الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم ومعارف » فلسفة واجتماع

تأسيسات إسلاميّة للعدل الاجتماعي

د. عماد الدين خليل

 

يطرح الرسول صلى الله عليه وسلم مبادئ متفاوتة الدرجات إزاء (المال) و(حق الجماعة) ويسلط الضوء على المسألة الاجتماعية من زواياها وأطرافها كافة لكي لا تتبقى منها أية مساحة غارقة في العتمة، وهو في هذا كله إنما يساير القرآن جنبا إلى جنب، يؤكد آياته البيّنات ويعززها ويوضحها. إنه صلى الله عليه وسلم يتحدث عن العمل والأجر والأرض والزراعة، وعن طبيعة العلاقات المتينة العميقة التي تربط بين أفراد المجتمع المسلم الواحد وتجعلهم كالبنيان؛ لا يسمحون لأي منهم يسلم أو يظلم … وعن المسؤولية الجماعية التي تحتم على كل فرد أن يعرف مواطن الحق والواجب وإلا عصفت بهم العواصف.

ويقف طويلاً عند الثروة ويبين في أكثر من موضع أنها ليست هدفاً ولا يجب أن تكون كذلك، وإلا قادت عبيدها ومستخدميها إلى الدمار، وكيف أن الموقف الصائب في التعامل معها يضعها في موضعها المناسب من فعاليات الإنسان على الأرض، كوسيلة تحمله والجماعة معه إلى أبعد الآفاق .. وكيف أن حق الجماعة في المال يتدرج من (الزكاة)، حده الأدنى، صعداً صوب القمة التي تغدو فيها مشتركة في هذا المال الزائد عن حاجة صاحبه، وما وراء ذلك هو ما عبّر عن الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: )ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهباً، أموت وعندي منه دينار، إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا …( وطوّح بيديه يميناً وشمالاً وخلفاً . وسنرى في المقطع الأخير من هذا البحث كيف مات الرسول صلى الله عليه وسلم وليس عنده دينار واحد!!

يتحدث الرسول صلى الله عليه وسلم عن (العمل) باعتباره الأساس الذي يوليه الإسلام الأهمية الكبرى، والذي تتمخض عنه ابتداء (القيمة) التي يتضمنها المال و(المنفعة) المترتبة عليه، ويجب أن نلاحظ هنا كيف أن القرآن الكريم يورد العمل بتصريفاته المختلفة وأبعاده الجزئية والشاملة، المادية والأخلاقية، الدنيوية والأخروية، فيما يزيد عن ثلاثمائة وخمسين موضعاً ويسعى صلى الله عليه وسلم إلى أن يحض أتباعه على العمل، لإنهاء ظواهر التبطل والكسل والتواكل والاستجداء التي تتناقص أساساً مع متطلبات العدل الاجتماعي وصورة المجتمع الذي يسوده التوازن الفعال.

قال: (والذي نفسي بيده لئن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلاً فيسأله، أعطاه أو منعه) وقال: (ما أكل أحد طعاما قط خير من أن يأكل من عمل يده) وقال: (على كل مسلم صدقة. قالوا : يا نبي الله فمن لم يجد؟ قال : يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق. قالوا: فان لم يجد؟ قال : يعين ذا الحاجة الملهوف. قالوا: فإن لم يجد؟ قال: فليعمل بالمعروف وليمسك عن الشر فإنها له صدقة). المهم هو أن يعمل الإنسان المسلم، وأن يكون إيجابياً، فإذا عجز عن تفجير طاقاته في بعض مساحات النشاط البشري، فإن هناك مساحات أخرى غيرها.

ومن أجل تأكيد هذه الفكرة في العطاء الاجتماعي قال فيما نقله لنا حكيم بن حزام: (سألت رسول الله فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يُبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى)، وقال: (ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة). وقال (العمل عبادة) و(طلب كسب الحلال فريضة) و (طلب الحلال جهاد) و(من أمسى كالاً من عمل يده أمسى مغفوراً له) وقال: (إن أشرف الكسب كسب الرجل من يده) ، وقبّل يداً ورمت من كثرة العمل وقال: (هذه يد يحبها الله ورسوله) وقال: (إن الله يحب العبد المؤمن المحترف).

ومرة أخرى يعود إلى إيجابية العمل في الحياة الإسلام ويفضّله على سكون العبادة فيقول: (لئن يمشي أحدكم مع أخيه في قضاء حاجته أفضل من أن يعتكف في مسجدي هذا شهرين) ويبلع من تقييمه للعمل وتقديره للعطاء وإدراكه العميق للدور الذي يمارسه على المستوى الاجتماعي خاصة والحضاري عامة أن قال: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها فله بذلك أجر).

ويؤكد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتحدث عن العمل على حق الأجير والعامل، هذا الحق الصارم الذي يجب أن يُعطاه لحظة توقفه عن العمل جزاء وفاقاً على ما قدّمت يداه، فيأمر أصحابه: (أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه)، ويصب غضبه الشديد، ويعرب عن خصومته القاطعة لكل من يستأجر أجيراً فيأكل حقه: (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً ثم أكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه فلم يعطه أجره).

ولم يترك رسول الله صلى الله عليه وسلم مسألة من أهم مسائل العمل، تلك هي تكليف العامل أو الأجير بذل جهد أكبر من ذلك الذي تم الاتفاق عليه، أو قضاء ساعات أطول في العمل، أو إنجاز قطع أكثر من المتفق عليها، وضرورة ضمان هذه الزيادة في الجهد الذي تنبثق عنه قيمة أكبر لصاحب العمل. كما أنه لم يترك مسألة العلاقات الإنسانية التي يجب أن تسود بين الطرفين: العامل وصاحب العمل، في أي نشاط اجتماعي، ويتقدم بها صلى الله عليه وسلم صعداً حتى يضعها في مرحلة الأخوة الكاملة حيث يأمر أصحابه حينذاك: عمالاً وأصحاب عمل، أن يأكلوا سوياً ويلبسوا سوياً .. يقول:(.. إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يطعم وليلبسه مما يلبس، ولا تكلّفوهم ما يغلبهم، فإن كلّفتموهم فأعينوهم). وليس ثمة نظام تعرض فيه مسألة العمل وفق هذا المثلث الصارم: منح حق العامل كاملاً في وقته المناسب، وزيادة هذا الحق بما يتناسب واتساع الجهد الذي يبذله العامل، ورفع العلاقة بين العامل وصاحب العمل إلى مستوى الأخوة والتعامل المشترك في الطعام واللباس .. ليس ثمة نظام كهذا يُتاح فيه لو نُفّذت تعاليمه في عصر صناعي على سبيل المثال أن تنمو وتترعرع الأخلاقية الرأسمالية الجائرة والطبقية المقيتة. ثم إن هذه التعاليم وغيرها كثير، تُعدّ في الوقت نفسه سبباً في عدم وصول المجتمع الإسلامي إلى مرحلة الرأسمالية، بمفهومها الكامل، رغم ما قدمته له حضارته من معطيات في ميادين التكنولوجيا والعلوم التطبيقية؛ لأن أخلاقية المسلمين التي صنعها دينهم وصاغها رسوله صلى الله عليه وسلم تقف حائلاً دون هذا المصير حتى لو لم تجيء "الحروب الصليبية" و"الغزو المغولي" لكي تدمر حيوية الحضارة الإسلام وتنقل البندول إلى عالم الغرب.

وليس أدل على أهمية العمل في نظر الإسلام، وأنه وراء القيمة الحقيقية للإنتاج، من موقف القران والسنة الحاسم المعروف إزاء العمليات الربوية بكل أشكالها التي لا محل لعرضها هنا، ومن الأحاديث الشريفة التي وردت عن مسألة الأرض والزراعة وأنها لمن يزرع لا لمن يملك، وأن الذي يعمل في الأرض التي لا يملكها أحد، أحق بها، ونحن نجتزئ منها بهذه الأحاديث: عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أعمر أرضاً ليست لأحد فهو أحق بها). وعن رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء المزارع، وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يُؤخذ للأرض أجر أو حظ. ويقول صلى الله عليه وسلم: (عادِيّ الأرض لله والرسول ثم لكم، فمن أحيا أرضاً ميتة فهي له، وليس لمحتجز حق بعد ثلاث سنين). ويقول: (من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها). وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطى بلالاً بن الحارث المزني جميع أرض العقيق، فلما كان زمن عمر قال لبلال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقطعك لتحتجزه عن الناس، إنما أقطعك لتعمل، فخذ منها ما قدرت على عمارته ورد الباقي.

وكما كانت قواعد العمل الآنفة رهينة بعدم ظهور مجتمع رأسمالي على النمط الغربي، كانت هذه القواعد الخاصة بالنشاط الزراعي رهينة بعدم ظهور المجتمع الإقطاعي على النمط الغربي نفسه، لولا أن انحرف الناس في ميدان التطبيق، بدرجة أو بأخرى، عن قيم الإسلام وتعاليمه، وهذه المسألة شيء والقول بأن الإسلام جاء لكي يعزّز النمو الإقطاعي أو الرأسمالي في المجتمعات البرجوازية شيء آخر يتهافت بمجرد إلقاء نظرة سريعة على نظرية الإسلام نفسها.

ويتحدث الرسول صلى الله عليه وسلم عن الثروة ويبين في أكثر من موضع كيف أنها ليست هدفاً ولا يجب أن تكون كذلك، وإلا قادت عبيدها ومستخدميها إلى الدمار، وكيف أن الموقف الصائب في التعامل معها يضعها في موضعها المناسب من فاعليات الإنسان على الأرض، كوسيلة تحمله، والجماعة معه، إلى أبعد الآفاق، ويحمل على الترف والمترفين الذين لا يعرفون حقوق غيرهم في الجماعة التي ينتمون إليها والذين يأكلون كما تأكل الأنعام. يحدثنا عنهم بأسلوب ينضح بالسخرية والتنديد، ويذكرنا بمواقف القرآن منهم وصوره عنهم. عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله فقال: (إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يُفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها .. وإن مما ينبت الربيع يقتل أو يلم إلا آكلة الخضراء أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت ورتعت، وإن هذا المال خضرة حلوة فنعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وإنه من يأخذه بغير حقه كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون شهيداً عليه يوم القيامة).

وفي مقابل هذه الصورة البشعة المنفّرة يطرح الرسول صلى الله عليه وسلم تلك الصورة المضيئة المشرقة التي يحدثنا عنها أبو ذر رضي الله عنه هذا الصحابي الجليل (كنت أمشي مع النبي في حرة المدينة، فاستقبلنا أُحُد فقال: يا أبا ذر!! قلت: لبيك يا رسول الله!! قال: ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهباً، أموت وعندي منه دينار إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا، عن يمينه وعن شماله وعن خلفه، ثم مشى فقال: إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا، وقليل ما هم).  

ولا يعني هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحب الفقر أو يدعو إليه، أبداً.. لأن هذا الموقف يتناقض أساساً مع نظرية الإسلام عن دور الإنسان الإيجابي البنّاء في العالم، كما يتناقض مع فلسفة العدل الاجتماعي الإسلامي القائمة على ضرورة إشباع حاجات الإنسان الأساسية وإسعاده وتمكينه من دوره، بل إنه يتناقض بالكلية مع مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه إزاء الفقر كظاهرة اجتماعية سلبية شاذة ومرض فتّاك … من ثم كان الرسول صلى الله عليه وسلم يساويه بالكفر كظاهرة تتميز هي الأخرى بالشذوذ والمرضية على كل المستويات، كان يستعيذ منهما على السواء.. كان يقول: (كاد الفقر أن يكون كفراً). وأنّى للجائع أن يرتفع بأشواقه ووجدانه إلى السماء، ويناجي الله على مكث ويتأمل في ملكوت السماء والأرض وأمعاؤه تتقطع ألماً ومسغبة وجوعاً؟! وكان صلى الله عليه وسلم يدعو الله: (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر) فقال رجل: أيعدلان؟ أجاب الرسول نعم!!

وعن طبيعة العلاقات الاجتماعية الإيجابية المتينة العميقة التي تربط بين أفراد المجتمع المسلم الواحد، وتسوسهم بمنطق التكافل، وتجعلهم كالبنيان، يمنحنا الرسول صلى الله عليه وسلم مزيداً من القيم والتعاليم.. عن عبد الله بن عمرو أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الإسلام خير؟ قال: (تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف) وعن انس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)... (لا يؤمن) بهذا الجزم!! … والمحبة ليست عواطف تمنح فحسب، بل إنها عطاء وتضحية ونبل وإيثار وإلا فلن تستكمل أبعادها أبداً. والحديث التالي يسلط أضواء أكثر على المسألة: عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (على كل مسلم صدقة. فقالوا: يا نبي الله فمن لم يجد؟ قال: يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق. قالوا: فإن لم يجد؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف قالوا: فإن لم يجد؟ قال: فليعمل بالمعروف وليمسك عن الشر فإنها له صدقة).

ويصور الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث آخر المسؤولية الاجتماعية المشتركة الملقاة على عاتق المسلمين جميعاً في المسير بالجماعة إلى بر العدل والخير والأمان قال: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرواً على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً، ولم نؤذ من فوقنا!! فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجَوٍْا ونجَوْا جميعاً) من أجل ذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: (المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضاً) ومن ثم فإن أي خلل يصيب البناء الاجتماعي يجيء بمثابة علامة خطر أكيدة في مسيرة الجماعة الإسلام كلها فان تداركوا الخلل نجَوْا وإلا فان البناء سيتصدع والمركب سيستقر بهم في الأعماق!!

وتقودنا قضية (الترابط الاجتماعي) هذه إلى مسألة من أهم مسائل العدل الاجتماعي في الإسلام، تلك هي التكافل الاجتماعي الذي تأمر به الدولة، أو تقوم به الجماعة تطوعاً واختياراً، ومن وراء الدولة والجماعة أحاديث وقيم طرحها الرسول على طول حياته بين مكة والمدينة متدرجاً وأصحابه بين (الزكاة) كحد أدنى من العطاء مفروض على المال، وبين الاشتراك الكامل فيه، مروراً (بالتصدّق) الذي لا حدّ له، والذي يتراوح هو الآخر بين الكلمة الطيبة والدرهم والدرهمين، وبين التنازل الكامل عن المزارع والأراضي والممتلكات والأموال.

عن ابن عمر أن رسول الله قال: (أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وان محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله).

وعن أبي عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً إلى اليمن فقال له: (ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وإني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وتُردّ على فقرائهم) وفي مقابل هذا قال: (إن في المال حقاً سوى الزكاة). ونذكر بهذا الصدد ما قاله الإمام الغزالي في المستصفى: «إذا خلت أيدي الجند من الأموال، ولم يكن من مال المصالح - بيت المال - ما يفي بخراجات العسكر، وخِيف من ذلك دخول العدو بلاد المسلمين، أو ثوران الفتنة من قبل أهل الشر، جاز للإمام أن يوظّف على الأغنياء مقدار كفاية الجند» وما قاله الشاطبي معلقاً على ذلك: «وقد نفّذ هذا في زمن الدولة الإسلامية، ومن ذلك في عهد الملك قطز لردّ التتار بناء على فتوى سلطان العلماء العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى واتفق العلماء أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة فإنه يجب صرف المال إليها، وما قاله الإمام مالك: يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم وهذا إجماع أيضا  «

ويمضي رسول الله صلى الله عليه وسلم متحدثاً عن المسألة من أكثر من زاوية قال: (ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم)، وقال: (أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائعاً برئت منهم ذمة الله ورسوله).. (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه) يقول ابن حزم في كتابه المحلى، باب الزكاة، «من تركه يجوع ويعرى فقد أسلمه.. ويضيف: إن للجائع عند الضرورة أن يقاتل في سبيل حقه في الطعام الزائد عند غيره، فإن قُتل الجائع فعلى قاتله القصاص، وإن قُتل المانع فإلى لعنة الله!!» ويستطرد ابن حزم قائلاً: «.. وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك، إن لم تقم الزكوات بهم، ولا في سائر أموال المسلمين بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس في الشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة». وهو يروي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو سادس"!!)

وفي أكثر من مرة يعلن الرسول صلى الله عليه وسلم عن تعهد الدولة للفقراء والضعفاء والعاطلين والعاجزين (من ترك كلا ـ أي ذرية ضعيفة ـ فليأتني فأنا مولاه، ومن ترك ضياعاً فعليّ ضياعه).. (ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة). وفي حديثه الشهير (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته) .. يعلن صلى الله عليه وسلم مسؤولية الحاكم أو الدولة الإسلامية عن كافة رعاياها، مسؤولية شاملة، ولم يستطع أحد أن يقول: إن للحاكم أو الدولة ألا تعتبر نفسها مسؤولة عن أولئك الذين يموتون جوعاً ولا يقدرون على ممارسة أدوارهم الطبيعية في الحياة لأنهم قد أُخرجوا بالفقر والجوع والحرمان عن مواقفهم الصحيحة؛ لأن المسؤولية واحدة لا تتجزأ، وهي تردّ في هذا الحديث (مطلق) مسؤولية لا مسؤولية جزئية عن جانب ما من جوانب العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

ويتقدم صلى الله عليه وسلم خطوات أخرى واسعة مدهشة في مجال العدل والتكافل الاجتماعيين وصل بهما إلى الآفاق التي ما كانت (ظروف الإنتاج)، وفق التفسير المادي للتاريخ، تسمح بمجرد التفوه بها. قال: (من ولي لنا عملا وليس له منزل فليتخذ منزلاً، وليست له زوجة فليتزوج، أو ليس له دابة فليتخذ دابة). وقال (طعام الاثنين كافي الثلاثة وطعام الثلاثة كافي الأربعة). وثمّن ما كان يفعله (الأشعريون) من عرب الجنوب بكلمات توحي انه لم يكن يباركهم فحسب، بل (يأمر) بتنفيذ (أسلوبهم) أيام الأزمات والمجاعات والمهمات (المشتركة): (إن الأشعريين - يقول صلى الله عليه وسلم - إذا أرملوا في الغزو أو قلّ طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسويّة فهم مني وأنا منهم)... "اقتسموه في إناء واحد بالسويّة"... "فهم مني وأنا منهم"، تلك كلمات وإشارات ما كان لها أن تفلت من بين أيدينا وتغيب عن أذهاننا حتى لو مضى عليها آلاف من السنين!!

ثم ها هو الرسول صلى الله عليه وسلم يعلن في إحدى الإسفار مخاطبا أتباعه: (من كان معه فضل ظهر فليعُد به على مَن لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعُد به على من لا زاد له …) ويضيف الرواة إن الرسول -صلى الله عليه وسلم-  ذكر حينذاك من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل!!

موقع مداد

 
د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر:2009-03-19 الساعة 15:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 2434
مرات الطباعة: 854
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan