الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » دراسات قرآنية

معجزة الاتساق التشريعي

د. جعفر شيخ إدريس

 

مـن الحجـج التـي جـاءت فـي كـتاب الله تعالى برهاناً على أنه لا يمكن أن يكون إلا من عنده سبحانه قوله تعالى: )أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا( [النساء: 82].

وقد كان الكثيرون وأنا منهم يركِّزون على عدم التناقض القولي، أي إنك لا تجد في كتاب الله جملة تنفيها جملة أخرى وتتناقض معها. وهذا إعجاز؛ لأنه لا يمكن لبشر أن يقول أو يكتب كلاماً في حجم كتاب الله تعالى، ويتعرض فيه لما تعرض له الكتاب العزيز من الموضوعات، ويستغرق كلامه من الزمن ما استغرق نزول القرآن الكريم، ثم لا يناقض نفسه، فيقول في مكان وزمان قولاً ينفي ما قاله في مكان أو زمان آخر.

لكن الاتِّساق أو عدم الاختلاف الذي نتحدث عنه الآن هو اتساق من نوع آخر أكثر إعجازاً؛ إنه (الاتساق التشريعي). ونعني به أن في القرآن الكريم تشريعات تشمل كل ما يحتاج إليه الإنسان من عقائد وعبادات وسلوك وعلاقات اقتصادية وسياسية واجتماعية وغيرها، ومع ذلك لا تجد منها تشريعاً يخالف الآخر أو ينافيه، أو يعوق تحقيقه لهدفه، بل تجد التشريعات كلها متعاضدة متساندة يشد بعضها بعضاً؛ وهذا هو المقصود بالتشابه في الآية الكريمة: )اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْـحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ( [الزمر: 23].

فالتشريعات منها ما هو أصل ينبثق منه وتبنى عليه فروع، ومنها ما هو فروع تثبت ذلك الأصل وتقوِّيه، ومنها ما هو لازم لغيره أو حامياً له، وهكذا. فأركان الإيمان تُصْـلِحُ القلبَ وتجعله مستعداً لتقبُّل الأوامر والنواهي، بل تحبِّبُها إليه. )وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ( [الحجرات: 7].

والإسلام بأركانه الخمسة تعبير عن الإيمان بأركانه الـستة، وتثبـيت لها؛ فهو الذي يغذيها ويذكِّر بها، وهو الذي يسهل على العبد العمل بأوامر ربه والانتهاء عن نواهـيـه. )اتْلُ مَا أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْـمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ( [العنكبوت: 45]. والسبب في هذا الاتساق هو:

أولاً: أن التشريعات الإسلامية لها مصدر واحد، بينما التـشريـعات الأخرى بكل أنواعـها وسـواء كانت ديمقراطية أو دكتاتورية أو دينية فهي متعددة المصادر.

ثانياً: أن هذا المصدر الواحد هو الخالق الأحد الصمد علاَّم الغيوب؛ فلا جَرَمَ تكون تشريعاته مؤتلفة غير مختلفة. أما مصادر التشريعات الأخرى فهم البشر، والبشرُ مهما كان إخلاصهم فهم ذوو علم ناقص، ونظر محدود، وتصورات مختلفة؛ فلا يمكن أن تصدر عنهم تشريعات متسقة في أهدافها ونتائجها، ولذلك كان عدم الاتساق لازماً لها.

ثالثاً: ثم إن هذا الخالق جعل لكل هذه التشريعات الشاملة لجميع ما يحتاج إليه البشر هدفاً واحداً، وجعلها كلها وسائل لتحقيقه: )وَمَا خَلَقْتُ الْـجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ( [الذاريات: 56].

هذا أمر لا يمكن أن يتحقق في تشريعات بشرية متعددة المصادر، أعني: أنه لا يمكن أن يكون لها كلها هدف واحد مهما كان نوعه.

رابعاً: ثم إنه سبحانه جعل كل تلك التشريعات متوافقة مع الفطرة التي فطر عليها عباده: ) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِـخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ( [الروم: 30].

هذا مع أن العلمانيين ما يزالون مختلفين في أمر الفطرة: هل للإنسان فطرة ثابتة، أم أن فطرته متغيرة بحسب الظروف الاقتصادية أو الثقافية التي يعيش فيها؟ وإذا كانت هنالك فطرة فهل يمكن تغييرها كما يرى بعض علماء الأحياء؟ وإذا كانت هنالك فطرة ثابتة لا تتغير فما علاقتها بالتشريعات والقوانين؟ وهكذا.

خامساً: جعل الله - تعالى - للتشريعات المتعلقة بالعلاقات البشرية مبدأً واحداً ضمن الإطار الذي رسمته المبادئ السابقة وهو الأخوة الإيمانية. قال تعالى: )إنَّمَا الْـمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ( [الحجرات: 10].

ثم علل بهذه الحقيقة كل الأوامر والنواهي المتعلقة بالعلاقات البشرية؛ فأمر بكل ما يثبت هذه الأخوة الإيمانية ويقويها، ونهى عن كل ما يصادمها وينافيها، فقال مثلاً: )إنَّمَا الْـمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ( [الحجرات: 10].

ونهى عن الخمر والميسر؛ لأنهما يثيران العداوة والبغضاء وهما أمران منافيان للأخوة، ولأنهما يصدان عن ذكر الله وهو أمر منافٍ للإيمان: ) إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْـخَمْرِ وَالْـمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ( [المائدة: 91].

وجعل للفقراء حقاً في أموال الأغنياء، ونهى عن الربا؛ لأنه استغلال لحاجة الفقراء وهو أمر يتنافى مع الأخوة.

جعل للذكر من الميراث مثل حظ الأنثيين، لكنه كلفه بما لم يكلف به الأنثى من دفع مهر وقيام بواجبات الأسرة، فكان نصيبه من الميراث متسقاً مع واجباته المالية.

قلت لنفسي ذات مرة ونحن بعرفات: إن الذي فرض هذا الموقف ما كان يمكن أن يبيح شرب الخمر. ثم جعلت أتصور ما كان سيحدث لو أن عدداً كبيراً من هؤلاء الحجيج شربوا وثملوا: كم عدد الأرواح الذي كان سيزهق، وكما عدد جرائم الجنس التي كانت ستُرتَكَب، وكم كان سيكون الحُجَّاج أبعد شيء عن ذكر الله! وتذكرت ما يقال إنه يحدث ليلة الميلاد في البلاد الغربية مع أن الناس لا يتجمعون تجمع الحجيج؛ لكنهم يتزاورون فيأكلون معاً ويشربون ويسكرون، ما أكثر ما تنصحهم الشرطة بأن يبيتوا حيث سكروا من كثرة ما رأوا من الحوادث التي تقع بسبب الخمر ليلة عيد الميلاد، قارن هذا الاتساق التشريعي بتشريعات الأيدلوجيات البشرية!

فإذا كان الإسلام قائماً على الإيمان بالله؛ فإن الماركسية مبنية على إنكار وجود الخالق. وإذا كانت شرائع الإسلام تنبثق كما قدمنا انبثاقاً طبيعياً من هذا الإيمان، فإن التشريعات الماركسية لا علاقة لها بهذا الإلحاد. كان لي زميل دراسة مثقف ذكي وكان شيوعياً فهداه الله تعالى فصرنا أصدقاء. قلت له ذات مرة بعد أن هداه الله (وكنت قد قرأت سيرة كارل ماركس): هل تعلم يا فتح الرحمن أن ماركس ألحد وعمره سبعة عشر عاماً ولأسباب خاصة بأسـرته، وأن إلحـاده لم يكـن له علاقة بما سمي فيما بعدُ بـ (الماركسية)؟ قال لي رحمه الله: إنني، واللهِ، عندما كنت شيوعياً كنت أقول في نفسي: أَمِنْ أجل أن أطالب بإنصاف العمال والفقراء (وكان هذا الذي جذبه للشيوعية) أُنكِرُ وجود الخالق؟ ما علاقة هذا بهذا؟ قال: لكنني قبلت هذا ثمناً لذاك.

فليس هنالك إذن من علاقة فكرية بين الإلحاد أو المادية وبين الشيوعية. فالملحد يمكن أن يكون داعية إلى الرأسمالية، والمادي يمكن أن يكون معادياً للاشتراكية من غير أن يكون متناقضاً في مواقفه.

ثم إن الماركسية شنت حرباً شعواء على الرأسمالية وانتقدتها نقداً كان في كثير منه صحيحاً، ودعت إلى استبدالها باشتراكية تحرِّم الملكية الفردية وتجعل الاقتصاد كله في يد الدولة، فكان أن أدى هذا إلى عبودية واستبداد شر من عبودية الرأسمالية.

والديمقراطية رأيُ أهلها أنه إذا تُرِكَ حبلها على غاربه فستؤدي إلى دكتاتورية الأغلبية، فقيَّدوها بالليبرالية، لكن كثيرين من منظِّريهم يعترفون الآن بأنه قيدٌ يتنافى مع سيادة الشعب التشريعية التي هي أساس الديمقراطية. ثم إن الليبرالية أدت إلى الرأسمالية التي جعلت من الفوارق بين الناس ما يتنافى مع المبدأ الديمقراطي الذي يفترض مساواة الناس في حقوقهم وفرصهم السياسية.

ومـع هـذا كله تـرك كثير من المنتسبين إلى الإسلام كتاب ربهـم وهدي نبيهم وهذا التشريع المتسق ليقلدوا الغـرب لا في مجال العلوم والتقنية التي كانت سبب قوته، بل في هذه الأيدلوجيات المهلهلة.فنعوذ بالله من استحباب العمى على الهدى.

مجلة البيان

 

لكن الاتِّساق أو عدم الاختلاف الذي نتحدث عنه الآن هو اتساق من نوع آخر أكثر إعجازاً؛ إنه (الاتساق التشريعي). ونعني به أن في القرآن الكريم تشريعات تشمل كل ما يحتاج إليه الإنسان من عقائد وعبادات وسلوك وعلاقات اقتصادية وسياسية واجتماعية وغيرها، ومع ذلك لا تجد منها تشريعاً يخالف الآخر أو ينافيه، أو يعوق تحقيقه لهدفه، بل تجد التشريعات كلها متعاضدة متساندة يشد بعضها بعضاً؛ وهذا هو المقصود بالتشابه في الآية الكريمة: )اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْـحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ( [الزمر: 23].

فالتشريعات منها ما هو أصل ينبثق منه وتبنى عليه فروع، ومنها ما هو فروع تثبت ذلك الأصل وتقوِّيه، ومنها ما هو لازم لغيره أو حامياً له، وهكذا. فأركان الإيمان تُصْـلِحُ القلبَ وتجعله مستعداً لتقبُّل الأوامر والنواهي، بل تحبِّبُها إليه. )وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ( [الحجرات: 7].

والإسلام بأركانه الخمسة تعبير عن الإيمان بأركانه الـستة، وتثبـيت لها؛ فهو الذي يغذيها ويذكِّر بها، وهو الذي يسهل على العبد العمل بأوامر ربه والانتهاء عن نواهـيـه. )اتْلُ مَا أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْـمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ( [العنكبوت: 45]. والسبب في هذا الاتساق هو:

أولاً: أن التشريعات الإسلامية لها مصدر واحد، بينما التـشريـعات الأخرى بكل أنواعـها وسـواء كانت ديمقراطية أو دكتاتورية أو دينية فهي متعددة المصادر.

ثانياً: أن هذا المصدر الواحد هو الخالق الأحد الصمد علاَّم الغيوب؛ فلا جَرَمَ تكون تشريعاته مؤتلفة غير مختلفة. أما مصادر التشريعات الأخرى فهم البشر، والبشرُ مهما كان إخلاصهم فهم ذوو علم ناقص، ونظر محدود، وتصورات مختلفة؛ فلا يمكن أن تصدر عنهم تشريعات متسقة في أهدافها ونتائجها، ولذلك كان عدم الاتساق لازماً لها.

ثالثاً: ثم إن هذا الخالق جعل لكل هذه التشريعات الشاملة لجميع ما يحتاج إليه البشر هدفاً واحداً، وجعلها كلها وسائل لتحقيقه: )وَمَا خَلَقْتُ الْـجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ( [الذاريات: 56].

هذا أمر لا يمكن أن يتحقق في تشريعات بشرية متعددة المصادر، أعني: أنه لا يمكن أن يكون لها كلها هدف واحد مهما كان نوعه.

رابعاً: ثم إنه سبحانه جعل كل تلك التشريعات متوافقة مع الفطرة التي فطر عليها عباده: ) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِـخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ( [الروم: 30].

هذا مع أن العلمانيين ما يزالون مختلفين في أمر الفطرة: هل للإنسان فطرة ثابتة، أم أن فطرته متغيرة بحسب الظروف الاقتصادية أو الثقافية التي يعيش فيها؟ وإذا كانت هنالك فطرة فهل يمكن تغييرها كما يرى بعض علماء الأحياء؟ وإذا كانت هنالك فطرة ثابتة لا تتغير فما علاقتها بالتشريعات والقوانين؟ وهكذا.

خامساً: جعل الله - تعالى - للتشريعات المتعلقة بالعلاقات البشرية مبدأً واحداً ضمن الإطار الذي رسمته المبادئ السابقة وهو الأخوة الإيمانية. قال تعالى: )إنَّمَا الْـمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ( [الحجرات: 10].

ثم علل بهذه الحقيقة كل الأوامر والنواهي المتعلقة بالعلاقات البشرية؛ فأمر بكل ما يثبت هذه الأخوة الإيمانية ويقويها، ونهى عن كل ما يصادمها وينافيها، فقال مثلاً: )إنَّمَا الْـمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ( [الحجرات: 10].

ونهى عن الخمر والميسر؛ لأنهما يثيران العداوة والبغضاء وهما أمران منافيان للأخوة، ولأنهما يصدان عن ذكر الله وهو أمر منافٍ للإيمان: ) إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْـخَمْرِ وَالْـمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ( [المائدة: 91].

وجعل للفقراء حقاً في أموال الأغنياء، ونهى عن الربا؛ لأنه استغلال لحاجة الفقراء وهو أمر يتنافى مع الأخوة.

جعل للذكر من الميراث مثل حظ الأنثيين، لكنه كلفه بما لم يكلف به الأنثى من دفع مهر وقيام بواجبات الأسرة، فكان نصيبه من الميراث متسقاً مع واجباته المالية.

قلت لنفسي ذات مرة ونحن بعرفات: إن الذي فرض هذا الموقف ما كان يمكن أن يبيح شرب الخمر. ثم جعلت أتصور ما كان سيحدث لو أن عدداً كبيراً من هؤلاء الحجيج شربوا وثملوا: كم عدد الأرواح الذي كان سيزهق، وكما عدد جرائم الجنس التي كانت ستُرتَكَب، وكم كان سيكون الحُجَّاج أبعد شيء عن ذكر الله! وتذكرت ما يقال إنه يحدث ليلة الميلاد في البلاد الغربية مع أن الناس لا يتجمعون تجمع الحجيج؛ لكنهم يتزاورون فيأكلون معاً ويشربون ويسكرون، ما أكثر ما تنصحهم الشرطة بأن يبيتوا حيث سكروا من كثرة ما رأوا من الحوادث التي تقع بسبب الخمر ليلة عيد الميلاد، قارن هذا الاتساق التشريعي بتشريعات الأيدلوجيات البشرية!

فإذا كان الإسلام قائماً على الإيمان بالله؛ فإن الماركسية مبنية على إنكار وجود الخالق. وإذا كانت شرائع الإسلام تنبثق كما قدمنا انبثاقاً طبيعياً من هذا الإيمان، فإن التشريعات الماركسية لا علاقة لها بهذا الإلحاد. كان لي زميل دراسة مثقف ذكي وكان شيوعياً فهداه الله تعالى فصرنا أصدقاء. قلت له ذات مرة بعد أن هداه الله (وكنت قد قرأت سيرة كارل ماركس): هل تعلم يا فتح الرحمن أن ماركس ألحد وعمره سبعة عشر عاماً ولأسباب خاصة بأسـرته، وأن إلحـاده لم يكـن له علاقة بما سمي فيما بعدُ بـ (الماركسية)؟ قال لي رحمه الله: إنني، واللهِ، عندما كنت شيوعياً كنت أقول في نفسي: أَمِنْ أجل أن أطالب بإنصاف العمال والفقراء (وكان هذا الذي جذبه للشيوعية) أُنكِرُ وجود الخالق؟ ما علاقة هذا بهذا؟ قال: لكنني قبلت هذا ثمناً لذاك.

فليس هنالك إذن من علاقة فكرية بين الإلحاد أو المادية وبين الشيوعية. فالملحد يمكن أن يكون داعية إلى الرأسمالية، والمادي يمكن أن يكون معادياً للاشتراكية من غير أن يكون متناقضاً في مواقفه.

ثم إن الماركسية شنت حرباً شعواء على الرأسمالية وانتقدتها نقداً كان في كثير منه صحيحاً، ودعت إلى استبدالها باشتراكية تحرِّم الملكية الفردية وتجعل الاقتصاد كله في يد الدولة، فكان أن أدى هذا إلى عبودية واستبداد شر من عبودية الرأسمالية.

والديمقراطية رأيُ أهلها أنه إذا تُرِكَ حبلها على غاربه فستؤدي إلى دكتاتورية الأغلبية، فقيَّدوها بالليبرالية، لكن كثيرين من منظِّريهم يعترفون الآن بأنه قيدٌ يتنافى مع سيادة الشعب التشريعية التي هي أساس الديمقراطية. ثم إن الليبرالية أدت إلى الرأسمالية التي جعلت من الفوارق بين الناس ما يتنافى مع المبدأ الديمقراطي الذي يفترض مساواة الناس في حقوقهم وفرصهم السياسية.

ومـع هـذا كله تـرك كثير من المنتسبين إلى الإسلام كتاب ربهـم وهدي نبيهم وهذا التشريع المتسق ليقلدوا الغـرب لا في مجال العلوم والتقنية التي كانت سبب قوته، بل في هذه الأيدلوجيات المهلهلة.فنعوذ بالله من استحباب العمى على الهدى.

المصدر: مجلة البيان

 
د. جعفر شيخ إدريس
تاريخ النشر:2009-07-15 الساعة 13:30:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 2482
مرات الطباعة: 571
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan