الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » الإسلام و الغرب » جدل حضاري

عَوَامِلُ التأثُّر والتأثير في العلاقات الثقافية بين الشرق والغرب:العرب والألمان نموذجًا

د. علي بن إبراهيم النملة

 

إن الإشكال الذي تحاول هذه الورقة تجليته هو غلبة النظرة إلى التأثُّر بالحضارات والثقافات الأخرى على حساب النظرة إلى التأثير بالحضارات والثقافات الأخرى، في تغييب غير موضوعي ومتعمَّد أحيانًا من قبل بعض المؤرِّخين الغربيين للحضارة والثقافة وبعض المستشرقين للمؤثِّر الإسلامي المنبثق من أثر القرآن الكريم في صياغة العقلية الإسلامية، بحيث أصبحت هذه العقلية مهيَّأةً للنظر والإبداع في الكون، على اعتبار أنَّ هذا الأثر يقوم على حثِّ القرآن الكريم على النظر والاعتبار والتأمل في آفاق الكون ومكنونات النفس.

جاءت هذه الغلبة في النظرة من خلال التجاهُل الواضح للأثر الإسلامي في بناء الحضارة الإنسانية، من خلال تغييب أثر علماء المسلمين، رغم الأخذ عنهم. وهذا اتِّهام له ما يثبته في التراث العلمي الغربي للتأريخ للعلوم، حينما تُتناسى الحقبة الإسلامية التي مارست الأثر الكبير في نقل العلوم اليونانية والهندية والفارسية إلى اللغة العربية، ثم جرى نقلها إلى اللغات الأوروبية. وقد انبرى عدد من علماء تأريخ العلوم العرب والمسلمين وبعض المستشرقين لهذه المشكلة في محاولات لإعادة التركيز على الأثر الإسلامي في بناء الحضارة الإنسانية. والشواهد على هذا كثيرة.

لا تسعى هذه البحث الموجز إلى استقراء العلاقة بين الشرق والغرب التي انطلقت منذ سنة 500م أو قبل ذلك أو بعد ذلك إلى أيام الخلافة العثمانية التي شهدت علاقة خاصَّة مع الألمان، فهذا موضوع على أهميته إلا أنه واسع جدًّا. ولكنه ينتظم في خمسة مؤثِّرات رئيسية، وهناك مؤثِّرات أخرى لا تقلُّ أثرًا وتأثيرًا عن هذه المؤثِّرات الخمسة، تجسَّد فيها منحى التأثُّر والتأثير بشكل واضح، كالإعلام ووسائله والاتِّصال ووسائله والآداب والفنون والبعثات الدبلوماسية والتبادُلات التجارية وغيرها مما تجسَّدت فيه الرغبة في التأثير دون التأثُّر، كالحملات التنصيرية داخل المجتمعات المسلمة خاصَّةً(1). تلك الحملات التي لم تخلُ من قدر يسير جدًّا قد لا يُذكر من التأثُّر أو التأثير المعاكس غير المرغوب فيه من الجمعيات التنصيرية وغير المقصود من قيادات التنصير والمنصِّرين أنفسهم(2).

المؤثِّر الأوَّل: العلاقات الحضارية

يتردَّد كثيرًا في أدبيات الاتِّصال بين الشرق والغرب انطلاقته من بين الحروب الصليبية والهيمنة الغربية على الشرق، من خلال الاستعمار الذي دام قرونًا، تخلَّلته حركات جهاد ومقاومة عربية وإسلامية ضدَّ الوجود الأوروبِّي في البلاد المستعمَرة. ألقى هذا الأسلوب بظلاله على هذه العلاقات إلى اليوم، بحيث لا تكاد تقف على منتج فكري، غربيًّا كان أم شرقيًّا، إلا ويعطي هذه الفترة اهتمامًا في تأثير الشرق على الغرب، ثم تأثير الغرب على الشرق.

تأخذ هذه الإسهامات طابع التعميم على الغرب، بما في ذلك ألمانيا التي لم يتَّضح منها أنها مارست دورًا واضحًا في الحروب الصليبية أو في حقبة الاستعمار. أدَّى هذا إلى أنْ تكون العلاقة الشرقية بالألمان ذات طابع يتميَّز عن بقية دول أوروبَّا الغربية. فهي علاقات حضارية تبادُلية أكثر من كونها علاقة توجُّس بين غالب ومغلوب، كما هو الإحساس عليه مع بقية دول أوروبَّا الغربية.

كانت العلاقات بين الألمان والعرب والمسلمين تكامُليةً لأنَّها نظرت إلى أنَّ الأصل في بناء الحضارات هو المشاركةُ في جهود البناء وعمارة الدنيا بالفكر والعلم والجسم. ويؤكِّد تاريخ الحضارات أنَّ مسألة الاستعانة بإمكانات الأمم المتعاصرة كان ديدنًا في بناء الحضارات، بحيث يتعذَّر حصر بناء الحضارات على أمَّة أو شعب دون مساعدة بشكل من الأشكال من أمم وشعوب أخرى معاصرة لها أو سابقة عليها(3).

الحضارة الإسلامية في قرونها الأولى لم تُغفل هذا البُعد، فاستأنست بمفهوم التعارُف بين الشعوب، واستعانت بالحضارات المجاورة المعاصرة والسابقة، لاسيَّما في علوم الدنيا، وربَّما تخطَّت العلاقة الاستعانة إلى النظر في التحالُف الحضاري(4). وليس هذا مجالَ الاستشهاد وتعداد صنوف هذه الاستعانة، مما هو مبثوث في كتب تاريخ العلوم عند العرب(5).

والحضارة المعاصرة المتمثِِّلة بالثورة الصناعية التي انتقلت إلى الغرب لم تنشأ دون التأثُّر والاستعانة بالحضارات والأمم الأخرى، ومنها الحضارة والأمَّة الإسلامية. ولا عبرةَ لتجاهُل بعض مؤرِّخي العلوم الغربيين لهذا العامل المهمَّ في التأثُّر والتأثير، ورغم أنَّ بعض مناهج التعليم العام في المدارس الأوروبية، وبعض الإسهامات الاستشراقية، قد تعمَّدت تجاوز الحضارة الإسلامية في التأثير، وسعت إلى حصر الحضارة في أوروبَّا من اليونان إلى أقصى الغرب.

ينقل جون إم. هوبسون عن إريك وولف قوله: «لقد علَّمونا داخل الفصول الدراسية وخارجها أنه يوجد كيان يسمَّى الغرب، وأننا يمكن أن نفكِّر في هذا الغرب بصفته مجتمعًا وحضارة مستقلَّةً عن مجتمعات وحضارات أخرى [مثل الشرق] ومعارضةٍ لها»(6). ولا تُعدم وجود لمسات إسلامية، ووجود مسلمين وموارد طبيعية جاءت من الشرق وأسهمت في بناء هذه الحضارة الصناعية، من الخبرات إلى الحرفيين والموادِّ الخام، بحيث كوَّن المسلمون من أصول ولغاتٍ مختلفة وجودًا ظاهرًا في الحياة الغربية. «فلم يمهِّد الغرب لنهضته بشكلٍ مستقلٍّ عن المساهمة الشرقية، حيث لم يكُن ممكنًا أنْ يحقِّق نهضته دون مشاركة الشرق»(7).

يجسَّد الشاعر الألماني الشهير ولفجانج جوته (1749 ــ 1832م). هذا الشعور بقوله: «إنَّ الشرق والغرب لله وليس لهما أنْ يفترقا بعد الآن»(8).

بل إنه يذهب إلى أكثر من ذلك في موقفه المنصف من الإسلام وحضارته حينما يتغنَّى بالإسلام بقوله: إنْ يكُ الإسلام معناه القنوت فعلى الإسلام نحيا ونموت(9).

المؤثِّر الثاني: البعثات التعليمية

حيث انتقلت الحضارة إلى الغرب تبعها الناس ينهلون من معطياتها، فتحوَّلت البعثات العلمية إلى أوروبَّا. ولم تكن هذه البعثات تأخذ طابع التأثُّر فقط، بل إنها مارست مهمَّة التأثير التلقائي، لاسيَّما أنَّ انتقال الحضارة إلى الغرب قد ووجه بنمط من أنماط الرفض من قبل بعض الفئات المتطرِّفة في الغرب نفسه، فكان هناك تصادُم بين الكنيسة والعلم، فبرز أثر البعثات التعليمية في التخفيف من هذا التصادُم، بما في ذلك أثر الطلبة المسلمين الذين تلقَّوا علومهم على علماء الغرب، وكوَّنوا رغم وجودهم المؤقَّت جسرًا للتعارُف بين الشعوب من خلال أوجه النشاط العلمية والثقافية والاجتماعية التي كانوا يقومون بها في المجتمع الغربي. فكانوا على العموم مثالاً لحسن الخُلُق من خلال التلقِّي غير المشروط للعلوم، ومن خلال السلوكيات والنظرة الجادَّة للكون، وإنْ لم يخلُ بعضهم من تأثُّر بالنمط اللهوي الغربي للحياة.

هذا الموضوع يحتاج إلى بحث علمي يركِّز على مدى أثر البعثات التعليمية الإسلامية إلى الغرب وتأثيرها الإيجابي في رحلة التعارُف بين الأمم(10)، سواءٌ ذهب هؤلاء الطلبة لدراسة العلوم الإسلامية والعربية في المراكز والمعاهد الاستشراقية(11)، لاسيَّما بعد الحرب العالمية الثانية (1939 ــ 1945م) حيث تدفَّق مجموعة من الطلبة العرب والمسلمين، ومنهم من بقي يدرِّس في هذه المراكز أو يعمل(12)، ومنهم من عاد لتطبيق المنهج الاستشراقي في دراسة العلوم الإسلامية والعربية(13)، أم ذهبوا بوجه أوسع لدراسة تخصُّصات علمية تطبيقية وبحتة تحتاجها البلاد الإسلامية التي بعثتهم لها. وهؤلاء هم الكثرة الذين بسطوا بتلقائيتهم قدرًا لا يُستهان به من تجسير الفجوة في العلاقات الفكرية بين الشرق والغرب، وإنْ لم ينووا الإقامة الدائمة في الغرب، إلا أنَّ وجودهم ترك أثرًا إيجابيًا على العموم في تجسير هذه العلاقة، وإنْ لم يخلُ وجود بعضهم من قابليتهم للتأثُّر بالنزعة المادية في النظرة للحياة، ومن ثمَّ تأثُّر البعد الروحاني سلبًا لديهم، لما تلقَّوه بطرق غير مباشرة من وجود فجوة ذهنية بين العلم والروحانيات في الثقافة الغربية، فعاد بعضهم ليبثَّ المنهج المعلمن في إدارة الحياة.

وهذا موريس بوكاي يحذِّر من أنْ يسري هذا التأثُّر بين الطلبة المسلمين الذين يدرسون في الغرب، يقول: «كانت البلاد المسيحية، في تلك الفترة من القرون الوسطى، في ركود وتزمُّت مطلق، توقَّف البحث العلمي، ليس بسبب التوراة والإنجيل وإنَّما، وعلينا أنْ نكرِّر ذلك، بأيدي هؤلاء الذين كانوا يدَّعون أنهم خدَّام التوراة والإنجيل. وبعد عصر النهضة في أوربَّا كان ردُّ الفعل الطبيعي أنْ يأخذ العلماء بثأرهم من منافس الأمس. وهذا الثأر مستمرُّ حتَّى اليوم لدرجة أنَّ التحدُّث حاليًا في الغرب عن الله في الأوساط العلمية يعتبر فعلاً علامة الرغبة في التفرُّد. ولهذا الموقف تأثيره السيِّئ على العقول الشابَّة (والمسلمة منها أيضًا) التي تتلقَّى تعليمنا الجامعي»(14).

وتؤكِّد آمال قرامي في هذا المقام على أنَّه «لا مناص من القول إنْ البعثات الدراسية إلى الخارج يسَّرت عملية اندماج المسلم في المدنية الغربية، ومكَّنته من الاطلاع على ديانات مختلفة وحضارات متعدِّدة، وأكسبته شيئًا من أساليب الحياة الغربية، ومن الاتِّجاه الغربي في التفكير والعلم والسلوك وما إلى ذلك. ومن ثمَّة صار "الارتداد" ممكنًا، خاصَّة إذا علمنا أنَّ المبشِّرين كانوا حريصين على تتبُّع أحوال هؤلاء الطلبة واستغلال حالة الوحدة والعوز التي يعاني منها أكثرُهم لفائدة تحقيق أغراض التبشير»(15). ويكاد معظم الطلبة "الأجانب" كما يسمُّونهم، من مسلمين وغير مسلمين، يتعرَّضون لشكل من أشكال التنصير في المواسم الدينية وفي غيرها.

يؤيِّد المستشرق ولفرد كانتول سميث الطبيب الفرنسي موريس بوكاي وآمال قرامي في هذا المنحى التأثُّري في كتاب له بعنوان: الإسلام في التاريخ الحديث، حيث يقول: «وقد سافر كثير من الشباب المسلم إلى الغرب، واطَّلعوا على روح أوروبا وقيمها، وأعجبوا بها إلى أبعد حدٍّ. وينطبق هذا بخاصَّة على الطلاب الذين درسوا في جامعات أوروبا بعدد لم يزل يزداد مع الأيَّام، وهم الذين سبَّبوا استيراد كثير من أفكار الغرب وقيمه إلى العالم الإسلامي ... وكان مما صدّره الغرب إلى العالم الإسلامي تلك الأفكار المتعدِّدة والاتجاهات العقلية الدقيقة الفجَّة والميول الحديثة التي كان في نشرها أوفر نصيب لنمط التعليم الغربي، ويفوقها في ذلك تأثير معاهد الغرب الحقوقية والسياسية والاجتماعية ونفوذها الزائد ... وهكذا أثـّرت عملية التغريب بسرعة وقوة بالغتين»(16).

المهمُّ هنا هو التنبُّه إلى عدم الانقياد إلى ردِّ الفعل بمقاومة التقدُّم العلمي باسم الحفاظ على القيم الإسلامية، وتلك محاولة لإبقاء الشباب العربي المسلم عالةً على هذا الانفصام بين الدين والعلم(17)، بحيث يصبح هؤلاء الشباب في منأى عن ربط العلم بالدين كما ربطه به الإسلام.

المؤثِّر الثالث: الجاليات المسلمة

عاملٌ آخرُ مؤثِّر في تحسين الصورة العربية الإسلامية في الغرب هو تأثُّر الجاليات المسلمة العاملة في أوروبا وأمريكا وتأثيرها، وإنْ كان يغلب على الجالية العربية والإسلامية (المسلمون الروس والأتراك والبلقانيون والمغاربة في ألمانيا وهولندا والهنود والباكستانيون في بريطانيا ومواطنو شمال أفريقيا في فرنسا، وخليط متنوِّع من الكل في أمريكا(18)، التي يُذكر أنها شهدت هجرات مسلمين من الأندلُس قبل اكتشاف كريستوفر كولومبُس لها) (19).

يغلب على هؤلاء العرب والمسلمين في بدايات هجراتهم لأوروبَّا أنهم كانوا عاملين حرفيين متكسِّبين لقمةَ العيش، مهاجرين طلبًا للاستقرار الاقتصادي، لاسيَّما في الغرب الأوسط أو أوروبا الغربية، إلا أنَّ جيلاً من أولادهم نما في الغرب الأوسط وتعلَّم في المدارس الغربية، وأفاد من الإمكانات ونظم التعليم العام والعالي، دون أنْ يفرِّط في هويته الإسلامية(20)، مما أدَّى إلى تطوير التعليم الإسلامي في التعليم العام والجامعي الأوروبي(21). فظهر من أصلاب هؤلاء العاملين البسطاء جيلٌ عالمون.

بدأ هذا الجيل المتعلِّم المتشبِّع بالأسلوب الغربي في التعايُش يدخل "معتركات" الحياة الغربية بثقل وشخصية تختلف نوعًا ما عن شخصية الرجل الأبيض ذات الأبعاد العرقية، مما يعني أنَّ هناك نزوعًا للتزاوج الثقافي والاجتماعي الذي يسهم في التقليص من الفجوة العرقية، فبرز تأثير هذا الجيل ثقافيًّا، مما أدَّى إلى النظر في هذا الوضع الذي قد يهدِّد الثقافة الغربية نفسها، فانبرتِ بعض الرؤى الغربية التي تسعى إلى إعادة تهجير الجاليات، لاسيَّما الإسلامية منها المقدور على تهجيرها؛ حمايةً للثقافة الغربية من سيطرة الثقافة الإسلامية عليها، في ضوء تنامي الجاليات المسلمة في الغربين الأوسط والأقصى، وارتفاع المآذن وعمارة المساجد والمراكز الإسلامية والمؤسَّسات الاجتماعية والتربوية والتعليمية، والسعي إلى إيجاد بيئة إسلامية للأفراح والأتراح.

يؤدِّي هذا الاندماج إلى ترسيخ القيم الإسلامية في بلاد المهجر، لا من حيث الممارسات الخاصة فحسب، بل من حيث العلاقات مع الآخرين من منطلق إضافة الإسلام «إلى رصيد العدالة العالمية بعض الحماية من جحيم فساد البشر الأخلاقي؛ فمن الناحية التاريخية كان الدين والحضارة يقاومان قوىً أسهمت في أسوأ ما شهده القرن العشرون من البربرية لبعض الفترات: العنصرية والإبادة الجماعية والعنف داخل المجتمع»(22).

كما يؤدِّي هذا الاندماج إلى تسنُّم المسلمين مستويات عملية وعلمية وتقنية وفنية وأكاديمية فرضت وجودها في المجتمعات الغربية(23)، ويتعذَّر تهجيرها من الغرب، ناهيك عن فكرة التعقيم التي سعت بعض الدول الأوروبية إلى ممارستها على الغجر والفقراء، عملاً بنظرية تنظيف العرق الأبيض من مورِّثات التخلُّف الصحِّي أو العقلي(24)، لاسيَّما أنَّ الدين الإسلامي أصبح هو الديانة الثانية في الغرب الأوسط أو أوروبَّا الغربية(25).

لم يعُد «من المتخيِّل أبدًا أنْ يشهد وجود الإسلام في الغرب تراجُعًا ما، فلا يمكن إلغاء هجرة العمالة الوافدة من المسلمين إلى أوروبا، ولا وقف هجرة الأكاديميين المسلمين إلى أمريكا الشمالية، ولا تعطيل استجابة الأعداد الغفيرة من الأفروأمريكيين لدعوة الإسلام واعتناقهم إيَّاه»(26).

هذا بالإضافة إلى الرأي القائل بأنَّ توجُّه أوروبَّا للشرق الإسلامي من حيث التأثُّر بالقيم الإسلامية حقيقة قادمة وقدر محتوم، الأمر الذي لا ينبغي أخذه بسطحية(27)، رغم حملات التطهير العرقي في يوغوسلافيا السابقة(28)، في الوقت الذي تشهد فيه الأجناس الأوروبية، خصوصًا في الغرب الأوسط، تضاؤلاً في التكاثُر وانحدار معدَّل الإنجاب إلى 1.2% في معظم أوروبا الغربية، ممَّا ينذر بتقلُّص هذه الأجناس ديموغرافيًّا في هذه البقعة من العالم، إذ إنَّ الحدَّ الأدنى للبقاء لا ينبغي أنْ ينقُص عن 2.1%، وكما يشخِّص ذلك باتريك ج. بوكانن في كتابه موت الغرب(29).

ليس المراد هنا ما تردَّد من أفول الغرب، إذ إنَّ بعض المفكِّرين يرى في إطلاق هذا المفهوم ترجمة لأمانٍ عند البعض (wishful thinking) أو ترجمة لنظرة تشاؤمية عند آخرين، فالغرب يزداد بالتغريب، أي بالتوسُّع في الانتماء للغرب، لاسيَّما مع انتهاء الاتِّحاد السوفييتي وسعي كثير من دول الاتِّحاد السوفييتي السابق ودول البلقان إلى الانضواء تحت مفهومات الثقافة الغربية، بما في ذلك التسابُق في الدخول في منظومة الاتِّحاد الأوروبِّي، خلافًا لمن قال بأفول الغرب تأسِّيًا بشبنغلر الذي يبدو أنه متشائم من أفول الثقافة الغربية لا الحضارة الغربية، وربَّما وافقه على ذلك كلٌّ من كروشه وبرغسون وتوينبي(30).

على أنَّ رؤية بوكانن لا تنطلق من مفهوم فلسفي إنشائي توقُّعي، بل إنَّها تنظر إلى هذا الموضوع نظرة ديموغرافية مشبعة بالبيانات والإحصائيات والحقائق.

ولا تنتهي هذه الفقرة دون التعريج على احتمال وجود جالية عربية مسلمة في الغرب ذات قسط من الثقافة ذات النزعة الليبرالية أو الماركسية. «هؤلاء المسلمون المثقَّفون يستغلُّون المصداقية التي يحظون بها في وسائل الإعلام الغربي للدعاية لما يسمَّى بالإسلام الأوربِّي Euro-Islam، وهو قليل من الإسلام كثير من الأوربِّي. هؤلاء المثقَّفون يجعلون المسلمين النشيطين الآخرين يظهرون بمظهر المتطرِّفين»(31).

«هذا الأمر يؤدِّي دومًا إلى أسئلة من قبيل: لماذا لا تستطيعون أن تكونوا مثل هؤلاء المثقَّفين؟ فهم لا يريدون بناء مساجد, ولا يحجُّون، ولا يصلُّون دومًا، كما أنهم يتناولون الخمر، ويسمحون لنسائهم بالخروج مكشوفات الأذرع، أوَليسوا هم مسلمين؟»(32).

كما لا تنتهي هذه الفقرة دون التعريج على فئة من المسلمين القلقين الذين وجودوا في الغرب مأوىً لهم، بعد أن ضيَّقت عليهم بلدانهم بحقٍّ أو دون وجه حقٍّ. ويغلب عليهم الغلو في الدين وإظهار المعارضة لأوطانهم الأم، فتتلقَّفهم دول الغرب بحُجج مختلفة، منها استخدام أسلوب حقَّ اللجوء السياسي أو حقوق الإنسان، فيسيء هؤلاء إلى الإسلام وإلى بلاد الإسلام، بل ربَّما كان فهمهم للدين قاصرًا، ويسيئون كذلك إلى ثقافة البلاد التي آوتهم، ويتصرَّفون بتصرُّفات طاردة عن الدين، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، ويكوِّنون لهم أتباعًا من الجاليات الإسلامية ومن الداخلين الجدد في الإسلام، حتَّى إذا ما ظهر عليهم ما يهدِّد الأمن الوطني، أو استنُزفوا كورقة تهديد تستخدم ضدَّ بلدانهم، انقلبت عليهم البلاد التي آوتهم، وصادرت مقتنياتهم الوثائقية والمالية، واحتجزتهم أو طلبت منهم المغادرة إلى أي مكان يرتضونه، فيتبيَّن لهم الأمر بعد فوات الأوان.

هذه الفئة من المسلمين ممن يعيشون في الغرب لا تعين على صناعة الوئام, ولا تستغلُّ وجودَها في الغرب لتعمل على تقوية مقوِّمات الالتقاء بين الثقافات، بل ربَّما أساءت إلى ثقافتها والثقافة التي آوتها بلدانُها، فأعانت غيرها على تقديم صورةٍ مشوَّهة عن الإسلام والمسلمين، فكانت، دون قصد مباشر منها، عاملاً من عوامل صناعة الكراهية. ونماذج هذه الفئة في البلاد الغربية كثيرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر: كارل ألبان. المدرسة الألمانية الإنجيلية الثانوية بالقاهرة اليوم. ــ ص 529 ــ 542. ــ في: ألمانيا والعالم العربي: دراسات تتناول الصلات الثقافية والعلمية والفنية بين الألمان والعرب منذ أقدم العصور إلى أيامنا هذه/ حقَّقه بالألمانية هانس روبرت رويمر، ونقله إلى العربية مصطفى ماهر وكمال رضوان. ــ بيروت: دار صادر، 1974م. ــ 646 ص.

(2) انظر بعضًا من صور تأثُّر المنصِّرين بالإسلام بما في ذلك شكوى القيادات التنصيرية من إسلام بعض المنصِّرين الميدانيين في أدبيات التنصير، ومنها: علي بن إبراهيم النملة. التنصير: مفهومه وأهدافه ووسائله وسبل مواجهته. ــ ط 4. ــ الرياض: المؤلف، 1426هـ/2005م. ــ 248 ص.

(3) انظر: عبد الرحمن بدوي. دور العرب في تكوين الفكر الأوروبِّي.ـ القاهرة: مكتبة الأسرة، 2004م.ـ 256 ص.

(4) دعا رئيس وزراء إسبانيا ثاباتيرو سنة 1424هـ/2004م إلى التحالُف الحضاري من خلال قيام منتدى الحالُف وأيده عليه رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي عليه، وتبنَّت الأمم المتَّحدة هذه الدعوة. وعقد اللقاء الثاني للمنتدى في محرَّم 1429هـ/يناير 2008م.

(5) انظر: علي بن إبراهيم النملة. النقل والترجمة في الحضارة الإسلامية.ـ ط 3.ـ الرياض: مكتبة الملك فهد الوطنية، 1427هـ/2006م.ـ 204 ص.

(6) انظر: جون إم هوبسون. الجذور الشرقية للحضارة الغربية/ ترجمة منال قابيل.ـ القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 1427هـ/2006م.ـ ص 12.

(7) انظر: جون إم هوبسون. الجذور الشرقية للحضارة الغربية.ـ المرجع السابق.ـ ص 13.

(8) انظر: حسن الأمراني. أيُّها الغرب أين مشرقك؟.ـ ص 116.ـ في: مصطفى سلوي. الخطاب الاستشراقي في أفق العولمة: يوم دراسي.ـ وجدة: جامعة محمد الأول، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2003م.ـ 166 ص.

(9) صاغت هذا البيت آنا ماري شمِّل في مقدِّمتها لكتاب: مراد هوفمان. الإسلام كبديل.ـ الكويت: مجلَّة النور، 1413هـ/1993م.ـ ص 18. وانظر العبارة بصيغة أخرى: «إننا أجمعين، نحيا ونموت مسلمين». في الفصل الثاني: جوته والإسلام: العلاقة بالإسلام الأسس العقلية والتاريخية.ـ ص 177 ـ 323.ـ في: كاتارينا مومزن. جوته والعالم العربي/ ترجمة عدنان عبَّاس علي، مراجعة عبدالغفَّار مكاري.ـ الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1415هـ/ 1995م.ـ 386 ص.ـ (سلسلة عالم المعرفة؛ 194).

(10) حذَر بعض الذين كتبوا في هذا المجال من تأثُّر الطلبة المسلمين بالمادِّية الغربية، على حساب النظرة المتوازنة بين المادَّة والروح. وكانت هذا التوازُن هو الرسالة التي حملها الطلبة المسلمون إلى الغرب. وقليلٌ منهم من عاد إلى وطنه وهو خلو من هذه النظرة المتوازنة.

(11) تتمُّ استعانة المستشرقين الجدد بأطقم مدرَّبة جيِّدا من المثقَّفين العرب والمسلمين، الأمر الذي لم يكن وافرًا بهذا الوضوح مع الاستشراق التقليدي الذي استعان بنخب غربية أوروبية وأمريكية. انظر: فاضل الربيعي. ما بعد الاستشراق: الغزو الأمريكي للعراق وعودة الكولونياليات البيضاء.ـ مرجع سابق.ـ ص 25.

(12) انظر. ميشال جحا. الدراسات العربية والإسلامية في ألمانيا في القرن العشرين.ـ الاستشراق.ـ ع 3 (1989م).ـ ص 101 ـ 112.ـ (سلسلة الثقافة المقارنة).

(13) العلاقة المباشرة بين الاستشراق وعلماء الإسلام والعربية لم تكن مقصورةً على هذا النوع من التلقِّي، بل إنَّها بدأت بشيء من الندِّية من خلال مؤسَّسات علمية وتعليمية غربية وشرقية. انظر: سمير قصير. تعليق/ ترجمة محمد صبح.ـ ص 107 ـ 113.ـ في: يوسف كرباج ومنفرد كروب، مشرفان. تأمُّلات في الشرق.ـ مرجع سابق.ـ 140 ص.

(14) انظر: موريس بوكاي. دراسة الكتب المقدَّسة في ضوء المعارف الحديثة.ـ القاهرة: دار المعارف، 1978م.ـ ص 141.Maurice Bucaille. The Bible the Qur'an and Science. – Translated from French by: Alastair D. Pannell and the Author.- Indianapolis: North American Trust, 1978.- p 117.

(15) انظر: آمال قرامي. قضية الردة في الفكر الإسلامي الحديث.ـ تونس: الجنوب، 1996م.ـ ص 49.

(16) نقلاً عن محمد خليفة حسن. أزمة الاستشراق الحديث والمعاصر.ـ الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1421هـ/ 2000م.ـ ص 345 ـ 346.

(17) انظر: فرانسوا دي بلوا. في نقد المستشرقين/ ترجمة رضوان السيِّد.ـ الفكر العربي.ـ مج 5 ع 32 (نيسان (إبريل) ـ حزيران (يونيو) 1983م.ـ ص 145 ـ 151.

(18) انظر: صلاح عبدالرزَّاق. المفكِّرون الغربيون المسلمون: دوافع اعتناقهم الإسلام.ـ 2 ج.ـ بيروت: دار الهادي، 1426هـ/2005م..ـ 2: 269.

(19) انظر: عثمان أبو زيد عثمان ومحمد وقيع الله أحمد. الوجود الإسلامي في أمريكا: الواقع والأمل.ـ مكَّة المكرَّمة: رابطة العالم الإسلامي، 1426هـ.ـ 146 ص.ـ (سلسلة دعوة الحقِّ؛ 212).

(20) انظر: فريتس شتيبات. الإسلام شريكًا: دراسات عن الإسلام والمسلمين/ ترجمة عبدالغفَّار مكَّاوي.ـ الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1425هـ/ 2004م.ـ ص 115 ـ 117.ـ (سلسلة عالم المعرفة؛ 302).

(21) انظر: شتيفان رايشموت. خطابات الاستشراق؟ موقع الدراسات الإسلامية والشرقية في ألمانيا اليوم/ ترجمة عدنان حسن.ـ ص 93 ـ 105.ـ في: يوسف كرباج ومنفرد كروب، مشرفان. تأمُّلات في الشرق.ـ مرجع سابق.ـ 140 ص.

(22) انظر: علي الأمين المزروعي. القيم الإسلامية والقيم الغربية.ـ أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، د. ت.ـ ص 18.ـ (سلسلة دراسات عالمية؛ 21).

(23) يذكر علاَّل سيناصر أنَّ بعض الدراسات الاجتماعية قد أثبتت أنَّ قدرة الغرباء على العطاء تكون في أقوى صورها إذا كان هؤلاء الغرباء على معرفة جيِّدة بثقافة بلدهم الأصلي. انظر: سعيد اللاوندي. الإسلاموفوبيا: لماذا يخاف الغرب من الإسلام؟.ـ مرجع سابق.ـ ص 283.

(24) مورس التعقيم فعلاً بين سنتي 1935 ـ 1976 في الدول الاسكندنافية، وتناولت عمليات التعقيم ستين ألف (60.000) شخص. انظر: محمد السماك. موقع الإسلام في صراع الحضارات والنظام العالمي الجديد.ـ ط 2.ـ بيروت: دار النفائس، 1420هـ/1999م.ـ ص 316).

(25) انظر: صلاح عبدالرزَّاق. المفكِّرون الغربيون المسلمون: دوافع اعتناقهم الإسلام.ـ مرجع سابق.ـ 2: 269 ـ 270.

(26) انظر: مراد هوفمان. الإسلام في الألفية الثالثة: ديانة في صعود/ تعريب عادل المعلِّم ويس إبراهيم.ـ القاهرة: مكتبة الشروق، 1421هـ/ 2001م.ـ ص 198.

(27) انظر: زيغريد هونكه. التوجُّه الأوروبِّي إلى العرب والإسلام حقيقة قادمة وقدر محتوم.ـ مرجع سابق.ـ 295 ص.

(28) انظر: جاك غودي. أوروبا والإسلام.ـ بيروت: دار عويدات، 2005م.ـ .

(29) انظر: باتريك ج. بوكانن. موت الغرب: أثر شيخوخة السكَّان وموتهم وغزوات المهاجرين على الغرب/ نقله إلى العربية: محمد محمود التوبة.ـ راجعه: محمد بن حامد الأحمري.ـ الرياض: مكتبة العبيكان, 1425هـ/ 2005م.ـ 529 ص.

(30) انظر: جورج طرابيشي. ازدواجية العقل: دراسة تحليلية نفسية لكتابات حسن حنفي.ـ دمشق: دار بترا، 2005م.ـ 145 ـ 152. (سلسلة المرض بالغرب؛ 2).

(31) انظر: صلاح عبدالرزَّاق. المفكِّرون الغربيون المسلمون: دوافع اعتناقهم الإسلام.ـ مرجع سابق.ـ 2: 268.

(32) انظر: مراد هوفمان. الإسلام في الألفية الثالثة: ديانة في صعود.ـ مرجع سابق.ـ ص 206. 

 
د. علي بن إبراهيم النملة
تاريخ النشر:2009-08-01 الساعة 12:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 2286
مرات الطباعة: 554
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan