الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » الإسلام و الغرب » جدل حضاري

الحوار الإسلامي مع الأديان التوحيدية الأخرى.. الخلفيات والآفاق

أ. عبد الملك منصور حسن المصعبي

 

لا يكاد يمر يوم إلا تحمل لنا الأحداث الجارية في الساحة الدولية نذر صدام ديني وحضاري بين ما يدعى بالثقافة اليهودية – المسيحية الغربية – والثقافة العربية – الإسلامية –. فنقاط التماس كثيرة، وإلى درجة أن الكاتب الأمريكي صامويل هانتغتون قال بأن حدود الإسلام المختلفة " دامية ".

فمن هذه الساحات: المعترك الفلسطيني حيث الصراع العربي – الصهيوني يقدم خطأ في الإعلام الغربي وكأنه صراع بين اليهودية والإسلام. ولقد استطاعت إسرائيل أن توظف هذه الصورة الزائفة لاستمالة دعم الشعوب اليهودية في العالم وبعض الطوائف المسيحية في أمريكا.

و من هذه الساحات الحروب الأهلية في السودان وفي بعض مناطق إفريقيا مثل ساحل العاج وإرتريا ونيجيريا.. حيث تطرح العلاقة بين الديانتين المسلمة والمسيحية إشكالات حادة.

و بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، نشطت بعض المجموعات المتطرفة في الولايات المتحدة الأمريكية ضد الإسلام والمسلمين رابطة خطأ بين الإسلام والإرهاب، من منظور كون الإسلام يدعو للتعصب والكراهية والعنف.

و في منطقتنا كررت بعض الأصوات المتشددة مقولات مماثلة، ومعتبرة اختلال الموازين في التعامل مع القضايا العربية والإسلامية العادلة عدوانا صليبيا وحربا ضد الإسلام.

إن هذا الوضع المتأزم الذي تدفعه التيارات المتطرفة من الجانبين للإنفجار يستدعي من العقلاء المنصفين من الديانات السماوية الثلاث الوقوف بحزم ضد الغلو والتشدد والإرهاب، بتوظيف قيم السلم والتسامح التي تزخر به النصوص المقدسة. وسنقدم في هذه السطور مساهمة مختصرة في تأصيل رؤية الإسلام للحوار مع الديانات الأخرى، منطلقين من خلفية هذا الحوار، منتهين إلى إبراز آفاقه المستقبلية.

1- خلفيات رؤية الإسلام للحوار مع الديانات الأخرى

إن الإسلام هو دون شك دين قائم على الحوار بمعانيه المختلفة، ومستوياته المتباينة المتعددة.

فهو بداية حوار بين الله جل جلاله والإنسان، لإقناعه بالاستجابة لنداء الوحي والهداية. فليس الإيمان انصياعا بالإكراه بل نتيجة اقتناع بآيات التنزيل التي توجه نظر الإنسان إلى أدلة الخلق وعبر التاريخ وحالات النفس الإنسانية. وهو حوار مع المشرك الذي يؤمن بتعدد الآلهة وعبادة الأصنام لإقناعه عقليا وشعوريا بمبدأ التوحيد والتنزيه المطلق للذات الإلهية.

وهو حوار مع الدهري الملحد الذي لا يؤمن بدين ولا معاد ولا رسالة لاستمالته لطمأنينة اليقين ونور النبوة وبراهين التوحيد.

وهو حوار من داخل الدائرة الإبراهيمية مع أهل الكتاب الذين يشكل امتدادا لهم وختما لرسالتهم التي تمهد له وتؤكده وتدل عليه.

فمن الجلي أن القرآن الكريم عندما يتحدث عن اليهودية والمسيحية لا يتحدث عن ديانات غريبة، بل يعتبرها تعبيرات مختلفة عن نفس الدين الإلهي الذي هو الإسلام من حيث هو تسليم لله وتوحيد له، ولذا أطلق صفة المسلم على النبي إبراهيم، عليه السلام، واعتبر مختلف أنبياء التوحيد مسلمين.

فالفرق بين الإسلام والديانتين الإبراهيميتين الأخريتين لا يتعلق بطبيعة العقيدة أو القيم أو الرؤية، بل في بعض الجزئيات التي اقتضتها تحولات الزمن واعتبارات التاريخ. فالإسلام هو دين اكتمال المسار الإبراهيمي، وبذا كان لا بد أن يتسم بالمرونة والانفتاح واليسر ليستوعب اختلاف السياقات المكانية والزمانية. فهو، لهذا السبب، دين يقوم على احترام الاختلاف والتعددية وقبول حرية الرأي والعقيدة.

فالتنوع مطلوب حسب نص القرآن الكريم، وهو من آيات الخلق السامية، كما في قوله تعالى )وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ( (سورة الروم).

فليس من هدف الإسلام حمل الناس على ملة واحدة أو عقيدة مشتركة، بل إن اختلافهم مطلوب مقصود )وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ( ( سورة هود ).

و يبين القرآن الكريم الحكمة من الاختلاف بأنها (التعارف) و(التعاون على البر والتقوى) و(التسابق إلى الخير)، بما فصلته الآيات الكريمة

و لهذا السبب أعلن الإسلام حرية العقيدة ونبذ الإكراه في الدين ووضع ضوابط دقيقة لتعميق خط التفاعل والتعارف بين بني البشر الذين يتفقون في أصولهم وعمود نسبهم (كلكم لآدم وآدم من تراب)، كما يتفقون في قدراتهم المعرفية والعقلية والروحية، ولا يتمايزون إلا بسلوكهم الأخلاقي وميزاتهم الروحية المكتسبة المتاحة لجميع الناس.

و عندما يتحدث القرآن الكريم عن العائلة الإبراهيمية يحرص على عبارات التعظيم والتمجيد، مبرزا فضل أنبياء بني إسرائيل مكثرا من قصصهم، منوها بشرائعهم، مستخرجا العبر من جهادهم وصبرهم.

فالنبي موسى ذكر في القرآن الكريم 136 مرة حتى قيل «كاد القرآن أن يكون موسويا»، وعيسى عليه السلام ذكر باسمه 25 مرة و11 مرة باسم المسيح، في حين ورد اسم مريم العذراء 34 مرة في التنزيل المحكم. وفي الحديث الشريف الذي رواه الشيخان البخاري ومسلم (الأنبياء أبناء علاّت، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد).

و قد اختطت النصوص الإسلامية إطارا دقيقا للتعامل مع أهل الكتاب أساسه البر والتودد لمن يسالم المسلمين ولا يعتدي عليهم: )لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ( (سورة الممتحنة).

فالتمييز هنا واضح وصريح بين المعتدي والمحارب والمهادن المسالم، والأصل في علاقة المسلم بأخيه اليهودي والمسيحي هو التعاطف والتعاون، ويحذر القرآن الكريم من التعميم الخاطئ المتمثل في الحكم على أهل ديانة ما بسلوك بعض المنتمين إليها: )لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ( (سورة آل عمران).

و قد طبّق الرسول r وخلفاؤه الراشدون هذه التعاليم الربانية أحسن تطبيق، وتمثلوها في علاقاتهم بالأقوام والملل الذين تعاملوا معهم في مراحل تأسيس الدولة الإسلامية وخلال عهود توسعها.

و يشكل دستور المدينة الذي ينظم علاقة الأمة المسلمة الناشئة باليهود ضمن دولة مدنية قائمة على التنوع تجسيدا موضوعيا لهذه الرؤية القرآنية للتنوع الديني. فمن بنود هذا الدستور الذي تتجاوز بنوده الخمسين:

«لليهود دينهم وللمسلمين دينهم... ومن تبعنا من يهود فإن لهم النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصر عليهم... وأن بطانة يهود ومواليهم كأنفسهم.. وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين، وعلى اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة... وأن بينهم النصح والنصيحة والبر المحض من أهل هذه الصحيفة دون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه».

فمن الواضح من هذه المعاهدة التي تكرس تحالفا متينا بين المسلمين واليهود يقوم على المساواة المطلقة وحقوق المواطنة المتماثلة –إن اختلاف الدين لم يكن له أثر في طبيعة العلاقة بين المجموعتين المتعايشتين، ولم ينحل العقد إلا بغدر قبائل يهود المدينة التي اختارت الانحياز للخط المناوئ للمسلمين.

و لا يختلف عهد النبي r لنصارى نجران في آخر عهد البعثة النبوية عن هذه الرؤية المنفتحة المتسامحة، فنص على الأخص على ما يلي:

«ولنجران وحاشيتها، ولأهل ملتها، ولجميع من ينتحل دعوة النصرانية في شرق الأرض وغربها، قريبها وبعيدها، فصيحها وأعجمها، جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله، وعلى أموالهم، وأنفسهم وملتهم، وغائبهم وشاهدهم، وعشيرتهم، وبيعهم، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير. لا يغير أسقف من أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته.. ولا يطأ أرضهم جيش.. وأن أحمي جانبهم، وأذب عنهم وعن كنائسهم وبيعهم وبيوت صلواتهم.. وأن أحرس دينهم وملتهم أين كانوا.. بما أحفظ به نفسي وخاصيتي وأهل الإسلام من ملتي».

و من أهم هذه الوثائق المرجعية التي تحدد إطار علاقة المسلمين بالديانات الأخرى وصية الخليفة الراشد الأول أبو بكر الصديق ليزيد بن أبي سفيان أمير جنده الذاهب إلى الشام، وهي وثيقة هامة تؤصل قانون وأخلاقيات الحرب في الإسلام:

«إنك ستجد قوما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله، فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له.. وإني أوصيك بعشر: لا تقتل امرأة ولا صبيا. ولا كبيرا هرما. ولا تقطعن شجرا مثمرا. ولا تخربن عامرا. ولا تعقرن شاة ولا بعيرا إلا المأكلة ولا تحرقن نخلا ولا تغرقنه، ولا تغلل ولا تجبن». (1)

فما نستخلصه من هذه الوثائق المرجعية الأساسية هو أن أحكام التمييز والفصل ليست هي المقياس الأصلي لعلاقة المسلمين بأهل الكتاب، بل إن الإسلام يعتمد معيار الدولة المدنية غير الدينية التي تقوم العلاقة بين مواطنيها على أساس المصلحة المشتركة والتعاون على دفع الظلم وتحقيق العدل.

فأحكام أهل الذمة التي نجدها في كتب الفقه القديم هي من مفهوم وتأويلات الفقهاء بحسب أوضاع ظرفية، وليست من صلب الدين نفسه.

كما أن ما عرفته بلدان الإسلام في بعض الفترات الحالكة من اضطهاد للأقليات الدينية اليهودية والمسيحية، لم يكن سوى شذوذا عن القاعدة الأصلية، وهو على العموم يفسر بطغيان الحكام واستبدادهم الذي طال مختلف السكان بما فيهم المسلمين.

فحوار الإسلام مع الديانتين اليهودية والمسيحية كما دشنه النبي r ووضع أصوله ثم سار على هديه الكريم خلفاؤه الراشدون يرتكز على أربعة مبادئ أساسية هي:

        قبول الاختلاف والتنوع.

        عدم الإكراه على الدين.

        التعاون على البر والتقوى.

        تحريم العدوان وتقييد الحرب أخلاقيا.

و لا تزال هذه المبادئ تشكل خلفية ثمينة وصالحة لحوار مستقبلي ناجع ومنفتح بين الديانات الثلاث.

2- آفاق الحوار الإسلامي مع الديانات التوحيدية

من المؤكد أن الحوار الإسلامي مع الديانات الأخرى اليوم يختلف كليا من حيث الأهداف والآليات عن تجربة الحوار السابقة في العصور الوسطى، لاختلاف السياقات وتغير أنماط التدين وأشكال حضور الدين في المجتمعات المعاصرة بالمقارنة مع المجتمعات الإسلامية والمسيحية الوسيطة التي كانت تنتظم بحسب مقاييس الدين.

و مع ذلك فإنه يجب الحفاظ على لب الرؤية الإسلامية المنفتحة والمتسامحة من أجل جدال بالتي هي أحسن مع الحضارتين اليهودية والمسيحية.

و يمكن أن نقسم الرهانات المستقبلية لهذا الحوار إلى ثلاثة ملفات حيوية: ملف ديني، وملف حضاري، وملف إستراتيجي.

أما الملف الديني فيتعلق بضرورة التغلب على أنماط التشويه وسوء الفهم الموروثة عن حقبة الصراعات الدينية السابقة والحروب الصليبية.

ففي الساحة الغربية يجب مراجعة الدراسات الإستشراقية المتأثرة بمناخ الحروب الصليبية لتنقيتها من ما خالطها من دس وتشويه لصورة الإسلام ونبيه وقيمه وشعائره، مع الاستفادة من المستشرقين المنصفين الذين أشادوا بروحانية الإسلام وسماحة قيمه وتسامحه.

و لا بد هنا من التنويه بالخطوات الإيجابية التي قطعتها الكنيسة الكاتولوكية منذ المجمع الفاتيكاني وصدور وثيقة Nostra Actate عام 1965 التي تبنت الحوار مع المسلمين والانفتاح عليهم، من منطلق تعزيز المحبة والوحدة بين أتباع الديانات التوحيدية.

فقد نص المجمع الفاتيكاني بوضوح على «أن الكنيسة تنظر بتقدير إلى المسلمين الذين يعبدون الله الأوحد، الحي القيوم، الرحيم القدير، خالق السماء والأرض، الذي وجه كلامه إلى البشر، وإنهم يسعون في الخضوع بكل نفوسهم لأحكامه الحقة كما خضع إبراهيم لله، الذي ينتمي إليه الإيمان الإسلامي بطيبة خاطر. وأنهم يجلون يسوع كنبي، وإن لم يعترفوا به كإله، ويكرمون مريم أمه العذراء... وإذا كانت قد نشأت، على مر القرون، منازعات وعداوات كثيرة بين المسيحيين والمسلمين، فالمجمع المقدس يحض الجميع على أن يتناسوا الماضي، ويسعوا في تحقيق تفاهم صادق بينهم، ويعملوا معا على صيانة ودعم العدل في المجتمع والقيم الأخلاقية، وأيضا السلم والحرية لجميع البشر». (2)

إن هذه المقاربة الجديدة تفتح الباب واسعا للحوار البناء بين المسلمين الذين لم يكن لهم أصلا مشكل عقدي مع الديانة المسيحية، وإن كان لا بد من التنبيه إلى أن بعض التيارات الأصولية المسيحية المتطرفة لا تزال تتمسك بالصورة المشوهة السابقة، ومن بينها الحركات الصهيونية المسيحية في أمريكا.

و قد استمعنا لبعض رموز وأركان هذا التيار يسب الإسلام وينعته بالديانة الزائفة الشريرة بعد تفجيرات نيويورك في سبتمبر 2001.

أما بخصوص اليهودية، فلا بد من التمييز الواضح بين الجانب المتعلق بالمعتقدات والقيم الدينية والجانب المتعلق بالتوظيف السياسي والأيديولوجي لهذه القيم والمعتقدات كما هو شأن الفكر الصهيوني الذي قامت عليه الدولة الإسرائيلية المغتصبة والعدوانية.

و لئن كان الإسلام يعترف برسالة موسى ويعظم أنبياء بني إسرائيل، ويقترب من حيث أحكامه وتعاليمه من الشريعة اليهودية (في مقابل المسيحية التي لا شرائع لها)، فإن النصوص التلمودية وشروح الهالاخاه المعتمدة لدى المؤسسة الدينية اليهودية لا تزال مشبعة بالكراهية والحقد على الديانتين المسيحية والمسلمة ولا تزال رافضة الاعتراف برسالة الإسلام، ومن ثم فإن أي حوار مطلوب بين الإسلام واليهودية يتطلب أولا تصحيح هذا الخلل الخطير في التعامل مع الديانات الأخرى.

و في الساحة الإسلامية، لا بد من مراجعة بعض الأحكام الفقهية والتأويلات الدينية التي تنظر نظرة مناوئة لأتباع الديانات الأخرى، ومنها أحكام أهل الذمة التي تجاوزها التاريخ ولم يعد لها معنى في دولة المواطنة المدنية الحديثة.

و كثيرا ما يفهم من آيات السيف الواردة في سورة براءة أن علاقة الإسلام بأهل الكتاب بعد انتصار الإسلام أصبحت تقوم على الحرب لفرض الاستسلام والجزية.

و لقد فند العلامة رشيد رضا في تفسيره "المنار" هذه الصورة مبينا أن المقصود من الآيات المذكورة وخصوصا الآية 29 )قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ( هو «أنها تعني قاتلوا الفريق من أهل الكتاب، عند وجود ما يقتضي وجوب القتال كالاعتداء عليكم أو على بلادكم أو اضطهادكم وفتنتكم عن دينكم أو تهديد أمنكم وسلامتكم». ففي القرآن مائة آية موزعة على 48 سورة تأمر بالتعامل الحسن مع أهل الكتاب، في مقابل تلك الآيات التي نزلت في سياق محدود معروف.

أما الملف الحضاري فيتعلق بعلاقة حوار الديانات بحوار الحضارات الذي هو من الشعارات الأساسية المطروحة اليوم.

فمع أن الحضارة الغربية ليست كما هو معروف حضارة يهودية – مسيحية، إلا أنه لا يمكن إنكار أهمية هذا العامل الديني في تشكلها التاريخي – فهي الحضارة التي ورثت الإمبراطوريات المسيحية الوسيطة، واستوعبت التراث الديني اليهودي والمسيحي في مفاهيمها وقيمها الحضارية والسلوكية.

فالمشكل المطروح اليوم هو هل يشترك المسلمون مع اليهود والمسيحيين في القيم والمفاهيم المؤسسة للحضارة الحديثة؟ لقد طرح هذا السؤال بحدة وقوة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001. ومن أبرز تجلياته الرسالة التي بعثها ستون مثقفا أمريكيا من المحافظين المتدينين إلى مثقفي العالم الإسلامي يطالبنوهم فيها بالاندماج في الثقافة العالمية الحديثة بالانطلاق من خمسة مبادئ، لا يرون أن الإسلام يقرها وهي:

1- إن البشر يولدون متساوين في الكرامة كما في الحقوق.

2- الشخصية الإنسانية هي العنصر الأساسي في المجتمع، وتكمن شرعية دور الحكم في حماية هذه الشخصية، والمساعدة في تأمين فرص التفتح الإنساني لها.

3- يرغب البشر بطبيعتهم في البحث عن غاية الحياة ومقاصدها.

4- حرية الضمير والحرية الدينية من الحقوق التي لا يمكن انتهاكها في الشخصية الإنسانية.

5- القتل باسم الله مخالف للإيمان بالله وهو يشكل خيانة عظمى لكونية الإيمان الديني. (3)

و بطبيعة الأمر، ليس للمسلمين اعتراض على هذه المبادئ الخمسة التي أصّلها الإسلام وشدد عليها منذ أربعة عشر قرنا بتكريسه تكريم الإنسان، وتحريم قتل النفس بغير حق، ورفضه الإكراه في الدين، ومطالبته بالعدل بين الناس.. ومع ذلك، فلا بد للمسلمين من بذل جهد علمي وفكري واسع لتفسير وشرح منطلقاتهم الحضارية، وتنقية دينهم من شوائب التطرف والتشدد التي ليست منه وإنما هي من دس وتشويه المجموعات الإرهابية وحركات الغلو والتنطع.

و لا بد في هذا السياق من التنبيه إلى الأصول الشرقية للديانات السماوية التي نزلت في نفس الأرضية الحضارية والتي أنزل فيها الإسلام، فلا عبرة إذن بالتمييز بين قيم حضارية شرقية وغربية متناوئة، بل يتعين البحث عن جذورهما المشتركة وأنماط التأثر والتأثير الواسعة بينهما ضمن التراث الإنساني الشامل.

فرسالة النبي إبراهيم عليه السلام، ظهرت في بلاد الرافدين وانتقلت عبر ذريته بين مصر والجزيرة العربية وفلسطين. وكانت لغة السيد المسيح هي الآرامية القريبة من العربية..

و كما استوعبت الحضارة العربية – الإسلامية التراث اليوناني – الروماني ونقلته إلى الغرب الحديث بعد تطويره فكانت صلة الوصل الضرورية بين هذا التراث والنهضة الأوروبية، فإن الحضارة الإسلامية لا تجد اليوم غضاضة في هضم قيم ومعارف الحضارة الغربية الحديثة التي هي في الحقيقة أول حضارة كونية بالمعنى الصحيح للعبارة لأنها حصيلة امتزاج مختلف الثقافات والديانات وفي مقدمتها حضارتنا وديننا.

أما الملف الإستراتيجي، فيتعلق بالتصور الشائع في بعض الأوساط الغربية بكون الإسلام هو العدو الإستراتيجي الجديد الذي خلف الخطر الشيوعي، بالاستناد لما نلمسه اليوم من تنامي أنشطة الإرهاب والعنف التي تستهدف البلدان الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.

و يبين المفكر والكاتب البريطاني فريد هاليداي، ضحالة هذه النظرية التي يسميها بنظرية الفراغ، معتبرا أن ليس من مقارنة بين الخطر الشيوعي والإسلام الذي يجب أن لا يخلط بينه وبين حركات التطرف والإرهاب، منتهيا إلى «أن أساس مقاربتنا لقضية العالم الإسلامي والعلاقات الدولية.. يجب ألا يكون الدين أو النص أو العقيدة، بل النظر إلى الممارسات الفعلية للشعوب والدول وتفحص كيفية استعمالها للدين، وليس العكس».

فالمشكلات الإستراتيجية المعقدة التي يطرحها الإرهاب اليوم لا علاقة لها بالدين الإسلامي، بل هي مشاكل تفسر بأزمة انتقال النظام الدولي من توازنات الحرب الباردة إلى نمط الأحادية القطبية الذي لم يعزز بعد توازناته.

و الإرهاب الذي لا دين له ولا حضارة بل هو ظاهرة عرفتها وتعرفها حاليا كل السياقات والمجالات الحضارية، أستهدف العالم الإسلامي أكثر من غيره، ولا بد من تحديد دقيق لمفهومه وطرق التعامل الفعال معه، للتمييز بينه وحق المقاومة المشروعة ضد الاحتلال ضمن ضوابط القانون الدولي.

و يمكن للحوار الديني أن يلعب دورا فاعلا في تجنيب العالم مخاطر العن والإرهاب، من خلال غرس قيم التسامح والسلم، إلا أن هذا الهدف مشروط بعوامل أربعة أساسية يتوجب التنبيه إليها وهي:

الدفاع عن الشرعية الدولية وفكرة الشراكة بين الأنظمة الإقليمية التي يتكون منها النظام الدولي بما فيها النظام الإقليمي العربي – الإسلامي الواسع والنظام الإقليمي الغربي برافديه الأساسيين الأوروبي والأمريكي.

السعي المشترك لحل القضايا الشائكة العالقة التي تسمم العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي هي العقدة المستعصية في العلاقة بين المسلمين واليهود.

عزل ومحاربة حركات الإرهاب والعنف التي ترفع كذبا اللافتة الدينية سواء كانت يهودية أو مسيحية أو مسلمة.

بناء تحالف قوي بين أتباع الديانات الثلاث للتنسيق ضد المخاطر الكبرى التي يواجهها العالم، وأهمها انتشار أسلحة الدمار الشامل والأسلحة غير التقليدية التي تستأثر بها الدول الصناعية المتقدمة، وانتشار الجريمة والعنف، وتلوث البيئة، وتفكك الأسرة، وانفلات التقنيات الجديدة من التوجيه الأخلاقي والتسديد الروحي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع هذه الوثائق في: مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة – جمعها وحققها حميد الله الحيدرابادي – طبعة القاهرة 1956

(2) حول الحوار الإسلامي – المسيحي راجع:

ندوة العيش المشترك في الإسلام والمسيحية – اللجنة الوطنية اللبنانية للتربية والثقافة والعلوم – بيروت 2002 – راجع على الخصوص بحث د. محمد السماك: في ثقافة الحوار الإسلامي – المسيحي ( ص 260 – 266 )

(3) راجع رسالة المثقفين الأمريكيين في:

المصدر: مجلة الاجتهاد العدد 54 – ربيع 2002 ص 201 - 213

 
أ. عبد الملك منصور حسن المصعبي
تاريخ النشر:2009-09-01 الساعة 12:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 2282
مرات الطباعة: 576
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan