الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » الأسرة والمجتمع » المرأة

كلمة السر في قضية المرأة

أ. محمود المختار الشنقيطي

 

حين قررت ـ قبل عدة سنوات ـ أن كيل متابعتي لقضية المرأة قد فاض،كتبت كراسا أسميته (استقالة)،ووجهت الخطاب فيه إلى المرأة،مفتتحا له بلازمة : (سيدتي المرأة)، علقت بعض أخواتنا الكاتبات،على الكراس،ومنهن الأستاذة نورة الخاطر،والتي كتبت :

«.. والكاتب طوال صفحات وفصول كتابه، يوجه الخطاب إلى المرأة بقوله: (سيدتي المرأة) .. له الشكر الجزيل على الثقة والإهداء» جريدة اليوم العدد 10159 في 14/1/1422هـ.

من هنا أستطيع أن أقول أنني وضعت يدي على كلمة السر في قضية المرأة، صحيح أن طلب الحصول على الوظائف، أو الاستقلال الاقتصادي، وحق التصويت، وغيرها من الحقوق مطلب نسوي، إلا أن زبدة الموضوع ـ من وجهة نظري- أن المرأة تبحث عن (الاحترام)، وأن تزول تلك النظرة الدونية التي يُنظر إليها بها، وذلك الاحترام لابد أن ينبع من داخل الإنسان، ولن يزول استنقاص المرأة بمجرد حصولها على أعلى المناصب.

وقد بلغني، أن رجلا، من أصحاب المناصب الرفيعة، تم تعيينه في منصب رفيع آخر، فاتصل به أحد من كانوا يعملون معه في السابق، مهنئا، فشكر المهنئ وقال : ولكن نائبتي امرأة ... وا خزياه!!!!

الشيخة بيبي بنت عبد الصمد

هل يوجد تنافر بين (واخزياه)،وبين وصف المرأة بالشيخة؟! فكيف بكم لو علمتم أنها شيخة للرجال؟!!

من اللافت للنظر أن الدور الأبرز للمرأة في ثقافتنا الإسلامية، هو خدمة الحديث الشريف، وهو علم يعتمد على الحفظ وقوة الذاكرة!! وتلك (ظاهرة) تحتاج إلى دراسة جادة، وهي مسألة تكشف، أيضا عن البساطة التي كانت متوفرة عند التعامل بين الرجل والمرأة.

 كان الرجال يرحلون لتلقي العلم عن المرأة، مثل ...« (جزء بيبي بنت عبد الصمد) وهو جزء حديثي عالي السند ترويه الشيخة المعمرة المسندة بيبي بنت عبد الصمد (ت 477هـ) وعمرها ( 97 سنة) عن ابن شريح (ت 392هـ) عن شيوخه، وقد نال هذا الجزء شهرة واسعة ورحل من أجله أهل الحديث من كل حدب وصوب إلى قرية بخشة بالقرب من هراة في بلاد الأفغان حيث كانت تسكن الشيخة بيبي رحمها الله» ص75 (دليل مكتبة المرأة المسلمة)/ أحمد الحمدان/ جدة/ دار الأندلس الخضراء/ 1417هـ/ 1996م/ ط 1..

وهذه الشيخة قريش الطبرية .. قرأ عليها الشيخ شمس الدين البديري :

«طرفا من الكتب الستة وطرفا من الموطأ ومسند الشافعي» ص 941 ( فهرس الفهارس والأثبات) عبد الحي الكتاني/ 1402هـ/1982م/ ط2 جــ2. وقد ألف أبو عبيد آل سلمان كتابا عن عناية النساء بالحديث الشريف،ومن اللائي ترجم لهن :

«كريمة بنت أحمد بن محمد بن حاتم المروزية: فقد كانت ركنا ركينا للحديث، ويحضر دروسها العلماء الكبار الفطاحل، كالمحدث الفقيه المعروف الخطيب البغدادي، والمحدث الشهير أبو عبد الله محمد بن نصر المعروف بالحميدي الأزدي، وكالمؤرخ الشهير أبو المحاسن المصري، وكالنسابة المحدث المعروف السمعاني، كلهم كانوا من جناة ثمارها العلمية، وقد اعترف العلماء بفضلها وسبقها في تدريس (الجامع الصحيح) للبخاري حتى أن محدث هراة أبا ذر رحمه الله تعالى قد أوصى الطلبة ألا يأخذوا (الجامع الصحيح) إلا عنها) ص 82 ( عناية النساء بالحديث النبوي» أبو عبيدة مشهور آل سلمان/ الخبر / دار ابن عفان /1417هـ/ 1997م/ ط 2. ويقول أيضا :

«والحق أن النساء كان لهن حظ وافر وسهم كبير في تاريخ التدريس لــ(الجامع الصحيح) للإمام البخاري، وممن اشتهرن بذلك غير كريمة: فاطمة بنت محمد (المتوفاة سنة 539هـ) و شُهدة بنت أحمد (المتوفاة سنة 574هـ) وزينب بنت عبد الرحمن (المتوفاة سنة 615هـ) وشريفة بنت أحمد النسوي، وست الوزراء بنت عمر (المتوفاة سنة 716هـ)» ص 85.

ضعوا هذه النصوص إلى جوار (نص) يتغنى به الحداثيون .. اللبراليون .. ليثبتوا أن الظلم الذي وقع على المرأة وصل إلى حرمانها من التعليم، وهو أمر صحيح، في سياقه، ولكن ماذا عن الشيخات المحدثات؟!! صمت مطبق!! فالذي يهمهم هو الأمور السلبية، التي تساعد على دفع المرأة لهجر منزلها، أو يدفعها نحو خلع حجابها.

هل رأيتم انطلاقا من حاضر (واخزياه)، إلى ماضي يسعى فيه الرجال إلى أخذ العلم عن (الشيخة)، كم تقدمنا إلى (الوراء)؟!!

المرأة بين الظلم .. والقفز فوق الإيجابيات

الظلم المقصود في العنوان، هو الظلم الذي أصبح عبارة جاهزة، توضع على كل شيء يتعلق بالمرأة!! شاهدت مرة فيلما تسجيليا، أظن أنه من إنتاج (البي بي سي)، حول الأوضاع في إيران. تم التركيز ـ كما هو متوقع ـ على المرأة، وقد لفت نظري أن الفيلم، ذكر من أوجه الظلم، التي ترزح تحتها المرأة الإيرانية، عدم السماح لها بقيادة (الدراجات النارية)!!

طالما أن المرأة الإيرانية، تستطيع أن تقود السيارة، فلابد من البحث عن (شيء) يدل على الظلم الذي تعاني منه!! ولو سمح لها بقيادة الدراجات النارية، فسوف يقال أن المرأة الإيرانية، مظلومة لعدم السماح لها بقيادة (الدبابات الحربية)!!

ومن هذا المنطلق، أسجل أن المرأة مظلومة جدا جدا!!! والدليل؟ لا توجد امرأة واحدة في معتقل جوانتانامو!!!

أما القفز فوق الإيجابيات، فهو تلميح إلى (معلومة) كنت أقرأها بكثرة، وهي متعلقة بأول امرأة، التحقت بالجامعة، وتخرجت منها، وهي الدكتورة سهير القلماوي.

لا نجادل في صحة تلك المعلومة، ولكننا ننبه إلى الوجه الآخر للعملة، فهناك نساء درسن، في الأزهر وحصلن على (شهادات عليا)، يتم تجاهلهن، عند الحديث عن تعليم المرأة!! كتب الدكتور محمد رجب البيومي، مقالة تحت عنوان: (هل تعلمت المرأة في الأزهر القديم) ونقتطف لكم بعض ما جاء في المقالة:

«وقع في يدي العدد (395) من مجلة الرسالة الصادر بتاريخ 27/1/1941 وفيه نبذة تحت عنوان (فتيات في الأزهر) يقول كاتبها الفاضل ما نصه: ذكر المستشرق الإنجليزي (مستر دون) في كتابه "الحياة الفكرية والعليمة في مصر،في القرن التاسع عشر" ما خلاصته: أن الحملة الفرنسية أثناء قدومها إلى مصر، وجدت في صحن الأزهر بضع نساء يتعلمن إلى جانب الشبان ويتفقهن في الدين، وكانت هناك عالمة ضريرة، يلتف الشبان حولها، ويتلقون الدروس عنها، كما أنه كان في معهد طنطا الديني جماعة من الفتيات يحضرن الدروس الدينية ويستمعن إلى التفسير والحديث.. يقول الأستاذ محمود أبوالعنين - رحمه الله- بمجلة الهلال الصادرة في نوفمبر 1934 من مقال مستفيض: كانت لجنة الامتحان العالمية تطوف على المعاهد الملحقة بالأزهر لامتحان طلبة الشهادة فيها، فسافرت لجنة من علماء الأزهر إلى معهد طنطا سنة 1911 لامتحان طلبته، وتقدمت الشيخة فاطمة العوضية للامتحان، وكان موضوع درسها في علم الأصول (لا تكليف إلا بعقل) من كتاب (جمع الجوامع) وهو باب عويص ثقيل وفيه إشكالات وتعاقيد، وقليل من النابهين من يحذقه أو يجوزه بسلام كما ذكر أبو العنين أن الشاعرة عائشة التيمورية كانت تحضر العلوم الشهيرة اللغوية والشرعية على أيدي عالمات حضرن في الأزهر منهن السيدة فاطمة الأزهرية والسيدة ستية الطبلاوية وقد درست عليهما جانبا من النحو والعروض» مجلة الهلال القاهرية أكتوبر 1985/ وأعيد نشره في عدد أكتوبر 1992م.

أرجو ألا يفوت على نباهتكم، الطريقة التي نسبت بها الأستاذات الفاضلات!!! لم تكن تاء التأنيث (بلهاء)، في تلك الأيام!!!  الذين يكرسون صورة المرأة المظلومة المقموعة، قافزين فوق الأشياء الإيجابية في تاريخ المرأة المسلمة، هل يفعلون ذلك (حبا) لها؟!! لا أستطيع،وأنا أتحدث عن وجود (شيخات) لبعض العلماء، إلا أن أشير إلى مسألتين:

المسألة الأولى: أن الإمام السيوطي ذكر، في كتابه (بغية الوعاة)، أنه تتلمذ على عشر شيخات، كما خصص السخاوي للنساء جزء من كتابه (الضوء اللامع).

المسألة الثانية: من نتائج مسيرة المرأة العلمية، قيام بعض النساء بإصدار مجلات نسائية، قبل أن تفتح الجامعية المصرية أبوابها أمام المرأة، وقبل دعوة قاسم أمين لــ(تحرير المرأة)، فهل من دلالة لتلك الإصدارات؟ أطرح هذا السؤال قبل أن أثبت أسماء السيدات اللائي أصدرن بعض المجلات، وسوف أتعمد الإطالة، مثبت كل الأسماء التي أعرفها!!

1- هند نوفل: أصدرت في الإسكندرية مجلة (الفتاة) سنة 1882م.

2- مريم مزهر: أصدرت بالقاهرة مجلة (مرآة الحسناء) سنة 1896م.

3- روز حداد ( 1882 – 1955م): أصدرت بالإسكندرية مجلة (السيدات والبنات) سنة 1903م.

4- لبيبة هاشم (1882 – 1952م): أصدرت بالقاهرة مجلة (فتاة الشرق) سنة 1906م.

5- سلوى سلامة ( 1883- 1949م): أصدرت بالبرازيل مجلة (الكرامة) سنة 1914م وهي أول مجلة نسائية تصدر بالمهجر.

6- عفيفة كرم (1883- 1924م): أصدرت بالولايات المتحدة الأمريكية مجلة (المرأة السورية) سنة 1911م،كما أصدرت سنة 1913 مجلة ( العالم الجديد).

7- تفيدة علام : أصدرت مجلة (أمهات المستقبل) ما بين عامي 1920- 1923م.

8- نبوية موسى ( 1890- 1951م): أصدرت بالإسكندرية مجلة ( ترقية الفتاة) سنة 1923م، مجلة (الفتاة) سنة 1938م.

9- لوريس الريحاني (ولدت سنة 1912): أنشأت أول مجلة للأولاد في لبنان سنة 1954، هي مجلة (دنيا الأحداث)، ثم غيرت اسم المجلة إلى (الفرسان).

10- هدى صالح : أصدرت بفلسطين مجلة (الأسرة) عام 1961م.

المرأة ... المرأة ... المرأة

سوف أحاول عدم الإطالة في الحديث عن المرأة، فقد كتبت عنها حتى أصبت بالملل، وقد أصابني الملل أيضا حين كنت أقرأ ما يكتبه الإسلاميون عن المرأة، وذلك بسبب وجود لازمة أجدها في افتتاح معظم الكتب، وهي الحديث عن وضع المرأة في الثقافات التي سبقت الإسلام، وذلك من أجل إظهار ما قدمه الإسلام للمرأة، ولا اعتراض على ذلك، فهو حق لا نجادل فيه، وعليه فربما يكون الملل نتاج كثرة القراءة، وليس نتاج خطأ في المنهج الذي اتبعه أساتذتنا الكتاب، ومع يقيني بصواب المقارنة بين وضع المرأة قبل الإسلام، ووضعها بعده، إلا أنني أرى أن القضية الأساسية، هي إيمان المرأة بما جاء به حبيبنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل، وقولها لكل تشريعاته (سمعنا وأطعنا)، أو عدم الإيمان وبالتالي فلا أهمية لما كان عليه وضع المرأة قبل الإسلام، ولا لما أصبح عليه وضعها بعد مجيء الإسلام.

قضية تعدد الزوجات، من أكثر القضايا التي يتم الرد عليها، بالمقارنة بحال تعدد الزوجات قبل الإسلام، حيث كان الرجل يتزوج بعدد غير محدد من النساء، ويخبرنا المقارنون، كيف جاء الإسلام ليحدد العدد في )مثنى وثلاثَ ورباعَ(، ولا يجوز للرجل أن يزيد على ذلك.

 ونقول هب أن ثقافات ما قبل الإسلام، كانت تحرم التعدد، وجاء الإسلام به؟ ماذا كنا سنفعل حينها؟

 أعتقد أننا حين نتحدث عن (المرأة في الإسلام)، فإننا نوجد (تمييزا) و (فصلا) لا مكان لهما في الإسلام، فقد جاء الإسلام من عند الله سبحانه وتعالى، دينا واحدا، يستوي فيه الكل، رجالا، ونساء، أحرارا، وعبيدا، جنا، وإنسا، بيضا، وسودا،وصفرا، يقول ربنا سبحانه وتعالى في محكم التنزيل :

)وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ( الذاريات56. فهل بعد هذه المساواة مساواة؟!!

ليس هذا فقط بل ثبت عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

 (كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) صحيح البخاري حديث رقم 3159. وعليه فإن الأنوثة، من حيث هي، ليست مانعا للكمال، بل إن ربنا جل وعلا، حين أراد أن يضرب لنا ـ رجالا ونساء - مثلا للذين كفروا، ومثلا للذين آمنوا، كانت المرأة حاضرة في الحالتين .. قال سبحانه وتعالى:

)ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12)( التحريم10-12.

لم يعامل الإسلام الرجال والنساء بصفتهما نوعين مختلفين، بل وضعهما معا تحت مظلة واحدة، هي مظلة العبودية لله جل وعلا، والسمع والطاعة لما جاء به الحبيب صلى الله عليه وسلم وذلك يقتضي قبول.. بل الخضوع لكل ما أبلغنا به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم :

)وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِينا(ً الأحزاب36.

هذا كمبدأ عام، ثم تأتي بعد ذلك التفصيلات، أو( توزيع الصلاحيات)، إن جاز هذا التعبير الإداري، ولا نظن أن لذلك التوزيع، كبير دلالة على التفضيل، بقدر ما هو تنظيم لمختلف شؤون الحياة، وهو في الغالب، تكليف أكثر منه تشريفا.

فقوامة الرجل، هي (أمانة) قبل أن تكون وساما يتباهى به الرجل، وسوف يُسال عنه يوم القيامة، ولعل من فرط من الرجال في تلك الأمانة، سيعض أصابع الندم في ذلك اليوم العصيب.

إذا ذهبنا نستوضح أمثلة تكريم الإسلام للمرأة، فسوف يطول بنا المقال، ولكننا نكتفي بالإشارة إلى الحديث الشريف الأكثر تداولا، حديث (من أحق الناس بحسن صحابتي يا رسول الله؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك) و ما حدث في الحديبية، حين تأخر الصحابة صلى الله عليه وسلم عن طاعة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بحلق رؤوسهم، فأشارت أمنا أم سلمة رضي الله عنها، على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يخرج لأصحابه، فينحر، ويحلق، ففعل صلى الله عليه وسلم ...و فعلوا.أليست هذه مشورة امرأة؟! وقبلها منها سيد الرجال صلى الله عليه وسلم؟

من الجليّ أن هذه (الحساسية) التي أوجدها (الصراع)- الذي أراه وهميا، في كثير من صوره - بين الرجل والمرأة، لم يكن لها من وجود، في صدر الإسلام، ولا أدل على ذلك من هذا الحديث: (عن عبادة بن الصامت قال كنت فيمن حضر العقبة الأولى وكنا اثني عشر رجلا فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - على بيعة النساء- وذلك قبل أن يفترض الحرب ـ على ألا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف .. ). فهذا الصحابي الجليل رضي الله عنه لم يتحرج أن يقول بايعنا (على بيعة النساء)!! وهذا فيه من الدلالة ما فيه، على غياب ما أسميناه (الحساسية) اتجاه المرأة، ومتى؟! في القرن الأول للهجرة.

يقتضي الإنصاف منا أن نقر أن ظلما كبيرا وقع على المرأة، والمؤسف أن الذين أرادوا استنقاص مكانة المرأة، ألصقوا ذلك بالإسلام، ولكن ينبغي أن نلفت الأنظار- أيضا- إلى أن الفرق جد كبير بين استنقاص مكانة المرأة كإنسان، وبين تشريعات جاء بها الإسلام، ولم يضعها الرجل، مثل إباحة تعدد الزوجات، وأنصبة المواريث، وغيرها من التشريعات، التي كان بعض أعداء الإسلام يتخذون منها متكأ للنيل من الإسلام، ثم جرت على أقلام بعض المسلمين بعد ذلك.

كلما كتبت عن المرأة أتذكر قول الحق سبحانه وتعالى :

)أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِين(ٍ الزخرف18. فالقرآن هنا يشير بشكل واضح إلى الدور الذي تلعبه التنشئة، ولعل ذلك يبدو جليا في عصرنا هذا، فالمرأة حين خرجت لمعترك الحياة، أو حين تغيرت (تنشئتها)، تغيرت طبيعتها،أو كادت أن تتغير!! فقد أصبحت أكثر خشونة، أو باختصار، أصبح سلوكها أقرب إلى سلوك الرجال، من سلوك النساء، وربما كان ذلك هو المأزق الذي وضعت المرأة نفسها فيه، فإذا كانت فطريا تميل إلى الرقة، وما يقتضيه الدور ـ الأمانة - الذي أوكل إليها، وهيئت له، من حمل، وتربية للصغار، فإنها الآن تحلت بسلوك مغاير لما فطرت عليه، أو هكذا نرى نحن، وربما رأى غيرنا، سوى ذلك، مثل رئيس قبيلة ( تشبوا) الذي يقول :

«خلق النساء للعمل، فالواحدة منهن في وسعها أن تجر من الأثقال أو تحمل منها ما لا يستطيعه إلا رجلان، وهن كذلك يُقمن لنا الخيام، ويصنعن الملابس ويصلحنها، ويدفئننا في الليل ... إنه يستحيل علينا أن نرحل بغيرهن، فهن يعملن كل شيء ولا يكلفن إلا قليلا، لأنهن ما دمن يقمن بالطهي دائما فإنهن يقنعن في السنين العجاف بلعق أصابعهن» ص61(قصة الحضارة) ول ديورانت / ترجمة د. زكي نجيب محمود/ طبعة جامعة الدول العربية/ 1965م/ ط3/ جـ1/ مجلد 1.

من الأشياء الغريبة - لمن يتابع قضية المرأة - تركيز بعض النساء على الأمور السلبية، وغض النظر عن الأمور الإيجابية! ولا أجد تفسيرا لذلك إلا أن من تسلك ذلك النهج تريد أن تصنع من التركيز على السلبيات، وقودا لمواصلة (النضال) .. ولحث المتكاسلات! أو اللائي يتصورن أن المرأة قد حققت ما تصبو إليه! ... وما تصبو إليه يبدو أنه لا سقف له!! قبل سنوات، قررت الفرار من قضية المرأة فكتبت كراسا أسميته (استقالة) وهذا بعض ما جاء فيها:

«عندما جاء الإسلام وحرر المرأة ـ ضمن ضوابطه ـ تم تقييدها مرة أخرى .. في لحظة مظلمة من تاريخنا الطويل، ولعل اكتشاف تلك اللحظة في حاجة إلى فريق علمي متكامل، وجهود جبارة لإعادة قراءة تاريخنا، ومع ذلك فهنالك من يوجه أصابع الاتهام إلى السياسة ـ لعن الله شيطانها ـ وإلى العباسيين بالذات، إبان صراعهم مع العلويين، وهذا ما ذهب إليه الأستاذ عبد الله عفيفي حين قال في فصل:( المرأة العربية في العراق، كيف كان العباسيون ينظرون إلى المرأة):

(كان الإمامان محمد بن الحسن و أبو جعفر المنصور يتساجلان الرسائل ويتناظران بالكتب ليكسب كل منهما عطف جمهور المسلمين وانحيازهم إليه، وفي هذه الكتب يطاول كلاهما صاحبه بما له من فضل السبق وكرم العرق وقوة القرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مما فخر به محمد أمومة سيدتي نساء العالمين فاطمة بنت رسول الله وخديجة أم المؤمنين، فكان مما أجاب به أبو جعفر:

(أما بعد فقد أتاني كتابك وبلغني كلامك، فإذا جُلُّ فخرك بالنساء لتضل به الجفاة والغوغاء، ولم يجعل الله النساء كالعمومة، ولا الآباء كالعصبة والأولياء).

 ومن ثم أخذ العباسيون يتناولون أمر المرأة بالتهوين وقرابتها بالوهن وعقدتها بالانحلال كلما سنحت سانحة أو جدّ داع وأخذ شعراؤهم وعلماؤهم وذووا آرائهم يبعدون مدى ما بين الرجل والمرأة كأن الله تعالى لم يجمع بينهما في كل موطن من كتابه العزيز) ص 78 (المرأة العربية في جاهليتها وإسلامها)/ عبد الله عفيفي/ بيروت/ دار الرائد العربي/ 1402هـ/ 1982م/ ط2/ جـ3.».

فهل هذه الحملة ضد المرأة هي التي جعلت الجاحظ ( توفي 255هـ) يقول :

«ولسنا نقول ولا يقول أحد ممن يعقل أن النساء فوق الرجال ولا دونهن بطبقة أو طبقتين أو أكثر، ولكنا رأينا ناسا يزرون عليهن أشد الزراية ويحتقرونهن أشد الاحتقار، ويبخسونهن أكثر حقوقهن، وإن من العجز أن يكون الرجل لا يستطيع توفير حقوق الآباء والأعمام إلا بأن ينكر حقوق الأمهات والأخوال» ص 151- 152 (رسائل الجاحظ) تحقيق عبد السلام هارون/ بيروت/ دار الجيل/ 1411هـ/ 1991م/ ط1/ جـ1.

أعتقد أن الجاحظ يجب أن ينصّب رائدا للدعوة إلى إعطاء المرأة حقوقها، كيف لا وهو الذي استعمل كلمة (حقوقهن) .. أي النساء، هذا في منتصف القرن الثالث الهجري، بينما انطلقت الدعوة إلى (حقوق المرأة الغربية)، عبر كتاب (أحقية حقوق المرأة) للإنجليزية ماري ولستنكرافت عام 1792م، وأول حق طالبت به المرأة الغربية، هو حق (التملك)، أي الحق الذي منحه الإسلام للمرأة منذ بزوغ فجره، في القرن السابع الميلادي !!

على كل حال أعتقد أن صراع التفاضل بين الرجال، والنساء، إذا نزعنا عنه الصبغة السياسية، فإن الموضوع لن يتخطى مسامرات كتب الأدب، ولن يبقى لدينا كثير كلام نقوله، أو نكتبه.

أما السبب الذي يجعلني أجزم بعدم أهمية مسالة التفاضل تلك، فهو أن الإسلام جاء بشريعة لا تفرق بين الجنسين، وقد كلّف المرأة بما كلف به الرجل، ومعلوم أن العقل (مناط التكليف)، فلو كانت المرأة أقل من الرجل، لكان تكليفها أقل من الرجل، كما خففت العقوبة عن الأمة (المملوكة) لنقص الحرية. وعليه فقد تم إعطاء المسألة أكثر مما تستحق، كيف لا والمسلم في الأصل ينظر إلى هذه الدنيا على أنها مجرد معبر إلى الدار الآخرة، ومن الأفضل، والأكمل عقلا، فرعون الذي قال لقومه: )أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى( النازعات24، أم بلقيس التي قالت: )رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ( النمل44.

المصدر: موقع المنارة والرباط

 
أ. محمود المختار الشنقيطي
تاريخ النشر:2009-09-16 الساعة 14:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 2832
مرات الطباعة: 585
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 

 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan