حصيلة عشر سنوات من حكم بوتفليقة لأمكن إيجاز ذلك في المحاور التالية:

في السياسة: رجعت البلاد إلى أسلوب النظام الأحادي المركزي، وتقييد الحريات السياسية، ومنع أي نقاش داخلي جاد وحر حول مصير البلاد وقضاياها الكبرى. فقد تراجع الحديث عن دولة القانون والمؤسسات، وعن ترسيخ الممارسة الديمقراطية التعددية، التي خاض باسمها النظام حربًا شرسة على الإسلاميين "المتربصين بها". لقد تم تقزيم المؤسسات الدستورية وتحجيمها إلى مستوى "فروع رئاسة الجمهورية"، بدل أن تكون المراقب والموازن لها، خدمة للمصالح العليا للبلاد. فتحولت المؤسسات الشعبية، بما فيها السلطة التشريعية، إلى سلطة شكلية لا أثر لها في صناعة القرار، بل لا ضرورة فعلية لها، وتحولت العدالة، التي تمتعت بفترة استقلالية قصيرة، إلى إدارة من إدارات السلطة التنفيذية.

لقد روعي في إعادة ترتيب البيت السياسي الجزائري، تسفيه هذه المؤسسات إلى درجة إحداث اليأس من جدواها، وهو ما انعكس في حالة النفور من السياسة، والعزوف عن الممارسة السياسية التي ميزت السنوات الأخيرة، خاصة مع إصرار السلطة على منع تأسيس أحزاب جديدة تجدد الخطاب وتعيد النقاش الحقيقي الذي ينبغي تناوله على الطاولة. هذه كلها في الحقيقة أعراض الأنظمة الديكتاتورية، التي تذوب فيها المؤسسات والإرادات في مؤسسة واحدة مهيمنة لا تسمح بالتعدد. إن وصولنا إلى هذا الحد كان نتيجة منطقية للضغط المتواصل على الأحزاب السياسية، باستعمال الانقلابات والإحراج والتضييق وتزوير الانتخابات، مما خلق جوا من فقدان الثقة في العملية السياسية، والرهبة من ممارسة السياسة.

لقد أدى انتصار الجيش في الحرب واستعادة السلم، إلى فرض واقع جديد، وقواعد كثيرة غير مصرح بها، جعلت من الحق السياسي منحة تمنح للأوفياء فقط. لقد تم تضييق منافذ التعبير الحر والحق في المعارضة كمكسب وطني، بإعادة تأميم منابر الإعلام العمومي ومنع التعددية الإعلامية، للحيلولة دون بروز معارضة قوية للسلطة الحاكمة.

الواقع السياسي اليوم أشبه بعهد الحزب الواحد الذي لا تمثل فيه الانتخابات سوى مهرجان احتفالي يرسخ أقدام السلطة الفعلية في الواقع الاجتماعي والسياسي الجزائري، بعيدا عن مصالح الشعب وعن مبدأ التداول على السلطة. قد يتساءل البعض، هل يوجد في الجزائر اليوم بديل عن بوتفليقة؟ والسؤال الأولى بالإجابة هو، هل يمكن ظهور أي نوع من القيادات في ظل انعدام الحراك السياسي المولد لها، وفي ظل الاحتكار المطلق للسياسة وأدواتها، وخنق التنافسية السياسية، والتعتيم القاتل على برامج وآراء المنافسين؟

إن الوضع الحالي لا يدمر أحلام هذا الجيل فحسب، بل يرهن أحلام الأجيال القادمة أيضًا. فالممارسة السياسية الحرة هي الوحيدة القادرة على بعث نقاش سياسي عميق للخيارات والأفكار وأفاق المستقبل، وهي القادرة أيضًا على إفراز أجيال جديدة من القيادات، وترقية مفاهيمنا الحالية للمواطنة والسياسة والقيادة الرشيدة.

في الاقتصاد: لقد كان من المفترض أن تدني مستوى الدخل وثقل المديونية هما السبب المباشر في كل مآسي الجزائر سابقًا، واليوم مع توفر الأمن والموارد المالية، ولعشر سنوات متتالية، لم يكن ينقص البلاد سوى خطة تنمية فعالة لتحصين الجزائر اقتصاديا واجتماعيا. ومع ذلك فقد ظلت الحكومة الجزائرية، تحت سلطة بوتفليقة، تكتفي بتسيير الملفات، في انتظار مستثمر أجنبي قد يأتي وقد لا يأتي ليجلب العمار والرفاه لأبناء وطنهم. ومن المفارقات أن قوانين الاستثمار ما فتئت تزداد تشددا وتقييدا على المستثمرين الأجانب، مقارنة بجيراننا في تونس والمغرب، وهنا نتساءل أيُ برنامج هذا الذي يمتنع عن استعمال المال المحلي، ويعيق قدوم المال الأجنبي لتحقيق التنمية، سواء بالقوانين أو بالتهاون في ترقية وسط استثماري مشجع.

إن المهمة الأولى والمسؤولية الأخلاقية لأي حاكم لجزائر ما بعد المأساة، هي وضع الشروط الضامنة لعدم تكرار التجربة المرة بمنع أسبابها، والتي منها الاعتماد الكلي على النفط، وسوء تسيير المؤسسات الاقتصادية العمومية. ومع أن ارتفاع أسعار البترول غير المسبوق مثل فرصة تاريخية لإعادة التفكير في تركيبة الاقتصاد الجزائري، وإعادة بناءه على أسس جديدة، إلا أن شيئا لم يحدث البتة، وكأن البلاد عاجزة عن المبادرة الفعالة لبعث الاستثمار في مجالات الاقتصاد المتنوعة، وخاصة منها الجالبة لمناصب العمل. لقد اكتفى برنامج الرئيس ببناء التجهيزات، من طرق ومساكن وبنى تحتية، والتي وإن كانت مهمةً وحيويةً إلا أنها مشاريع غير منتجة للثروة، ولا لمناصب شغل قارة، ولا يمكن الاكتفاء بها على حساب الاستثمار الصناعي والفلاحي والتكنولوجي، والدخول في مشاريع بصيغ جديدة، لإنعاش سوق العمل وتنويع الإنتاج، دون تعريضها لسوء التسيير.

لقد مرت اليوم عشر سنوات من حكم بوتفليقة، وما زال الغموض يلف إستراتيجية التنمية وأهدافها، وما تزال حصيلته تقيمُ بعدد الكيلومترات والمساكن التي أنجزت والتي ستنجز، وهي كلها مقتنيات لا تتطلب ذكاء خارقًا ولا عبقرية فذةً، بل كل ما تتطلبه هو توفر المال. أما التحدي الحقيقي والذي فشل فيه، فهو تحقيق الإقلاع الاقتصادي، الذي كان وما يزال مطلبًا تاريخيًا ومصيريًا ملحًا، أو على الأقل توفير الشروط الضرورية لتحقيقه. فاستمرار الاعتماد على النفط، وصرف عائداته هو استمرار للعجز الفكري للمسير والسياسي الجزائري. صحيح أنها ليست مهمة سهلة، لكنها النقطة المفصلية التي على الشعب الجزائري أن يقيم من خلالها زعماءه، وليست عدد الكيلومترات والمساكن التي تشترى بعائدات البترول، ولا قيمة احتياطي الصرف الذي صنعته كذلك عائدات البترول. ومع هذا فإننا نقر بترجيح فشل أي سياسة يمكن أن تعتمد في ظل الوضع العام السائد في الجزائر اليوم، لأنه وببساطة لا يمكن توقع النجاح لاقتصاد في دولة تصنف بنوكها في أسفل السلم على المستوى الإفريقي، ويعمل فيها القضاة موظفون لدى الحكومة، وتسيطر على كل إداراتها ومؤسساتها، بدون استثناء، تخمة بيروقراطية تقتل يوميًا ديناميكية المجتمع وتقطع أوصاله، فضلًا عن أي مشروع اقتصادي، وتسيطر فيها فئة من النافذين في السلطة على مصادر المال والثروة وعلى مراكز القرار، وتنتهج سياسة الفوضى المنظمة التي رمت بالبلاد في حالة من التيه، حلت فيه العلاقات الشخصية والأمزجة محل القانون والأخلاق. في حين استسلم الشباب المسحوق لليأس القاتل والانتحار.

لقد استطاعت دولٌ النهوض وتحقيق التنمية المستدامة، بل والخروج من دائرة التخلف، في فترة لا تتجاوز العشر سنوات، بينما ننظر بإعجاب لمن يعطل طاقات المجتمع عن الانطلاق واعترف بفشله مرات عديدة. إن إعادة بناء الاقتصاد الجزائري يتطلب إعادة النظر في كل الأسس التي انبنى عليها، كما يتطلب حربًا ضروسًا ضد الفساد بكل وجوهه، وهي المهمة التي يبدو أن بوتفليقة عاجز عنها، أو معتذر عن التصدي لها. لقد كانت صرامته شديدة ضد منتقدي الفساد، كما حصل مع بوقرة سلطاني، لأن ذلك حسبه يُسيء لسمعة البلاد، في الوقت الذي يلاحظ البسطاء بحزن تفشي الفساد في أوصال ومفاصل الدولة، ومواجهته بسكوت من قبل السلطات. الجزائر اليوم تشهد عملية توزيع للثروة، هي في الحقيقة شكل من أشكال تقاسم غنيمة ما بعد الحرب، حيث تحولت الشرعية اليوم من شرعية الثورة والثوار التي استمرت حتى التسعينيات إلى شرعية الأقوياء المنتصرين.

4. السياسوية والمغالطة السياسية

السياسة التي يفترض فيها قيادة النشاط العام للمجتمع وتأطيره، ترجمت جزائريًا على أنها توظيف طاقات البلاد لضمان الاستمرارية في الحكم على حساب المستقبل والحس المدني والأخلاقي. السياسة التي جعلت الاقتصاد الوطني والمنظومة التربوية، وحتى الثقافة والرياضة، ملكًا مشاعًا للإيديولوجية، في عهد الحزب الواحد، فجعلت المؤسسة الاقتصادية تحت سلطة الوزير والوالي والمحافظ، وسياسات الحزب لإنجاح الاشتراكية والجزأرة والعدالة الاجتماعية، على حساب صحة المؤسسة المالية، كما جعلتهم كذلك يضحون بالمدرسة في سبيل الشعارات الشعبوية، فأصبح المطرودون منها معلمون فيها تحت شعار جزأرة التعليم في الثمانينيات. نفس تلك الأساليب عادت إلى الساحة السياسية، فأصبحت السياسة وأهداف الساسة هي المحددة لشكل ونشاطات المجتمع. فالاقتصاد يوظف اليوم أيضًا كوسيلة لتحقيق أغراض سياسية، حيث بإمكان الرئيس التدخل في تسيير البنوك والتحكم في قراراتها بعيدًا عن الجدوى والمعايير الاقتصادية، كقرار إلغاء ديون الفلاحين. هذه الأساليب تشكل عائقًا حقيقيًا دون ترسيخ تقاليد مالية واقتصادية نحن في أمس الحاجة إليها لبعث الاقتصاد الوطني، بل وعكس ذلك ترسخ الإتكالية وانعدام الجدية والمسؤولية لدى المتعاملين الاقتصاديين. إنه من الضروري دعم الفلاحة وباقي فروع الاقتصاد كما فعلت الحكومة سابقًا، ومن الضروري ضخ الكثير من المال في السوق الجزائرية، ولكن ليس بأساليب مسح الديون الغير مبررة اقتصاديا، في الوقت الذي تفرض فيه أقصى شروط الصرامة على تمويل مشاريع الشباب العاطل، بحجة انتهاء عهد الرعاية وضرورة تحملهم كل المسؤولية.

أما الأرقام فأصبحت فضفاضة متغيرة، ونسب نجاح البرامج في كل مجال تقدر بتطويع النسب، وليس بمفعولها وأثرها المفترض. فنجاح التعليم بعدد مقاعد الدراسة التي ترفعها الوزارة كما تشاء بدل الإنجازات العلمية ومستويات التحصيل والتحكم في العلوم والتكنولوجيا، وقدر الإضافة التي يقدمها والحلول التي ينتجها للمجتمع، في الوقت الذي أصبح من الواضح تدني مستوى التعليم عندنا مقارنة بدول أقل مالًا وإمكانيات. وكذلك نسب البطالة التي تجعل من المنح التي تصرفها الدولة للبطالين مناصب شغل. وكم كان مضحكًا مرةً، عندما صرح مدير بشركة نفطال أن مستوى شركته أحسن من كثير من الشركات الأوربية لأن نسبة مبيعاتها أكبر، متجاهلاً أن ارتفاع نسبة المبيعات سببه احتكار شركته للسوق الجزائرية. لقد تعلم الجميع في نفس المدرسة، مدرسة الحزب الواحد، التي ما زالت مسيطرة على مواقع كثيرة، وتحظى بالرعاية كأسلوب حكم بامتياز. إنهم يستعملون المغالطة ليبرروا بقائهم في السلطة سواء كانت السلطة مكتب مدير أم مكتب وزير.

لقد نجح بوتفليقة نجاحًا مبهرًا في إرجاع الجزائر كما كانت، أي إلى ما قبل الأزمة... فهل هذا يعني أن ما ينتظر البلاد الآن هو...الأزمة؟ إن عدم الاستقرار لا يسببه تغير القيادة وتداول السلطة، بل الاختلال الرهيب في توازن السلطة، وانعدام الرقابة. فلفائدة من شُل البرلمان؟ ولفائدة من قُتلت الحياة السياسة في البلاد؟ ولفائدة من تُحاصر وسائل التعبير؟ أكيد أنه ليس لصالح الجزائر وشبابها.

5. بين أحزاب التواطؤ الرئاسي وأحزاب الانتخابات

تراجُعُ الأداء السياسي لم يقتصر فقط على السلطة الحاكمة، بل تعداها إلى الأحزاب السياسية، حيث أصبحت الممارسة السياسية بالنسبة لبعض الأحزاب، تعني عقد شراكة مع السلطة يمكنها من البقاء وتمديد عمرها الافتراضي، مقابل التواطؤ السياسي على مستقبل البلاد. هذه التشكيلات السياسية التي أصبحت تعرف بأحزاب التحالف الرئاسي، اختارت لعب دور الأداة السياسية بدل أن تكون الفاعل السياسي، وهو على قدر ما يبث الحزن والألم، على قدر ما يبين مجالات الممكن السياسي في جزائر اليوم. لقد عادت الجزائر سياسيًا إلى ما قبل أكتوبر، وهو ما يضرب عرض الحائط بتجربة أكثر من أربعين سنة من الاستقلال.

إن التجربة السياسية الحديثة أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك تجذر عقلية الشخصانية والزعامة، ليس فقط لدى رجال السلطة، بل وحتى لدى من يعتبرون أنفسهم معارضة وبديلاً لها. فكثيرًا ما تنفجر الأحزاب عند أول موجة انتقاد لزعيمها، وقد يغادر الزعيم حزبه كل ما دبت فيه ثورة عليه ليؤسس حزبًا جديدًا خالصًا له. إن هذه العقلية لا تأهل هذه الأحزاب سوى للعب دور الدكتاتور المرتقب بدلًا عن الحالي، فلا يمكنها أن تقدم أي خدمة للبلاد، ولا يمكنها أن تتطور إلا عبر ممارسة متواصلة وتنافسية في فضاء ديمقراطي حر وشفاف نفتقده اليوم. إن المحك الأول لتقييم هذه الأحزاب والزعامات، هو مدى تجردها ورضوخها لإرادة الأغلبية، وقدرتها على احتمال التداول والنقاش الحر، وما لم تفعل ذلك فهي عقيمة لا تفرخ سوى المآسي. إن العقلية الجزائرية، كَمَا العربية، تؤمن بالزعيم المخلص والقائد المغوار، في هذا الزمن الذي ذاب قيه الشخص القائد، وتهاوى تحت ثقل المؤسسات والمختبرات والكفاءات العاملة في مجال إفراز الخيارات وصنع القرارات، والأحزاب التي ينبغي لها أن تكون مدرسة لتعليم الأدوات الجديدة للسلوك والتفكير والتقييم، لم تقم بذلك ولا تستطيعه وهي على حالها هذه.

إننا إذا أحسنا الظن بالجميع نقول أنه حالة من عدم الإدراك، أما إذا قلنا الحقيقة، فهي حالة من افتقاد قيم المسؤولية الأخلاقية لبعض الساسة الجزائريين. ولنا أن نتساءل اليوم، أين تلك الحماسة والعزيمة في المقارعة والمغالبة، التي كان يبديها السياسيون حينما كان الأمل في الوصول للسلطة قويًا وأبواب النقد مفتوحة؟ مالها فترت اليوم في الوقت الذي أصبح مستقبل الجزائر وأملها في التغيير متعلق بها؟ ولأن المهم في السياسة ليس القدرة على الوصول إلى السلطة بقدر ما هو الشجاعة في التصدي وإحداث التغيير في السلطة، فاليوم وفقط اليوم أصبح للسياسة معنىً وأصبح للكلمة فائدة، واليوم بالذات خرست كل الألسنة.

6. مشروع حلم

كما سيطرت الرداءة على الفعل السياسي، وعلى مستوى القيادات داخل وخارج السلطة، سيطرت الرداءة أيضًا، وأصبحت قانونًا في كل مناحي الأداء الجزائري. اليوم كل التقارير الدولية حول أوضاع الجزائر في كل المجالات، عدا مجال النفط واستيراد الأسلحة، لا تبشر بخير. جامعاتنا في ذيل ترتيب الجامعات، مؤسساتنا المالية من أكثر الأنظمة البنكية تخلفًا، اقتصادنا مريض إلى حد السقم، وحتى مدننا أصبحت تصنف من أسوأ الأماكن للعيش، شبابنا استسلم لليأس والانحراف والانتحار في البحر وفي الجبل. كل يوم يتسع الهامش أكثر فأكثر بيننا وبين العصرنة، وبيننا وبين الدول المتقدمة، نفس الهامش الذي أخذ يضيق أكثر فأكثر بالنسبة لدول كانت بالأمس القريب أسوأ حالاً منا. ولست بحاجة هنا إلى أي تقرير دولي للدلالة على ذلك، فإننا نلاحظ يوميًا مستوى التخلف والرداءة وانعدام المهنية الذي تعاني منه كل أجهزة الدولة وإداراتها. ومع ذلك يتمسك الكثيرون بالعهدة الثالثة وربما الرابعة في سبيل الاستمرارية، ولا أدري هنا ما المقصود بالاستمرارية؟ هل هي استمرارية بوتفليقة في الحكم؟ أم استمرارية الوضع الراهن الذي يمكنهم من السيطرة على دواليب السلطة ومواصلة النهب المنظم للبلاد وثرواتها، ويسمح لسياسييهم الإقامة الطويلة على شاشات التلفزيون باسم الوطنية والاستمرارية.

ربما يتساءل البعض فيقول: إذا كنا لا ندعم العهدة الثالثة، ولا نؤمن بالرجل الزعيم، ولا يعجبنا الوضع الحالي للبلاد، رغم التحسن الأمني والمعيشي، فماذا نريد؟ إن ما نريده هو قتل اليأس الذي استشرى، ليس فقط لدى عامة الشعب، بل وحتى عند صانعي القرار الذين لم يستطيعوا بعد تجاوز حالة العجز أمام مسألة التقدم والتنمية. إن التطور واللحاق بالدول المتقدمة اليوم، أصبح أمرًا ممكنًا إذا طرحت الأسئلة الصحيحة، وفتح مجال الحوار الوطني للإجابة عليها. وقد نجحت دول مثل ماليزيا والإمارات العربية والبرازيل في تحقيق تلك الوثبة، ولا أرى مانعًا اليوم يمنع الجزائر من الانطلاق، سوى تلك العقلية القديمة المتحجرة التي تعيق البلاد. العقلية التي تركز الاهتمام على سياسة التحكم والحكم أكثر من حل إشكالات التنمية الحقيقية والملحة. والتي تتطلب حملة شرسة ومنظمة لوقف التدهور بإصلاح الإدارة ومحاربة الفساد، وتطوير مقومات الاقتصاد ومحيطه العام، بالإضافة لبرنامج طموح ومتحفز في مستوى بلد كالجزائر وشعب كشعبها.

إن ما نريده اليوم، هو العودة للأهداف التي خلصت إليها تجربة الاستقلال وصولاً إلى أحداث أكتوبر، وليس إلى جزائر ما قبل أكتوبر حيث نتواجد الآن. العودة إلى أهداف بناء دولة القانون السيد المهيمن على الجميع ، دولة المؤِسسات الدستورية السيدة والمستقلة، دولة لا مركزية القرار والرقابة المتبادلة وتوازن السلطات، دولة الديمقراطية التي تمكن السلطة من تصحيح أخطائها، وتحمل الشعب تبعية المشاركة في صياغة القرارات، من خلال اختياره الحر والشفاف للسياسات والرجال، دولة لا وصاية فيها لمجموعة على الأغلبية، دولة لا زعامة فيها سوى للعمل النافع والجاد، ولا احتكار فيها للسلطة على حساب المجتمع.

إن علينا ألا نقنع بأهداف تنتهي عند توفير لقمة عيش ومقعد للدراسة وسرير فى المستشفى، مع أن هذا أمر ضروري، لكن ما نريده هو أن نضع العربة بالطريقة الصحيحة على الطريق الصحيح للّحاق بالركب الحضاري، لأن إمكانياتنا الحالية تأهلنا لذلك وللأسف قياداتنا السياسية وطبيعة نظامنا السياسي تمنعنا منه.

المصدر: موقع الشهاب

 
سمير ناصر
تاريخ النشر:2009-06-03 الساعة 00:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 2158
مرات الطباعة: 395
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan