الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم ومعارف » علوم عسكرية وأمنية

الأبعاد المنطقية في الممارسات العسكرية

العقيد الركن عبد الهادي الشهري

 

ليس من الغريب أن نجمع بين مفاهيم من قبيل (المنطق) و (العسكرية) في عنوان هذه المقالة الموجزة، وإن كان يبدو الجمع بينهما متعارضاً، وما ذلك إلاّ نتيجة للتعارض الموهوم بين حدود هذين المفهومين، بل قد يتجاوز وهم التعارض حدود المنطق إلى ما يتعلق بالعلم كله بوصف العلم يباين مقتضى العسكرية.

تتعدّد تعريفات المنطق، وهذا عائدُ إلى تعدّد علمائه من جهة، والتطورات التي واكبته، وتنوّع الفلسفات القائمة ورائه من جهة أخرى، إذ لم يستقر على تعريف واحد، ومن أبرز تعريفاته أنه: العلم الباحث في المبادئ العامة للتفكير الصحيح، أي يبحث في خواص الأحكام من حيث دلالاتها على معارف الأشخاص ومعتقداتهم. وكذلك يوصف بأنه علم الاستنتاج، فالمنطق مهما كان تعريفه، يظل إجمالاً مفهوماً يتعلق بالفعاليات العقلية التي يوظّفها الإنسان بأن يجعلها منهجه عند التفكير. والمنطق يتضمّن أبواباً رئيسة، مثل: التصورات، والأحكام، والاستدلال.

وبالرغم من وصفه بأنه علم، فقد يوصف أيضاً بأنه فن، ووصفه بأنه علم لا يتعارض مع وصفه بأنه فن، وإن كان هناك من يفضّل أن يقتصر في تعريفه على أحد الوصفين. وقد ينبع التعارض داخل المنطق من الخلط بين مفهومي العلم والفن، بيد أن التعارض غير وارد في حقيقة الأمر، ويكمن خطر هذا التعارض عند العسكريين، في تأثيره المباشر على ما تقتضيه متطلبات الاحتراف العسكري كما ينبغي، كونها تتطلب أبعاداً معرفية متعددة، بل هي ثمرة لها؛ فالعلم يقدّم أكاديمياً، ويتطلب البحث الجاد، والتقنين المتخصص، والتأليف المستمر، والمتابعة النظرية لينمو ويستمر علماً، في حين يكمن الفن في الممارسة الحيّة والتوظيف العملي مع مواكبة التطورات التي تدعو إلى تحسين الذات، ولهذا قد يتأسس الفن، أو الممارسة على معطيات سابقة، وملكات موجودة بالقوة، متجاوزة في هذا نتاج التعلّم بالطرق التقليدية، ومستغنية عن المكتسبات العلمية، وهذا حقٌ ملاحظ عند الأميين، ومشاهد عند الأطفال قبل سنوات التعلّم. ومن تلك المعطيات، ما يمكن تسميته بالمعطيات الفطرية التي زوّد الله سبحانه وتعالى بها الإنسان السويّ، مما يجعل الممارسة الشخصية في غنىً إلى حدٍ ما عن التعلم الأكاديمي إلاّ ما كان لتجويدها، بصقلها، وقولبتها، وإبرازها إلى الوجود بالفعل، وعليه، فالتعارض في فهم المنطق بين العلمية والفن كان نتيجة لإغفال مكوّنات المنطق المسبقة في ذهن الإنسان بعامة.

والعسكري إنسان مزوّد بالقدرة الفطرية، حاله حال غيره من البشر، ومصقول الذهن صقلاً معرفياً بوصفه متعلماً تعليماً متناسباً مع مستواه العلمي ووظائفه الحالية والمنتظرة؛ مما يؤهله نظرياً للتفكير بطريقة منطقية. ويمكن الإشارة إلى أن تملّك هذه الآليات هو نتيجة لهذين البعدين الاثنين، أي المعطى الفطري، والبعد المكتسب من الثقافة العامة والخاصة، ويمكن أن تكون هذه الثقافة هي أساس ما يسميه (أرسطو) بالمواضع التي تشكّل مرجعيته لتمييز الأشياء والحكم عليها.

والمنطق تطوّر منذ (أرسطو) الذي وضع أسسه الأولى، أو بلورها، وصولاً إلى ما يندرج في المنطق الحديث، مما أفرز أكثر من نوع؛ فهناك المنطق الصوري، والمنطق الرياضي، والمنطق الرمزي، والمنطق الطبيعي، ولكن بالنظر إلى بيئة العسكري ندرك أن منطقه ليس منطقاً صورياً بحتاً، أو منطقاً رياضياً، فالمنطق الصوري منطق موضوع، كما أن المنطق الرياضي يرد الأفكار والأحكام وغيرها إلى حقل الرياضيات ليعبّر عنها بلغة الرموز وفق معدلاتها. وقد يكون هذا من جوانب القصور في المنطق الصوري أو الرياضي عندما يركن إلى اعتبار الصورة، مغفلاً السياق والمادة التي تجسّد الصور المنطقية. ولهذا، فيمكن أن نصنّف منطق العسكري بأنه منطق طبيعي وفق معطيات البحث الحديث، أي أنه منطق يعتمد على تفكير الإنسان، كما أنه يأخذ بالأبعاد السياقية، أو بأبعاد البيئة التي يعمل فيها العسكري، فهي التي توجّهه وتشكّل رؤيته، فلا يستطيع أن يغفل منها بعداً واحداً، كونها تدخل في صلب عمله واقعاً، من هنا وجب عليه أن يأخذها بعين الاعتبار، مع أنه قد يوظّف ما يفيد من أنواع المنطق الأخرى في سياق فعله، إن اتضحت فعاليّتها.

والعسكري يمارس أعمالاً كثيرة ومتنوعة، ومع هذا الغنى فأعماله لا تخلو حتماً من السير وفق مقتضيات المنطق المتسقة مع حاجة العمل، ونوعه، والأهداف المرجو تحقيقها فيه، بما يسمها من طرق منظّمة، لا تخضع للصدف، أو تنحاز إلى المزاج، كما تنأى عن الاعتباطية والارتجالية، مع أنها تتصف بالمرونة، والقدرة على التكيّف، وهذه من أبرز خصائص العمل المنطقي الطبيعي، وهكذا يفعل العسكريون، مما يؤكد على أن العسكري يوظّف جانب الفن من المنطق دون أن ينحصر في جانب العلم منه، أي أنه يمارس عمله منطقياً دون أن يقعد لتعلّمه.

وليس التفكير المنطقي مقتصراً على الأعمال، بل يتجاوزها إلى الأقوال، فأعمال العسكري وإن بدأت بالخطوة الفكرية العملية، إلاّ أنها تنتهي في أغلب الأحيان مكتوبة وفق تسلسل يتطابق مع صيرورته العملية السابقة. وكل تلك العمليات المنطقية مرهونة في نجاحها بقدر ما للعسكري من حظ في تملّك آليات المنطق وأدواته، وإجادة توظيفها طبقاً للسياق الذي يحيط به.

ولو نظرنا إلى مجريات العمل العسكري في أي ميدان، أو حقل معرفي، أو عملية، لألفينا المنطق هو مركب التفكير السليم، فاختيار مصطلح (معضلة) الذي يتداوله العسكريون بوصفه منطلق جميع الأعمال، له مقتضيات دلالية منطقية، مما يدل على أنه لم يكن اختياره إلاّ نتاجاً للتفكير المنطقي الذي يفترض إجراءات معينة ذات تسلسل منطقي لمعالجتها وإيجاد الحلول المثلى لها.

ولنقرّب مجريات المنطق من الواقع العملي، فعلى المستوى الاستراتيجي، نجد أن هناك ما يمكن أن يسمى بمنطق الحرب مقابل منطق السلام، وفيه يؤسس أحد الخيارين على معادلات ذات قيم ثنائية يمكن أن توصف بأنها هي القيم العليا التي توجه العمل وتقود إليه. وهي القيم التي يعبّر عنها بلغة الرموز الرياضية (+) (-)، ويترجمها العسكريون إلى اللغة الطبيعية، على التوالي، بوصفها (المغانم) و (المغارم) أو (المكسب) و (الخسائر) أو (الإيجابيات) و (السلبيات). وليست هذه القيم قيماً مطلقة، كما يفترض المنطق الصوري، بل هي قيم مقيدة بمرجعية معينة، إذ تحيل إلى الذات الفاعلة مقابل الآخر، تغدو فيها مصلحة الدولة المحاربة، أو المسالمة هي المرشد والدليل في تخطيط جميع المستويات وفي تنفيذها، إذ تتوخى أن تحقق ما يصب في مصلحتها، وهنا تنعكس هذه القيم على مستوى التخطيط العملياتي، وعلى مستوى التنفيذ التكتيكي، انعكاساً منطقياً له إجراءاته، وعملياته المنبثقة من هذه القيم العليا، فتصبح هي العين التي يسبر بها المخطط واقعه، ويرنو بها إلى مستقبله، وهو المنطق ذاته الذي يسهم في تشكيل التحالفات على المستوى الدولي، بوصف المصلحة هي القيمة التي يمكن احتسابها بالاشتراك مع دولة أو دول أخرى في سبيل إحراز النجاح، أو الاحتفاظ بالسلام.

والوصول إلى الأحكام هي ما تعني العسكري هنا، بالإضافة إلى كيف يمكن أن يصدرها ويعبّر عنها في لغة معينة يسميها المناطقة بالقضايا، بالاعتماد على علاقة لغته المنطوق بها، أو المكتوبة بالواقع الذي يعيشه. ويُعدّ انتخاب الأهداف مثلاً على المستوى الاستراتيجي أو أيّ مستوى، وتحليلها، ومنحها القيمة المتناسبة مع تأثيراتها من الشواهد البينة على ضرورة إصدار الأحكام وتمحيصها، لما تتطلبه من جهود ذهنية، وما تستلزمه من خطوات إجرائية تتسم بالتلازم والتي تنتهي حتماً بالتقارير والمصفوفات والتوصيات المعتمدة في كلّ ذلك على رؤية تحليلية وفق معايير منطقية.

وما إجراءات تقديرات الموقف، وتحليل أبعاد المعركة المعروفة، وإجراءات صناعة القرار العسكري إلاّ عمليات منطقية، تأخذ فيها الخطوات برقاب بعضها البعض، فكلّ عملية لها منطقها الداخلي الذي يفضي حتماً في نهايته إلى الخطوات التالية، وذلك عبر عمليات متعددة مثل: قياس الغائب على الشاهد، كما يصفه علماء الكلام، مما يقود إلى افتراضات يمكن أن يوثق بها، أو بعملية الاستدلالات، بوصفها عمليات تقود إلى الانتقال من حكم إلى حكم آخر، إمّا نتيجة لتجربة سابقة فتسمى حينئذٍ بالاستقراء، وإّما بدونها فتسمى بالاستنباط أو الاستنتاج. وينتج عن كل هذه العمليات وغيرها أنواع من الأحكام التقويمية والتقديرية في أثناء تحليل هذه الخطوات. ويمكن أن تكون لعبة الحرب في صناعة القرار العسكري تجسيداً لذلك، إذ تتضح في أثنائها المقابلات الثنائية للخروج بأفضل حل للمعضلة بناء على تحديد القيم المصاحبة لكل مبدأ أو معيار يرتضيه القادة، ويوعزون إلى أركاناتهم بأن يأخذوه في الاعتبار، أو يوجهونهم بإدراجه، بوصفه بعداً جوهرياً في التخطيط المبني على الحقائق الماثلة للعيان، والافتراضات القابعة في الأذهان.

كما قد تبرز الفقرة الثالثة في أمر العمليات (التنفيذ) مدى توظيف المنطق في الإجابة عن السؤال الضمني: (كيف) ببلورة تنفيذ الوحدات لمهامها، وكيفية توزيعها بناء على اعتبارات عقلية تمثّل صديً للواقع من ناحية، ومتسقة مع رغبة القائد من ناحية أخرى. وهنا تبرز ملكة التخطيط عند القادة، وأركاناتهم، وضباط الإسناد وكل من يشترك في التخطيط وإعداد الأوامر. وبالرغم من تعددهم، واختلاف تخصصاتهم، وتباين خلفياتهم العرفية، إلاّ أنه يتضح الاتساق في الأوامر، والتكامل في الخطط، وكأنها صدرت عن عقلية واحدة، وما كان ذلك ليحصل لولا توفّر كل هؤلاء على قدر معقول من التفكير المنطقي الفطري الممزوج بالمكتسب العلمي العسكري. وتوفّر هذا القدر من المنطق هو الذي يكفل سير العمل بطريقة منتظمة، ونموّ مطرد، كما يكفل للقائد راحة البال التي تفضي إلى منح الثقة مع المحاسبة المقننة.

ولا تنتهي عادة هذه الأوامر وتلك الخطط حتى تعرض على عقول القادة في ما يسمى بالإيجاز، وليكن إيجاز اتخاذ القرار. وهنا يمارس القادة مناقشات واسعة وثريّة مع أركاناتهم، يتعاورون فيها هذه الأعمال بالدفاع عن وجهات النظر من جهة، ودحضها من جهة أخرى في عملية سجالية منطقية، يمكن أن نصطلح عليها بالحِجاج، أي تقديم الحجج بوصفها دعاوى ودحضها بوصفها اعتراضات، مع ما يصاحبها من تبرير، وإعادة صياغة. وتعدّ هذه الممارسة الخطابية من أوضح العمليات التي تتفتق فيها الأذهان وتبرز المواهب، وتوظّف الملكات وفق منطق طبيعي يمكن أن ندعوه بمنطق الحجاج.

ومن جهة أخرى، فإن القادة وغيرهم من العسكريين يتعاملون مع الأقوال كما يتعاملون مع الأفعال، وذلك من خلال الأبحاث، والأنظمة، والتعاميم، والأوامر، والخطط، والتقارير ... وغيرها كثير من أصناف المكتوب، وهم في هذه الحالة لا ينفكُّون عن تفعيل الآلة المنطقية لفهم منطوقها، والاستدلال على مفهومها.

وليس التعامل المكتوب موقوفاً على مستوىً بعينه، فهو ضرورة يمارسها كل عسكري، ومن أبسط الأمثلة على ذلك كتابة الأبحاث العسكرية بما تتطلبه من منهجية علمية، وإجراء التحقيقات الإدارية، واستخلاص المعلومات الاستخباراتية، وفهم النظم الإجرائية. ومهما كان العسكري حصيفاً، فإنه لن يكتفي بالمنطوق، سواء شفاهة أو كتابة، بل لابد له من الوعي بالمفهوم وتوظيفه كما يوظّف المنطوق تماماً، وقد اهتم بعض المناطقة في القديم وفي الحديث بدراسة هذه الإجراءات المنطقية، فأبرزوا نظريات لها قيمتها العلمية والعملية.

مما سبق، يتضح حضور العامل المنطقي المتقن في فعاليات المجتمع العسكري، إن في أشخاصه، وإن في فعالياته. وهذا يثبت بأن هذا الميدان لا يباين غيره من الميادين العلمية التي تبرز فيها الآليات المنطقية. مع أننا لم نعمد إلى تحليلٍ وافٍ، أو عرض كافٍ لا للأدوات ولا للآليات، ولم نبيِّن كيف تتجسّد العملية المنطقية بضرب الأمثلة الحية وتحليلها، مع استيفاء موادها والبرهنة عليها، ولم يكن ذلك لمفارقة التنظير للتطبيق، فما هذه الأفكار إلاّ نتيجة الممارسة العملية، ولكن ذلك عائدُ إلى سعة المسألة أولاً، ولضيق المساحة آخراً، مع إدراكنا أن تناول أي عملية مثل تقدير الموقف، أو صناعة القرار، أوخطوات قيادة الجند في الميدان، أو تركيب أمر العمليات لغوياً وإخضاعه لدراسة منطقية، لكفيل بإبراز معالم التفكير المنطقي والتدليل على الدعوى بأنها تتم عبر الآليات المنطقية، وأن العسكري منطقي بطبعه.

في الختام، لم نكن نرد هنا إلاّ تسليط الضوء على هذه المنطقة، لنبصر الوشائج القوية الناشئة بين هذين الحقلين ونتبصرها، مع يقيننا أنها تستحق دراسة وافية، لما نلمس فيها من غنيً وطرافة تشي بالجدة في البحث، وتقرّب وجهات النظر، وترفع من درجة وعي الإنسان بذاته، وتجمع شتات العلوم المختلفة، فتؤسس لإطار عام يلفها لفاً علمياً محكماً.

المصدر: مجلة خالد العسكرية

 
العقيد الركن عبد الهادي الشهري
تاريخ النشر:2009-06-01 الساعة 13:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 2348
مرات الطباعة: 608
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan