الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم ومعارف » فلسفة واجتماع

بين الفلسفة وعلم الاجتماع

د. أنور عبد الملك

 

القرن الرابع عشر ـ الذي يعتبره المستشرقون نهاية العصر العربي الكبير ـ هو القرن الذي ستسمح فيه سبعة قرون من الهيمنة السياسية والتجديد الفكراني، لفكر معين بأن يتشكل. ولسوف يكون هذا الفكر، وبالضرورة، عند نقطة التقاء السياسي بالروحي. لكن هذا الفكر، ولكي يدوم، سيحاول في شكل خاص إقامة التوليف الصعب بين الخاص والعام ـ المجتمع الإسلامي القروسطي، من جهة، وعلوم الإنسان والمجتمع، من الجهة الأخرى. وهاكم ما سيكون عليه عمل ابن خلدون (1332 ـ 1406): مثقف متحدر من بيئة ذات ثقافة إسلامية سامية، يريد لنفسه أن يكون عربياً وشمال أفريقي في آن معاً. رجل دولة، وبلاط وعمل سياسي، ووسيطاً ممتازاً، من العام 1350 حتى العام 1374، بعد خمسة عشر عاماً من التعلم، وعامين من السجن. ثم فجأة يأتي في العام 1375 اعتزاله في الصحراء الجزائرية لمدة أربع سنوات أمضاها في قلعة ابن سلامة، حيث ألّف «المقدمة» خلال أشهر خمسة في العام 1377. وأخيراً هناك المرحلة المصرية (1382 ـ 1406)، حيث اشتغل أستاذاً للفقه المالكي، وقاضياً، ولحظة ما ديبلوماسياً للتفاوض مع تيمورلنك حول مصير دمشق ـ الشام (1401)، وتلك الفترة ستكرس لتأليف المجلدات الثلاثة التي تؤلف كتابه (كتاب العبر)، وسيرته الذاتية «التعريف بابن خلدون» (1395) كذلك، وهي سيرة تُجُوهلت طويلاً على رغم محتواها الحكيم، وأخيراً تأتي وفاته في القاهرة حيث يدفن جثمانه في مقبرة الصوفيين.

ولادة إشكالية

إن لمن الضروري الاحتفاظ بصورة مسيرة هذا المثقف المتعيش الكبير الذي كان الأول بين كبار الباحثين في ميدان علوم الإنسان والمجتمع، ومبدع التاريخ العلمي وعلم الاجتماع. وهي مسيرة ستتيح لنا أن نفهم الإشكالية الخاصة بالفكر الخلدوني.

كانت أفريقيا الشمالية عهد ذاك أرض الممالك الكبرى: المرينيين في مراكش (1269 ـ 1420) والحفصيين في تونس (1228 ـ 1574) والناصريين في غرناطة (حتى العام 1492)، والمماليك في مصر (1250 ـ 1517). غير أن الصراع بين المرينيين والحفصيين، وهو صراع مال فيه ابن خلدون نحو تميز المرينيين الثقافي، يجبره على ترك تونس، وعلى السعي عبثاً للقيام بوساطة في مغرب يمزق بعضه بعضاً ويسير على درب الوهن، والانحطاط لاحقاً. والى هذا البعد السياسي، بعد التاريخ الملموس، يأتي لينضاف عامل طبيعي، يتعلق بالجغرافيا البشرية: «ففي وسط هذا القرن الثامن، خيم مرض الطاعون على الحضارة، مدمراً جزءاً كبيراً من الرفاه الاجتماعي، ومهلكاً أجيالاً بأسرها. لقد مس الطاعون الدول في لحظة انحطاطها موهناً من قوتها إلى حد كبير (...). فكان أن سقطت الدول والمصانع ومعالم النشاط الاجتماعي طللاً، أما الحواضر فخلت من ساكنيها». وعند مفترق العواصف، في وسط ذلك الإعصار الكبير الذي يشهد سقوط الدول، ها هو ذا مثقف مؤسس سيحاول إعمال فكره في تاريخ المجتمعات البشرية وصيرورتها. وهو سيعتمد أساساً على معارف زمنه الموسوعي، كما فسرها وعمقها الفلاسفة والعلماء المسلمون، كابن سينا والغزالي والرازي والطوسي على وجه الخصوص، وهو يدرسهم جميعاً من طريق أستاذه الآبلي «العلامة في مجال العلوم العقلية»، مما سيقوده إلى طرح مشكلة مشروعية الفلسفة.

من هنا ينفصل ابن خلدون عن الدوائر الفلسفية والأخلاقية البحتة: فالمشكلة السياسية وصلت إلى حد جعلها تتطلب شيئاً آخر غير التفسير النظري، وعلماً يشاء لنفسه أن يكون معيارياً. وفي شكل أكثر تحديداً، لقد حل الزمن الذي ينبغي أن يقوم فيه مقترب جذري، يجعل المفكر فيه من نفسه صاحب دور وشاهداً، ويناضل في الوقت نفسه لإجلاء الأمور: «بالنسبة إلى هذا الزمن، أي الجزء الأخير من القرن الثامن، غيرت وضعية المغرب هزة عامة نحن شاهدوها (...). وحين تتغير وضعية منطقة في شكل كلي وجذري، يكون الأمر كما لو أن العالم قد تغير كله وحتى جذوره، وعند ذاك يظهر عالم جديد، وكأنه خليقة جديدة وتكوّن جديد، وهذا هو السبب في ضرورة أن يكون هناك، من أجل ذلك الزمن، واحد يسجل تبدلات الكائنات والأجيال، والتغيرات التي تطرأ على العوائد وأنماط العيش والتفكير، متبعاً الدرب الذي خطه المسعودي. وعلى هذا النحو سيصبح النموذج الذي سيحتذيه مؤرخو المستقبل». ونحن نعلم ما سيكونه شأن التاريخ بين يدي ذاك الذي سيصنع منه علماً: دقة في تحليل المركب الاجتماعي ـ السياسي، من جهة، وبحث عن أسس للعقلانية في ميدان تاريخ المجتمعات البشرية من جهة أخرى. وإنها لجدلية الخاص والعام، تلك الجدلية المائلة باتجاه العمل الفاعل، القادرة وحدها على تجسيد العقلانية التاريخية.

من الواقعية الفلسفية إلى علم التاريخ

ولكن أين هو دور الإلهام الفلسفي في هذه المسيرة الطويلة عبر ليل الزمان؟ في الصورة التخطيطية للفكر الإسلامي، سيتجه ابن خلدون بأنظاره نحو كل ما من شأنه أن يقلص من فوضى التاريخ الملموس الذي يعيشه بجسده، وينظم عمليات المد والجزر، ويوفر مفاتيح لولوج مستقبل حقيقي يكون ممكناً، عقلياً.

وتوجد نقطة الانطلاق لهذا البحث عن نظام عقلي وحقيقي في الإسلام، المتصلب في توحيديته: «إن الوحدانية الإلهية، هي المركز الغامض لمعتقدات الإيمان». ولسوف يطبع مبدأ النظام المركزي هذا، العالم الحقيقي، بطابعه. في مرحلة أولى يكون التأمل البحت عاجزاً عن الإحاطة بالواقعي: لا تعتقد بأن الفكر قادر على الإحاطة بكل الكائنات وأسبابها، وعلى معرفة تفاصيل الكينونة في مجملها  حين تتجاوز الأسباب مستوى إدراكنا وكينونتنا وأفقهما، تصبح غير قابلة للإمساك. وعند ذلك يضيع العقل في الأوهام. حاذر ادعاء العقل بأنه قادر على الإحاطة بكل الكائنات، بواسطة المدركات، وفي ما يتعلق بإيمانك وبعملك عليك أن تتبع أمر الشارع. ». والعقل، إذ يُدرك على هذا النحو، يكون ميزاناً، ويكون دوره إدراك السببية، وهذه السببية توضح الظواهر الوحيدة التي تدركها الحواس. إن العقل، كما نفهم، لم يعد أداة ثانوية في خدمة علم الكلام: بل هو بالأحرى يؤسس «واقعية فلسفية» كما يبرهن ناصيف نصار، أفضل محللي ابن خلدون، إذ يقول: «إن الميل الأساس الذي يجتاز هذا القول المزدوج، هو عبارة عن إصرار على موضوعية تنحو إلى عزو القيمة الأولية للحقيقة إلى الأشياء والوقائع أكثر مما إلى الأفكار، صحيح أن العقل يحتفظ بمكانة مهمة، لكنها مكانة نسبية ومحدودة. إذاً، فإن توليفة الإصرار على الموضوعية والضرورة العقلية تجد معادلتها في الواقعية، الوضعية والمنهجية على السواء».

ومن الطبيعي أن تصب عملية البحث عن نظام عقلي يكون واقعياً كذلك، في عملية بحث عن المنهج ـ لا عن مجرد منهجية أدائية ـ ، وفي ميل ممنهج نحو الرياضيات، وضد علم الفلك والكيمياء في شكل خاص. وكذلك ضد الفلاسفة من أنصار التأمل البحت، أولئك الذين يزعمون أن ماهية أو أسباب كل الكائنات، سواء أكانت حسية أو ما فوق حسية، يمكنها أن تدرك من «طريق التأمل والأقيسة العقلية». والواقع أن ابن خلدون يطرح هنا مشكلة الأسس الحقيقية لكل معرفة نظرية: «إن كل ما هو مجهول سيكون معلوماً بواسطة ما هو معلوم سلفاً. ولكن ليس أي معلوم هو الذي يقود إلى معرفة المجهول. فالحال إن ثمة لكل مجهول معلوماً يناسبه ويمكن التعرف عليه من طريقه فقط، وهناك أيضاً درب ينبغي الذهاب عبره من المعلوم إلى المجهول لكي يصبح هذا الأخير معلوماً». وعلى هذا النحو فقط سيمكن العقل أن يلامس «المفهوم الصحيح والكافي»، «المفهوم الكامل الذي يشكل غاية مطلب إدراك» الكائنات الظواهرية التي ينبغي معرفتها. يقيناً أن «الفائدة الوحيدة للفلسفة التأملية تكمن في كونها تصقل الذكاء، بفضل ضرورة منطقية يفرضها تسلسل المحاججة». لكن «العلاقة القائمة بين الأشياء هي التي تسمح بإدراك المجهول، وذلك في مجال الحقائق الملموسة كما في مجال الجواهر المجردة. أما الحقائق المستقبلية فإذا لم نعرف الشروط التي تؤدي إلى إنتاجها، أو إذا لم نكن نمتلك في صددها معلومات موثوقة، ستكون سراً غامضاً من المستحيل سبره». ومن الواضح أن مذهب هذه الواقعية مذهب جبري. لكن هذه الجبرية ملموسة ومتجذرة في تحليل الظواهر الحقيقية. والمصطلحات في هذا الاتجاه كثيرة: «قوانين تكتسب من طريق الاستقراء»، «برهان طبيعي»، «برهان عقلي»، «بحث عن السبب»، «تحقق»، «سبب طبيعي»، «قانون طبيعي»، «مؤشر طبيعي». وأخيراً هذه الصياغة المدهشة: «لقد لاحظنا، من طريق الاستقراء الاجتماعي، إن الدولة ».

طبيعة خاصة

والدولة التي هي تحديداً في قلب العمل التاريخي والسوسيولوجي. هناك أولاً ولادة التاريخ. «إن لكل كائن عارضاً، سواء ماهيـة كان أم فعلاً، وبالضرورة طبيعـة خـاصـة به ومجموعة من المظاهر التي تلتحق به عرضاً. فإذا كان بوسع كل واقــع طبيــعي قادر للإدراك أن يكون موضوعاً لبحث يطاول عوارضه في ذاتها، سيكون من الضروري أن يكون لكل مفهوم ولكل واقع علم يختص به». وذلكم هو التصور العام للعلم، وفي هذا الإطار تصور التاريخ بصفته علماً. وهناك أولاً نقطة انطلاق «المقدمة»:

«أما بعد فإن فن التاريخ فن تتداوله الأمم والأجيال وتشد إليه الركائب والرحال، وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأفيال. إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأولى، تنمو فيها الأقوال وتضرب فيها الأمثال، وتؤدي لنا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال؟ واتسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال. فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعد في علومها وخليق. أعلم أن فن التأريخ فن عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم. والملوك في دولهم وسياستهم، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا».

بتصرف عن «تاريخ الفلسفة»

تحرير: فرانسوا شاتليه ـ بالفرنسية

 

المصدر:الحياة

 
د. أنور عبد الملك
تاريخ النشر:2009-03-11 الساعة 14:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 2379
مرات الطباعة: 618
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan