الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » إسرائيليات

الاستيطان الإسرائيلي ومآلاته في عهد نتانياهو

ماجد كيالي

 

منذ بدايته ارتكز المشروع الصهيوني في فلسطين على الاستيطان، الذي يتطلب جلب اليهود من الخارج، وتوطينهم في الأراضي الفلسطينية، بوسائل القوة، كغيره من المشاريع الاستعمارية. معنى ذلك أن النشاط الاستيطاني لا يرتبط بحكومة إسرائيلية بعينها، فهو موضع إجماع من مختلف التيارات والأحزاب، من اليمين إلى اليسار مرورا بالوسط، ومن الليكود إلى العمل إلى كاديما، ومن نتانياهو إلى باراك إلى اولمرت؛ هذا برغم كل الحديث عن أن الحكومة الإسرائيلية الجديدة هي حكومة يمين وتطرف واستيطان، مع وجود بنيامين نتانياهو على رأسها، ومع صعود افيغدور ليبرمان (زعيم حزب «إسرائيل بيتنا» بما يمثل) في السياسة الإسرائيلية، لكن المشروع الاستيطاني الصهيوني هذا اختلف عن غيره من المشاريع الاستيطانية ـ الاستعمارية الأخرى. (حالتي جنوبي أفريقيا والجزائر المستعمرة سابقا)، من عدة نواح، فالاستيطان الصهيوني هو استيطان إحلالي، اقتلاعي، أي أنه يحلّ المستوطنين اليهود محل الفلسطينيين، أهل الأرض الأصليين، في حين أن المشاريع الأخرى لم تكن تتطلب ذلك. أيضا، فقد تأسس هذا المشروع على فكرة غيبية/دينية، وليس على فكرة استعمارية/اقتصادية فحسب، وهي اعتبار فلسطين «أرض الميعاد»، التي وعد الله بها اليهود(!).

غير ذلك فإن المشروع الاستيطاني الصهيوني ليس له وطن «أم»، وهو انطلق من نقطة الصفر بالنسبة لعلاقة المستوطنين بالأرض، على أساس أن «فلسطين وطن بلا شعب لشعب بلا وطن». أخيرا، فإن المشروع الصهيوني يشتغل على إلغاء الوجود الفلسطيني ماديا، بنفي وجودهم وتقويض مؤسساتهم، ومعنويا، عبر فرض روايته لتاريخ فلسطين.

ولعل هذه الميزات والاختلافات تفسّر إصرار إسرائيل على اعتبار الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة (عام 1967) عملا مشروعا (بالنسبة لها)، كونها من الأصل ترفض توصيف وضعها في الضفة الغربية بالدولة المحتلة، وهذا ما أكدت عليه في اتفاقيات أوسلو (1993) مع الفلسطينيين، بحيث اعتبرت أراضي الضفة الغربية بوضعية الأراضي المتنازع عليها بين طرفين، متساويين في الادعاءات والحقوق!

وكما هو معلوم فإن إسرائيل أصرت على ترحيل التفاوض على مصير المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلى المرحلة النهائية، مع قضايا أخرى، مثل القدس واللاجئين والحدود والأمن؛ ما يؤكد أهمية هذه القضية. ويستنتج من ذلك أن الاستيطان، من وجهة النظر الإسرائيلية، يتداخل مع قضايا القدس والحدود والأمن، بحيث أن حسم هذه المسألة ينعكس سلبا وإيجابا على شكل حل القضايا الأخرى. وربما أن إسرائيل تتوخّى من خلال التعنت بمسألة الاستيطان مقايضتها بحق العودة للاجئين الفلسطينيين. وكان بنيامين نتانياهو، إبان ترأسه للحكومة الإسرائيلية (1996/1998)، اعتبر أن سياسة الاستيطان «وسيلة هامة لتحديد حدود إسرائيل والحفاظ على الأمن».

الاستيطان في الضفة الغربية

بعد انسحاب إسرائيل من قطاع غزة، بات الواقع الاستيطاني الإسرائيلي يتركز في الضفة الغربية، بالنسبة للأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي تبلغ مساحتها 5844 كم مربع، أي حوالي خمس فلسطين التاريخية، ويقطن فيها حوالي ثلاثة ملايين نسمة من الفلسطينيين.

ومنذ البداية جرى توزيع خارطة النشاط الاستيطاني الإسرائيلي وفقا لاعتبارات أمنية وسياسية ودينية ومائية، وهو ما يتمثل بكثافة المستوطنات في منطقة القدس وغور الأردن ومرتفعات الضفة، في نابلس والخليل. وبحسب تقرير صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (أغسطس (2008)، فقد بلغ عدد المواقع الاستيطانيّة في الضّفة الغربيّة في نهاية عام 2007 ما مجموعه 440 موقعا، منها 144 مستوطنة و96 بؤرة داخل حدود المستوطنات و109 بؤر خارجها و43 موقعا مصنّفا على أنّه مواقع أخرى و48 موقعا عسكريّا. ويقطن في مجمل هذه المستوطنات والتجمعات حوالي 500 ألف مستوطن يهودي، نصفهم في القدس والمستوطنات المحيطة بها.

جدير بالذكر أن النشاط الاستيطاني يتضمن مصادرة أراضي الفلسطينيين، واقتلاع الأشجار منها، لأغراض إقامة المستوطنات والطرق الالتفافية المؤدية إليها، والمعسكرات اللازمة لحمايتها. ومن جانب آخر فإن هذا النشاط يؤدي إلى سلب الفلسطينيين موارد اقتصادية مهمة جدا لهم، فعدا عن الأراضي فإن إسرائيل تضع يدها على معظم مصادر المياه في أراضي الفلسطينيين، وتتحكم بحركة التنقل والتواصل بين تجمعاتهم، وكل ذلك يضيق على حياة الفلسطينيين الاقتصادية والاجتماعية؛ ويكفي أن نذكر هنا أن بضعة مئات من اليهود المستوطنين في مدينة الخليل يتحكمون بحياة حوالي 160 ألفا من سكان المدينة.

وبالنسبة للمستوطنات، ففي شمالي الضفة الغربية يمكن اعتبار مستوطنة أريئيل (جنوبي نابلس) من أكبر المستوطنات، مع عدد سكان يزيد على 15 الفا. وفي المنطقة الوسطى من الضفة تعتبر مستوطنة معاليه ادوميم (شرق القدس) من أكبر المستوطنات في الضفة الغربية مع حوالي 30 ألف مستوطن وثمة مستوطنات أخرى يناهز سكانها على عشرة ألاف مثل مستوطنات غفعات زئيف (جنوبي رام الله) وموديعين (منطقة اللطرون) وبيتار وتكواع (حول بيت لحم).

النشاط الاستيطاني في القدس

حاولت إسرائيل منذ احتلال هذه المدينة تغليب الطابع اليهودي عليها، من خلال الحرص على زيادة سكانها من اليهود، وإنقاص سكانها من العرب، بترحيلهم بعد التضييق عليهم بوسائل عديدة. وقد شهدنا مؤخرا فصلا من ذلك بتوجه بلدية القدس لهدم عشرات البيوت في حي سلوان، ودفع مالكيها الفلسطينيين لمغادرة المدينة، بدعوى عدم وجود تراخيص بناء لها؛ من دون السؤال عن شرعية الاحتلال من أساسه، وحتى من دون السؤال عن شرعية البناء الاستيطاني في الضفة الغربية.

ولا تكتفي حكومات إسرائيل بتعزيز النشاط الاستيطاني فقط، وإنما تقوم بعملية تغيير كبيرة في معالم القدس العمرانية، كما تقوم ببناء جزء من الجدار الفاصل في المدينة، للفصل بين الأحياء اليهودية والعربية، بالإضافة لإغلاقها مقرات المؤسسات الفلسطينية وضمنها مؤسسة «بيت الشرق»، وسحب بطاقات إقامة آلاف الفلسطينيين المقدسيين، للحؤول دون خلق واقع يسمح بتقسيم القدس، أو جعل قسمها الشرقي بمثابة عاصمة للدولة الفلسطينية المفترضة. ولهذا الغرض توظّف بلدية القدس، ودوائر الاستيطان، وسلطات الاحتلال موارد ماليّة وبشريّة هائلة لزيادة عدد المستوطنين في المدينة.

وبحسب دراسة للباحث الفلسطيني نبيل السهلي فإن المساحة الجغرافية للقدس ازدادت بحسب التطورات، وكانت قبل عام 1948 تقدر بحوالي (3,39) كيلومتراً مربعاً منها (3,9) كيلومترات مربعة هي مساحة القدس القديمة، والباقي وقدره (30) كيلومتراً مربعاً وهي مساحة القدس الغربية. وبعد أن أعلنت سلطات إسرائيل ضم القدس الشرقية (30/7/1980)، قامت بالاستيلاء على مساحات شاسعة من أراضي الضفة وضمتها إلى القدس، ثم توسعت إلى القدس الكبرى، حتى وصلت مساحة المدينة إلى (123) ألف دونم، وهناك مخططات استيطانية أخرى، لرفع نسبة أراضي القدس لتستأثر بنحو ربع مساحة الضفة الغربية.

وتبعاً للاتجاه العام لمعدل النمو السكاني العربي والسياسات السكانية الإسرائيلية في مدينة القدس، فإنه من المحتمل أن يصل مجموع سكان المدينة إلى (817) ألف نسمة عام 2010 منهم (76%) من المستوطنين اليهود. لكن السياسة الاستعمارية العنصرية الإسرائيلية تحاول أن تجعل الزيادة الأكبر لصالح اليهود، من خلال استيعاب اليهود القادمين من الخارج، وعبر تقديم مزيد من الامتيازات للمستوطنين اليهود، وتقديم حوافز لرفع عدد الولادات للمرأة اليهودية في المستوطنات ولاسيما في مستوطنات القدس. أما الوجه الأخر لهذه السياسة فيتمثل بمجموعة من الإجراءات التي تقيد التزايد السكاني للفلسطينيين في القدس، ونزع الجنسية عن عشرات الآلاف منهم، وهدم البيوت غير المرخصة، وعدم إعطاء تراخيص بناء جديدة.

ويفصح نير بركات رئيس بلدية القدس في مقال له (يناير 2009)علانية عن سعيه لايجاد غالبية يهودية في القدس، في الفترة المقبلة، وعن رفضه تقسيم القدس، ما يؤشر للاتجاه الذي ستسير فيه حكومة نتانياهو. ويقول نير بركات في مقاله: «يجب علينا جميعا ان ندرك ان الحفاظ على كثرة يهودية في القدس مهمة قومية، مهمة الشعب اليهودي كله.. بحسب تصوري لا يجب ان ينحصر الجدل العام في التقسيم، بل كيف نبني، وكيف نقوي، وكيف نستثمر».

الاستيطان في ظل حكومة نتانياهو

وكما قدمنا، فإن حكومة نتانياهو هي حكومة يمينية، أيدلوجية متطرفة، وهي حكومة استيطان، وهي في كل ذلك تنطلق من مبدأ تكامل الأرض، أي من مبدأ «أرض إسرائيل الكاملة»، مقابل مبدأ «وحدة الشعب»، الذي كان يتبناه حزب العمل وبعده حزب كاديما.

في هذا الإطار يأتي رفض حكومة نتانياهو لحل الدولتين، ولأي حل يتأسس على الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967، لصالح استبدال المسار السياسي بمسارين اقتصادي وأمني مع الفلسطينيين، بحيث تبقى السلطة الفلسطينية في حدود الحكم الذاتي، المسيطر عليه. ومن البديهي أن الحكومة التي ترفض مسار أنابوليس ترفض تماما أي وقف لعملية الاستيطان في الضفة الغربية، كونها ترى في الضفة الغربية جزءا لايتجزأ من أرض إسرائيل، وهذا ينطبق بشكل خاص على القدس، حيث من المرجح ان ترفض هذه الحكومة أي تباحث مع الفلسطينيين بشأن مستقبل مدينة القدس.

وبحسب بعض التقديرات فقد بلغت مساحة المستوطنات في العام ألفين 150 كيلومتراً مربعاً أي 2,6 في المئة من مساحة الضفة، أما مساحة الأراضي التي تتم عليها عمليات الاستيطان فتبلغ نحو 3 آلاف كيلومتر مربع أي ما نسبته نحو 50 في المئة من أراضي الضفة. وبالطبع فإن هذا الواقع السرطاني يهدد طموحات الفلسطينيين بالاستقلال ويبدّد حلمهم بإقامة دولة ذات تواصل إقليمي فضلا عن أنه يمس حقوقهم في أرضهم ويمس طريقتهم في العيش وكرامتهم الوطنية لذلك كان القتال ضد المستوطنات أحد أهم أسباب الانتفاضة.

وتبين معظم المؤشرات استحالة قيام حكومة نتانياهو الثانية بحلحة موضوع الاستيطان، من دون ضغط خارجي (دولي وعربي) ومن دون تفاعلات داخلية (إسرائيلية ـ فلسطينية وإسرائيلية ـ إسرائيلية). علما ان وضع الاستيطان، وبقاء واقع الاحتلال، يضغطان على مستقبل إسرائيل، من ناحية الهوية وطبيعة الدولة.

في كل الأحوال فإن المعطيات السياسية تبقى دائما خاضعة للتغيير، ولكن هذا التغيير لا يأتي من تلقاء ذاته، وإنما نتيجة صراع الإرادات والقوى، بمعنى أن مزيد من الضغط على إسرائيل ربما يدفع حكومة نتانياهو لإدخال تغييرات على موقفها، لكن هذه التغييرات ستبقى على الأرجح محدودة، ولن تلحظ الاستجابة للحقوق الفلسطينية، بقدر ما تلحظ التملص من الضغوط الموجهة نحوها.

وكان بنيامين نتانياهو في حكومته الأولى قبل عشرة أعوام، حدد الخطوط التي يمكن له التحرك نحوها، وتتمثل بإعطاء الفلسطينيين حوالي نصف أراضي الضفة، من دون ان يمس ذلك بالمناطق «الحيوية المهمة»، ومناطق الغور وغوش عتصيون والقدس الكبرى وقطاع خط التماس وأغلبية المستوطنات (حسب خريطة المصالح الأمنية التي قدمها الجيش للحكومة). وفي مقابل ذلك القيام بتفكيك جزء من المستوطنات التي هي نقاط بعيدة ونائية والتي يحولها بقاؤها إلى جيوب داخل السلطة الفلسطينية. أما بالنسبة للقدس فمن الصعب التكهن بإمكان تنازل نتانياهو عن لسيادة الكاملة بالقدس.

إزاء هذا الوضع فإن القادة العرب مطالبون ببذل مزيد من الجهود والضغوط على الإدارة الأميركية، وعلى اللجنة الرباعية، من أجل فتح ملف الاستيطان بقوة، ووضع حد للأنشطة الاستيطانية في الضفة الغربية، وبخاصة في القدس، باعتبارها أنشطة غير شرعية، وتغيّر الواقع في الأراضي المحتلة، وتخلّ بالقضايا الموضوعة على مفاوضات الحل النهائي.

أما القيادات الفلسطينية فهي معنية بمراجعة عملية التسوية، ووضع حد للاستمرار بهذه الدوامة، على أساس أن لا مفاوضات إلى الأبد، ولا مفاوضات مع الاستيطان، ولا مفاوضات بدون تحديد الهدف النهائي، وهو إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. أما البديل عن ذلك فهو التمهيد نحو التحول نحو هدف الدولة الواحدة الديمقراطية العلمانية (سواء دولة مواطنين أو ثنائية القومية)، بقوة الواقع أو بقوة القانون.

وبمعنى أخر، فإن سدّ الأفق أمام قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة في الضفة الغربية، سيجعل إسرائيل، برضاها أو غصبا عنها، دولة ثنائية القومية، بقوة الواقع. وحينها ستحتار إسرائيل بين البقاء كدولة استعمارية ـ عنصرية ـ دينية، وبين التحول إلى دولة ثنائية القومية بقوة القانون.

المصدر: صحيفة البيان

 
ماجد كيالي
تاريخ النشر:2009-04-26 الساعة 13:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 2758
مرات الطباعة: 625
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan