الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » دراسات قرآنية

مخاطر التأويل العلمي للقرآن الكريم..الذرة والثقوب السوداء نموذجاً

د. ظافر مقدادي

 

حوالي العام 450 ق.م قدّم الفيلسوف اليوناني هيراقليطيس مفهومه الفلسفي حول تركيب الكون، وهو أن المادة، والكون من حولنا، مبنية من لبنات أو دقائق أساسية لا يمكن قطعها إلى أجزاء أصغر منها، فأطلق عليها بلغته اليونانية كلمة (Atomos) أي (لا مُنجزئ أو لا مُنقطع) للدلالة على أنها الدقائق المادية الأساسية التي لا يمكن تفكيكها إلى دقائق أصغر منها. والحق يقال إن هذا المفهوم الفلسفي لم يبدأ بديموقريطيس، وإنما كان شائعا في اليونان القديمة وفي الهند قبلها بكثير، ولكن الفضل يعود إلى ديموقريطيس في اشتقاق المصطلح (Atom) وإعطاء هذه الدقائق الأساسية صفة اللاتقطّع واللاتجزّؤ، فالفكرة عنده كانت قائمة على أساس قابلية القطع أو لا، وليست على أساس مدى صغر هذه الدقائق الأساسية، فلو أراد المعنى الثاني لاستخدم كلمة (موريو) اليونانية مثلاً، وتعني (مقدار ضئيل = ذرّة) ويقابلها بالانجليزية (Whit).

وكما هو معروف فقد درس الفلاسفة والعلماء العرب الفلسفة اليونانية وترجموها إلى العربية، وناقشوها وطوروها. ومن بين الموضوعات التي ناقشوها موضوع تركيب الكون والدقائق الأساسية التي يتركب منها، أي (Atom) باليونانية، وأطلقوا عليه مصطلح (الجوهر الفرد)، وهو حسب علم الكلام عند المسلمين مثل الأشعري والجويني والباقلاني: الجزء الذي لا يتجزأ. وفي بداية القرن التاسع عشر بدأ علماء الغرب، مثل دالتون وبراون، بالتعرف على اللامنجزئ في المختبرات، خاصة في تجارب ذوبان الغازات في السوائل. وفي نهاية القرن نفسه استطاع العالم ثومسون خلال تجربة أشعة الكاثود أن يكتشف (الإلكترون) كجُسيم (Subatomic)، وبهذا انتهت أسطورة الـ(Atom) كدقيقة أساسية لا تتجزأ. لاحقا وفي بداية القرن العشرين جاء العالم رذرفورد ليضع مفهومه لهذا اللامنجزئ، الذي أصبح منجزئاً، على شكل نموذج تكون فيه النواة في المركز حيث الشحنة الموجبة وغالبية كتلة اللامنجزئ، أما الالكترونات السالبة فتدور حول هذه النواة. ولكن مفهوم الـ(Atom) تغير بعض الشيء بعد أن أصبح منجزئاً، إذ أصبح يعني (الوحدة الوظيفية)، كون الالكترونات والبروتونات والنيوترونات لا تستطيع بمفردها أن تدخل في تراكيب جزيئات أعلى منها، فالإلكترون لو خرج خارج اللامنجزئ لأحدث تيارا كهربائيا، ولو تصادم مع بوزترون (إلكترون مضاد) لمحق كل منهما الآخر ونتج عنهما فوتون.

عندما وصل هذا العلم إلى البلاد العربية قام العلماء العرب بترجمة كلمة (Atom) إلى (ذرة)، رغم أن كلمة ذرة لا تُطابق في المعنى كلمة (لامُنجزئ)، فالأولى تحيل على مقدار الصِغَر والثانية تحيل على عدم إمكانية التجزئة، وقد ورد عن ابن عباس أن الذرة هي (النملة الحمراء وهي أصغر النمل). هذا هو معنى كلمة ذرة في المعاجم العربية وكتب التفسير. والمراد من كلمة ذرة بالمعنى المجازي، مثل ذرة غبار، هو (ضآلة حجمها). لقد كان الأولى بالمترجمين العرب الحفاظ على المعنى الفلسفي والعلمي للمصطلح (Atom) عند الترجمة، فالمعنى هنا يحمل في طياته عدم القدرة على التجزئة. ربما كان الاستعمال الواسع، الأدبي والشعبي، لكلمة ذرة قد أغرى المترجمين، فاختاروا هذه الكلمة. إن فوضى ترجمة المصطلحات العلمية الأجنبية إلى العربية أمر معروف، ولكن ليس هذا موضوعنا الآن.

في النصف الثاني من القرن العشرين سطع نجم (التأويل العلمي للقرآن الكريم)، وأخذ مشايخنا وعلماؤنا، حفظهم الله، بتأويل الآيات القرآنية لتتناسب مع اكتشاف علمي ما أو ظاهرة علمية. ولا أدري ما هي الفائدة التي ستعود على العالم الإسلامي والبشرية من هذا التأويل (هل سيحصدون جوائز نوبل في الفيزياء والكيمياء والطب؟). هل كانت هناك، من وجهة نظرهم، ضرورة لإثبات أن القرآن عبارة عن وحي من الله سبحانه وتعالى؟ أم أنهم أرادوا إثبات أن القرآن صالح لكل زمان ومكان بما فيها زمان العلوم الحديثة؟ لقد دخل الناس في دين الله أفواجا خلال 14 قرناً من الزمان، وسيدخلون، وحفظ المسلمون القرآن في قلوبهم وصلواتهم وأدبهم وعمارتهم ولغتهم (بل هو الذي حفظ لهم لغتهم)، وتربع المسلمون على عرش العلوم والمعرفة في عصر الإسلام الذهبي، دون الحاجة إلى هذه التأويلات العلمية للقرآن. لماذا لم يذهب ابن الهيثم وجابر بن حيان والرازي والفارابي وابن سينا وغيرهم إلى القرآن ليجدوا فيه أجوبة علمية أثناء أبحاثهم العلمية؟ بل لماذا لم يستخدموا كلمة (ذرة)، الواردة في القرآن في أكثر من موضع، في حين استخدموا مصطلح (الجوهر الفرد)؟ أم أن مشايخنا يعتقدون بأنهم أكثر معرفة بعلوم القرآن منهم؟ هل نسي مشايخنا أن هؤلاء العلماء كانوا علماء في الدين واللغة قبل أن يكونوا علماء في الطبيعيات؟ وان غالبيتهم، إن لم يكن كلهم، كانوا يحفظون القرآن عن ظهر قلب؟.

يقول الله تعالى في سورة سبأ: )وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَة، قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ، عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِين(. هذه الآية تحمل معناها الديني الجميل والبليغ، ككل الآيات القرآنية، فهي تعني أن الله سبحانه لا يغيب عنه معرفة أي شيء في هذا الكون مهما كان وزن ومقدار هذا الشيء، سواء كان وزن نملة صغيرة أو ذرة غبار أو أكبر منها أو أصغر. إنها آية تخبرنا عن (معرفة الله المطلقة). ولكن مشايخنا وجدوا في هذه الآية إعجازا علمياً مفاده أن القرآن الكريم قد أخبرنا بالأسرار العلمية للذرة قبل أن يكتشفها الغرب. ونسي مشايخنا أن العلم الغربي الحديث لم يتحدث عن الذرة بل عن الـ(Atom)، ونسوا أن هذا الـ(Atom) قد ورد عند ديموقريطيس، وفي الهند قبله، ما يقارب ألف عام قبل نزول الآية الكريمة، ونسوا أيضا أن الـ(Atom) تمت ترجمته إلى العربية إلى ذرة على يد مترجمين من البشر، وهذه الترجمة ليست أمينة، وكان أمام هؤلاء المترجمين خيارات أخرى: ماذا لو ترجموا كلمة (Atom) إلى (الجوهر الفرد) كما وردت في علم الكلام؟ أو إلى لامُنجزئ؟ هل كان بإمكان المؤولين رصد (التشابه اللفظي) بين كلمة ذرة الواردة في القرآن وبين الجوهر الفرد أو اللامنجزيء؟.

لقد قام المؤولون بإقحام الآية القرآنية في مجال ليس من مقاصد القرآن، فهي عندهم أصبحت تتحدث عن اللامنجزيء، ولكن هذا اللامنجزيء أصبح منجزئاً إلى دقائق أخرى غير منجزئة مثل: البروتونات والنيوترونات والكترونات، والبروتونات تتكون من كواركات، وهذه الكواركات لها كواركات مضادة، وكذلك الالكترونات المضادة، والنيوترينو الذي لم يستطع العلماء حتى عام 2007 تحديد كتلته، والنيوترينو المضاد، وماذا عن الميون والتايو والجليون والجرافيتون والفوتونات؟ فكل هذه دقائق أساسية لا تتجزأ. وهذه ليست نهاية العلم والمعرفة، فهناك المزيد. إننا الآن نطرق باباً في أعماق الجزيئات دون-الذرية إن انفتح أمامنا سنمشي في الشوارع مثل المجانين نتحدث مع أنفسنا.

إن الله سبحانه يستعمل كلمة ذرة في الآيات القرآنية المختلفة حسب المفهوم العربي الثقافي لها، فهي ترد في القرآن في سور سبأ والنساء ويونس والزلزلة بنفس المعنى الواضح. إن القرآن الكريم (لسان عربي مبين) أي ذو بيان وفصاحة، فما الداعي لطمس هذا البيان بتأويلات علمية ليست من مقاصد القرآن؟ وتحويل القرآن إلى طلاسم لا يستطيع فهمها سوى مشايخنا المؤولين؟. والمتابع لهذه النزعة من التأويل العلمي للقرآن الكريم يعرف إلى أي مدى ذهب مشايخنا وكل من أراد أن يدلو بدلوه في تأويل الآيات. لقد أصبح عدد هذه الآيات كبيرا جدا. وما عليك سوى زيارة مواقع (موسوعات الإعجاز العلمي في القرآن والسنة) على الانترنت، وما أكثرها، حتى تأخذك الصدمة. الآيات القرآنية في هذه الموسوعات تحولت إلى مقولات علمية تبحث في علوم التاريخ والكون والطبيعيات والصيدلة والطب والنبات والحيوانات وعلوم الأرض والمياه والبيئة وغيرها. لقد تم طمس المعاني الدينية الجميلة والبليغة لمئات من الآيات القرآنية. وماذا تنتظرون بعد 10 سنوات من الآن؟ أن يصبح الذي بين أيديكم قرآناً غير القرآن الذي عرفه النبي وأصحابه وعرفتوه أنتم؟ كيف ستفهم الأجيال المسلمة القادمة القرآن الكريم؟ هل ستفهم قرآناً آخراً؟ وماذا عن الدين نفسه الذي يحتويه القرآن؟ هل سيضيع ويحل محله مادة علمية قرآنية؟. لا يوجد قواعد ولا ضوابط لهذه النزعة التأويلية، فهذا التأويل يعج بتحريف وتغيير مواضع الكَلِم. إنه يقطع الآية القرآنية عن سياقها في النص القرآني ويفصلها عن (أسباب النزول). فوضى قائمة بلا احترام لقواعد علوم القرآن والحديث واللغة. تأويل قائم على مبادئ فلسفة العلم في القرن التاسع عشر (أرسطو- السببية- نيوتن)، وهذه الفلسفة انتهت. إن وضع التأويل العلمي للآيات القرآنية، كما يبدو لي، قد خرج عن السيطرة، خاصة في خضم فوضى الانترنت والفضائيات.

من أهم خصائص العلم أنه متغيّر وليس ثابتاً، فهو ينفي حقائقه وقوانينه باستمرار. لا يوجد في العلوم الطبيعية معارف مطلقة تعكس الحقيقة الموضوعية للظاهرة الطبيعية أو الفيزيائية. ففي فلسفة العلوم أساسا يقوم العلماء بإعطاء (مفهومهم) للظاهرة الفيزيائية المدروسة، أي أن القضية قضية مفاهيم (Concepts) وليست قضية حقائق مطلقة. إن العالَم المحيط بنا نشكله نحن حسب فهمنا له، ولكنه ليس بالضرورة أن يكون كذلك موضوعياً. ودائما، وفي كل قانون فيزيائي، يوجد بعض من (ذاتية) الباحث أو العالم، وكأن العالِم يترك بعض من ظله في الصورة/القانون العلمي. تاريخ البشرية هو تاريخ مفاهيم وليس حقائق نهائية. وسرعان ما تتغير هذه المفاهيم. لقد فهمنا الذرة، أو بالأصح اللامنجزئ، بطريقة معينة، ثم غيرنا مفهومنا له لاحقاً، وغيرناه في ما بعد أيضا، وسنغيره في المستقبل. وما يصح على اللامنجزئ يصح على كل شيء في الكون من حولنا. في البحث العلمي نقوم باختزال الظاهرة التي قيد البحث ونُبسّطها إلى ابعد الحدود حتى يكون باستطاعتنا دراستها، وذلك بإسقاط وتجاهل الكثير من العوامل التي تدخل في الظاهرة أو تؤثر عليها (تجاهل الذي نعرفه، فما بالك بالذي لا نعرفه؟). بعد هذا التبسيط والاختزال والإسقاط والتجاهل نبني ما يسمى بالنموذج الدراسي، وغالبا ما يكون نموذجا رياضيا. وبعد الدراسة، إن نجحت، نخرج بنتائج وقوانين. يا ترى هل تعكس هذه القوانين حقيقة الظاهرة الموضوعية أم تعكس حقيقة نموذجنا البائس؟ هل تعتقدوا أن قوانين نيوتن وأوم وبيرنولي وغيرهم جاءت نتيجة دراسة نماذج رياضية تتطابق تماما مع الظاهرة المدروسة؟ إن حجم التبسيط لا يستهان به في هذه النماذج، إن هذه القوانين قوانين تقريبية ليس إلا، لهذا هي تنهار حين تتعرض لاختبار غير مأخوذ في النموذج.

لقد تربع نيوتن على عرش العلوم 200 عام، وعندما آن أوان دراسة ظاهرة الضوء (الفوتونات) على أساس قوانينه، عجزت هذه القوانين. صُدمَ العلماء، فقد وصلوا إلى طريق مسدود، ولا بد من ثورة في فلسفة العلوم والعلوم نفسها. جاءت الثورة على يد آينشتاين في النظرية النسبية الخاصة والعامة، وأصبح نيوتن (آخر المشعوذين). يحق الآن لآينشتاين أن يتربع على العرش فقد اعتقد أن نظرياته وقوانينه شاملة لكل الظواهر الكبيرة والصغيرة، في الكون الفسيح وفي أعماق الذرة. إلا أن قضية إشعاع الجسم الأسود، وما نتج عنها من ظهور علم جديد يبحث في الكمّات (Quanta) يسمى ميكانيكا الكم، جاءت لتطيح بآينشتاين الآن. لقد عجزت نظرياته عن تفسير سلوك الكمّات، وأصبح آينشتاين (آخر الفيزيائيين الكلاسيكيين). وهذا العلم الجديد، ميكانيكا الكم وما تفرع منه، قائم على مبدأ الـ(لاتعيّن ولاتيقّن)، حيث تسلك هذه الكمّات سلوكاً غير يقيني، وتعمل حسب نظريات الاحتمالات. إن سلوكها احتمالي. صُعق آينشتاين عندما بادره العالم نيلز بوهر بالحقيقة، فرد آينشتاين: (لا أصدق أن الله يلعب النرد مع الكون)، فرد عليه بوهر: (لا تُملِ على الله ما يجب أن يفعله). الكون لا يسير حسب نظام محكم كما كنا نعتقد، وإنما يعج بالفوضى. إن الكون سعيد بفوضاه. يبدو أننا الآن بحاجة إلى ثورة في فلسفة العلوم، فسلوك الجُسيمات دون-الذرية أمر لا يُصدق، إنها تتحايل علينا وتكذب علينا، وتختفي حين تشاء وتظهر حين تشاء، وكأنها تشعر بخطر قربنا منها، وكأنها (تعي) وتفهم. هل نحن بحاجة لثورة جديدة في الفلسفة بعيدا عن فصل المادة عن الوعي؟ هل المادة والوعي هما وجهان لشيء ما نجهله ما زال مُحتجباً عنا هناك في قاع الكون العميق (Implicate Order)؟ ربما.. إن العلم الآن يبتعد عن فلسفة (أرسطو- السببية- نيوتن) التي انطلق منها ويتجه باتجاه الفلسفة البوذية والطاوية والصوفية الإسلامية وربما علم الكلام. فيا مشايخنا الأعزاء، اتركوا القرآن الكريم وشأنه، فالعلم يغير ملابسه عند كل لحظة انعطاف حضاري، والمضي في التأويل العلمي معناه نسخ معاني القرآن مرات ومرات ومرات. وهذا سيفقد القرآن مصداقيته في عيون الناس بمرور الزمن وكثرة التأويل.

سأتناول الآن مسألة تأويل الآيتين 15 و16 من سورة التكوير باعتبارهما تتحدثان عن الثقوب السوداء حسب مشايخنا المؤولين، كنموذج لمخاطر التأويل العلمي على الآيات القرآنية. ولكن قبل ذلك أود أن أشرح فهمي لآليات التأويل العلمي للقرآن الكريم حسب ما فهمته من مقالات المؤولين في هذا المجال. التأويل العلمي يبدأ أولا عندما يلتقط المؤوّل لفظاً (أو معنى) متشابهاً في القرآن وفي اكتشاف (أو ظاهرة) علمية ما، ثم يعمل المؤول على (تقريب وجهات النظر) بين الآية القرآنية وبين الاكتشاف العلمي، وذلك بإرغام كليهما على (تقديم تنازلات) معينة، فالآية القرآنية تقدم تنازلاً لغوياً، أما الاكتشاف العلمي فيقدم تنازلاً علمياً، وبذلك تصبح الآية القرآنية والاكتشاف العلمي وكأنهما يصفان نفس الشيء.

يقول الله سبحانه في سورة التكوير: )فلا أقسمُ بالخُنّس، الجواري الكُنّس(. هاتان الآيتان جاءتا في سياق نص القرآن في سورة التكوير التي تتحدث بمجملها عن وصف أهوال (يوم القيامة)، أما معنى هاتين الآيتين كما وصلنا من كتب التفسير الإسلامية واللغة فهو أن الله سبحانه يُقسم بإحدى مظاهر خلقه الكونية وهي (الكواكب السيارة)، أي الخنّس الجواري الكنّس، لأنها أولا: تخنس (أي تتأخر في طلوعها وظهورها)، وثانيا: تجري (أي تسير في فلكها)، وثالثاً: تكنس (أي تستتر كما تستتر الظباء في مكانسها أو كُنُسها أي مغاورها). وهذه الكلمات الثلاثة جاءت على وزن جمع التكسير، فالخنّس جمع (خانس وخانسة)، والجواري جمع (جارية)، والكنّس جمع (كانس وكانسة). هذا المعنى أورده أصحاب التفاسير: فحسب ابن كثير هي (النجوم الدراري تخنس في حال طلوعها ثم هي تجري في فلكها ثم تغيب في كناسها). وحسب الطبري: (النجوم الدراري الخمسة، بَهرام (اي المريخ) وزحل وعطارد والزهرة والمشتري، تخنس في مجرتها فترجع، وتكنس فتستتر في بيوتها). أما القرطبي فيقول: (هي الكواكب الخمسة الدراري حسب ما ذكر أهل التفسير). ويبدو أن العرب عرفت هذه الكواكب السيارة الخمسة بهذا الاسم الاصطلاحي (الثقافي) أي الخنّس الجواري الكنّس، ولكن حسب التفسير أيضا فإن العرب عرفت الظباء بالخنّس الكنّس، فهي أيضا تخنس وتكنس، ولهذا اختلف الصحابة والتابعون بمن هو المعني في هذه الآيات: هل هي الكواكب السيارة أم الظباء. هذا الأمر دفع الطبري لتحليل مفاده أن العرب، بسبب وجه الشبه بين حالتي الظباء والكواكب في خنسها وجريها وكنسها، قد أعطت الكواكب اسم الخنّس الجواري الكنّس تشبيها لها بالظباء، وبذلك وحسب رأي الطبري فإنه لا يمنع أن يكون المقصود في هذه الآيات الكواكب أو الظباء. هذا باختصار شديد ما ورد في معاجم اللغة العربية، مثل لسان العرب لابن منظور، وأمهات كتب التفسير بخصوص هاتين الآيتين.

الآن دعونا نناقش قصة الثقوب السوداء علمياً. ولكن كي نعطي هذه الظاهرة حقها في فهم معناها العلمي يجب علينا العودة إلى الوراء قليلاً. قبل آينشتاين، وحسب العلم النيوتني، فهم العلماء المكان والزمان كـ(خلفيتين مطلقتين) للكون، وبذلك تعاملوا معهما على أساس أنهما منفصلين ومُطلقين (Constant)، أي أن مسافة مكانية ما (متر واحد مثلا) وفترة زمنية ما (60 دقيقة مثلا) تبقى ثابتة ولا تتغير بغض النظر عن مكان وسرعة المُراقب (أي الذي يقوم بالقياس)، فهي نفسها بالنسبة لهذا المراقب إن كان جالساً في بيته أو كان يقود سيارته بسرعة 100 كم/الساعة أو في الطائرة حيث يسير بسرعة اكبر. ولكن الوضع تغير بالنسبة لآينشتاين في نظرية النسبية الخاصة، ففيها أصبح المكان والزمان غير مُطلقين، أي نسبيين (Variables)، حيث أن المسافة المكانية والفترة الزمنية تتغيران بالنسبة لمراقب يقود مركبة فضائية بسرعة كبيرة جدا غير معهودة في عالمنا الأرضي الطبيعي، أي أن مقدار المتر الواحد سيتغير وكذلك الـ60 دقيقة ستتغير. وبما أن السرعة هي النسبة بين المسافة والزمن، فإن السرعة أيضا نسبية، أما الشيء الوحيد في هذا الكون الذي يسير بسرعة مطلقة فهو الضوء. ولكن آينشتاين كان بحاجة إلى (مرجع مطلق) ليكون خلفية لهذا الكون. هذا المرجع وجده آينشتاين حين أدخل المكان بأبعاده الثلاث (الطول والعرض والارتفاع) والزمان، في منظومة واحدة متصلة أصبحت تُعرف بنظام (الزمكان) ذي الأبعاد الأربعة، وبذلك لم تعد الحركة هي انتقال شيء ما متموضع في أبعاده المكانية الثلاث (Position) عبر الزمن، وإنما أصبحت تعني تغّير إحداثيات الحدث (Event) الزمكاني.

لاحقاً احتاج آينشتاين لإدخال المادة في هذا النظام الزمكاني ليدرس سلوكه وسلوكها ومدى تطابق نظامه الجديد مع ظواهر الكون. فقام بإدخال الكتلة إلى الزمكان لدراسة ظاهرة الجاذبية الناتجة عن هذه الكتلة، فتبين له أن الكتلة بدخولها على الزمكان قد أحدثت فيه تشوهاً (أو تحدباً)، هذا التحدب غيّر إحداثيات الحدث الزمكاني. وكلما زاد مقدار الكتلة زاد التحدب. مقدار هذا التحدب (التشوه الهندسي للزمكان) هو مقدار جاذبية هذه الكتلة في العلم النيوتني. ولفهم الصورة أكثر دعونا نتصور أن النظام الزمكاني هو شبكة مرنة كالتي تُستعمل في السيرك. في حالة سكون الشبكة تماما وخلوها من أي شيء تماما يكون سطحها أفقيا تماما. الآن دعونا نضع عليها كرة كبيرة نوعاً ما، ماذا سيحصل؟ ستشوّه هذه الكرة سطح الشبكة وتقعرها في الموضع الموجودة فيه، ان مقدار هذا التقعر في هذه الشبكة هو مقدار جاذبية هذه الكرة. الآن دعونا نضع كرة أخرى صغيرة في موضع آخر قرب الكرة الكبيرة، ماذا سيحصل؟ ستشوه الكرة الصغير أيضا الشبكة ولكن بمقدار أقل، وسيكون مقدار هذا التشوه مكافئاً لكتلتها، وبما أن التشوه الناتج عنها اقل من التشوه الناتج عن الكرة الكبيرة ستندفع الصغيرة لترتطم بالكبيرة (أي تنجذب إليها بفعل الجاذبية الناتجة عن تشوه أو تقعر هندسة الشبكة). الآن دعونا نتصور أن مثل هذه الشبكة الزمكانية موجودة في المجموعة الشمسية، عندها ستشوه كل من الشمس وجميع الكواكب والأقمار وغيرها من الكتل هذه الشبكة الزمكانية بمقادير تكافيء كتلها (أي أن لكل منها جاذبيته الخاصة به)، فتأخذ هذه الأجرام جميعا بالانجذاب باتجاه الشمس وباتجاه بعضها البعض وفقا لـ(مسارات التشوه) التي أحدثتها في الشبكة الزمكانية، الأمر الذي يؤدي إلى الحركة الموجودة فعلاً في نظامنا الشمسي. وهذا يصح أيضا بالنسبة للكون ككل إذا نُظر إليه كنظام زمكاني واحد. لقد أصبح الآن للجاذبية الكونية معنى. هذا المعنى لم يكن واضحا حسب قوانين نيوتن.

وهكذا ادخل آينشتاين باقي تجليات المادة، مثل الطاقة والعزم، إلى نظامه الزمكاني، فأصبح يُعرف بالنظرية النسبية العامة. ووضع معادلاته الرياضية التي تصف هذه الحالات. وأثبتت الحسابات والدراسات أن النظرية دقيقة للغاية وأنها استطاعت تفسير بعض الظواهر الكونية التي عجزت عنها نظريات نيوتن. هذه النظرية، التي نشرها آينشتاين في 1915، سرعان ما جذبت انتباه العلماء لإيجاد حلول لمعادلات آينشتاين، فهذه المعادلات هي معادلات تفاضلية غير خطية لا حلول لها، إلا بالتعامل معها كحالات خاصة. قام الرياضي الألماني شوارتزفيلد بحل أبسط هذه المعادلات في عام 1916، وذلك بافتراض أن النظام الزمكاني هو نظام (كروي مُتماثل لا يدور وغير مشحون) وذلك لتبسيط النموذج والحل بالتالي. بإمكاننا تصور نظام شوارتزفيلد على انه (الشمس) مثلاً، ولكنها كروية تماما وثابتة لا تدور. إن ازدياد الكتلة في هذا النظام الزمكاني ستزيد من مقدار تحدب الزمكان وبالتالي الجاذبية، وبما أن البعد الرابع (أي الزمان) في هذا النظام يتجه إلى داخل النظام الكروي (Inward) باتجاه المركز، فإنه عندما تصبح الجاذبية عالية لدرجة استحالة مقاومتها فإن الشكل الكروي (أو الشمس) سينسحق إلى الداخل (Inward collapse)، بحيث تحتفظ الشمس بكامل كتلتها، ولكن حجمها سيصبح ضئيلا جدا (وكأن الشمس بكامل كتلتها دخلت في ثقب الإبرة). هذا سينتج عنه شمس ميتة ذات كثافة عالية جدا جدا. ولأن الكثافة عالية جدا فإن مجال جذبها سيكون هائلاً جدا لدرجة ان لا شيء يستطيع الهرب منها، حتى الضوء سيبقى في سجنها، أي أنها ستصبح (معتمة) وسـ(تبتلع) كل شيء يقترب من مجالها الحيوي. أطلق العلماء على هكذا شموس، أو نجوم، لقب النجوم المتجمدة. حتى الآن نحن أمام محاولات (نظرية) نتجت عن استحقاقات أو تداعيات النظرية النسبية العامة، رغم أن هناك ما يؤيدها عمليا من ظواهر كونية، مثل موت النجوم، حيث تم رصد إشارات (تُرجح) حدوث مثل هذه الأشياء فعلاً، ولكن هذا لا يصل إلى مستوى اليقين المطلق.

الآن، قد يتساءل القارئ وما علاقة كل هذا العلم بآيتيْ (الخنّس الجواري الكنّس)؟. حسب رأيي لا علاقة، لولا أن شيئاً آخراً يفعله العلماء عادةً، وهو عندما يتحدثون إلى عامة الناس عبر وسائل الإعلام فإنهم يستخدمون مصطلحات أدبية وصحفية (أسماء دلع) بدل المصطلحات العلمية للتسهيل على عامة الناس فهم الظاهرة. وفي حالتنا هذه قام احدهم بإعطاء لقب (الثقوب السوداء) كاسم دلع للنتائج التي حصل عليها شوارتزفيلد نظرياً. ثم قام عالم آخر بوصف هذه الثقوب السوداء على أنها (مكانس كهربائية) تكنس السماء (وهذا اسم دلع آخر). هنا بالذات بدأت عملية التأويل العلمي للآيتين. لقد لاحظ احد المؤولين التشابه اللغوي بين كلمة (الكُنّس) القرآنية وبين اسم الدلع (مكانس كهربائية) للظاهرة الكونية. ثم قام لاحقاً بتطبيق الخطوة الثانية من آليات التأويل وهي تقريب وجهات النظر بين الكلمة (كُنّس) وبين الكلمة (مكانس). وهنا لم يكن أمامه حل سوى تأويل معنى الكلمتين وذلك بالعودة إلى أصول اللغة العربية. وبما أن الكلمتين مشتقتان لغوياً من نفس الجذر (كَنَسَ على وزن فَعَلَ)، وبما أن المعنى يحمل في طياته معنى الاختفاء والابتلاع، فإن تقديم تنازل بسيط من علم الصرف في العربية ومن الاكتشاف العلمي، سيجعل مدلول الحالتين، القرآنية والعلمية، واحداً، وهو أن الآيتين تتحدثان لا محالة عن الثقوب السوداء. التنازل العلمي واضح هنا، فالثقوب السوداء جاءت نتيجة إحدى الحلول الخاصة (النظرية) لمعادلات النسبية العامة ضمن نموذج معين تم فيه بعض الافتراضات (افتراض شوارتزفيلد)، ولكنها بين يدي المؤول أصبحت حقيقة طبيعية يقينية تماما لا جدال فيها (وكأنه شاهدها بأم عينه). أما التنازل اللغوي فقد تم كما يلي:

كلمة (كُنّس)، وكذلك (خُنّس)، هي صيغة جمع تكسير على وزن (فُعّل) لاسم الفاعل (كانس) و(خانس)، وهو مشتق من الفعل الثلاثي اللازم (كَنَسَ) و(خَنَسَ) على وزن (فَعَلَ). أما لماذا جُمعت على وزن جمع التكسير (فُعّل) وليس على وزن جمع المذكر السالم (فاعلون) أي كانسون وخانسون؟ فلأن الفعل الثلاثي اللازم، حسب علم الصرف، يُجمع اسم فاعله على وزن (فُعّل) للدلالة على (طبع وطبائع) اسم الفاعل. أي أن الكَنس والخَنس هي طبائع كامنة في هذه الكواكب، تماما مثل المعنى الوارد في الكلمتين (سُجّد) و(رُكّع)، فالسجود والركوع هنا هي طبائع كامنة في أسماء الفاعلين الذين تتحدث عنهم الآيات القرآنية. فالقرآن يورد كلمتي (ساجدون وراكعون) أيضا، ولكن (المعنى) يختلف تماماً، فهو في هذه الحالة معنى يفيد (الإجراء والتنفيذ) فقط، ولا يفيد إن هذا الإجراء نتجَ عن طبعٍ مُتأصلٍ وكامنٍ في اسم الفاعل. وهنا أود التنبيه إلى الفرق الفلسفي بين الحالتين، فحالة الفُعّل (أي الطبع) تحمل معنى (الإطلاق)، أما حالة (فاعلون) فتحمل معنى (النسبية). أما كلمة (مكانس) فهي صيغة جمع تكسير لـ(اسم الآلة) وهي (مِكْنَسَة) على وزن (مِفعَلَة)، على شاكلة (مِسطرة) و(مِغسلة). إن اسم الآلة يحمل معنى (الوظيفة)، أي أن وظيفتها، وليس طبعها، مفهومة من اسمها. ولذلك تُشتق من فعل (متعدي) يتطلب مفعولاً به لكي نفهم هذه الوظيفة. فنقول مثلاً كَنَسَ الكانسُ القمامة أو كَنَستْ المِكنسة القمامة أو كَنَستُ بالمكنسة القمامة أو (كَنَسَ الثقبُ الأسود النجومَ)، وكذلك غَسَلَ الغاسلُ الثياب أو غَسَلتْ المِغسلة الثياب. وبهذا يصبح الفرق اللغوي والمفهومي بين الـ(الكُنّس) والـ(المكانس) واضحاً جدا مما لا يدع مجالاً للشك بأن الكلمتين مختلفتين، فالكُنّس هي (المختبئات والمستترات) لطبعٍ كامنٍ فيهن، والمكانس هي الآلات التي تقوم بوظيفة الكنس والتظيف. فلو أراد الله سبحانه بالخُنّس الكُنّس الثقوبَ السوداء، حسب ما يرى المؤولون، لكانت الآية: (فلا أقسم بالخانسين الجواري الكانسين) أو (فلا أقسم بالمخانس الجواري المكانس). إن أهم قاعدة في اللغة العربية هي القائلة بأن (لكل مقامٍ مقالُ)، فأي تغيير في الكلمة أو تركيب الجملة يغير المعنى بالكامل. وهذا ما لا يأخذه المؤولون بعين الاعتبار.

هذا جانب من جوانب عديدة في هذه المسألة التأويلية. الجانب الآخر هو ان المؤولين لا يتابعون الدراسات العلمية للظاهرة التي أوّلوا الآيات باتجاهها، بل إنهم انتقائيون في انتقاء ما وافق تأويلهم. وفي مسألتنا هذه سنرى الآن باقي الحلول الرياضية النظرية لمعادلات النسبية العامة التي أسقطها المؤولون من حساباتهم. لقد قلنا إن النظام الزمكاني يختاره الرياضي ليبني نموذجه على أساسه. الآن دعونا نغيّر اتجاه البعد الرابع الزمني ليصبح متجهاً إلى خارج نظام الثقب الأسود (Outward)، ما الذي سيحصل؟ ستندفع المادة إلى الخارج ويتحول الثقب الأسود إلى (قلب قاذف وابيض)، وهو ما أطلق عليه العلماء اسم الدلع (الثقب الأبيض). وماذا لو افترضنا أن النظام الزمكاني يدور في حركة دائرية ومشحون حسب نموذج (كير ونيومان)؟ عندها سنحصل على نظام يتضمن ثقباً أسوداً وثقباً ابيضاً في نفس الوقت. أي أن النظام سيبتلع الأجسام والضوء من مكان ما ولكنه سيقذف الأجسام والضوء من مكان آخر. والشيء الجميل في هذا النظام هو انك ان دخلت من الثقب الأسود قد تخرج من الأبيض ولكن في زمن معاكس، أي ستخرج في (الماضي)، أو ما يسميه أصحاب الخيال العلمي بـ(Time Machine). ان هذا النظام هو أقرب إلى الواقع، رغم أنه خيالي، من الثقب الأسود البسيط (أي المكانس) الذي درسه شوارتزفيلد، وذلك لأن النجوم في الكون تدور حول نفسها، وعندما تموت وتنسحق تحافظ على دورانها بفضل قانون حفظ العزم الدوراني. وماذا عن نماذج أخرى لحل معادلات آينشتاين؟ هناك نموذج معروف بحل (فريدمان ورفاقه) الذي يفضي نظرياً إلى فرضية الانفجار الأعظم والتوسع الكوني (Big Bang). وهذا أيضا أغرى المؤولين فقاموا بتأويل بعض الآيات القرآنية باتجاهه. ولكن ماذا سيحصل اذا أدخلنا علم (ميكانيكا الكم) إلى هذه النماذج من الثقوب؟ ستصبح هذه الثقوب ليست (مكانس سوداء) تماماً لأن كمية من الإشعاعات (Hawking Radiation) ستصدر عنها. وعلاقة كمية هذه الإشعاعات بكمية كتلة الثقب هي علاقة عكسية، أي انه مع مرور الزمن أثناء الإشعاع البسيط تقلّ الكتلة تدريجياً، وهذا سيزيد من كمية الإشعاعات، الأمر الذي سيؤدي إلى تناقص الكتلة، وهكذا حتى يتلاشى الثقب نهائياً. هذا ما يقوله العالم Hawking احد أهم العلماء حالياً في دراسة ميكانيكا الكم والثقوب السوداء.

جانب آخر للمسألة: هل وجد العلماء ثقباً اسوداً فعلاً؟ الجواب: لا ونعم. وذلك لأن الثقب الأسود يبتلع الضوء فكيف سنراه ونرصده؟ يقوم العلماء بالتقاط إشارات صادرة من جهة ما في هذا الكون، فإن لاحظوا إشارات تدل على وجود مساحات سوداء، فإن هناك (احتمال) أن تكون ثقوبا سوداء، فيقوموا بدراسة سرعة دوران النجوم والغازات في تلك المنطقة، فإن كانت السرعة عالية جدا (يعني الكتلة أو الكثافة السوداء عالية جدا) فإن الاحتمال الأكبر أن تكون ثقوبا سوداء، ولكنها يمكن أن تكون أشياء أخرى ما زلنا نجهلها. ولكن ماذا عن آخر المفاهيم العلمية لهذه الثقوب؟ هل ما زالت هذه الثقوب هي (المكانس الكهربائية) التي تنتظر كل شيء في الكون حيث يكون حتفه؟ لا. تبدو الأمور مختلفة الآن، فالعلماء في عام 2007 يصرون على نظرية النشوء المرافق (Co-evolution) للثقوب السوداء، حيث انها تسبب نشوء المجرات. أي أنها مكانس ومُولدات في آن. ولكن هذه النظرية مثل غيرها في مجال الثقوب السوداء ما زالت غير واضحة المعالم وغير يقينية مئة بالمائة.

هل يحتاج مشايخنا المؤولون لإعادة النظر في تأويل الآيتين في سورة التكوير؟ والى متى؟ وكم عدد من المرات؟ إن الآيات القرآنية هي كلام الله المعجز المتعبد بتلاوته، وكلام الله حقائق مطلقة، وليس فرضيات ونظريات مرحلية، وبالتالي لا يجوز حصر كلام الله في فرضيات ونظريات علمية لا يقينية لا تعرف صفة الثبات الأبدي، وإلا أصبحت هذه النظريات بمثابة (ثقوب سوداء تبتلع كلام الله وآياته وكتابه). القرآن ليس كتاباً علمياً، وما فيه من ذِكر ووصف وإشارات لبعض الظواهر الطبيعية إنما لأغراض دينية، إنها للإنسان الذي يعيش على هذه الأرض لينظر حوله ويرى عظمة الخالق في خلقِه لكي يؤمن هذا الإنسان ويهتدي ويتحلّى بالفضيلة.

وفي النهاية، اسمحوا لي أيها المشايخ المؤولين الأفاضل أن أقول لكم ما قاله بوهر لآينشتاين: لا تُملوا على الله ما يجب أن يقوله.

المصدر: موقع ديوان العرب

 
د. ظافر مقدادي
تاريخ النشر:2009-11-01 الساعة 13:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 2339
مرات الطباعة: 570
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan