الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » الإسلام و الغرب » جدل حضاري

قوة الحضارة

د. حلمي محمد القاعود

 

في أواخر عام 2008م كان هناك حدثان لافتان، الأول تصريح توني بلير رئيس وزراء بريطانيا السابق حول تحوّله من البروتستانتية إلى الكاثوليكية، وحديثه عن الرسول صلى الله عليه وسلم، والحدث الثاني هو وفاة الكاتب والأكاديمي اليهودي صموئيل هنتنجتون صاحب نظرية (صدام الحضارات)، وأهمية الحدثين تكمن في ارتباطهما بنظرية خطيرة تتوقف عليها مصائر الشعوب والأمم، ثم التطابق التام في الإستراتيجية الفكرية بين الرجلين مع ما يبدو من تناقض ظاهري بينهما.

قال توني بلير لصحيفة (دي تسايت) الألمانية: «إذا لم تلعب العقيدة الدينية أي دور في القرن الحادي والعشرين، وهو ما لا استطيع تخيله، فإن شيئاً حاسماً سيكون مفقودا» والعبارة تكشف عن إدراك بلير لأهمية الدين- أي دين- في حياة الأمم سواء بالإيجاب أو السلب، وهو من جانب آخر يمثل جوهر نظرية هنتنجتون.

لقد بدأ بلير يتحدث جيداً عن الرسول محمد حين وصفه بأنه «قوة حضارية هائلة» وأضاف أنه يقرأ القرآن يومياً بانتظام، ولكنه رفض الإجابة عن سؤال حول إذا ما كان يعتزم اعتناق الإسلام! وإن كان قد أشار إلى أن معتقداته الكاثوليكية - التي تحوّل إليها من البروتستانتية - ساعدته على الضلوع بدوره مبعوثاً للسلام في الشرق الأوسط.

حين سُئل بلير عن القمع الذي يتعرض له بعض المسلمين على يد القوات الغربية المتحالفة، ردّ بشيء من الاستنكار قائلا: من يقمع المسلمين في أفغانستان والعراق؟ لقد أطحنا بدكتاتوريين، وتركنا للشعبين أن يقررا من يحكمهما من خلال صناديق الاقتراع. وأضاف: يُحرض المسلمون مسلمين آخرين على قتل إخوانهم، أخبرني.. من يقمع المسلمين؟ هم أم أنا؟!

وهكذا تتجلى أعماق بلير الحقيقية بعد امتداحه للرسول، وهي الأعماق التي عبّر عنها على السطح رجل آخر، من خلال فكرة (صدام الحضارات) التي كانت إرهاصاً بإستراتيجية ترويع العالم الإسلامي، وإثارة القلاقل في داخله، وتدمير بعض بلدانه، ووضعه على طريق التراجع والتخلف والضعف المشين.

صموئيل هنتنجتون ( 1927 - 2008م ) أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد، والمقرب من إدارة المحافظين، أصدر أول كتبه عام 1957م بعنوان «العسكر والحكومة المدنية»، وفي عام 1993 نشر مقالة في مجلة (الشؤون الخارجية) بعنوان (صدام الحضارات) كانت نواة لكتاب صدر بعد ثلاث سنوات 1996م، فصّل فيه رؤيته لطبيعة الصراع في المستقبل بين الغرب من ناحية والحضارات الأخرى من ناحية ثانية، وقد اختص المسلمين بالتركيز من خلال اعتقاده أن الدين أهم عوامل التمييز بين الحضارات، والعامل الأهم في صراعات المستقبل، لذا فالمجتمعات الإسلامية - في رأيه- لا تحدد هويتها إلا بالإسلام (الأصولي)، وترفض العلمانية الغربية، مما يترتب عليه أن الصراع العسكري بين الحضارتين الإسلامية والغربية الذي استمر على مدى القرون الماضية سوف يستمر ويزداد ضراوة في المستقبل، ويخشى صموئيل من الزيادة السكانية في العالم الإسلامي لأنها قد تكون سبباً في مشكلات لأوروبا حين تتزايد الهجرة نحو الغرب.

ويعتقد هنتنجتون أن مناطق الصدام في العالم الإسلامي بين الإسلام وغيره من الأديان هي الأطراف، وأبرزها جنوب السودان والصومال وإريتريا وإثيوبيا ونيجيريا في الجنوب، والبوسنة وكوسوفا وألبانيا وأرمينيا في الشمال، وأفغانستان وباكستان وجنوب الفلبين في آسيا، وقد تحققت توقعات كثيرة للرجل، وخاصة بالنسبة للمسلمين في السودان وشرق إفريقيا ويوغوسلافيا السابقة وجنوب آسيا، وقد تحدث قبيل وفاته بفخر شديد عن صدق توقعاته في تصريحاته إلى صحيفة (دي تسايت) الألمانية التي نقلت تصريحات بلير التي سبقت الإشارة إليها، وقد نشرت الصحيفة كلام هنتنجتون تحت عنوان (الحدود الدموية للإسلام) زعم فيه أن القرن الحادي والعشرين هو «قرن حرب المسلمين».

وقال الرجل: «كانت أحداث 11 سبتمبر أهم تطبيق لنظريتي، فلم تكن حرباً بين دول كما في القرن التاسع عشر أو بين أيديولوجيات كما كانت في القرن العشرين، بل كان هجوماً لمجموعة إسلامية منظمة ضد صورة الحضارة الغربية (أميركا)، وكان المنفذون ينتمون للحضارة الإسلامية».

بيد أن الجانب الأخطر في نظرية هنتنجتون هو الجانب الاقتصادي، فهو يرى أن الكتل الاقتصادية الإقليمية المتنافسة هي صيغة الاقتصاد العالمي في المستقبل، وأن الحضارة الغربية تعيش مرحلة الازدهار الذي وصل إلى القمة اقتصادياً وعسكرياً، وأن الغرب سوف يسيطر على بقية العالم عن طريق المؤسسات الدولية.

وكان قد انتهى في نظريته إلى توصيات في المدى القريب وأخرى في المدى البعيد، والأولى تتمثل في التعاون الوثيق داخل دول الحضارة الغربية (أوروبا وأميركا الشمالية)، والسعي لدمج دول أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية في المجتمع الغربي واستغلال القرابة الدينية في هذا الدمج، ومنع الصراعات المحلية داخل الحضارة الغربية من التحول إلى صراعات كبيرة، في مقابل الحد من توسع القوة العسكرية للدول الإسلامية ودول شرق آسيا (الصين وكوريا وفيتنام واليابان)، والاحتفاظ بقوة عسكرية في وسط آسيا وشرقها، مع الاستفادة من الخلافات بين الدول الإسلامية والكنفوشية والهندوسية، ودعم النخب المتعاطفة مع قيم الغرب ومصالحه في هذه الدول.

والأخرى تشير إلى أن تحتفظ الحضارة الغربية بقوتها العسكرية والاقتصادية، ومقاومة الحضارات الأخرى التي تسعى للحصول على أسباب القوة الاقتصادية والعسكرية.

إن صموئيل هنتنجتون تلميذ نجيب للمستشرق المتعصب الشهير برنارد لويس، وقد تجلى نبوغه في الإعلان عن تعصبه ضد المهاجرين إلى الولايات المتحدة، وعبّر عن ذلك صراحة في كتابه (من نحن؟ أطروحة حول الهوية الأميركية) الذي صدر عام 2004م، وهو يرى أن المهاجرين ينتسبون إلى حضارات متعددة وألسنة شتى، ومنهم من تحرر من الانتماءات الإقليمية، أو يسكن في البيوت المتنقلة، وهؤلاء يقسمون الولايات المتحدة إلى شعبين بثقافتين ولغتين، والأخطر هنا أنه يتهم المهاجرين حين يسميهم أتباع «الإسلام الراديكالي» وأبناء الثقافة اللاتينية بالتهديد الحقيقي للأنجلوبروتستانت، حيث نقلوا مفاهيم سلبية إلى المجتمع الأميركي لم تكن موجودة من قبل، أبرزها غياب ثقافة البحث عن المستقبل، وموت الطموح، والقبول بالفقر والبؤس بوصف ذلك شرطاً لدخول الجنة(!) وهذه المفاهيم- في رأيه- مرتكزات الثقافات التي بدأت تتسرب للشعب الأميركي.

تطرح رؤى هنتنجتون كثيرا من القضايا تتعلق بالعرب والمسلمين، وهي في جوهرها تتفق مع فكر من يسمّون بالمحافظين في الغرب وأميركا ومنهم توني بلير، هذا الفكر الذي لا يختلف في روحه عن فكر الحروب الصليبية الأولى، مع الفارق الزمني والصياغة، ويعتمد على التفوق العسكري والاقتصادي والدبلوماسي أو السياسي، والحرص على إضعاف الأمة الإسلامية وعدم تمكينها من الدخول إلى مجالات القوة.

وإذا كان ما يطرحه الآخرون لا يتم تنفيذه في عالم ساكن أو غير متحرك، فإن الأمة الإسلامية، تواجه- كما يفترض- هذه النظريات بأخرى مضادة تحرم أصحاب «صدام الحضارات» من شرف تحقيق غاياتهم الشريرة، خاصة وأنه يمكن وصف المسألة بوصف أدق هو (عدوان الحضارة الغربية).

ولعل الأخذ بأسباب القوة المعنوية والمادية من جانب العرب والمسلمين، مع تقديم صورة الإسلام في جوهرها المضيء، ورفض ما يُسمى بصراع الحضارات، وقبول فكرة «تفاعل الحضارات» من أجل التكامل والتطوّر وإفادة الإنسانية.. وإحلال السلام بين البشر يمثل الحل العملي والفعال في هذه المواجهة المفروضة على المسلمين والإسلام.

المصدر: مجلة الوعي الإسلامي

 
د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر:2009-11-01 الساعة 12:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 2319
مرات الطباعة: 539
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan