الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » الإسلام و الغرب » الاستشراق

الاستشراق في فكر محمد أركون بين الشعور بالمديونية والرغبة في التجاوز

أ. الحسن العباقي

 

لقد بدأ الاهتمام بالاستشراق والمستشرقين مبكراً في عالمنا العربي الإسلامي، وكان عدد لا يستهان به من المفكرين والعلماء، يُتابعون ما أُنتِج حول الثقافة والحضارة الإسلامية من غير المسلمين، وقد اتّخذت علاقة هؤلاء بهذا الإنتاج أشكالاً شتى؛ إذ عدّه بعضهم شرًّا مطلقاً، وخطرًا مُهدِّداً للأسس التي يقوم عليها كيان الأمة الإسلامية، ومنهم من بُهر بمنجزات الحضارة الغربية فدعا إلى الأخذ بكل ما أُنتِج هناك، وأصرَّ على إعادة التجربة في العالم الإسلامي، شرطاً من شروط بلوغ التَّحضر في نسخته الحديثة. ومنهم من اتخذ من الاستشراق مسافةً نقديةً، ودعَا إلى التوقف حتى يتم التأكد من غلبة نفعه على ضره، وعدم إطلاق حكم عام يشمل الجميع دون استثناء، وهو الموقف الذي نحسبه الأقرب إلى الصواب، مع أنّ للموقفين الأول والثاني ما يسوغهما؛ إذ لم يعد خافياً أهمية الدور الذي مارسته مؤلفات المستشرقين عن ثقافة الشعوب العربية الإسلامية وحضارتها، وعن تاريخها وجغرافية أوطانها، في تيسير عمل المستعمِر، كما لا يُنكر أحدٌ السبق الذي حققته الحضارة الغربية على المستوى التقني والتكنولوجي عموماً، الشيء الذي ساهم في تسهيل الحياة وتقريب المسافات؛ ومع ذلك فهذان الأمران لا يعطيان المشروعية برأينا للموقفين الأولين المشار إليهما أعلاه.

ولا بد من الإشارة هنا، إلى الأهمية البالغة التي تكتسيها عملية رصد أثر ما أنتجه المستشرقون في تحديد مواقف المفكرين والعلماء منهم، فكثيراً ما ساهمت كتاباتهم في الدعوة إلى القطيعة معهم، خاصة ما تعلق منها بالعلوم الشرعية، من: قرآن، وحديث، وفقه، وأصول؛ إذ جاء الكثير منها طافحاً بالأخطاء العلمية الفادحة، إن لم نقل بالتحامل وإطلاق الأحكام غير المؤسسة علميا، وأحسب أن عملية الرصد هذه جديرة بالدراسة والتحليل، وإن كان الاهتمام بها لم يرقَ بعدُ إلى الدرجة التي تستحقها؛ إذ إن أغلب الذين يستهويهم موضوع الاستشراق، يُرَكّزون على ما ينتجه المستشرقون دراسة وتحليلا، غير آبهين في كثير من الأحيان برصد أثر هذا الإنتاج في المفكر العربي أو المسلم، وهو ما دفعنا لخوض غمار هذه التجربة مع واحد من أكثر المهتمين بما يُكتب عن الإسلام في الغرب، ألا وهو محمد أركون، الذي يدعو إلى إعادة الاعتبار إلى العقل الإسلامي عبر الدراسة النقدية لكل ما أنتجه، كما يدعو إلى إعادة الاعتبار إلى الاستشراق عبر الـدراسة النقدية للمناهج التي اتبعها سابقاً، ولـم تعد -في نظره- مجدية لتحقيق ما يُتوخى منها في دراسة المجتمعات العربية والإسلامية؛ ثقافة، وحضارة، وتاريخاً.

إن المتتبع لكتابات أركون حول الاستشراق والمستشرقين قد يميز مواقف عدة، تتأرجح بين الإشادة التي يعزّ نظيرها، مع الشعور بالمديونية من جهة، والمؤاخذة التي تندر حِدَّتُها، وقد يتجاوز فيها العتاب حدود اللياقة العلمية من جهة ثانية، والدعوة إلى القطيعة مع المناهج المعتمدة في دراسة التراث العربي والإسلامي مع التمسك بالنتائج المستخلصة من تلك الدراسات، واستثمارها فيما يقدم من أبحاث من جهة ثالثة؛ وهو ما يوحي بوجود بعض التعارض والتناقض في البناء الداخلي لفكره من هذه الزاوية، الاحتمال الذي سرعان ما يَتَبَدَّد إذا ما تمَّ تعميق النّظر في خلفيات كل موقف من المواقف الثلاثة أعلاه، مما سيمكننا من تقديم إحدى أعقد صور التعامل مع الاستشراق؛ إذ يمتزج الجانب العاطفي بالجانب العقلاني، إن علاقة أركون بالاستشراق، تجاوزت العلاقة الطبيعية التي تجمع -في الغالب- بين الباحث وموضوع بحثه، أو بين من يجمعهم موضوع البحث، وإن فرقتهم المسافات الزمنية والمكانية على حدّ سواء؛ فأركون -ونظرًا لانتقاله مبكِّراً للحياة في أوروبا-، تلقى كثيراً من معارفه عن العالم العربي والإسلامي مباشرة من أفواه بعض المستشرقين، كما ربطته صداقات قوية مع بعضهم الآخر، وجمعته الندوات والمؤتمرات واللقاءات العلمية بكثير منهم، وهو ما يعطي شيئاً من الخصوصية لعلاقة الرجل بموضوع بحثه، بإمكانها مساعدة المهتمين بفكره عموماً على فهم مدى التأثير والتأثر الذي تركه كل طرف في الآخر.

لن يكون رصدنا لعلاقة محمد أركون بالاستشراق رصداً وصفياً، بقدر ما سيكون دراسة نقدية للمستويات الثلاثة لتلك العلاقة، نهدف من خلالها الاندماج في مسار تصحيح بعض الأخطاء العلمية، التي وقع فيها بعض المستشرقين، فتلقاها هو كما تلقاها غيره دون إخضاعها للتشريح، مما أوقعهم في أخطاء نحسبها فادحة. كما نتوخى الدعوة إلى التسلح بالصرامة العلمية في التعامل مع أي إنتاج فكري؛ أيّاً كان مصدره، دون أي حكم مسبق، من شأنه أن يحرم الإنسان من شـرف الانخراط في تفعيل "الاختلاف" بوصفه أحد علل خلـقِ الإنسان، مصداقاً لقوله تعالى:)وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ*إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ.( (هود: 118-119)

واتبعت الدراسة منهج الاستقراء فحاولنا جاهدين الاطلاع على جلِّ ما كتبه محمد أركون حول الاستشراق والمستشرقين، إن بشكل مباشر في بحوث أو مقالات خاصة مفردة لذلك الغرض، أو بشكل عابر ضمن مواضيع مختلفة، ومن ثم شرعنا في دراسة تلك الأقوال التي لم يكن بالإمكان إدراجها جميعها هنا، لسبب أساسيّ هو أنها عبارة عن صيغ متعددة لأفكار معدودة، لذلك اجتهدنا في اختيار أكثرها دلالة على مقصود محمد أركون، كما اجتهدنا في عدم تقويله ما لم يقل، أو تحميل كلامه ما لا يحتمل. فإلى أي مدى يمكن الحديث عن شعور أركون بالمديونية لما أنتجه رواد الفكر الاستشراقي؟ وما خلفية عتابه للمستشرقين وشكواه منهم؟ وأين تتجلى دعوته لتجاوز الفكر الاستشراقي؟ هذا ما سنحاول مقاربته في ثلاثة محاور أساسية هي:

أولا: مديونية أركون للفكر الاستشراقي

ثانيا: أركون والاستشراق – قراءة في خلفية العتاب ودواعي الشكوى

ثالثا: من الإسلاميات الكلاسيكية إلى الإسلاميات التطبيقية

أولا: مديونية أركون للفكر الاستشراقي

لم يكن المستشرقون على قلب رجل واحد، فكما وُجد من بينهم من قدم للتراث العربي الإسلامي خدمات جمّة، وُجد من أساء إليه وأقام حوله الزوابع، مما يُلزم المتصدّي لهذا الموضوع مستوى عالياً من الحيطة العلمية، يميز بوساطتها بين غثّ ما أنتج هؤلاء وثمينه. يُعدّ محمد أركون أحد المكثرين من التعامل مع كتاباتهم؛ إذ يندر أن يخلو عمل من أعماله من الاستشهاد بهم أو الإشارة إليهم؛ ونبدأ حديثنا هنا بنص يشيد فيه بمجموعة منهم، معترفاً لهم بالجميل، وممتناً لهم على الجهود التي بذولوها في دراسة التراث الإسلامي، فهو يقول: "أحيّي بكل اعتراف بالجميل جهود ومكتسبات رواد الاستشراق من أمثال يوليوس فيلهاوزن، وهوبير غريم، وتيودور نولدكه، وفريدريك شوالي، وفون ج. بيرجشترسر، وأو. بريتزل، وإ. جولدزيهر، وتور أندري، وأ. غيوم، وأ. جيفري، وم. برافمان. كما وينبغي أن نحيي جهود تلامذتهم الذين واصلوا على نفس الدرب من أمثال رودي باريت، وريجيس بلاشير، وهاريس بيركلاند، ور. بيل، وويليام مونتغمري واط، وجون بيرتون، وجون وانزبروغ، وأ. ت. ويلش، ويو. روبان، إلخ."

غريب أن يذكر أركون أسماء هؤلاء المستشرقين، ويعترف لهم بالجميل دون تحفظ، مع أن العديد منهم عُرفوا بالتحامل على الإسلام، فجاءت بحوثهم مليئة بالإدعاءات الباطلة التي لا تقوم على أُسس علميّة متينة، ومثال ذلك ادعاء بعضهم الأصل اليهودي أو المسيحي للقرآن؛ وقد تابع عبد الرحمن بدوي مجموعة من ادعاءات هؤلاء، وأَتبعها بردودٍ متينة بيّنت تهافتها، ومن بين المستشرقين الذين ذكرهم أركون وعُرفوا بتحاملهم على الإسلام، ريشارد بيل في كتابه: "أصل الإسلام في بيئته المسيحية"، وتور أندريه Tor Andrae في كتابه: "الإسلام والمسيحية"؛ ويمكن القول بأن أغلب الذين ذكرهم لم ينج من التحامل على التراث الإسلامي، وإن كان لبعضهم بحوث قيمة خلطوا فيها بين التدقيق العلمي المطلوب، والدعاوى المجردة عن الدليل، مما يُلزم المتعامل معها عدم التسليم بأي منها، إلا إذا استند إلى أدلة قوية وبراهين متينة.

إن أركون يرفض مثل هذا الموقف في قوله: «حتّى متى يستطيع المسلمون أن يستمروا في تجاهل الأبحاث الأكثر خصوبة وتجديداً من الناحية الاستكشافية- المعرفية؟ قصدت بالطبع أبحاث العلماء الغربيين الذين يدعونهم بالمستشرقين. أقول ذلك وأنا أفكر بأبحاث نولدكه، وجوزيف شاخت، وج. هـ. أ. جوينبول عن الحديث النبوي، وغيرهم كثير. وكلهم متجاهلون تماما من قبل المسلمين، أو يُهاجمون من قبل الفكر الإسلامي المعاصر دون تمييز أو تفحص موضوعي» وهو ما يؤكد قوة شعوره بالمديونية لهؤلاء، مع أنه لا يخفى على المهتمين بما كتب المستشرقون حول مصادر التشريع الإسلامي عموماً، والسُّنة النبوية على وجه الخصوص، كثرة الادعاءات اللاعلمية التي طفحت بها كتابات "جوزيف شاخت" J. Schacht على سبيل المثال بوصفه أحد المُشادِ بهم والمُمتن إليهم من طرف أركون، يقضي كتابه:The Origins of Muhammadan Jurisprudence "أصول الفقه المحمدي"،عدّ الأحاديث النبوية نصوصاً من وضع أئمة المذاهب الفقهية، اختلقوا لها أسانيد لدعم آرائهم. بل وقلل من شأن الجهود الجبّارة التي بذلها علماء الحديث في نخل صحيح السُّنة من سقيمها، وكان الأولى مناقشة مناهجهم في الجرح والتعديل بالعمق الذي يفي بالغرض، وبيان عجزها عن تحقيق الهدف الذي أحدثت من أجله، قبل الخُـلُوص إلى نتيجة من ذلك الحجم، أما الاقتصار على بعض الاختلافات المصطلحية التي لا يمكنها بحال من الأحوال أن تطعن في جوهر هذا العلم، فلا يمكنه إلا أن يعطي المبرر للمتوقفين في كتابات المستشرقين، إلى حين ثبوت عِلْمِية النتائج التي توصلت إليها، وجِدية المناهج المتبناة في ذلك.

إن الإشادة بكل أولئك المستشرقين، دون أدنى تحفظ، فيه الكثير من المجازفة التي يجب أن تنأى عنها البحوث العلمية، خاصة إذا عُلِم أن أركون لا يكاد يَرُدُّ نتيجة من نتائج روادهم الذين يشعر بالامتنان لهم والمديونية لما كتبوا، ومنها حديثهم عن الترتيب الزمني (الكرونولوجي) لسور القرآن بحسب تاريخ نزولها؛ إذ جاء كلامه في هذا المقام نسخة عن كلامهم؛ ومن الأمثلة على ذلك قوله: "كان المستشرق الإنكليزي ن. روبنسون قد تفحص ثلاثة ترتيبات لسور القرآن: الترتيب الأول خاص بالنسخة المصرية النموذجية أو الرسمية لعام 1925، والترتيب الثاني معتمد من المستشرقيْن الألمانيين نولدكه- وشالي، والترتيب الثالث معتمد من قبل المستشرق ر. بيل؛" وحديثه في هذا المستوى، يحتوي تلميحاً ضمنياً بوجود طبعات متعددة للقرآن، يختلف بعضها عن بعض، فالمتلقي لقوله: "النسخة النموذجية أو الرسمية لعام 1925"، إذا كان قليل الزّاد في هذا المجال، قد يظنّ أن هناك طبعة مصرية غير رسمية للسنة نفسها، وربما طبعتين رسمية وغير رسمية للسنة الموالية، وهكذا؛ كما يشمل القول احتمال وجود طبعات أخرى رسمية وغير رسمية لكل بلد من البلدان الإسلامية، مما قد يُوهِم بأن تعدّد النسخ ناتج عن تعدد النص المقروء، أو على الأقل، بوجود اختلاف بين نسخه المتعددة. ويتلقى أركون كلام المستشرق روبنسون كما لو كان حقيقة علميّة لا يتطرق إليها الاحتمال، فهو يقول: "وقد درس المستشرق ن. روبنسون موضوعين أساسيين في هذه النسخ الثلاث: موضوع النساء المرافقات للمؤمنين الذين يَحظون بالجنة، ثم الموضوع الخاص بالاسمين التاليين: الله، والرحمن. وبعد أن درس الأمر عن كثب اكتشف أن الموضوع الأول يتكرر (12) اثنتي عشرة مرة في القرآن. واكتشف أيضاً أن بعض هذه المعاني تتحدث عن عذارى شابات، ذوات صدور صلبة أو أثداء متينة، وعيون واسعة. وأما بعضها الآخر فيتحدث عن أزواج مطهّرة بكل بساطة. واكتشف أن النسخة المصرية لا تتيح لنا أن نلحظ أي تطور (أو تغير) في معالجة هذا الموضوع على مدار القرآن كله. وأما نسخة نولدكه-شالي و ر. بيل فتكشف عن أن الوصف الأول يرد فقط في السور المكية، والوصف الثاني (أي أزواج مطهرة) يرد في السورة المدنية."

قبل المرور إلى النموذج الثاني الذي تطرق إليه روبنسون، أقف بعض الشيء عند مجازفة أركون بالتسليم بكلام هذا الأخير، والتعامل معه بوصفه نتيجة مستوفية للشرط العلمي المطلوب، واكتشافاً لا يتطرق إليه الاحتمال، فهل يحتوي النص على ما يستحق أن يتعامل معه كذلك؟ أو أن الأمر محض مجازفة كما سبق؟

إن ما أورده محمد أركون عن المستشرق روبنسون، لا يتعدى منطوقَ النص إلى مفهومه؛ فعملية جرد بسيطة كافية للخروج بنتائج إحصائية غاية في الدقة، خاصة في ضوء الطفرة المعلوماتية الحديثة؛ إذ يمكن تخزين كم هائل من المعلومات في أقراص مضغوطة صغيرة الحجم، يمكن استرجاعها وتصنيفها وفق المرغوب فيه، وفي ثوانٍ معدودة، بل وحتى قبل هذه الطفرة المعلوماتية، كان يكفي الرجوع إلى المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم للخروج بإحصائيات دقيقة عن أيّ موضوع من المواضيع التي تناولها الوحي، فضلاً عن أن موضوع "الحور وأوصافهن"، قد تحدّث عنه كثير من العلماء، بل إن جل المفسرين تناولوه عند تفسيرهم للآيات المتعلقة به، ومن ثَمَّ، فلا جِدّة في تناوله من هذه الزاوية، ولم يبق إلا كلامه عن الآيات الاثنتي عشرة التي فرق بين مكّيها ومدنِيِّها، فجاء بمعلومة خاطئة عندما جزم بأن الآيات المكيّة تحدثت عن صفات الحور بشيء من التدقيق، أما الآيات المدنية فلا تذكرهن إلا بالأزواج المطهرة؛ وبالرجوع إلى سورة "الرحمن" على سبيل المثال، يتأكّد أن القاعدة غير منضبطة؛ لأنّ السورة مع كونها مدنية، فقد اشتملت على ذكرٍ لأوصافهن، فهن قاصرات للطّرف وأبكار، ولم تكتف بوصفهن بالأزواج المطهرة، وهنا مَكْمَن المجازفة في التعامل مع إنتاج المستشرقين بعين الرِّضا، والتسليم بما وصلوا إليه من نتائج قبل تمحيصها.

لقد سلَّم أركون بقول روبنسون، دون التأكد من صحة النتائج التي وصل إليها اعتماداً على فرضيّته الخاطئة، القائمة على أساس قدرة النسخة القرآنية بترتيب "نولدكه- شوالي"، أو بترتيب "بيل"، على رَصْد التطور الحاصل في تناول القرآن الكريم للموضوع، خلافاً للنسخة المصرية الرسمية؛ أي النسخة المتداولة بين الناس منذ عهد رابع الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان؛ وبانخرام تلك القاعدة المؤسَّسَة على هذه الفرضية، تتهاوى هذه الأخيرة بدورها، على الأقل في هذا المثال؛ كما أن محاولة الرصد تلك، يمكن أن تتم دون الاعتماد على نُسَخ المستشرقين؛ لأن العديد من العلماء تحدثوا عن ترتيب نزول سور القرآن الكريم، وإن لم يجمعوها في مصحف مستقل وفق الترتيب المقترح، لقناعتهم بعدم جدوى ذلك العمل، وليَقِينهم بأن الترتيب بحسب تاريخ النزول، لم يكن مقصوداً من قِبَل الله عز وجل، فالآيات والسّور تتجاوز الأحداث، وكتاب الله الخاتم في تناوله للموضوع الواحد وفق سياقات مختلفة، لا يُحيل بالضرورة على التطور في التناول؛ إذ إن كثيراً ما يكون القصد بيان جوانب أخرى منه تجعل النظر إليه أكثر شمولية، كما هو الشأن في تناوله لقضيتي الحرب والسلم، اللتين عالجتهما أكثر من مائة آية، يُعطي مجموعها إطاراً عاماً تختلف فيه الأحكام باختلاف الظروف والحيثيات.

أما النموذج الثاني الذي أشاد به محمد أركون، فيتعلق بكلام روبنسون عن كلمتي "الله" و"الرحمن"، وجاءت إشادته كالآتي: "وينطبق الشيء ذاته على كلمتي الله، والرحمن. فالواقع أن كلمة "رب" (أي السيد أو المولى) لا ترد إلا في السور القرآنية الأولى أو المبكرة جدّاً. وأما كلمتا الرحمن والله فتردان بشكل متناوب ومتنافس في المرحلة المكية الثانية. وبعدئذ تفرض كلمة الله نفسها تدريجياً حتى تحذف كل ما عداها."

وإذا عُلِم بأن المرحلة المكية الثانية عند نولدكه وشوالي، تبدأ بسورة الكهف وتنتهي بسورة النجم، بناء على الترتيب الذي وضعه المستشرق بلاشير لسور المصحف، وذلك في كتابه: "القرآن: نزوله، تدوينه، ترجمته وتأثيره،" فَسَيُسْتخلص من كلام روبنسون المُشاد به من طرف أركون، أن كلمتي "الله" و"الرحمن"، لم تردا في المرحلة المكية الأولى؛ لأنهما لم تظهرا إلا في المرحلة الثّانية، لكن بالرجوع إلى السور التي صنّفها نولدكه وشوالي في المرحلة الأولى ابتداء من سورتي المزمل والمدثر حتى سورة الناس، يلاحظ أن اسم الجلالة "الله" ذُكر في كثير منها، فقد ورد في سورة الشمس عند قوله تعالى:)فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا( (الشمس:13) وهي السابعة في ترتيب النزول حسب نولدكه-شوالي، كما ورد في سورة الأعلى عند قوله تعالى:)سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى*إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ( (الأعلى:6-7) وهي السادسة عشر في ترتيب النزول حسبهما، كما ورد في سورة التكوير عند قوله تعالى:)وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ( (التكوير: 29) وهي الثامنة عشر عندهما، وقد ورد أيضا في سورة الانشقاق التي جعلاها بعد سورة التكوير في ترتيب النزول في قوله تعالى:)بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ*وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ( (الانشقاق:22-23) أما كلمة "الرحمن" فقد وردت مرّتين في سورة النبإ وهي السادسة والعشرون في ترتيب النزول حسب نولدكه- شوالي.

إن هذه الأمثلة تؤكد ضعف ما ذهب إليه المستشرق روبنسون، وعدم علمية النتائج التي بناها على تلك الاكتشافات. أما كلمة "رب" التي قال بأنها لم ترد إلا في السور القرآنية الأولى أو المبكرة، فالخطأ فيها أفحش؛ إذ ذُكرت في السّور المدنية بصيغ مختلفة أكثر من مائتي مرة، تسع وأربعون منها في سورة البقرة وحدها، وثمانٍ وثلاثون في سورة آل عمران، وست مرات في سورة النساء، وسبع عشرة مرة في سورة المائدة، وست وثلاثون مرة في سورة الرحمن، إلخ.

هكذا يتضح بأن ما ذهب إليه روبنسون، بعيد كل البعد عن الصرامة والتبحر العلمي اللذين كثيراً ما تحدث عنهما أركون فيما يتعلق بالمنهج (الفيلولوجي) المُعْتَمد من قبل المستشرقين. ويبدو أن تلك الأمثلة، تنمّ عن قلة زاد المستشرق روبنسون بالمادة المدروسة، وقد كان لعلماء المسلمين الذين تناولوا مبحث المكي والمدني بالدراسة، كلام أدق بكثير مما ذهب إليه هذا الأخير، ليس هذا مقام التفصيل فيه. إن شعور أركون بالمديونية لما أنتجه المستشرقون، أفقده شيئاً من الحسّ النقدي اللازمِ تَوَافُّرُه في البحوث العلمية، وجعلته يقبل نتائج بحوثهم دون إخضاعها للدراسة النقدية.

وهناك تمظهر آخر لذلك الشعور بالمديونية، يتعلق بإشادته المبالَغِ فيها -في كثير من الأحيان- ببعض المستشرقين وأعمالهم، منهم على سبيل المثال: "جاكلين شابي،" التي حظيت بإطراء كبير من أركون، بعد إصدارها لكتاب: "رب القبائل. إسلام محمد"؛ إذ قال في حقها: "أشعر بالسعادة فعلاً لأنْ أشير إلى كتاب قيم مثل هذا الكتاب، كتاب يمشي في الاتجاه الذي يرغبه الباحث المفكر ويسعى إليه. إن كتابها يقدم المثل العملي المحسوس على إمكانية تحقيق طفرة نوعية، ابستميائية وابستمولوجية، في الكتابة التاريخية عن القرآن. إن المؤلفة ترسم حدوداً لا يمكن اختراقها بين القانون المعياري لمهنة المؤرخ وبين مجال الفكر الإيماني والمعرفة الإيمانية من جهة أخرى." ثم يستمر في الإشادة بالكاتبة والكتاب، مع محاولة تسليط الأضواء على منهجها في التعامل مع القرآن، ليستغرق قُرابة تسع صفحات. وسبب هذا الإطراء، أن الباحثة في نظره، استطاعت ربط القرآن بالفضاء الثقافي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي أُنزل فيه، أي أنها تموقعت في قلب فكره، وربما لأنها قالت ما لم يكن قد تجرّأ بعدُ على قوله بكل تلك التفاصيل .

ثانياً: أركون والاستشراق – قراءة في خلفية المعاتبة ودواعي التشكي

كثيرة هي عبارات العتاب الحاضرة في كتابات أركون، لا سيما في مقدمات كتبه، فما خلفية تلك المعاتبة؟ وما سبب ذلك التشكي؟

تحدثت في النقطة السابقة عن وجه بارز في علاقة أركون بالاستشراق، يتجلى في إشادته المستمرة بما أنتجه، وسأتحدث فيما يلي عن وجه آخر أبرز من الأول، يتعلق بعتابه المستمر للمستشرقين:

أ. عتابه لكلود كاهين: قال عنه في الدراسة التي خصصها له في كتابه: قضايا في نقد العقل الديني: "التقيت بكلود كاهين للمرة الأولى في مدينة ستراسبوغ في شهر تشرين الأول/أكتوبر من عام 1956. كنت قد عُيّنت للتو أستاذاً للغة العربية في تلك المدينة التي كـان يُدَرِّس هو فيها تاريـخ القرون الوسطى منذ عام 1945. ثم نُقلنا في السُّنة نفسها (1959) إلى باريس. ثم شاءت الصدفة أن نسكن أكثر من عشرين سنة في مدينتين متجاورتين من الضاحية الجنوبية لباريس. وهذا ما ساعد على كثرة حواراتنا ومناقشاتنا." العلاقة بين الرجلين حسب ما يبدو من خلال النص، متينة جدا، واستمرت أكثر من عقدين من الزمن، ظلا فيها وَفِيَّين للأخذ والرّد في شتّى المواضيع.

وقد لا تبدو الصلة قائمة بين النص المستشهَد به، وقضية العتاب، لكن، إذا عُلم بأن القصد من إيراده هو إعطاء المشروعية للَّفظ المستعمل أي "العتاب"، لِما فيه من دلالة على الودّ المتبادل رغم وجود الخلاف، فستبدو الأمور أكثر انسجاماً؛ لأن العتاب غير "الدراسة النقدية" التي لا تُستَحضر فيها العلاقات الشخصية، لاحتمال تأثيرها السلبي على العلمية والموضوعية؛ فما الذي يؤاخذه أركون على كاهين؟

يقول في ذلك: "العلماء الأكاديميون الذين يعيشون في الظل (مثل كلود كاهين) يستمرون في كتابة التاريخ على الطريقة الوصفية الحيادية الباردة. بمعنى أنهم يكتفون بنقل أقوال أو خطابات الفاعلين الاجتماعيين (أي المسلمين هنا) إلى اللغات الأوروبية كالفرنسية والإنكليزية. ولا يقومون بتفكيكها من الداخل، أو محاولة تعرية الأبعاد الأيديولوجية التي تنطوي عليها بالضرورة كأي خطاب بشري." ولعله بادٍ للعيان أنّ المؤاخذة هنا، منصبّة على مجال التقاطع بين نظرته للتراث الإسلامي، ونظرة كلود كاهين لها، فكأنه يريد دمجه -ومن خلاله كل المستشرقين- في برنامج عمله؛ إذ يُطالبه بما يتجاوز المهمّة الأساسية للمؤرخ، كالبحث عن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء الأحداث التاريخية، أو الأبعاد الأيديولوجية التي تنطوي عليها، فتلك مهمّة علماء من صنف آخر، تختلف آليات اشتغالهم عن آليات اشتغال المؤرخ. وهذا ما لم ينتبه إليه أركون في النص أعلاه، فطالب كاهين كمؤرخ بما هو خارج عن نطاق عمله مؤرخاً، وداخل في نطاق "علم الاجتماع التاريخي" بوصف هذا العلم فرعاً من فروع علم الاجتماع الأكثر حداثة وتخصُّصًا. وبناء على ذلك، وأمام عدم انخراط كاهين في برنامج عمل أركون المسطَّر في "نقد العقل الإسلامي"، أصبح في نظره من "ذوي الحيادية الباردة الذين يعيشون في الظل"؟!

ب. عتابه للمستشرقين المعاصرين: لا يختلف موقف أركون السابق من كلود كاهين، عن مواقفه من جلِّ المستشرقين المعاصرين، فكلامه عنهم بوصفهم أفراداً لا يختلف عن كلامه عنهم بوصفهم جماعات، ومحور عتابه لهم هو رفضهم إسقاط التجربة الأوروبية بأدقّ تفاصيلها على الإسلام تاريخاً وحضارة، أمام إِلْحَاحه عليهم بضرورة القيام بذلك، لهذا تجده يستغرب من موقفهم، عادّاً إيّاه نوعاً من التمييز شبه العنصري في حق الإسلام، فهو يقول: "لماذا يصرّ الباحثون المستشرقون على اتّباع المنهجية التقليدية في علم التاريخ، في حين أنها تجددت وتغيرت في الأقسام المجاورة لهم في نفس الجامعة: أقصد في الأقسام التي تدرس التاريخ الأوروبي، لا العربي ولا الإسلامي؟ لماذا يرفضون الاستفادة من مناهج زملائهم المتخصصين بتاريخ فرنسا أو أوروبا في القرون الوسطى مثلا؟ ... لماذا هذا التفريق، إن لم نقل التمييز شبه العنصري، بين الأقسام الاستشراقية، والأقسام غير الاستشراقية في الجامعة الواحدة؟"

إن تتبع عبارات العتاب وإمعان النظر فيها، يُفضيان إلى ملاحظة مهمة، هي ملازمتها للمستشرقين المعاصرين أكثر من غيرهم، في حين أن الإشادة ملازمة بمن يَعدُّهم جيل الرُّواد، أمثال: نولدكه، وشوالي، وجولدسيهر، وتلامذتهم أمثال: رودي باريت، وريجيس بلاشير، وويليام منتغمري، وغيرهم، مع وجود بعض الاستثناءات؛ إذ حظي بعض المعاصرين أكثر مما حظي به هؤلاء من الإشادة، كما هو شأن جاكلين شابي، في حين جمع موقف أركون من المستشرق الألماني جوزيف فان إيس، بين الإطراء والعتاب.

إن الخلفية التي تحكم أركون في عتابه للمستشرقين، تكمن أساساً في كون "العلم الاستشراقي كان محصوراً بالتأريخ للوقائع الخام للتراث واستعادتها عن طريق استخدام المنهجية الفيلولوجية من نحو وصرف ومعاجم ودراسة تركيب الجمل، إلخ ... وكان محصوراً بالمنهجية التاريخية التقليدية التي سادت في القرن التاسع عشر." فهذا المستوى من التناول، لا بدّ منه في نظره، لكنه لا يمثل إلا مرحلة أولى ممهدة لمرحلة تطبيق المنهج الألسني فالأنثربولوجي، كما هو معلوم في تاريخ التجربة الحداثية. وهو لا يعاتب جيل الرواد؛ لأن المكتشفات الحداثية على المستوى المنهجي لم تكن متوافرة في وقتهم، ولم تكن التجربة الحداثية قد وصلت إلى المستوى الذي بلغته في الوقت الراهن، مما يُعطيهم العذر، بخلاف المعاصرين، فهم لا يُعذرون في عدم انفتاحهم المنهجي عليها.

ثالثاً: من الإسلاميات الكلاسيكية إلى الإسلاميات التطبيقية

تُعدّ "الإسلاميات التطبيقية" البديل المنهجي الذي اعتمده أركون في "نقد العقل الإسلامي" ليقابل به "الإسلاميات الكلاسيكية"، ويطلق هذا المصطلح الأخير على المنهج الذي اتبعه المستشرقون في دراستهم للتراث والتاريخ الإسلاميين، وقد صرح بذلك في كتابه: "الفكر الأصولي واستحالة التأصيل"، خلافاً لما يدّعيه مختار الفجّاري في كتاب له تحت عنوان: "نقد العقل الإسلامي عند محمد أركون"؛ إذ عدّ الأمر استنتاجاً خاصاً به، بعد دراسته لمؤلفات أركون؛ وقد خصص للحديث عن منهج هذا الأخير في نقده للعقل الإسلامي، قِسماً بكامله، ضَمَّنَه أربعة فصول، إلا أن دراسته جاءت وصفية أكثر من اللازم؛ إذ غلب عليها تأييده لاختياراته وردّ ما سواها. أما فيما يتعلق بالمنهج، فيقول تمييزاً له عن الموضوع: "نستنتج أن (مشروع) أركون هو نقد العقل الإسلامي، وأنه توسل بطريقته الخاصة لهذا الموضوع منهجاً أطلق عليه (الإسلاميات التطبيقية)، كما نستنتج أن العلاقة بين المنهج والموضوع عنده متكاملة تكامل العلاقة التي أقرّها الفكر الإناسي الحديث بين النظرية والممارسة."

نعم، إن مؤلفات أركون جمعت بين التنظير للمنهج المتبع، والتطبيق له على المواضيع المدروسة، لكنَّ هذا لا يعني عدم تمييزه الصريح بين المستويين كما يوحي بذلك كلام "الفجّاري"، بدليل قوله: "كنت قد بلورت مصطلح الإسلاميات التطبيقية منذ عام 1970 ودافعت عنها كمنهج علمي في البحث... ولكن ندائي الذي أطلقته في السبعينات من أجل التجديد المنهجي في مجال الدراسات المطبقة على الإسلام، ظل من دون صدى يذكر حتى الآن. صحيح أن بعض الباحثين النادرين قدّموا أبحاثاً في هذا الاتجاه، ولكن نزعة المحافظة المنهجية السائدة في أوساط الاستشراق حالت دون سماع النداء كما ينبغي، يضاف إلى ذلك لا مبالاة الباحثين في تجذير الأنثربولوجيا النقدية لثقافات العالم." وسأحاول فيما يلي مقاربة علاقة أركون بكلِّ من الإسلاميات الكلاسيكية والإسلاميات التطبيقية:

1. إن موقف أركون السلبي من الإسلاميات الكلاسيكية أو التقليدية لا يتعارض ألبتة مع موقفه الإيجابي مما أنتجه المستشرقـون من بحوث، عُدّ بعضها فتحاً لم يتم بعدُ تجاوزه رغم مرور زمن طويل على كتابته؛ لأن انتقاده لمنهجهم، كان بدافع حثهم على تبني ما استجد من مناهج، بهدف توسيع أفق تناولهم للقضايا التراثية، وهو أمر جليّ في عتابه لنموذجين بارزين من المعاصرين، هما كلود كاهين وجوزيف فان إيس، وقد سبقت الإشارة إلى إِلحَاحِه على الأول بأن ينخرط في مسار الدراسات النقدية بمنظورها الحداثي المتجاوز للمنظور الاستشراقي، الذي يحصر نفسه في منهج بالٍ، ولم يعد كافياً لإعطاء نتائج موثوق بها من الناحية العلمية؛ "ينبغي –حسب أركون- أن نعلم أن تجميع المعارف والمعلومات المتبحرة في العلم وتراكمها لا يؤدي بالضرورة إلى توليد فكر نقدي، أو إبداعي، أو تحريري، بالطبع فإن تجميع هذه المعلومات يشكل مرحلة لابد منها، أي المرحلة الأولى من الدراسات العلمية. ولكن لا ينبغي الاكتفاء بها كما يفعل المستشرقون التقليديون أو الكلاسيكيون. وإنما ينبغي تجاوزها إلى منهجية التفكيك والتعرية الأركيولوجية والنقد الجذري لأنظمة الفكر التراثي."

وهذا النص لا يحتاج إلى مزيد بيان، فنقطة الخلاف بينه وبين الاستشراق منهجية لا غير، ويمكننا هنا التمييز بين مستويين من الخلاف، أحدهما مؤاخذته له على أمور يتبناها ولم تعد كافية لإعطاء النتائج المتوخاة، وثانيهما مؤاخذته على أمور يرفضها، مع أنها في نظره أقدر على تحقيق الأهداف، وسأعطي بعض الأمثلة على المستويين فيما يلي.

أولاً: مؤاخذة أركون للمستشرقين على أمور تيبنوها:

وهذه بعض الأمثلة آخذ فيها أركون منهجيّاً على المستشرقين ما يتبنّونه، ونضرب مثالين على ذلك:

أ. محافظة المستشرقين المعاصرين على المسار المنهجيّ نفسه الذي سار عليه أسلافهم منذ القرن التاسع عشر، ولا يخفى أن هذه المنهجية التي تعطي الأولوية للنصوص وتدرسها منفصلة إلى حد كبير عن معطيات الواقع الذي أُنتجت فيه، ما كان لها إلا أن تُثِير حفيظة أركون؛ لأن دعوى "التاريخية" التي تُعدّ المحرك الأساسي لفكره، تقوم على الربط بين جميع النصوص، والواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي الذي ظهرت فيه. ومن ثمّ، فموقفه منها متوقع، فهو يرى بأن "مادة البحث (أي القرآن) تتطلب تطبيق كل المناهج عليها وليس فقط المنهجية الفيلولوجية - التاريخوية. إنها تتطلب التدخل على كل مستويات إنتاج المعنى وآثار المعنى من أجل توضيح ملابسات هذا النص المؤسِّس،" وبهذا يكون القصور هو الصفة الملازمة لمنهج المستشرقين؛ لعدم أخذه بعين الاعتبار كلّ معطيات الواقع في التعامل مع النصوص من جهة؛ ومن جهة ثانية، لأن المنهج الذي يطبقه على تلك النصوص لا يهتم بكل مستويات إنتاج المعنى، أو هو منهج أحادي، في حين أن الموضوع في نظره بحاجة إلى مناهج متعددة.

ب. موقفه مما يسمِّيه بحياد المستشرقين في تناولهم للعديد من القضايا، مع أن الحياد مطلوب في البحوث العلميّة، وهو أحد أهم المؤشرات عليها، ومن ثم فلا معنى لقوله: "ينبغي على المثقف العربي أو المسلم اليوم أن يحارب على جبهتين اثنتين: جبهة الاستشراق الذي يمارس العلوم الاجتماعية بطريقة وصفية، حيادية، باردة، وجبهة الأسلوب التبجيلي للمسلمين،" وكان من المفترض أن يعطي قرّاءه بعض النماذج من الحياد البارد الذي يمقته في كتابات المستشرقين، خاصة إذا عُلِمَ بأنه عُملة نادرة عند كثير منهم، حسب المعنى الإيجابي للّفظ.

ويبقى الاحتمال الأقرب لمقصود أركون من الحياد، ما يُستخلص بعد عملية استقراء للعديد من كتاباته التي تَطَرَّق فيها للموضوع، هو عدم خروجهم بمواقف حاسمة في بعض القضايا الشائكة التي عرفها التاريخ الإسلامي، مثل قضية الصراع التاريخي القائم بين السنة والشيعة على أرضية الأحقيّة في الإمامة، أو الصراع الذي قام بينهم وبين المعتزلة حول القرآن الكريم أمخلوق هو أم لا؟ ممّا حَدَا به إلى وضعهم ضمن الإطار نفسه الذي وضع فيه من يسمِّيهم بِـ "حرَّاس الأرثوذكسية"، فهو يقول: "ليس المؤمنون وحدهم هم الذين بقوا منغلقين على أنفسهم داخل السياج الدوغمائي. وإنما التبحّر الاستشراقي الأكاديمي نفسه ظل منغلقاً داخل نفس السياج لزمن طويل عندما اكتفى بنقل أفكار الإسلام السني الأغلبي إلى اللغات الأوروبية، وذلك قبل أن يفعل الشيء ذاته مع الإسلام الشيعي."

ثانياً: مؤاخذة أركون للمستشرقين على أمور يرفضونها، مع أنها في نظره أقدر على تحقيق الأهداف:

وهذا مستوى آخر له ارتباط بالخلاف في المنهج، يؤسِّس أركون مشروعية "الإسلاميات التطبيقية" من خلالِ هدمِهِ، ويتعلق بأمور لا تدخل في اعتبار "الإسلاميات التقليدية"، مع أنه –في نظره- كفيل بإحداث ثورة حقيقية في الدراسات التي تجعل التراث الإسلامي موضوعاً لها، وهذا المستوى ماثل في رَفْض المستشرقين استعمالَ ما يستجد من مناهج، وهذه مجموعة من الأمثلة على ذلك:

أ. رغم الاستمرارية المنهجية التي تطبع أعمال المستشرقين المعاصرين في علاقتهم مع أسلافهم، فَهُم في نظره أقل جرأة في تناول العديد من القضايا، خاصة ما تعلق بالدراسات القرآنية، فهو يقول في ذلك: "كانت الأرثوذكسية الإسلامية تضغط دائماً بالمحرّمات على الدراسات القرآنية وتمنع الاقتراب منها أكثر ممّا يجب. وقد سهل على المستشرقين في المرحلة التاريخوية والفيلولوجية أن ينتهكوا هذه المحرمات أكثر مما يسهل علينا اليوم. لماذا؟ لأن العقل العلمي كان آنذاك في أوج انتصاره، وكان مدعوماً من قبل الهيمنة الاستعمارية التي رافقته. هكذا نجد أن المعركة التي جرت من أجل تقديم طبعة نقدية محقّقة عن النص القرآني لم يعد الباحثون يواصلونها اليوم بنفس الجرأة كما كان عليه الحال في زمن نولدكه الألماني أو بلاشير الفرنسي."

إن هذا النص يحتوي على أفكار عدة يمكن إجمالها فيما يلي:

- لقد ادّعى وجود ضغوط من قبل علماء الإسلام على من أراد الخوض في الدراسات القرآنية، مع أن تاريخها ينفي ذلك؛ إذ ما أكثر الدعاوى التي طالت القرآن منذ أربعة عشر قرناً، منها ما كان من أبناء هذه الأمة، ومنها ما كان من خارجها، وأمرها مبثوث في الكثير من المؤلفات، وإلا فما مصدر معرفته بقضيّة مصحف ابن مسعود، واختلاف الناس في القراءة على عهد عثمان، أو بالأحرف التي قيل بأنها منحولة وبأنها من أخطاء الكتاب، وقضية نقط القرآن على عهد الحجاج بن يوسف الثقفي، وقراءة ابن شنبوذ التي كثيراً ما لاكتها ألسن المستشرقين، فتتلمذ على شُبهاتهم زُمرة من المتغربين، ثم قضيّة خلق القرآن، والناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، والمحكم والمتشابه، وغيرها من المواضيع الإشكالية التي لم يُخفها أحد من المسلمين ولا أنكر وجودها، بل تناولوها في كتبهم وناقشوها نقاشاً مستفيضاً، وعن طريقهم وصلت إلينا وإلى كل الذين يُدَندِنون حولها.

- حديثه عن قدرة المستشرقين في السابق على اقتحام جدار التحريم بسبب جرأتهم المسنودة بانتصار العقل العلمي، مع أن أبحاثهم في مجال الدراسات القرآنية خاصة، كانت بعيدة عن العلمية، فجاؤوا بشبهات؛ بعضها تكرار لما سبق وقيل بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم من أن القرآن لا علاقة له بالوحي، وأنه من كلامه عليه الصلاة والسلام، أو تعلّمه من أهل الكتاب، أو نحله عن الأساطير القديمة. وقد ألّفوا في ذلك كتباً كثيرة، تبرأ منها جملة من المستشرقين، سواء من معاصريهم أو من الذين جاؤوا بعدهم، مما يؤكد أن سند تلك الجُرأة ليس العقل العلمي، بل سلطة الاستعمار، لذلك تراجعت تلك البحوث بتراجعه، وأصبحت ذكرى سيّئة لتاريخ فَقَدَ الشروط الموضوعية التي أَنْتَجَته، فافتقد مشروعية الوجود.

ويزيد قول أركون ضعفاً، عدم تركيز المستشرقين المعاصرين على تلك البحوث الجريئة –في نظره-، مما يُعدّ تبرّأً منها بوجه من الوجوه، لأنهم ليسوا أقل جرأة من سابقيهم في طرح المواضيع الأكثر تعقيداً، لأنهم أقل تحاملاً، وربما أكثر علميّة، لهذا أصبحوا يأنفون من تكرار الأخطاء الفادحة التي وقع فيها أسلافهم، حتى إن الكثيرين منهم ينزعجون من هذا الاسم، أي "المستشرقين"، فأصبحنا في السنوات الأخيرة نسمع أسماء أخرى، مثل: علماء الإسلاميات أو المستعربين، وهذا الأمر له دلالته القوية في الباب.

- يرى أركون: "أن المعركة التي جرت من أجل تقديم طبعة نقدية محققة عن النص القرآني لم يعد الباحثون يواصلونها ..."، لنتساءل عن مقصوده من هذا الكلام؟

ألا يعني هذا الكلام أنه يطعن في صحة متن القرآن المتداول بين الناس في المصاحف منذ ما يزيد على أربعة عشر قرناً؟ وهل يحتاج نص توحدت عليه أمة الإسلام عبر قرون عديدة إلى البحث عن نسخة محققة منه؟ خاصة ونُسخه تعدّ بمائات الملايين إن لم تكن بالآلاف منها، وجميعها قد ضبطت ضبطاً تاماً، وحتى الاختلافات الواردة في الرسم بين رواية حفص عن عاصم، ورواية ورش عن نافع، بوصفهما الأكثر تداولاً في العالم، معلومة ولا يُخشى وقوع اللّبس فيـها، أَيُعقل أن يُقال بعد كل هذا بضرورة إيجاد طبعة نقدية محققة؟

إن قول أركون أعلاه، يُظهِر ما أضمره في الكثير من كتبه من الطعن والتشكيك في صحة نقل القرآن الكريم، ويَنِمُّ عن تحامل كبير تجاه المنهج الإسلامي خاصة والفكر الإسلامي عامة، وإن وجد له صدى عند أولئك الذين يغيظهم أن يكون للمسلمين دون غيرهم كتاب لم يفقد صلته بالسماء، ظل متنه محفوظاً دون غيره من الكتب المقدسة.

ب. من الانتقادات المنهجية التي وجَّهها أركون للمستشرقين، قوله: "ولكن العلم الاستشراقي كان يجهل المفاهيم التالية: بنية شبكة العلاقات بين الضمائر أو الأشخاص المتكلمة كما شرحها عالم الألسنيات إميل بنفيست، ومفهوم ظرف الخطاب الذي تحدث عنه أو بلوَرَه پ. زمبتور أثناء دراسته للأدب القروسطي تحت اسم الظاهرة الشفهية المقلّدة للظاهرة الكتابية، ومفهوم القوى المهيمنة والقوى المهمّشة الذي يشتمل على التفاعل بين الحالة الشفهية والحالة الكتابية، بين المعرفة ذات البنية الأسطورية والمعرفة التاريخية النقدية، ثم العصبيات الشغالة والكائنة بين تشكيل الدولة المركزية، ثم الكتابة، والثقافة الفصحى أو العالِمة."

لعله بادٍ للعيان أن أرضية الخلاف منهجية، فمؤاخذته تتعلق بعدم دمج المستشرقين لما استجد من مناهج في علمي الألسنيات والأنثربولوجيا في مجال اشتغالهم، وتختلف قراءته لعدم الدّمج هذه، عن تبريرهم لرفض عدد منها؛ إذ يرى معظمهم أن تلك المناهج ليست إلا "زيّاً أو موضة عابرة،" ومن ثم، فالتمسك بها يضرّ بالمواضيع المدروسة أكثر مما ينفعها. أما أركون فيعدُّ ذلك نوعاً من التّملّص من المسؤولية الملقاة على عاتقهم، والسبب الحقيقي في نظره، يرجع إلى كونهم "يرفضون أن تستفيد المجتمعات الإسلامية والعربية من إيجابيات التفكير النظري والمناهج الجديدة المطبقة بكثرة على المجتمعات الغربية من قبل العديد من الباحثين والفلاسفة والثيولوجيين والكتاب والفنانين." وخلفية هذا الموقف -في نظره- لها ارتباط وثيق "بنزعة عرقية مركزية مؤكدة، مفهومة ضمن الوسط التاريخي الذي ولدت فيه. وحتى الدراسات الجامعية تسبح في المحيط العام لهذه العرقية المركزية، ذلك أن تفسيراتها وتحليلاتها تعكس في الغالب رؤيا سلبية للإسلام."

وأيّاً تكن الخلفية الحقيقية الكامنة وراء رفض المستشرقين المعاصرين تَبَنِّي آخر المكتشفات المنهجية، فالأمر فعلا يقتضي شيئا من التّريث، خاصة وهي لا تزال تلاقي رفضاً كبيراً في الغرب الذي نشأت فيه، نظراً للفوضي الدلالية التي أصبحت سيدة السّاحة هناك، فكيف يُقبل استيرادها وهي لم تنضج بعد! كما أن نتائجها كانت كارثية على النص والمعنى.

ج. هناك نماذج أخرى لها علاقة بهذا المستوى، منها قصور منهجية المستشرقين عن استيعاب الثقافات الشفهية للشعوب المدروسة، وأثر الخيال والأساطير في تشكيلها، وقد وضع مختار الفجّاري لهذا الموضوع تقسيماً ثنائياً، فرق فيه بين مستويين من التناول عند أركون للموضوع، أوّلهما: المستوى المعرفي، وثانيهما: أطلق عليه المستوى الفكراني، أي الإيديولوجي؛ وبقدر نجاحه في تناول المستوى الأول، أحسب أنه قد أخفق في عرض المستوى الثاني، ولعلّ سبب ذلك راجع إلى تسليمه ببعض انتقادات أركون، وعدم وضعها في سياقها الحقيقي، والمثالان اللّذان قدّمهما للاستدلال على فكرانية المنهج الاستشراقي، هما محض تسليط للضوء على نقطتين جزئيتين اختلف فيهما موقف أركون عن موقف المستشرقين، الأولى توسُّلهم بالآيات التّشريعيّة للقول بتاريخية القرآن، والثانية توسّلهم بمعالجةِ الإسلامِ للبعدين الديني والدنيوي دون تفريق بينهما، لتمييزه عن غيره من الأديان. والأصل في الأمور الجزئية ألا تدخل في النّقاش النّظري أو المتعلّق بضبط حدود المنهج؛ وعلى افتراض سلامة ذلك التصنيف، فالتأمل في موقف أركون من كلتا النقطتين، يُظهِرُهُ أكثر فكرانية مما ذهب إليه المستشرقون، ودليلنا على ذلك ما يلي:

- إن البحث عن أدلة لترسيخ القول بتاريخية القرآن وإقناع الناس به، يُعدّ هَمًّا مشتركاً بين أركون والمستشرقين، وبما أنّ التوسل بالآيات التشريعية لن يُحقق الهدف المقصود إلا جزئيّاً في أحسن الأحوال، لكونها لا تمثِّل إلا عُشر آيات القرآن، رأى دعوى التاريخية من خلالها إختزالية لا تفي بالغرض، وهو موقفه ذاته من مبحث "أسباب النزول"؛ إذ عدّه أقربَ إلى التّدليس منه إلى العلم؛ لأنه هو الآخر لا يستوعب مجمل آيِ القرآن الكريم، وهو ما يقتضي تهافت القول بتاريخيته بناءا عليهما معاً؛ ولهذا اختار التوسل بأمور أشمل وأكثر استيعاباً لآي القرآن، مثل: التركيز على لغة الوحي ومحدوديتها الزمانية والمكانية، ومحدودية الوقائع المعالَجة من قِبل النص، دون إهمال لما يمكن أن تلعبه الأمور الجزئية الأخرى في الدلالة على التاريخية، مثل: قضية أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، أو القراءات القرآنية، وغيرها من القضايا الإشكالية.

- النقطة الجزئية الثانية التي أُعطيت للدلالة على فكرانية "الإسلاميات التقليدية"، هي دليل على فكرانية الفكر الناقد لها، وتتعلق –كما سبقت الإشارة إلى ذلك- بعدم فصل الخطاب الإسلامي عموما والقرآني على وجه الخصوص، بين الدين والسياسة، أو بتعبير آخر بين "الرّوحي والزّمني" كما يحبّ أركون أن يسمّيه، بدلاً من الخوض في النقاش النظري المتعلق بالفصل أو الوصل بين هاتين الذِّرْوَتَين، فضّل أركون الرجوع إلى الأحداث التاريخية، ليؤكد "بأن السلطة على مدار التاريخ الإسلامي كلّه كانت سلطة زمنيّة مضبوطة (أو موجهة) من قبل السيادة الدينية،" بمعنى أن الأصل فيها أنها زمنية، أما البُعد الدّيني والروحي فليس إلا نوعاً من "التسويغ والتبرير،" وهذا خلل منهجي كبير، كثيراً ما يقع فيه، فيحكم على الإسلام من خلال واقع المسلمين، وهما غير متطابقين بالضرورة، ومَن أراد معرفة تصور الإسلام في القضايا السياسية وغيرها، فعليه الرجوع إلى النصوص المؤسِّسة له من قرآن وسنة، لا إلى واقع الناس.

أكتفي بهذه الأمثلة التي أسّس عليها أركون انتقاده لِـ "الإسلاميات التقليدية"، بوصفها النقيض المنهجي لِـ "الإسلاميات التطبيقية"، مع ضرورة التنبيه إلى أن خصائص هذه الأخيرة وحدودها، هي خلاصة انتقاداته للأولى، تلك الانتقادات التي يمكن عدّها محاولة تجديدية أكثر جذرية للمسار الاستشراقي على المستوى المنهجي، وليست أكثر علميّة إذا أُخذ بعين الاعتبار تطبيقاتها المرتبطة أساساً بأشكلة القرآن الكريم.

خاتمة:

جميل أن نهتم بوصفها أمة تصارع من أجل الخروج من أزمة طال أمدها، بما كُتب ويُكتب حول ثقافتنا وحضارتنا وكل تاريخنا، ورائع أن ندقق النظر في الإشارات التي من شأنها أن تدفعنا إلى إعادة قراءة الأخطاء والهنات المبثوثة هنا وهناك في تراثنا، لكن الأجمل من ذلك والأروع، أن لا يدفعنا رفضنا لواقعنا إلى التنكر لماضينا، استلاباً بواقع غيرنا، وتسليماً بمواقفه منا؛ لذا، فإلى جانب المحاولات الكثيرة التي ما فتئت تُقَرّب القارئ العربي والمسلم من صورته عند الآخر، لابد من رصد أثر تلك الصورة على مُتلقيها، وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا بإعادة قراءة ما كُتب ويُكتب، استناداً على آراء غيرنا في تراثنا. وعمل كهذا، تنوء بحمله العصبة أولو القوة من الباحثين، فكيف تنهض به جهود باحث أو زمرة قليلة من المتطلعين لغد أفضل؛ فما كتب عن الاستشراق والمستشرقين من دراسات، ليس بالقليل، وفي حقول معرفية متعددة ومتشعبة؛ وليس أركون إلا نموذجاً من بين نماذج شتى تغصّ بهم السّاحة الفكرية العربية والإسلامية.

حاولنا في هذه الدراسة تسليط الضوء على المستويات الثلاثة التي تحكم علاقته بالاستشراق؛ مستوى الشعور بالمديونية تجاه ما أنتجه المستشرقون، ومستوى العتاب الذي يكاد يكون بنيوياً في علاقته بروّادهم، ثم مستوى الدعوة إلى تجاوز المنهج الاستشراقي باقتراح "الإسلاميات التطبيقية" بديلاً "للإسلاميات الكلاسيكية".

وقد أخضع البحث كل واحد من المستويات الثلاثة إلى الدراسة النقدية، التي لا مجال فيها للمواقف الاعتباطية غير المؤسسة، فلكل أن يتبنى الموقف الذي يريد، شريطة التأسيس العلمي له، وهو ما جعلنا نقف على مجموعة من الأخطاء المعرفية التي وقع فيها بعض المستشرقين، فتلقاها أركون دون تفحص، وأسَّسَ عليها عدداً من الأقوال أفضت في النهاية إلى نتائج خاطئة، ما كان له أن يقع فيها لولا الشعور القوي بالمديونية لذلك الإنتاج.

وإذا كان أركون يدعو إلى إعادة قراءة التراث الإسلامي على ضوء ما استجد من مناهج في شتى الحقول المعرفية، فلا يُقبل منه أن يستقبل أفكاراً حول هذا التراث لكونها تُخضعه للدراسة النقدية، بل لابد من تمحيص كل قول وتدقيق النظر فيه، حتى لا تكون لإعادة القراءة تلك، نتائجُ معكوسة. وإذا كنا نقول بعدم علمية الموقف الذي يدعو إلى القطيعة مع إنتاج المستشرقين جملةً وتفصيلاً، فليس أحقّ منه بالعلمية من يُشيد بكل أعمالهم مُعترفاً لهم بالجميل، وممتناً لهم على جهودهم، وإن حملت في طياتها من الهنات، ما جعل بعض المتأخرين منهم يتبرّأون مما كتبه بعض متقدّميهم!

والعلمية تقتضي الكثير من التدقيق والتفصيل، بعيدا عن الشعور بالمديونية الذي قد يفضي إلى تكبيل الحس النقدي، أو المعاتبة والتشكي المفضيين إلى تغليب الخطاب العاطفي على الخطاب العقلاني.

وبما أن المستشرقين ليسوا سواء، وبما أن إنتاجات الواحد منهم ليست على الدرجة نفسها من العلمية بالضرورة، فلا مجال للتخلي عن القراءة النقدية لكل ما أنتج من طرفهم، بغض النظر عن صاحبه، وهو المنهج الذي يجعلنا نقول في شأن تعامل محمد أركون مع ما كتبه المستشرقون، أنه بقدر عدم علميته وهو يضخم من القيمة المعرفية لجل إنتاجاتهم، ويؤسس الكثير من أفكاره وآرائه حول التراث الإسلامي على نتائج خاطئة في أبحاثهم، كان مُوَفَّقا في العديد من الانتقادات التي وجهها إلى منهجهم في التعامل مع موضوع اشتغالهم؛ أي ما يطلق عليه "الإسلاميات الكلاسيكية"، خاصة ما تعلق برفضهم لأيّ تجديد على المستوى المنهجي، وتمسّكهم بمسار أسلافهم؛ مع أن تقييمه لما يسمِّيه بـ "الحيادية الباردة" لديهم، فيه نظر، ويحتاج إلى إعادة قراءة، فما رآه أركون حيادية باردة قد يراه غيره علمية وموضوعية!

ولا ينبغي أن يُفهم مما سبق، أن دعوته لما يسمى بـ "الإسلاميات التطبيقية" بوصفها البديل المنهجي المُقترح عنده "للإسلاميات الكلاسيكية"، لا يعتريها أيّ نقص، بل عليها مؤاخذات عدّة، أبرزها التعامل مع القرآن بوصفه نصاً بشرياً، دون اعتبار لأيّ خصوصية، سواء تعلّق الأمر بمصدريّته أو بمحافظته على نصّه في لغته الأم، الشيء الذي لم يتوافر لغيره من النّصوص الدينية، ثم الإلحاح على إخضاع النص التّراثيِّ عمومًا إلى ما استجد من مناهج، مع أن كثيراً منها لم يستقم بعدُ على عوده، وبعضهما أثبت عدم نجاعته في الخروج بالنص من أزمته.

هذه إذا قراءة لإحدى تفاعلات الذات مع ما يُنتجه الآخر عنها، ساءلنا من خلالها إحدى وجهات النظر عن طبيعة علاقتها بموضوع اشتغالها، والباب مفتوح على مصراعيه لمساءلة غيرها من وجهات النظر، لنقول في النهاية: إذا لم يكن من النّباهة أن ننقطع عن العالم ونردّ عن ذواتنا أو عن غيرنا كل ما يأتينا من الغير، فليس من النّباهة أيضا أن نرتمي في أحضان الآخرين، فنأخذ ما يعطوننا ونمتنع عن طلب ما يمنعوننا، فالحضارة اختيار، والاختيار مسؤولية، فلنختر ما ينفعنا ولنرفض أن يُختار لنا.

المصدر: مجلة إسلامية المعرفة

 
أ. الحسن العباقي
تاريخ النشر:2009-10-20 الساعة 14:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 3478
مرات الطباعة: 696
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan