الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » إسرائيليات

العوامل التي قد تضر باستقرار اتفاق السلام مع مصر

ايهود عيلام

 

اتفاق السلام الذي وقع بين إسرائيل ومصر في العام 1979 أنهى نزاعا عنيفا وطويلا بين الدولتين. ونجا الاتفاق من سلسلة أزمات، بدءا بضم هضبة الجولان، الهجوم على المفاعل العراقي في 1981 وحرب لبنان في 1982، وانتهاءا بالمواجهات بين  إسرائيل والفلسطينيين، والتي كانت كفيلة بأن تتصاعد بشكل كبير لو تدخلت مصر ضد إسرائيل بشكل علني ومكثف على المستوى العسكري. وقد ثبت أن اتفاق السلام مستقر من ناحية استراتيجية. تجريد سيناء من السلاح قلص إمكانية المفاجأة المتبادلة. ولكن لا يزال من الممكن أن تقع حرب بين إسرائيل ومصر.

اتفاق السلام أدى إلى إنهاء حالة الحرب بين إسرائيل ومصر وهذا حيوي لإسرائيل. كما شق الاتفاق الطريق إلى المفاوضات بين إسرائيل ودول عربية أخرى، وسهل على الأردن التوقيع على اتفاق سلام مع إسرائيل في العام 1994. كما توسطت مصر أحيانا بين إسرائيل والفلسطينيين.

هذه الورقة تعنى بالعوامل التي من شأنها أن تؤدي إلى إلغاء الاتفاق بل والى الصدام العسكري بين إسرائيل ومصر. في بداية البحث سأعنى بالعوامل المتعلقة في المجال الداخلي في مصر بما فيها الصراع على خلافة الحكم، والاحتمال بصعود نظام إسلامي متطرف. بعد ذلك، سأدرس عوامل إقليمية في ظل التركيز على التأثير الذي قد يكون لإيران والفلسطينيين على العلاقات بين إسرائيل ومصر. موضوع آخر هو تجريد سيناء من السلاح. كل واحد من هذه العوامل كفيل، بهذا القدر أو ذاك، أن يساهم في تدهور العلاقات بين الدولتين.

 

الموقف المصري الحالي من إسرائيل

بين إسرائيل ومصر يسود "سلام بارد" ينبع من الدمج بين الاستعداد المصري للتمسك باتفاق السلام مع إسرائيل وبالتوازي الامتناع عن العلاقات المتبادلة في مجالات الاقتصاد، الثقافة والسياحة. هذا  النهج الذي قد يؤدي إلى ضعضعة اتفاق السلام، ينبع من عدة اعتبارات:

على مدى السنين خشيت مصر من أن تكون إسرائيل تسعى إلى الهيمنة في المنطقة. ومع أن من الصعب على إسرائيل منافسة مصر في الهيمنة على العالم العربي، ولكن الدول العربية، بما فيها مصر، على وعي بالقوة الكبيرة لإسرائيل بسبب كونها قوة عظمى إقليمية. على المستوى العسكري، رغم نتائج الحرب في لبنان في 2006، لا تزال إسرائيل تعتبر صاحبة احد الجيوش الأقوى في المنطقة. مفهوم أيضا أن الاحتكار النووي المعزو لها يساهم في ذلك. رغم أن الولايات المتحدة تدعم مصر وتساعدها، فان لإسرائيل أهمية خاصة في نظر القوة العظمى. مكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وان كانت ضعفت، إلا أنه لا يزال لها قوة كبرى، وعلاقاتها الوثيقة مع إسرائيل هي ذات وزن كبير. كما أن الحصانة النسبية للاقتصاد في إسرائيل يضيف لها قوة. جملة الجوانب هذه تعزز مكانة إسرائيل في الشرق الأوسط. مصر ترى نفسها دولة رائدة في المجال. وهي ترى تطور إسرائيل كتطور على حسابها، الأمر الذي يشجعها على العمل ضد إسرائيل. لمصر مصلحة بالتمسك في اتفاق السلام مع إسرائيل بسبب قوتها وبسبب علاقاتها مع الولايات المتحدة. ومع ذلك فان مصر ترغب في أن تمنع إسرائيل من استغلال قوتها في العالم العربي بشكل عام، وبالنسبة لها بشكل خاص، وعليه فإنها تحاول حصرها قدر الإمكان، وفي هذا الإطار تقليص العلاقات معها أيضا. هذه الثنائية تودي إلى "السلام البارد".

في كانون الأول 2007 تطرق مبارك مع الصراع العنيف بين إسرائيل والفلسطينيين وأشار إلى أن الانتقال إلى "سلام أكثر سخونة" مع إسرائيل سيتطلب وقتا. نهج الرئيس المصري تجاه العلاقات مع إسرائيل ينبع من استمرار النزاع العربي – الإسرائيلي بشكل عام ومن استمرار النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي بشكل خاص. ومع أن مصر تؤدي استمرار المفاوضات بين إسرائيل والدول العربية والتي يفترض أن تؤدي إلى اتفاقات سلام أخرى، ولكن يحتمل أن تكون تتطلع إلى أن يشكل اتفاق السلام بينها وبين إسرائيل نموذجا للاقتداء من الآخرين، منعا لإسرائيل من زيادة نفوذها في المجال. استمرار "السلام البارد" يعكس رباطة الجأش وكبح الجماح لدى مبارك ليس فقط من الانجرار إلى مغامرات عسكرية ضد إسرائيل، بل وأيضا بالنسبة لجوهر السلام معها. رفض خيار الحرب وتعزيز السلام يخلقان "السلام البارد".

حسني مبارك زار إسرائيل كرئيس مرة واحدة فقط، في العام 1995، لحضور جنازة رئيس الوزراء اسحق رابين. وادعى الرئيس المصري بأنه سيصل إلى إسرائيل إذا كان الأمر سيساعد في حل النزاع العربي – الإسرائيلي. تمسك مبارك بالسلام يدل على انه يوافق، أو على الأقل يسلم، بإرث أنور السادات. وقد التقى مرات عديدة مع إسرائيليين وبالطبع أيضا مع رؤساء وزراء. وكانت اللقاءات تعقد بشكل عام في شرم الشيخ، بعيدا عن القاهرة، حيث تسهل حراسة اللقاء الذي يكون هكذا بعيدا عن عيون الجمهور المصري.

التعاون في التجارة والسياحة هو أحد عناصر السلام، كما أشار وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط، في تشرين الثاني 2007. التصدير السنوي الإسرائيلي إلى مصر ارتفع من 29 مليون دولار في 2004 إلى أكثر من 90 مليون دولار في 2005 والى نحو 140 مليون دولار في 2007. ورغم التحسن الطفيف في مجال التجارة، فان رجال الأعمال، الأكاديميين والسياح المصريين الذين يرغبون في المجيء إلى إسرائيل يضطرون إلى التصدي لمصاعب بيروقراطية وعقوبات وعلاقات اغتراب تجاههم في مصر، وذلك بالقياس إلى عشرات آلاف الإسرائيليين الذين زاروا مصر ولا سيما سيناء. في تموز 2005 فقط تنزه في سيناء 29.737 إسرائيلي، في تموز 2006 مكث هناك 48.933 إسرائيلي وفي حزيران 2007 وصل إلى شبه الجزيرة 22.888 إسرائيلي. وحتى مع التحسن الذي طرأ على العلاقات الاقتصادية بين إسرائيل  ومصر – والتي يمكن زيادتها بشكل واضح مثلا من خلال مناطق اقتصادية مشتركة – فان القيود التي فرضت على المواطنين المصريين الراغبين في الوصول إلى إسرائيل كانت وجها آخر من "السلام البارد".

النظام، وسائل الإعلام والمنظمات المهنية في مصر عارضوا التطبيع مع إسرائيل. وفي مصر تنتشر أدبيات لا سامية ومناهضة لإسرائيل. وحتى من ترعرع في مصر بعد التوقيع على اتفاق السلام لا يزال يتأثر بهذا القدر أو ذاك بالعداء الذي ساد تجاه إسرائيل في عصر ما قبل اتفاق السلام. هذا جزء من الميل المصري الغامض والثنائي بالنسبة للسلام، والذي يرمي ضمن أمور أخرى لمنح النظام المصري إمكانية توجيه الانتقاد الداخلي اللاذع ضده نحو عامل خارجي.

"السلام البارد" هو هش والعلاقات بين مصر وإسرائيل هي كالجليد الدقيق الذي تسير عليه الدولتان. أزمة حادة واحدة من شأنها ان تشقه. في ضوء ذلك ينبغي فحص العوامل التي من شأنها ان تحدث أزمة.

عوامل داخلية في مصر

الانتقال إلى "السلام الحار" منوط ضمن أمور أخرى بعوامل داخلية في الدول ذات الصلة، وعليه فثمة أهمية لفحص عوامل داخلية في مصر كفيلة بان تؤدي إلى انعطافة في نهجها تجاه إسرائيل.

في مصر يجري صراع على منصب خلف مبارك. ومن شأن الصراع أن يبرز شخصية ذات استعداد لإحداث أزمة في العلاقات بين إسرائيل. كما أن الاحتمال في احتلال "الأخوان المسلمين" النظام ينطوي في داخله على تغيير بالنسبة لإسرائيل.

 

الصراع على الخلافة:

في العام 1981 قتل أنور السادات، الحدث الذي كان من شأنه أن يعرض للخطر اتفاق السلام. منذ التوقيع  على اتفاق السلام كان هناك التعلق بنظام مركزي جدا يعتمد بقدر كبير على شخص واحد، الرئيس، احد العناصر المركزية الذي من شأنه أن يضعضع الاتفاق، يؤدي إلى أزمة، بل والى مواجهة بين إسرائيل ومصر. طبيعة النظام في مصر تشير إلى هشاشة اتفاق السلام.

الرئيس مبارك متمسك بأسس السياسة الخارجية لسلفه، السادات، والتي كان اتفاق السلام هو احدها. وتصرف مبارك على هذا النحو رغم المصاعب التي ألمت بعلاقات إسرائيل مع مصر. ومع أن هذه المصاعب نبعت أحيانا من سياسة الرئيس المصري نفسه إلا أن تأييده لاتفاق السلام بقي احد الأسباب وراء عدم انهيار المعاهدة. وكان لموقف مبارك وزن حاسم في ضوء الصلاحيات الواسعة للرئيس المصري وبسبب المكانة المحترمة لمبارك في مصر وخارجها. من هنا الأهمية الكبرى لمسألة هوية خلفه.

مبارك، خلافا للسادات لم يعين نائبا. وقد نجا من محاولة اغتيال في العام 1995. ولكن إذا ما قتل أو أصيب بجراح خطيرة فقد يعلق النظام المصري في أزمة حادة.

في السنوات الأخيرة يوجد في الثقافة السياسية للعالم العربي ميل واضح لنقل السلطة إلى أبناء الزعماء. يمكن أن نرى ذلك ليس فقط في الملكيات كالمغرب (محمد السادس) والأردن (عبد الله) بل وأيضا في دول مثل سوريا، التي تعتبر جمهورية. هذه العملية كانت كفيلة بان تقع أيضا في جمهورية أخرى للبعث، في العراق، في ضوء الصلاحيات والمكانة لنجلي صدام حسين. سياق مشابه كفيل بان يقع أيضا في ليبيا في المستقبل.

حسني مبارك ابن 80 سنة وهذه هي ولايته الأخيرة. ويبدو انه اعد ابنه، جمال، للحلول محله. منذ العام 2000 وجمال يتعرف على أنماط الحكم في مصر. حسني مبارك سينهي ولايته في 2011، وهكذا ينهي الحكم في مصر لفترة مشابهة لفترة حافظ الأسد – 30 سنة. ومثلما في حالة الأسد، فان المشاكل الصحية لحسني مبارك تزيد الضغط الذي يعيشه جمال. وستوضع تحت تصرفه 11 سنة في أقصى الأحوال للاستعداد للامساك بالمنصب. هذه فترة زمنية طويلة جدا، ولكن يجب الأخذ بالحسبان بأنه في بداية المسيرة، في العام 2000، جمال، اليوم ابن 45، كان ذات تجربة في الأعمال التجارية والبنوك فقط، وفي ختامها يتعين عليه أن يبلور مكانته وان يفهم كيف يحكم ويتصدى للمشاكل القاسية والمعقدة لمصر. بشار الأسد بدأ بتأهيل عاجل جدا لمنصب الرئيس في 1994، في أعقاب الوفاة غير المتوقعة لشقيقه، باسل الذي كان مرشحا للحلول محل حافظ الأسد، بعد ست سنوات فقط كان على بشار أن يؤدي مهام منصب والده. أما جمال، الذي كما أسلفنا بدأ في العام 2000 ما يمكن وصفه بمسار تأهيله، فقد حظي بفترة زمنية طويلة بالمقارنة مع بشار.

رغم سمعته كمن نفذ إصلاحات، استغل جمال موقعه في حزب السلطة، "الحزب الوطني الديمقراطي" كي يشرف على خطوات لم تساهم في الانفتاح السياسي بل بالذات  إلى تعزيز المؤسسة الحاكمة. وبصفته الأمين العام للجنة السياسية في حزب السلطة، وهو المنصب الثالث في أهميته في الحزب تطلع جمال إلى الامتناع عن الهزات الكفيلة بان تثير المعارضة له من جانب المؤسسة شديدة القوة.

جمال مبارك يعتبر ذا موقف مؤيد للعرب بوضوح ومن يعرف أهمية تحسين الاقتصاد في مصر كسبيل لاستقرار النظام. إذا ما انتخب رئيسا من المتوقع لجمال أن يتمسك باتفاق السلام مع إسرائيل، وإذا كانت له فرصة لذلك، فسيعزز العلاقات في المستوى الاقتصادي.

سيكون للجيش المصري تأثير كبير سيسمح له بمعارضة إصلاحات جمال، الذي خلافا للرؤساء السابقين لم يخدم في الجيش. والجيش من المتوقع أن يعارض التغييرات المتعلقة بمصالحه الاقتصادية والخطوات البنيوية التي ستفرضها عليه السلطات المدنية. وسيتعين على جمال أن يحذر من إلا تدفع خطواته على المستوى الاقتصادي بالجيش إلى معارضته.

من المعقول الافتراض بان التحدي المركزي لجمال سيكون الصراع ضد مرشحين آخرين في حزب السلطة والمعارضة العلمانية التي تعارض مسيرة مثابة ملكية في تبادل السلطة. خليفة آخر لمبارك كفيل بأن يكون شخصية من الجهاز البيروقراطي أو من الجيش كعمر سليمان، رئيس المخابرات، الذي برز في أثناء الاتصالات بين إسرائيل، مصر والفلسطينيين. مرشح آخر لخلافة مبارك هو محمد طنطاوي، وزير الدفاع، ولكن حالته الصحية السيئة ليست في صالحه.

رغم قوته الشديدة وحقيقة أنه حكم مصر لزمن أطول من ناصر، فان مبارك لا يتمتع بالمكانة الأسطورية التي تمتع بها ناصر. هذه الخلفية تسمح لجهات مختلفة في مصر أن تتحفظ على جمال والتفكير بالوقوف حياله. مرشحون، ولا سيما أولئك الذين يوجدون في قلب المؤسسة السياسية و/أو العسكرية، كعمر سليمان قادرون على بلورة قوة حيال جمال. ولا يمكن الاستبعاد بأنه من أجل صد جمال قبل الأوان سيسعى تحالف من معارضيه إلى إجبار حسني مبارك على الاعتزال قبل الوقت في صالح مرشح آخر. هذه الوضعية ممكنة أساسا إذا ما ساءت الحالة الصحية لحسني مبارك و/ أو أدت خطوة له بمصر إلى نقطة درك خطيرة على نحو خاص، كإجراءات اقتصادية متشددة تثير اضطرابات ضخمة متواصلة في أرجاء الدولة. الموت المفاجئ لمبارك سيضع كل مرشح، بما في ذلك جمال، تحت ضغط الزمن.

في السنوات الأخيرة، في أعقاب الضغط الأمريكي للتحول الديمقراطي في مصر، بدأ فيها بعض التغييرات. في الانتخابات للرئاسة في العام 2005 كان هناك أكثر من مرشح واحد، وان كان، كما كان متوقعا، انتخب مبارك بأغلبية ساحقة. في الانتخابات القادمة، كفيل حسني مبارك أن يكون شخصية مسيطرة تستغل المؤسسة، الإعلام، جهاز حزب السلطة وأجهزة الأمن من أجل ابنه. في حالة عدم بقاء حسني مبارك على قيد الحياة، أو اهتزاز مكانته، يحتمل أن ينشأ في مراكز القوة المختلفة في النظام المصري انشقاق يقلص فرص جمال للانتخاب، وبالأساس إذا كانت هناك معارضة وميل لدى الشعب للتصويت ضده احتجاجا على أبيه و/أو على النظام.

حتى لو جلس جمال على كرسي أبيه، فانه كفيل بأن يجد نفسه يكافح لزمن طويل إلى أن ينجح في تثبيت حكمه. كما سيحتاج إلى الوقت كي يتكيف مع هذا المنصب الهام جدا. في هذه الظروف قد تجد مصر نفسها مع رئيس، على الأقل في بداية ولايته، يكون ضعيفا نسبيا ويعنى ببقائه السياسي والشخصي، الأمر الذي سيؤثر أيضا على العلاقات مع إسرائيل. اعتبارات داخلية للرئيس المصري ستبقى ذات قيمة كبيرة في اتخاذه للقرارات في موضوع العلاقات مع إسرائيل، فما بالك في فترة من انعدام الاستقرار في مصر. هذا الميل كفيل بان يجد تعبيره في تصريحات حماسية وتوتر بين الدولتين.

 

احتمال احتلال "الأخوان المسلمين" للنظام:

"الإسلام المتطرف" من شأنه أن يسيطر على مصر. والعملية قد تحصل في أعقاب انتخابات ديمقراطية، حرب أهلية أو ثورة، مثلما في إيران. لنتمعن قليلا في هذه السيناريوهات الثلاثة.

 

سيطرة الإسلام المتطرف على مصر من خلال الانتخابات:

لتجاوز الحظر على نشاطهم السياسي، طرح "الأخوان المسلمون" مرشحيهم في الانتخابات للبرلمان في العام 2005 كمرشحين مستقلين. وحظوا بـ 88 من أصل 454 مقعدا في البرلمان. يحتمل أن يكون مبارك أراد أن يصل الأخوان المسلمون إلى انجازات في الانتخابات كي يوضح للولايات المتحدة بان البديل الوحيد لطريقه هو التطرف الإسلامي. وعلى أي حال، فان نتائج الانتخابات سمحت للرئيس المصري بان يعرض "الأخوان المسلمين" كحركة ستستخدم الديمقراطية للسيطرة على مصر. وفي المستقبل فان الأخوان المسلمين كفيلون بان تتعزز قواهم بشكل حقيقي من خلال تحقيق أغلبية في البرلمان بل والدفع لانتخاب رئيس منهم، ولا سيما إذا كان النظام منقسما وضعيفا.

 

سيطرة الإسلام المتطرف على مصر في أعقاب حرب أهلية:

في العام 1991 فازت الحركة الإسلامية في الجزائر في الانتخابات للبرلمان. الجيش الجزائري، الذي خشي على مكانته وامتيازاته ألغى الانتخابات. وأدت الخطوة إلى حرب أهلية قتل فيها نحو 150 ألف شخص. في التسعينيات شهد النظام في مصر صراعا عنيفا وناجحا ضد التنظيم السري الإسلامي المتطرف. سيطرة حماس على قطاع غزة في صيف 2007 أقلقت مصر التي خشيت من أن تمنح الخطوة إلهاما لحركات متطرفة في مصر. في مصر بعد مبارك قد تنشب مواجهة بين الجيش والحركة الإسلامية. وإذا ما استمر الصراع فسيسود انعدام يقين في علاقات إسرائيل – مصر. ولتعزيز مكانتهم فان قادة الجيش المصري قد يستغلوا الظروف ويطلبوا من إسرائيل تنازلات تتعلق باتفاق السلام. مطالب مصرية، ولا سيما تلك المتعلقة بتجريد سيناء من السلاح، كفيلة بان تتخذ في إسرائيل صورة المطالب غير ذات الصلة بالصراع ضد "الأخوان المسلمين"، الأمر الذي سيخلق توترا متبادلا. ومهما يكن من أمر ففي حالة الحرب الأهلية فان الجيش المصري قد يتكبد هزيمة، ولا سيما إذا ما تفتتت أجزاء كبيرة منه أو ارتبطت بـ "الأخوان المسلمون. إمكانية أخرى هي انه لمنع هزيمته سيضطر الجيش المصري إلى الموافقة على حل وسط، احد عناصره سيكون نهجا أكثر عداءا نحو إسرائيل.

 

السيطرة على مصر من خلال ثورة على النمط الإيراني:

في مصر قد تقع ثورة كتلك التي وقعت في إيران في 1979. قد تنشب أزمة داخلية حادة تجد تعبيرها بإبطاء على شفا الشلل الاقتصادي واهتياج اجتماعي متعاظم يستغله "الأخوان المسلمون" لزيادة قوتهم، ولا سيما إذا اظهر النظام وهناً وضعفا. وإذا ما تدهورت الحالة الصحية لمبارك فان الأمر سيؤثر على مكانته، مثلما حصل للشاه الإيراني في حينه. تدهور مكانة مبارك قد تشجع معارضيه لمناكفة النظام المتأرجح من خلال اضطرابات ومظاهرات ضخمة. "الأخوان المسلمون" كفيلون بأن يوافقوا على التعاون مع جهات أخرى في المعارضة، سيشلون فعاليتها بعد سيطرتهم على مراكز القوة مثلما حصل في إيران. أما الجيش المصري، مثل الإيراني، فكفيل إلا يقف في وجه الموجة المتصاعدة ضد النظام فينحل، ولو جزئيا، حين يرفض القادة والجنود قمع أبناء شعبهم، بل وينضمون  إلى الجهة المضادة. إذا ما شعر النظام المصري بأنه يفقد السيطرة، فيحتمل ان تكون احدي خطواته تشجيع وتشديد الخطاب ضد إسرائيل في محاولة لاستقرار وضعه من خلال توجيه الغضب والنقد إلى الخارج. النظام قد يحاول المبادرة إلى احتكاك، بل واحتكاك عنيف، مع إسرائيل، كالصدام العسكري الضيق في سيناء مثلا. وحتى لو كانت النية المصرية خلق مواجهة محدودة وربما ليس بشكل مباشر بين إسرائيل ومصر بل مثلا بين إسرائيل والفلسطينيين فان هذه ستبقى خطوة إشكالية جدا. النظام المصري كفيل بان يتورط في تصعيد في المنطقة ومصر من شأنها ان تغرق في معمعان داخلي ينشأ عنه نظام إسلامي متطرف. آثار هذه التطورات ستكون التوتر بين إسرائيل ومصر، ان لم يكن الجمود في العلاقات المتبادلة بل وقطعها.

 

عوامل إقليمية

إيران، سوريا والفلسطينيين هم عوامل مركزية في الساحة الإقليمية. وسياستهم تؤثر على اتفاق السلام مع مصر وعلاقات مصر بإسرائيل.

التحدي الإيراني:

مصر قلقة من القوة الصاعدة لإيران في الشرق الأوسط، من نشوئها كقوة عظمى إقليمية ومن تطلعاتها في المجال النووي. رغم الخصومة التقليدية بين الدول العربية، فإنها تعارض بشدة هيمنة جهة غير عربية، كإيران، كفيلة بان تنقص من سيادتها. الدول العربية، وبالتأكيد دولة عزيزة كمصر، لن ترضى بالعودة إلى الأيام التي كانت تسيطر عليها قوة عظمى أجنبية. إيران، مثل الإمبراطورية العثمانية في حينه، هي جزء من الشرق الأوسط وليس جهة أجنبية كالقوى العظمى الأوروبية التي سيطرت فيها في الماضي. وستجد الدول العربية صعوبة في التشكيك بحقها في العمل في المجال. إيران، مثل مصر، تفتخر بتاريخها العريق لآلاف السنين في المجال. الإمبراطورية الفارسية كانت هائلة وعظيمة. وإيران تفوق مصر من حيث حجم سكانها، مساحتها وحجم مقدراتها الطبيعية.

صحيح أن الدول العربية كفيلة بان  ترتبط بمصر، إلا أن ضعفها عمليا سيبقيها وحيدة حيال إيران. إذا ما حققت إيران سلاحا نوويا، فسيكون لها تفوق آخر وجوهري على مصر. ورغم أن كلتيهما دولتان إسلاميتان، إلا ان إيران تختلف عن مصر في عنصرين مركزيين: في النهج وفي الرؤيا الإسلامية المتطرفة التي تتحدى أنظمة مثل مصر، وبهويتها الدينية الشيعية، التي تقلق دولا ذات طابع سني كمصر.

تخشى مصر إيران بسبب قوتها الديمغرافية، الاقتصادية والعسكرية، ولا سيما إذا ما تضمنت هذه سلاحا نوويا. في عهد ناصر استندت مصر إلى خليط من القوى الديمغرافية والعسكرية لحث حماسة ثورية وراديكالية خاصة بها. مصر استخدمت قوتها في محاولة لضعضعة الأنظمة في الدول العربية واستبدالها بقيادة مؤيدة لمصر. إيران قد تتصرف هكذا تجاه مصر، ومصر على علم بالآثار التي ستكون لذلك. هذا التخوف كفيل بان يشجع المصريين على تحقيق سلاح نووي، الأمر الذي سيؤثر أيضا على علاقاتها مع إسرائيل.

أوقفت مصر برنامجها العسكري النووي في السبعينيات. وتخلف مصر من حيث القوة بالنسبة لإسرائيل في المسألة النووية شوش سعي مصر للسيطرة في العالم العربي. في بداية كانون الثاني 2007 طرح مبارك إمكانية أن تتطلع مصر إلى تحقيق سلاح نووي كوزن مضاد لإيران نووية.

يحتمل ان يمتنع النظام المصري عن السعي إلى تحقيق القوة النووية وذلك لان هذه ستحتاج إلى ثمن اقتصادي باهظ قد يؤدي إلى هزات داخلية. أما إذا حاولت مصر رغم ذلك تطوير قدرة نووية فان إسرائيل كفيلة بان تحاول عرقلة البرنامج النووي المصري وقد ينشأ بينهما توتر آخر.

في السنوات الأخيرة ألمحت علل وخلل في البرنامج النووي الإيراني بوجود دور إسرائيلي. ولا ينبغي استبعاد خطوة إسرائيلية مشابهة في مصر. إذا ما انكشفت أعقاب لذلك فسيتعرض اتفاق السلام بين الدولتين لخطر شديد.

إسرائيل كفيلة بان تتخذ خطوات علنية على المستوى السياسي لإبطاء إنتاج السلاح النووي في مصر ولا سيما من خلال الولايات المتحدة. ومع أنه من المعقول الافتراض بان البرنامج النووي المصري سيحتاج زمنا طويلا ولكن مع ذلك يجب الأخذ بالحسبان ولا سيما إذا كانت إيران ذات سلاح نووي بان دولا ذات أغلبية سنية بما فيها مصر، سترتبط معا كي تحقق "القنبلة السنية". مثل هذا التعاون، ولا سيما في ضوء خوف دول الخليج من إيران وفي ضوء ثرائها، سيساعد مصر في تحقيق سلاح نووي ولا سيما إذا كان ممكنا شراؤه، من باكستان مثلا. التشديد على التحالف النووي السني كهذا وان كان سيقع على إيران، ان على إسرائيل أن تأخذ بالحسبان بأنه سيكون لمصر قدرة على الوصول إلى سلاح نووي بكل ما ينطوي عليه ذلك من معنى.

سبيل آخر للتصدي للموضوع النووي يمكن أن يكون محاولة إجبار إسرائيل على التنازل عن ترسانتها النووية في إطار محاولة تجريد المنطقة كلها من السلاح النووي. وتسعى مصر إلى نزع السلاح النووي من إسرائيل كي تقلص تأثيرها وقوتها في المنطقة. يحتمل أن تكون المناورة المصرية في المجال النووي جزء من المسعى المتواصل الذي تمارسه لدفع إسرائيل نحو تنفيذ تنازلات دون أن يكون لمصر نية حقيقية في تطوير سلاح نووي. طالما لا يوجد لإيران سلاح نووي ستشعر مصر بأنه لا تزال لديها الفرصة لقيادة خطوة نحو تجريد الشرق الأوسط من هذا السلاح. كما أنه حتى لو احتفظت إيران بسلاح نووي، فان مصر ستبقى تقدر بان بوسعها المبادرة إلى خطوة تبدأ بنزع السلاح النووي من إسرائيل وفي أعقابه نزع السلاح النووي من إيران.

من شأن مصر أن تتبنى نهجا حازما وتحدث عن وعي أزمة حادة كي تطرح الموضوع النووي على رأس جدول الأعمال في ظل خلق ضغط دولي على إسرائيل لتنفيذ تنازل كبير في هذه المسألة. احتمالية هذه الخطوة المصرية ستزداد إذا ما كان في مصر حاكم أو نظام يكون معاديا لإسرائيل، أو نظام أقل حذرا من نظام مبارك.

 

الفلسطينيون في قطاع غزة كعامل احتكاك بين إسرائيل ومصر

ترى مصر نفسها كدولة رائدة في المجال، وفي ضوء قربها الجغرافي تعنى بالصراع العنيف بين إسرائيل وحكم حماس في قطاع غزة. ومن هنا يطرح السؤال، ما هو احتمال الأزمة أو المواجهة بين إسرائيل ومصر بسبب الفلسطينيين؟

في سياق العام 2007 دربت مصر رجال فتح في منشآتها بمن فيهم رجال "القوة 17" وذلك ضمن أمور أخرى للمواجهة مع حماس. الجهد لم ينجح. في حزيران 2007 هزمت قوات فتح من حماس في معركة قصيرة. من ناحية مصر وإسرائيل على حد سواء، مع كل التعارضات في المصالح والخلافات بينهم وبين السلطة الفلسطينية، فان حكم فتح كان مفضلا على الواقع الناشئ. فالتطورات أضعفت التأثير الذي كان لمصر على قطاع غزة، ومعه الاحتمال في منع الاحتكاك بين الفلسطينيين وإسرائيل، الاحتكاك الذي من شأنه أن يؤدي إلى توتر بين إسرائيل ومصر.

سمحت مصر بعبور السلاح والذخيرة، خبراء التفجير، القنص، نار الصواريخ وقذائف الهاون من سيناء إلى قطاع غزة. يحتمل إلا تكون هذه نتيجة سياسة مصرية لا لبس فيها بل نتيجة مصاعب في منعها. مهما يكن من أمر فقد أصبح قطاع غزة نموذجا للإسلام المتطرف ومن شأنه أن يصبح ملجأ وميدان تدريب لـ "الأخوان المسلمين" في مصر، في حالة عودتهم للصدام العنيف مع النظام. الوسائل القتالية، الذخيرة، المعرفة وخبراء العصابات والإرهاب الذين يتدفقون من سيناء إلى قطاع غزة يمكنهم أن يرسلوا أيضا في الاتجاه المعاكس، الخطوة التي ستعرض النظام المصري للخطر، وفي أعقاب ذلك السلام مع مصر.

عبور المستشارين والسلاح من سيناء إلى قطاع غزة، من فوق ومن تحت الأرض، زاد كمية الوسائل القتالية لدى الفلسطينيين. هذا التعزيز شجعهم على محاولة التسلل إلى إسرائيل وبالتوازي مواصلة إطلاق القذائف الصاروخية على البلدات ومعسكرات الجيش الإسرائيلي المجاورة لقطاع غزة. وأوقع القصف إصابات وأضرار وخلق هلعا وخوفا في أوساط السكان الإسرائيليين بل وأحيانا في أوساط الجنود. وفي أعقاب ذلك في كانون الأول 2008 – كانون الثاني 2009 أدارت إسرائيل خطوة واسعة النطاق في قطاع غزة. صدام مشابه كفيل بأن يقع مرة أخرى، ضمن أمور أخرى إذا لم ترغب مصر أو لم تكن قادرة على قطع دابر التهريب من سيناء. يبدو أنه سيكون كافيا وقوع صاروخ قاتل على نحو خاص، مقذوفه صاروخية أو قذيفة هاون كي تشتعل مواجهة أخرى. كما يوجد أيضا خطر أن تنجح خلية فلسطينية في التسلل إلى أراضي إسرائيل، بنفق أو بالتحرك من قطاع غزة إلى سيناء، ومن هناك عبر الحدود المنفلتة بين النقب وسيناء، فتصيب بأذى عددا كبيرا من الإسرائيليين، بل وتأخذ رهائن.  في ضوء حساسية المجتمع الإسرائيلي تجاه الخسائر والأسرى، فان مثل هذا الحدث من شأنه أن ينتهي باشتعال. إسرائيل كفيلة، في خطوة مفاجئة، وليس بالذات في أعقاب استفزاز حاد من حماس أن تحتل كل قطاع غزة، الأمر الذي سينطوي على مواجهة مباشرة وشاملة مع قوات حماس. في كل واحد من هذه السيناريوهات من شأن السكان في قطاع غزة أن يتكبدوا خسائر فادحة الأمر الذي سيزيد التوتر بين إسرائيل ومصر.

تواجد إسرائيلي متواصل في قطاع غزة، في ظل الاشتباك مع عناصر مختلفة من قوات العصابات والإرهاب سيخلق وضعا دائما من التوتر بينها وبين مصر. ومع أن النظام المصري سيكون راضيا عن الضربة التي ستتلقاها حماس، إلا انه سيجد صعوبة في أن يتجاهل الخسائر والمعاناة للسكان الفلسطينيين وسيلقي المسؤولية على إسرائيل. كما ثمة احتمال أن تجتذب مصر إلى الصراع. فسيمارس ضغط على النظام المصري، داخلي وخارجي لمساعدة الفلسطينيين على المستوى العسكري أيضا. مصر من شأنها أن تحاول تجاوز تجريد سيناء من السلاح من خلال إرسال قوة، ولو رمزية، عبر الجو أو عبر البحر. وحتى لو سعت مصر إلى الفصل المادي بين الجيش الإسرائيلي والفلسطينيين فستكون هذه خطوة قابلة للانفجار. يكفي فعل تضامني مصري لا يرتبط مباشرة بقطاع غزة، كخطوة احتجاج دبلوماسية ضد إسرائيل وبالتأكيد رفع حالة التأهب في الجيش المصري ليرفع حدة التوتر بينها وبين إسرائيل.

استمرار التهريب في قطاع غزة كفيل بان تتدفق إليه صواريخ إيرانية تصل حتى تل أبيب الأمر الذي سيعرض السلام بين إسرائيل ومصر للخطر. انتشار إسرائيلي في قطاع غزة، يتركز في الحدود بين قطاع غزة وسيناء، لقطع دابر مسلك التوريد للسلاح، من شأنه ان يؤدي إلى احتكاك بين القوات المصرية والجيش الإسرائيلي. احتمالية ذلك ستزداد إذا ما بقي الجيش الإسرائيلي بمحاذاة الحدود.

مشكوك ان يكون بوسع قوة متعددة الجنسيات في قطاع غزة، تتضمن تمثيلا بارزا لمصر، ان تمنع أو تقلص الاحتكاك بين إسرائيل والفلسطينيين. التواجد المصري في قوة متعددة الجنسيات كهذه من شأنه أيضا ان يزيد التوتر بينها وبين إسرائيل.

 

مسألة تجريد سيناء من السلاح

المنطقة شرقي المعابر في سيناء توجد تحت السيادة المصرية، ولكن على مصر مفروضة قيود في انتشار قواتها. هذا وضع يعتبر في مصر كخطر على أمنها وإهانة وطنية. من ناحية إسرائيل واجب منع انتشار مصري كثيف في شبه الجزيرة وإعادة بناء بنية تحتية عسكرية في سيناء. من هنا ينبع التصميم الإسرائيلي على منع خرق التجريد من السلاح. هذا التضارب الأساس في المصالح، الذي يرافق الدولتين منذ الانسحاب الإسرائيلي من سيناء يواصل كونه عامل دائم للتوتر بينهما.

خطوة مصرية لخرق التجريد من السلاح قد تحصل إذا ما علقت إسرائيل في نقطة درك أسفل على المستوى السياسي. إذا ما وقعت مواجهة أخرى في الجبهة الشمالية تتضمن خطوة برية واسعة في ظل خرق واضح للسيادة السورية أو اللبنانية، فمن شأن مصر أن تستغل المكانة الهشة لإسرائيل في الساحة الدولية كي تنشر قوات في سيناء، وتعلل ذلك كخطوة دفاعية.

يمكن لمصر أن تمتنع عن إعلان رسمي عن إلغاء اتفاق السلام واستغلاله للتغطية على الانتشار العسكري ضد إسرائيل في سيناء، المنطقة التي هي أرض مصرية سيادية. في مثل هذا الوضع سيكون من الصعب على إسرائيل الحصول على شرعية دولية لخطوة عسكرية ضد مصر.

جانب آخر في تجريد سيناء من السلاح يتعلق مباشرة بالفلسطينيين. شبه الجزيرة كفيل بأن تشكل ليس فقط قاعدة لوجستية بل وأيضا خشبة قفز لعمليات الفلسطينيين داخل إسرائيل. فوجود الأنفاق واقتحام الحدود إلى رفح في كانون الثاني 2008 أكد الخطر المحدق بإسرائيل. حدود إسرائيل مع مصر أطول بكثير من حدودها مع قطاع غزة. وتنقصها منظومة الإنذار المبكر اياها. من الأسهل للفلسطينيين التسلل إلى إسرائيل من المجال المصري منه من أراضيهم، الأمر الذي سيزيد احتمال العمليات ومطاردة خلية فلسطينية مسلحة في أرجاء النقب. وحتى لو كانت إسرائيل على علم بأن مصر تعارض بل وتجتهد لإحباط هذه العمليات، فلا يزال لا يمكن تجاهل أنهم خرجوا مباشرة من الأراضي المصرية. على إسرائيل أن تستعد لتسللات بوتيرة أعلى من سيناء إلى النقب، وهو الاستعداد الذي سيساعد أيضا في تقليص تهريب المخدرات ووقف الهجرة غير القانونية إلى أراضيها.

في بداية تشرين الثاني 2007 أعربت إسرائيل عن معارضتها رفع سقف الجنود المصريين في الحدود مع قطاع غزة، في إطار مكافحة التهريب. وادعت إسرائيل بأن مصر لم تفعل ما فيه الكفاية بـ 750 من رجال حرس الحدود لديها، الذي يسمح لهم بالانتشار في تلك المنطقة في أعقاب انسحاب إسرائيل من قطاع غزة في 2005. واعتقدوا في إسرائيل بأن الهدف المصري هو العمل على تآكل التجريد من السلاح، المقرر في اتفاق السلام. يحتمل بأن قيود معاهدة السلام في كل ما يتعلق بانتشار الجيش المصري في سيناء، عرقلت المصريين من منع التهريب إلى قطاع غزة، ولكن لغرض هذه المهمة لا حاجة للجيش، بل لقوة ناجعة ونوعية ذات طابع شرطي. من ناحية مصر إرسال الجيش إلى شبه الجزيرة، ولو بحجم قليل، كفيل بأن يكون أمرا ذا أهمية رمزية شديدة. مثل هذه الخطوة ستعزز سيادتها في سيناء، بل وربما تشجعها على أن تفرض فيها إرادتها. ولكن لا ضمان لذلك ناهيك عن أنه ليس واضحا كم وهل على الإطلاق يتطلع المصريون إلى قطع دابر استخدام سيناء كقاعدة لوجستية وعملياتية فلسطينية ضد إسرائيل.

في نهاية المطاف فان إسرائيل كفيلة بان توافق على انتشار مصري استثنائي في سيناء لفترة زمنية محدودة تمنح إسرائيل مهلة للاستعداد لصد تسللات برية من سيناء وتطوير منظومات لإحباط النار الصاروخية من قطاع غزة. حتى لو ساهمت في تقليص التهريب من سيناء، مع ختام الفترة المحددة مسبقا، حين تطلب إسرائيل سحب القوة المصرية، فقد تنشب أزمة بين الدولتين.

 

تدخل مصر في الحرب بين إسرائيل وسوريا

لو وقعت مواجهة في إطار التوتر بين إسرائيل وسوريا في  1996، لكان من شأن مصر ألا تقف جانبا. هذا الاستعداد ما كان ينبغي أن يقف قيد الاختبار. إذا ما وقعت مواجهة بين إسرائيل وسوريا في المستقبل فيحتمل أن يتعرض النظام المصري إلى ضغط من جانب سوريا. وحتى لو اكتفت مصر بانتشار معزز في سيناء فسيكون في ذلك خرق للتجريد من السلاح. مصر، ستخشى من أن تجند إسرائيل معظم إن لم يكن كل قواتها، بل وستتطلع إلى استخدامها بتوجيه ضربة كثيفة على سوريا وعلى من يساعدها، حتى ولو بشكل سلبي. كما أن مصر ستأخذ بالحسبان بأن الجيش الإسرائيلي سيكون مصمما على إثبات قدرته. الجيش المصري أو السوري وليس تنظيم عصابات مثل  حزب الله سيكون على نحو مفعم بالمفارقة أكثر تهديدا على إسرائيل ولكن أكثر قابلية للإصابة أيضا بسبب وجود بنية تحتية من القواعد ومنظومات السلاح كالدبابات التي قد تكون مكشوفة أمام الهجمات الجوية. ولن ترغب مصر في المخاطرة برد إسرائيلي، كفيل بأن يتضمن احتلال لأراض في سيناء. وهي ستكون على علم بأنه بعد المواجهة سيكون صعبا جدا عليها استعادة ما فقدته في شبه الجزيرة، ولا سيما إذا كان الانطباع في العالم سيكون أنها خرقت اتفاق السلام.

إذا حاولت مصر التملص من التدخل العسكري في صالح سوريا، فان القوة العسكرية التي طورتها وسعيها إلى السيطرة في العالم العربي سيكون في صالحها. فسوريا ستدعي بان مصر تتملص من دورها كدولة رائدة وتتجاهل أن تحت تصرفها الجيش العربي الأقوى. إمكانية أخرى هي أن تبقى مصر خارج المعركة، ولكن أن تنقل لإسرائيل رسائل بعدم الذهاب بعيدا في التقدم على الأرض وفي قصف الجبهة الداخلية السورية وان كان لغرض منع تعاظم الضغط على مصر لمساعدة سوريا.

إذا هاجمت سوريا إسرائيل سيكون أسهل على مصر الامتناع عن الارتباط بها. يحتمل أيضا أن يفسر الهجوم السوري في العالم العربي، ولا سيما في الدول العربية التي تخشى إيران كخطوة متسرعة تضعضع الاستقرار في المنطقة وتصرف الانتباه عن التحدي الإيراني. هذه الظروف ستسهل على مصر الشرح لماذا لا تساعد قواتها سوريا، ومحاولة منع الدول العربية الارتباط بسوريا والظهور بذلك بأن الموقف الحيادي لا يعكس موقف مصر وحدها.

سقوط العراق في العام 1991 اضعف "الجبهة الشرقية" التي انهارت تماما مع احتلال العراق في العام 2003. وعليه، فان سوريا المنعزلة ستضطر إلى الاعتماد على إيران. مصر لن ترى ذلك بعين طيبة بسبب تخوفها من أن تستغل إيران المواجهة كي تعمق قبضتها في سوريا ومحيطها، يشجع سوريا على تصعيد القتال وتجر إليه مصر أيضا. منذ البداية إيران كفيلة بأن تشجع سوريا على القتال، ولا سيما إذا اتخذت إسرائيل صورة الدولة الضعيفة في أعقاب انسحاب الولايات المتحدة من العراق و/أو في أعقاب سياسة أكثر انعزالا من جانب القوة العظمى.

من شبه المؤكد أن مصر ستعارض خطوة سورية مستقلة ومحدودة، كعملية مبادأة عسكرية في الجولان وكذا لهجوم من خلال حزب الله من لبنان. وحتى لو كان الهدف السوري دفع إسرائيل للتنازل عن هضبة الجولان، فان إسرائيل لن ترى بعين طيبة مبادأة عسكرية سورية.

في نهاية المطاف إذا ما وقعت مواجهة إسرائيلية – سوريا، يبدو أنه مع كل التوتر الذي سيسود بين إسرائيل ومصر سيتمكن الطرفان من الامتناع عن الصدام العسكري بينهما.

 

الخلاصة

          هناك تخوف من إلغاء اتفاق السلام بين إسرائيل ومصر بل ومواجهة بينهما كنتيجة لعوامل على المستوى المصري الداخلي وعوامل على المستوى الإقليمي.

          على المستوى المصري الداخلي حسني مبارك، يؤدي هذه المرة ولايته الأخيرة. وهو يؤهل ابنه جمال كخلف له. ومع ذلك، فان انعدام تجربة جمال يثير الشكوك في أن يتمكن من أن ينتخب للرئاسة ويبقى فيها. الكثير سيكون متعلقا باستعداد المؤسسة، ولا سيما الجيش وأجهزة الأمن لدعمه. في مصر قد ينشأ انعدام للاستقرار وصراعات داخلية بين فصائل مختلفة في ظل تزايد النهج المناهض لإسرائيل، كوسيلة لحشد الشعبية. كما توجد إمكانية أن يكون الرئيس المصري القادم معاديا لإسرائيل الأمر الذي يزيد الاحتمال للازمات المتوالية والحادة، وإلغاء اتفاق السلام بل للحرب.

          يحتمل أن ينجح الإسلام الراديكالي في مصر في السيطرة على الدولة بالانتخابات الديمقراطية أو الحرب الأهلية. إمكانية أخرى هي ان تقع في مصر ثورة مثل تلك التي وقعت في إيران في نهاية السبعينيات. مثل هذا التطور سيضعضع إن لم يسقط العلاقات الإسرائيلية – المصرية.

          على المستوى الإقليمي ، فان صعود إيران، ولا سيما إذا كان بحوزتها سلاح نووي، سيشجع مصر على تحقيق سلاح نووي، الأمر الذي من شأنه ان يضعضع علاقاتها مع إسرائيل. وحتى دون مثل هذه الخطوة فان المسألة النووية قد تمس بالعلاقات بين الدولتين في ضوء الحماسة المصرية لتقييد القوة النووية لإسرائيل.

          صدامات بين إسرائيل والفلسطينيين كفيلة بان تؤدي إلى احتكاك بين إسرائيل ومصر. ولكن التوتر بين إسرائيل ومصر بسبب الفلسطينيين بشكل عام، وبسبب ما يجري في قطاع غزة بشكل خاص، ليس سببا كافيا للمواجهة بينهما. كما أنه من المشكوك أيضا أن تسمح مصر لنفسها بالانجرار إلى مغامرة عسكرية خطيرة إذا ما بادرت سوريا بنشاط عسكري ضد إسرائيل.

          رغم التخوفات في إسرائيل من القدرة العسكرية المتزايدة والمتطورة ومن النوايا المصرية، فان مبادرة حربية إسرائيلية ستكون الخيار الأخير. في ضوء ذلك على إسرائيل ان تركز على تحييد العوامل التي من شأنها أن تشعل مواجهة مع مصر ولا سيما تلك الأكثر تفجرا: تأييد لخلف مقبول من جانبها، وتجريد سيناء من السلاح.

          إذا كان خليفة حسني مبارك سيروق لإسرائيل فان عليها أن تمتنع عن تأييد علني ومباشر له. ومع ذلك يحتمل أن يكون بوسع إسرائيل أن تسهل عليه بشكل غير مباشر ودون تنسيق معه. يمكن لإسرائيل، وليس بالضبط بالطريق الرسمي، ان تشجع أوروبا والولايات المتحدة على مساعدة مصر في المستوى الاقتصادي، الأمر الكفيل بمساعدة الحاكم الجديد على البقاء.

          على إسرائيل ان توضح بل وان تردع مصر من محاولة تآكل تجريد سيناء من السلاح. في وضعت تآكل التجريد لسيناء سيتعين على إسرائيل أن تعيد النظر في نهجها نحو سيناء ومن هنا أيضا نهجها نحو مصر.

          هناك عدة عوامل وسيناريوهات كفيلة بالتأثير على مستقبل اتفاق السلام بين إسرائيل ومصر. يبدو أن أهمها والذي سيؤثر على العوامل الأخرى أيضا، سيكون مسألة خلافة حسني مبارك، بسبب الوزن الكبير لمنصب الرئيس المصري. مبارك سينهي ولايته ويعتزل في 2011. ولإسرائيل نحو سنتين كي تستعد في كل المستويات.

مركز بيغن السادات للدراسات

 


 


* مذكرة المركز رقم 1، مركز بيغن السادات للدراسات الإستراتيجية، جامعة بار ايلان، شباط 2009.

** د. عيلام هو باحث في مركز بيغن السادات ويعنى بمفهوم الأمن والعقيدة العسكرية لإسرائيل. يشكر الكاتب البروفيسور افرايم عنبر والبروفيسور ستيورات كوهين على ما قدماه من مساعدة وملاحظات.

 
ايهود عيلام
تاريخ النشر:2009-05-02 الساعة 14:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 2257
مرات الطباعة: 533
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan