الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » الإسلام و الغرب » جدل حضاري

الإسلام والغرب: دعوة للتفكير بطريقة أخرى..؟

أ. فهمي هويدي

 

أصبح الاشتباك مع الإسلام وتجريح تعاليمه ورموزه صرعة الموسم في أوروبا، هذه حقيقة لا مفر من الاعتراف بها ولا تحسب لها، حتى لم يعد يمر أسبوع أو اثنان إلا وتتناقل وسائل الإعلام واقعة جديدة في مسلسل الاشتباك، الذي ظننا في البداية ـ وفهمنا ـ انه محصور في الولايات المتحدة، بسبب أحداث سبتمبر الشهيرة. وكنا وجدنا أن الموجة امتدت إلى أوروبا، واتسع نطاقها بعد التفجيرات، التي شهدتها مدريد وبعدها تفجيرات لندن، الأمر الذي غذى ظاهرة الاشتباك والتجريح، التي طالت مظاهر المسلمين وعقائدهم ومساجدهم، فمن منع للحجاب في المدارس الفرنسية إلى تحريض ضد النقاب في إنجلترا، إلى طعن في نبي الإسلام وسخرية منه في الدانمارك، إلى اتهام لعقيدة المسلمين، وتشهير بها من جانب بابا الفاتيكان، إلى غمز في التعاليم واتهام للملة في ألمانيا.. الخ، الأمر الذي غير من صورة أوروبا في إدراك العالمين العربي والإسلامي، إذ كان الاعتقاد حتى وقت قريب، أن أوروبا غير الولايات المتحدة، فهي أقرب إلى العالم العربي من الناحية الجغرافية، وبالتالي فهي أكثر فهما له وتعاطفا مع شعوبه. ثم إن سيطرة المنظمات والجماعات الصهيونية على وسائل الإعلام ومراكز البحوث في الولايات المتحدة أقوى بكثير منها في أوروبا. وفضلا عن ذلك فإن أوروبا يعيش فيها حوالي 20 مليون مسلم، في حين أن مسلمي الولايات المتحدة يتراوح عددهم بحدود 7.5 مليون، وذلك يعني أن فرص تواصل المسلمين مع أوروبا أفضل منها مع الولايات المتحدة، لكن تبين بمرور الوقت أن القرعة انتقلت من الولايات المتحدة إلى أوروبا، حتى أصابت بلدا مثل إنجلترا اشتهر بقدرته على احترام التعددية الثقافية.

ولكن هذه القدرة تراجعت خلال السنوات الأخيرة، على نحو أشاع حالة من التوتر بين المجتمع والجالية الإسلامية، التي بدأ بعض أفرادها يعانون بسبب هويتهم الدينية. وعرفت إنجلترا لأول مرة حوادث من قبيل نزع حجاب بعض السيدات في الشوارع ومنع بعض المدرسات من الاستمرار في وظائفهن بسبب الحجاب أو النقاب، والاعتداء على منشآت يملكها مسلمون (معمل لإنتاج الألبان في مدينة ويندسور جنوب شرق البلاد)... الخ. ودخل السياسيون على الخط، خصوصا بعدما دعا جاك سترو، وزير الخارجية السابق، السيدات المسلمات إلى التخلي عن النقاب، ومن ثم أصبحت الورقة الإسلامية محل لغط مشهور في الأوساط السياسية والإعلامية، وحلت بذلك محل «الورقة العرقية»، التي كانت تستأثر بالمناقشة واللغط في السابق. لم يخل الأمر من محاولات للافتعال والدس، استهدفت رفع وتيرة التوتر وتعميق أزمة الثقة، وإثارة الحساسية ضد المسلمين، فلم تثبت صحة المعلومات التي جرى الترويج لها قبل أسابيع قليلة عن «مؤامرة» دبرها بعض المسلمين في بريطانيا لتفجير بعض الطائرات في الجو، حتى اصبح مرجحا أنها من قبيل الفرقعات الإعلامية، التي أطلقت لتحقيق أهداف معينة في حينها، كما لم تثبت صحة المعلومات التي نشرتها إحدى الصحف التشيكية، من أن متطرفين إسلاميين عربا خططوا لخطف عشرات اليهود في العاصمة براغ، واحتجازهم رهائن قبل قتلهم. وغير ذلك من الأخبار التي باتت تسرب في مختلف العواصم الغربية، منوهة بخطر الوجود الإسلامي في أوروبا ومعمقة للفجوة بين الإسلام والغرب، ومن ثم قاطعة الطريق على مساعي التواصل أو التعايش بين العالم الإسلامي والدول الغربية.

ولا مفر من الاعتراف بأن هذه الحملة حققت قدرا من النجاح على أصعدة ثلاثة على الأقل، فقد حدث الشرخ في علاقة الطرفين وأصبحت الفجوة مرشحة للاتساع حينا بعد حين، وأصبح التوتر بين الجاليات الإسلامية في أوروبا ـ وأمريكا بطبيعة الحال حقيقة واقعية مستمرة ومتزايدة، وإذا استمرت الحالة على ذلك النحو فأخشى ما أخشاه أمرين، أولهما أن تتحول الفجوة إلى خصومة وقطيعة تصبح الجاليات الإسلامية المقيمة في الغرب أول ضحاياها، وثانيهما أن ينشغل العالم العربي والإسلامي بهذه المعركة المفتعلة، بحيث يتصور الناس فيه أن تناقضهم مع الغرب هو القضية، الأمر الذي يصرفهم عن التناقض الأخطر والأكثر إلحاحا المتمثل في المشروع الصهيوني بتطلعاته التوسعية والاستيطانية. وإذا كان علينا أن نعترف بالنجاح النسبي لحملة الوقيعة بين الإسلام والغرب، فان الإنصاف يقتضي منا أن نعترف بأن ممارسات بعض المسلمين ـ أخطاء كانت أم جرائم ـ أسهمت في تغذية هذه الحملة، صحيح أن التشهير بالإسلام والمسلمين في الولايات المتحدة وفي بعض الأوساط الأوروبية سابق لأحداث نيويورك ومدريد ولندن. إلا أن الجرائم التي ارتكبها بعض المسلمين في تلك البلدان وفرت غطاء مناسبا لاستمرار الحملة، وذرائع قوية للتوسع فيها. يفرض علينا الإنصاف أيضا أن نقرر بأنه إلى جانب الجهود التي بذلها في الغرب الكارهون والمتعصبون والمتآمرون والجاهلون للوقيعة ولتعميق الفجوة بين الإسلام والغرب، فلم يخل الأمر من عقلاء وأصدقاء حاولوا وضع الأمور في نصابها الصحيح، ولم يترددوا في صد رياح العداء والوقيعة، لكن المشكلة أن الأولين هم أعلى صوتا وأكثر جذبا للأضواء، فقد سمعنا كثيرا عن محاضرة بابا الفاتيكان في ألمانيا، التي أهان فيها الإسلام وشوه صورته، لكننا لم نرصد بشكل جيد عشرات الردود في الصحافة الأوروبية، التي انتقدت موقفه وردت على ادعاءاته، وكذلك مقالة مدرس الفلسفة الفرنسي، الذي هاجم الإسلام في صحيفة «الفيغارو» واتهمه بالدعوة إلى العنف، لكننا أيضا لم نتابع سيل الردود التي نشرها بعض المثقفين الفرنسيين، تفنيدا لمقولاته وردا لادعاءاته.

ورغم أنني اذكر في كل مناسبة ـ وأحيانا بغير مناسبة ـ أن الغرب ليس كل العالم، كما أن مشروعه ليس نهاية التاريخ، وان هناك شرقا يجب التواصل معه (روسيا والصين واليابان والهند مثلا)، كما أن هناك آفاقا قريبة منا ومرحبة بنا في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، أقول رغم ذلك، فإنني ازعم أننا ينبغي أن نسعى جاهدين لان نحتفظ بعلاقات قوية ومتوازنة مع الغرب.

وأضع خطا تحت كلمة «متوازنة»، التي قصدت بها ألا نضع كل البيض في سلة الغرب، وإذ ندرك جيدا التمايزات بين دول الغرب ومجتمعاته، وان نقرأ جيدا الخرائط السياسية والثقافية لكل مجتمع، على الأقل لكي نتعرف على الأصدقاء والخصوم والعقلاء، الذين يمكن التحسب لهم.

ما الذي يتعين علينا أن نفعله لكي نواجه هذه الحملة؟

كلما ألقي على هذا السؤال كنت اذكر دائما بأن علاقة اليهود بأوروبا من الناحية التاريخية اتسمت بالخصومة والمرارة والكراهية، ذلك أن الاضطهاد الذي عانى منه اليهود في أوروبا يشكل بعضا من اشد صفحات تاريخهم قتامة وتعاسة.

أشار الكاتب الإسرائيلي المعروف يوري افنيري إلى هذه الخلفية في مقاله أخيرة له، رد فيها على بابا روما، الذي ربط في محاضرته بين الإسلام والعنف، منوها بانه حيث كان اليهود يضطهدون ويسحقون بواسطة الكاثوليك في أوروبا فإنهم كانوا يلوذون بالدولة العثمانية يلتمسون فيها الآمان والسكينة. ورغم تلك الخلفية البائسة فقد نجح اليهود في تجاوز مرارات الماضي وإقناع الغربيين بأن دولة إسرائيل حليفة لهم وتشكل امتدادا لحضارتهم في المنطقة العربية، حتى لم تعد ثقافة الغرب توصف في أدبياتهم بأنها مسيحية، كما كانت في السابق، وإنما اصبح يشار إليها الان بحسبانها يهودية ومسيحية (جودير كريستيان). كنت أروي هذه القصة لأدلل على انه في السياسة ليست هناك خصومات أبدية وان المرارات يمكن تجاوزها، إذا كانت هناك رؤية استراتيجية واعية مدركة للمصالح والمقاصد العليا، ولان للعالم العربي مصلحة أكيدة في كسب الغرب ومد الجسور معه، فينبغي أن يظل شديد الحرص على ألا تصل الأمور معه إلى حد الخصومة والقطيعة، وبالتالي فينبغي أن تخضع حملة الوقيعة والتجريح الراهنة إلى دراسة معمقة تجيب عن أسئلة من قبيل ما هي الأسباب التي أدت إلى إطلاق الحملة التي تجاوزت إهانة المسلمين إلى إهانة عقائدهم؟ وما قيمة المنابر أو المواقع التي تسهم في تلك الحملة؟ وكيف يمكن تقليص الفجوة والحفاظ على جسور التواصل مع الآخرين؟ وما هي الأطراف في الغرب التي يتعين التفاهم معها استثمارا لرصيدها من الاعتدال والإنصاف؟ وما هي الثغرات التي تستفيد منها الحملة لتعميق الفجوة وإذكاء الخصومة؟

في الوقت ذاته ينبغي أن نكون واعين بحقيقة انك لكي تكون محترما ومقدرا من جانب الآخرين، فينبغي أن نقدم نموذجا جديرا للاحترام وهو ما يعني أننا يجب أن نتطلع إلى وجوهنا جيدا في مرآتنا، بحيث نتحرى عيوبنا وتشوهاتنا، ونحاول إصلاحها قبل أن نطالب الآخرين بان يروا وجه الحسن فينا. ليس عندي حل جاهز للمشكلة لكنني أدعو إلى تفكير رصين فيه يدرك النقائض والثغرات ويحتكم إلى المصالح العليا ويتجنب الاستسلام للانفعال وردود الأفعال، وفي الوقت ذاته يحاول فهم الآخرين وأعداءهم، فليس من الرصانة مثلا أن يثور العالم الإسلامي ويغضب كلما لوح فرد أو جماعة في الغرب بإساءة إلى الدين وأهله، قبل أن يقدر وزن ذلك الفرد أو الجماعة، فما أقدم عليه بابا روما ينبغي ألا يوضع على قدم المساواة مع عبث بعض الشبان في الدانمارك، وليس من الرصانة أيضا أن يثور المسلمون لان وزير خارجية بريطانيا السابق جاك سترو انتقد النقاب ودافع عن حق المسلمات في ارتداء الحجاب، في حين أن قلة من علماء المسلمين يدافعون عن النقاب (بعض الجامعات المصرية تمنعه)، هذا في الوقت الذي يمنع فيه الحجاب في بلد مسلم مثل تركيا، ويتعرض لتنديد وهجوم شديدين في بلد عربي مسلم مثل تونس.

ليس عندي اعتراض على ما يعبر به المسلمون من غضب غيرة على دينهم أو دفاعا عن كرامتهم، لكن أتمنى أن يوضع الغضب في موضعه الصحيح، وذلك عين العقل والحكمة.

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط

 
أ. فهمي هويدي
تاريخ النشر:2009-04-15 الساعة 11:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 3130
مرات الطباعة: 529
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 

 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan