الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » دراسات قرآنية

العلاقة بين الإنسان والجان كما يصورها القرآن

أ. جمال محمود أبو حسان

 

شغلت العلاقة بين الإنسان والجان الناسَ منذ القدم، وما زالت تشغلهم إلى يومنا الحاضر، وقد تنوعت أفكار الناس حول هذه العلاقة ما بين الإفراط والتفريط، حتى جاء العصر الذي نحن فيه، فغدت هذه العلاقة أكثر إشغالاً للناس، حتى طاشت في الناس فكرة غريبة، قصارى ما تؤديه بيان أن ثَمّ تسلطاً للجن على الإنسان يتحكم فيه ويصده عن سبيل الله تعالى.

وطاشت هذه الفكرة القديمة بين الناس حتى أصبحت لهم شغلاً شاغلاً، وصار في الأمة من يدّعي اليوم القدرة على إخراج هذا الجن القابع داخل جسد الإنسان، بقراءة القرآن عليه، أو ببعض العزائم الأخرى، تبعَاً لتنوع هؤلاء المعالجين، واختلاف ثقافاتهم. وعلى الرغم من شيوع ذلك بين الناس وتأذِّي كثير بسبب ذلك، ولم تتوافر بين أيدينا دراسة قرآنية علمية جادة، تحاول الإجابة عن أسئلة المحتاجين إزاء هذا الأمر الغريب الذي تضرر منه كثيرون.

وهذا البحث هو محاولة لدراسة هذا الأمر، وتبيان الحقيقة فيه، وإظهار ما فيه من الزيف، مقتصراً على القرآن الكريم؛ لأنه هو الحل الصحيح لدراسات تقوم على الموضوعية. لكن البحث اقتضى مراجعة بعض النصوص الحديثية والروايات غير المرفوعة؛ لأن تلك الروايات أقحمت في تفسير القرآن الكريم، فاقتضى الأمر الوقوف عند حقيقتها واستجلاء ما فيها.

لقد أثبتت آيات كثيرة في القرآن الكريم وجود علاقة "ما" بين الإنسان والجان بمختلف تسمياته -الجان أو الشيطان أو شياطين- قوامها على العداوة، من مثل قوله تعالى: )وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ( (الأنعام: 142) وينبغي لهذا فهم الآيات الكريمة في ضوء هذه الآية التي تحدد علاقة الإنسان بالشيطان، فهي علاقة العداء المستمر الذي لا يقبل التغيير. وقد بدأ التحذير الإلهي من عداوة الشيطان منذ خلق الله تعالى آدم، وأهبطه إلى الأرض، فكان لديه العنوان التالي:)إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ( (الأعراف: 22) وقد فهم الشيطان هذا التقدير الإلهي بالعداء بينه وبين جنس الإنسان، فقال متوعداً مهدداً: )ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(  (الأعراف: 17) ومنها قوله تعالى: )قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ( (الحجر:39) ومنها قوله تعالى: )وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً( (النساء:118) ولا تعدو الآيات الكريمة أن تحدد وتوضح هذه العلاقة بأساليب متعددة؛ إذ جاء الحديث عنها في إطار الوسوسة والإيحاء والقول والدعاء والتزيين، في معظم تصاريف هذه الآيات. ولم تُثِر هذه الآيات أيَّ مشكلة في الفهم؛ لوضوح دلالتها على المراد بشكل لا يقبل الامتراء والجدل. غير أن هناك آية واحدة أثارت من الجدل حول فهمها، مما يستدعي معه ضرورة بيان التفسير الذي لا ينبغي أن يحاد عنه؛ لاتفاق دلالته مع بقية مضامين الآيات التي تحدثت عن هذه العداوة المستحكمة. وهذه الآية الكريمة هي قوله تعالى في سورة البقرة: )الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ( (البقرة:275) إذ تعدى فهم هذه الآية من التفسير إلى أن يتكون منها شعار يدلل على مذهب معين، سلكه كثير من الناس في تبيان العلاقة ما بين الإنسان والشيطان في سياق العداوة المقررة. ومما لا شك فيه أن هناك بعض الآيات يمكن أن توضع في سياق واحد ضمن الدراسة المقررة، لبيان أن من الآيات الكريمة ما لم يكن دلالته على الإيحاء والوسوسة بشكل صريح.

أولاً: عداوة الشيطان للإنسان

ثمّة آيات عديدة في القرآن الكريم أشارت إلى علاقة ما بين الإنسان والشيطان، لكن نظمها لم يكن على وتيرة واحدة، فتارة تصوّر الآيات العداوة بصورة مباشرة وواضحة، وتارة أخرى لا يدل هذا النظم على الصورة الواضحة لذلك العداء. ونستطيع أن نتمثل الآيات المتعلقة بهذا الموضوع في النقاط التالية:

1. احتناك الشيطان للإنسان: فقد قال تعالى: )قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً( (الإسراء: 62)

وأول ما يسترعي النظر لفهم هذه الآية، هو بيان معنى كلمة (لأحتنكن) الواردة في الآية تعبيراً عمّا قاله إبليس. وقد لخصها الراغب بقوله: «يجوز أن يكون معناها من قولهم: حنَكتُ الدابة أي أصبت حَنَكَها باللجام والرسن، فيكون نحو قولك: لألجِمنَّ فلانا ولأرسننّه. ويجوز أن يكون من قولهم: احتنك الجرادُ الأرضَ: أي استولى بحَنَكِه عليها، فأكلها واستأصلها، فيكون معناه لأستولين عليهم استيلاءه على ذلك» كما أنها تستعمل عندما تجعل في حنك الدابة الأسفل حبلاً ليسهل انقيادها لمن يرغب.

وخلاصة معنى الآية أنها عبارة عن: «تمكّنه منهم بالوسوسة، تمكُّن قائد الدابة الواضع اللجام في حنكها؛ لتطيعه حيث يقودها» وهي تعبير عن شدة اعتداد إبليس -عليه لعنة الله- بنفسه، وأن إضلال عباد الله بالنسبة له-كما زعم- سهل هيّن، كما يضع الإنسان اللقمة في حنكه، بحيث يديرها في فمه كيف شاء.

2. أن الشياطين للكافرين: ومن ذلك قوله تعالى: )أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً( (مريم: 83)

ولفهم هذه الآية لا بدَّ من الوقوف على معنى كلمة "أزَّاً" وبالرجوع إلى معاجم اللغة يتبين أن الكلمة يدور معناها بحسب سياقها على الأشياء التالية: الحركة، والإزعاج، والحثّ، والدفع، والإغراء، والإغواء، والتهييج، والهزّ. هذه هي المعاني الرئيسة التي تصل إليها تلك المفردة عبر سياقات مختلفة واستعمالات متعددة. وفي اللسان ما يبين -من ضمن المعاني التي تشتملها هذه اللفظة- على أنه يراد منها شدة الهزّ، وكذا شدة الزّحام في المكان.

وبناء على هذه المعاني اللغوية، فإن هذه الآية تتحدث عن الشياطين وفِعْلِهم في بني آدم، وهو قائم على أمرين: شدة الإزعاج والتحريك والإغواء والإغراء. ورغبة الشياطين أن يكون هناك زحام وتراكض واجتماع على المعصية، وكأن الاجتماع على المعاصي من مستلذات الشياطين. وهذه المعاني هي التي دار حولها المفسرون في تفاسيرهم.

3. تسخير الشياطين للإنسان: قال تعالى: )وَمِنْ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِين( (الأنبياء: 82) وقال تعالى: )وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ( (ص: 37)

وهاتان الآيتان تدلان بظاهرهما على أن للشيطان أو الشياطين عملاً من الأعمال البارزة والظاهرة. فهل تدل هاتان الآيتان على أن الشياطين يمكن أن تعمل مثل هذه الأعمال للناس؟

الظاهر أن هذا الأمر لم يقع إلا لسيدنا سليمان، وعلى جهة التسخير والإعجاز، يدل على هذا سياق الآيات التي تحدثت عن هذه القضية.

ويظهر هذا جلياً في آيات في سورة ص. وبناء على هذا، فإنه لا يوجد ما يشفع لما يشيع بين الناس من استخدام الجن في أعمال ما؛ و قد ذهب السعدي في تفسيره إلى أن هذا من خصائص نبي الله سليمان عليه السلام وحده.

4. استحواذ الشيطان على الإنسان: قال تعالى: )اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمْ الْخَاسِرُونَ( (المجادلة:20)

والمقصود هنا بيان معنى كلمة استحوذ في اللغة، وكيف استعملها مفسرو القرآن الكريم. جاء في لسان العرب: «حاذ إبله يحوذها: ساقها سوقاً شديداً. وأحوذ السير: سار سيراً شديداً. واستحوذ: غلب. ومعنى الآية استولى عليهم وحواهم إليه» فالاستحواذ إذن هو الاستيلاء والغلبة. وأما المفسرون فلم تخرج تلك الكلمة في تفاسيرهم عمّا هو موجود عند اللغويين، وإنما اختلفت عباراتهم زيادة ونقصانا، تحديداً وتعميماً. ولم يذكر هؤلاء المفسرون كيفية هذا الاستحواذ المشار إليه في الآية غير أن بعضها قد أشار إلى ذلك؛ ففي تفسير النسفي نقلاً عن شاه الكرماني: "استحواذ الشيطان على العبد: أن يشغله بعمارة ظاهره من المآكل والمشارب والملابس، ويشغل قلبه عن التفكر في آلاء الله ونعمائه والقيام بشكرها، ويشغل لسانه عن ذكر ربه بالكذب والغيبة والبهتان، ويشغل لبه عن التفكر والمراقبة، بتدبير الدنيا وجمعها."

5. مشاركة الشيطان للإنسان في ماله وولده: قال تعالى: )وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَولادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً.( (الإسراء: 64)

قال الرازي في تفسيره: «أما مشاركته إياهم في الأموال فعبارة عن كل تصرف قبيح في المال سواء أكان ذلك القبيح بسبب أخذه من غير حقه، أم بسبب وضعه في غير حقه، ويدخل فيه الربا، والغصب، والسرقة، والمعاملات الفاسدة... وأما المشاركة في الأولاد فهي في كل تصرف من المرء في ولده على وجه يؤدي إلى ارتكاب منكر أو قبيح فهو داخل في هذه المسألة.»

6. استمتاع الإنس والجن بعضهم ببعض. قال تعالى: )وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدْ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنْ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنْ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ( (الأنعام: 128)

ويبدو تعلق هذه الآية بالموضوع الذي نحن فيه، ببيان معنى قول الفرقاء الذي ذكره الله تعالى عنهم: "وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنْ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا؛" إذ يمكن أن نشتمّ رائحة المعنى المذكور من خلال التفسير، لكن ما أود قوله: إن الرازي رحمه الله تعالى أوجز معاني هذه الآية عمّن تقدمه من المفسرين وتلاحق به من تبعه منهم، فهو يقول: "في هذا قولان: الأول: إن قولهم: "اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ " المراد منه استمتع الجن بالإنس والإنس بالجن، وعلى هذا القول، ففي المراد بذلك الاستمتاع قولان:

القول الأول: إن معنى هذا الاستمتاع هو أن الرجل كان إذا سافر فأمسى بأرض قفر وخاف على نفسه، قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، فيبيت آمناً في نفسه، فهذا استمتاع الإنس بالجن. وأما استمتاع الجن بالإنس، فهو أن الإنسي إذا عاذ بالجني كان ذلك تعظيماً منهم للجِن، وذلك الجني يقول: قد سُدّتُ الجن والإنس؛ لأن الإنسي قد اعترف له بأنه يقدر أن يدفع عنه. وهذا قول الحسن وعكرمة والكلبي وابن جريج، واحتجّوا على صحته بقول الله تعالى: )وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً.( (الجن: 6)

والوجه الثاني في تفسير هذا الاستمتاع: أن الإنس كانوا يطيعون الجن، وينقادون لحكمهم، فصار الجن كالرؤساء، والإنس كالأتباع والخادمين المطيعين المنقادين الذين لا يخالفون رئيسهم ومخدومهم في قليل ولا كثير، ولا شك أن هذا الرئيس قد انتفع بهذا الخادم. فهذا استمتاع الجن بالإنس. وأما استمتاع الإنس بالجن فهو أن الجن كانوا يدلونهم على أنواع الشهوات واللذات والطيبات، ويسهلون تلك الأمور عليهم. وهذا القول اختيار الزجاج. قال: وهذا الوجه أولى من الوجه المتقدم، والدليل عليه قول الله تعالى: )قَدْ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنْ الإِنس( ومن كان يقول من الإنس: أعوذ بسيد هذا الوادي قليل.

والقول الثاني: أن قوله تعالى: )رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ( هو كلام الإنس خاصة؛ لأن استمتاع الجن بالإنس وبالعكس أمر قليل نادر لا يكاد يظهر، أما استمتاع بعض الإنس ببعض فهو أمر ظاهر. فوجب حمل الكلام عليه. وأيضا قوله تعالى: )وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنْ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ( كلام الإنس الذين هم أولياء الجن، فوجب أن يكون المراد من استمتاع بعضهم ببعض استمتاع، بعض أولئك القوم ببعض."

هذا كلامه وقد ذكر هذه الأقوال كثير من المفسرين.

7. طمث الجن لنساء البشر: وهذا ماثل في قوله تعالى: )فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ.( (الرحمن: 56)

ولا بد لفهم هذه الآية، وبيان علاقتها بما نحن فيه، أن نبين معنى "الطمث" الوارد فيها أولاً؛ فقد جاء في معاجم اللغة أن هذه الكلمة في لغة العرب لها عدة معان لخصها ابن فارس في معجم المقاييس قائلاً: "الطاء والميم والثاء، أصل صحيح يدل على مسِّ الشيء. قال الشيباني: الطمث في كلام العرب المسُّ، وذلك في كل شيء، يقال: ما طمث ذا المرتع قبلنا أحد. قال: وكل شيء يطمث. ومن ذلك الطامث وهي الحائض،.. ويقال طمث الرجل المرأة: مسّها بجماع. وهذا في هذا الموضع لا يكون بجماع وحده. قال الله تعالى: "لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ." قال الخليل: طمثتُ البعير طمثاً، إذا عقلته. ويقال: ما طمث هذه الناقة حبل قط، أي ما مسَّها. وأما قول عدي:

طاهر الأثواب يحمي عرضه من خنى الذمة أو طمث العطن

فقال قوم: الطمث: الدنس." وعلى هذا فإن هذه المادة مستعملة في عدة معان هي: المس-الحيض-الدم-الجماع-النكاح- الفساد-العقل. وإنما الذي يحدد المعنى المقصود من هذه المعاني هو السياق الذي تقع فيه هذه الكلمة. وسياق الكلمة واقع في الحديث عن حورٍ عِين مطهرات، لم يسبق لهن الاتصال بأحد، ولا تعلق لهن إلا بما خلق الله لهن من أزواج. ورأى الراغب الأصفهاني أن معنى هذه الكلمة هو دم الحيض. ومعنى الآية أي لم يفتضهن. وسننظر الآن فيما توجهت إليه أنظار المفسرين حول هذه الآية:

جاء في تفسير ابن جزي: "لم يطمثهن" معناه لم يفتضهن، وقيل الطمث: الجماع سواء أكان لبكر أم لغيرها، ونفى أن يطمثهن إنس أو جان، مبالغة وقصداً للعموم، فكأنه قال: لم يطمثهن شيء. وقيل أراد لم يطمث نساء الإنس إنس، ولم يطمث نساء الجن جن، وهذا القول يفيد بأن الجن يدخلون الجنة، ويتلذذون فيها بما يتلذذ البشر."

وقد لخص الألوسي هذه الأقوال قائلاً: «ونفى طمثهن عن الإنس ظاهر، وأما عن الجن فقال مجاهد والحسن: قد تجامع الجن نساء البشر مع أزواجهن إذا لم يذكر الزوج اسم الله تعالى، فنفى هنا جميع المجامعين، وقيل: لا حاجة إلى ذلك، إذ يكفي في نفي الطمث عن الجن إمكانه منهم. ولا شك في إمكان جماع الجني إنسية بدون أن يكون مع زوجها غير الذاكر اسم الله تعالى، ويدل على ذلك ما رواه أبو عثمان سعيد بن داود الزبيدي قال: كتب قوم من أهل اليمن إلى مالك يسألونه عن نكاح الجن، وقالوا: إن ههنا رجلاً من الجن يزعم أنه يريد الحلال؟ فقال: ما أرى بذلك بأسا في الدين، ولكن أكره إذا وُجدت امرأة حامل قيل: من زوجك؟ قالت: من الجن. فيكثر الفساد في الإسلام. ثم إن دعوى أن الجن تجامع نساء البشر جماعاً حقيقياً مع أزواجهن إذا لم يذكروا اسم الله تعالى غير مسلمة عند جميع العلماء. وقوله تعالى: )وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَولادِ( غير نص في المراد كما لا يخفى... ثم ذكر ما مرَّ عن ضمرة بن حبيب وقال: ظاهره أنّ ما للجن لَسْنَ من الحور. ثم قال: ونقل الطبرسي عنه أنهن من الحور وكذا الإنسيات».

وإني لأعجب أشد العجب من قراءتي لمثل هذا الكلام، ويشتد عجبي أكثر كلما رأيت مفسراً يفسر الآية بمعنى يبعد بالكلمة عن سياقها الذي جاءت فيه لمعانٍ متوهمة لا أصل لها. وهذا الكلام الذي مضى عن المفسرين ينبغي التعليق عليه من جهات عدة:

1. إنه وإن كانت هذه الكلمة المفسرة في الآية تحتمل هذه المعاني اللغوية، إلا أن السياق لا يقبل كثيراً منها تفسيراً للآية الكريمة.

2. إنه لمن أشد العجب أن يختلف المفسرون هذا الاختلاف، والآية تتحدث عن قضية من قضايا الآخرة، وقضايا الآخرة لا يمكن حملها على ما في الدنيا أو العكس، فالموازين مختلفة.

3. إذا سلمنا جدلاً بأن معنى الطمث هو النكاح، فهو نكاح في الآخرة، فكيف سرى الوهم بسؤال فحواه: وهل تنكح الجن نساء الإنس في الدنيا؟ فأي صلة لهذا السؤال بهذه الآية الكريمة؟!

4. إن ما ذكره المفسرون من الاستدلال بهذه الآية على جواز وقوع المناكحة بين الجن والإنس في الدنيا، فمع أنه لا تعلق له مباشرة بهذه الآية، فإن الدليل الذي استدلوا به هو ما روي عن مجاهد في هذه المسألة، وقد بينت بطلانه بما لا مزيد عليه.

5. إننا يجب أن نعلم أننا عندما نقول إن عندنا دليلاً على مسألة "ما" فإننا نعني أن الدليل مقصود به آية من كتاب الله عز وجل أو حديث نبوي صحيح. وبناء عليه فلا يصح جعل قول الإمام مالك في المسألة الموجهة إليه دليلاً شرعياً على ثبوتها؛ إذ إن هذا لو صح عن الإمام مالك، لما عدا أن يكون رأياً من آرائه، لم تشفع الأدلة بصحته، ولا يمكن قبوله.

6. إن التفسير الصحيح لهذه الآية هو ما ذكرته عن ابن جزي، وفصّله الألوسي بعض التفصيل، وفي جواب الألوسي خير كثير. ولا داعي لمثل هذه التفريعات التي تنأى بالآية بعيداً عن سياقها الذي جاءت فيه.

7. وأما ما يعزى للإمام مالك فلم أجده إلا عند السيوطي، وكذا عند الحموي؛ إذ قالا: "روى أبو عثمان بن سعيد بن العباس الرازي في كتابه الإلهام والوسوسة قال: حدثنا مقاتل عن سعيد بن داود الزبيدي." وبعد تحرٍ عن أبي عثمان وجدتُ بأنه حصل تصحيف في اسم الراوي عن مالك، فهو أبو عثمان سعيد بن داود بن أبي زنبر المدني وليس الزبيدي؛ لأنه لا وجود له فيمن روى عن مالك. وأما الزنبري هذا فقال فيه في التقريب: يروي المناكير عن الإمام مالك. فهذا إسناد مظلم لا يحتج به.

8. مسُّ الشيطان للإنسان: قال تعالى: )إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ( (الأعراف: 201) وقد أدخلت هذه الآية لورود لفظ المسّ فيها، وهو ما نرجو الآن تحقيق معناه حتى يسهل علينا الحديث عن آية البقرة فيما بعد، فأقول: من خلال القراءة في كتب اللغة يمكن أن نصل إلى أن كلمة مسّ تستعمل في لغة العرب استعمالات عديدة هي: اللمس، والوطيء، والقرب، والتعرض، والجس، والإصابة بالجنون، والجماع، والإصابة، وأول درجات التعب، والمسك باليد، والمعاقبة، ومستعار للأخذ، ومستعار للضرب، ومستعار للجماع، والملاقاة، والتخبط، وكناية عن لين الجانب وحسن الخلق. ولا يمكن أن تكون هذه المعاني مرادة دفعة واحدة، وإنما يحدد السياق ما هو مطلوب. وقد تبين من خلال ما ذكره علماء اللغة أن لفظة المسّ ليست حقيقة في الجنون والنكاح، وإنما هي من قبيل الكنايات.

وفي تفسير هذه اللفظة في هذا الموضع من القرآن الكريم جاء في كتاب الناسخ والمنسوخ للنحاس: "مَسَّهُمْ طَائِفٌ" يعني عارض وسواس منه تذكروا وعد الله تعالى ووعيده وعقابه، فإذا هم مبصرون الحق آخذون بما أمرهم الله عز وجل به من التحامل عند الغضب، والغلظة على من قد نهوا عن الغلظة عليه. وبعد أن نقل الطبري عن مجاهد أن معنى طائف من الشيطان الغضب، ونقل عن غيره أن المراد الوسوسة، وعن آخر أن المراد لمّة من الشيطان، قال: «وهذه التأويلات متقاربة المعنى، فإن الغضب من استزلال الشيطان، واللمَّة من الخطيئة منه أيضاً، وكل ذلك من طائف الشيطان. وإذا كان ذلك كذلك، فلا معنى لخصوص معنى دون معنى، بل الصواب أن يعمَّ كما عمَّه جلَّ ثناؤه . فيقال: إن الذين اتقوا إذا عرض لهم عارض من أسباب الشيطان، أياً ما كان ذلك العارض، تذكروا أمر الله وانتهوا إلى أمره». انتهى بتصرف يسير. وعلى هذه الأقوال التي جاءت عند الطبري توارد المفسرون في تفاسيرهم.

9. مسّ الشيطان لأيوب عليه السلام: قال تعالى: )وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ( (ص: 41) وقد ورد في موضع آخر من متشابه اللفظ حول هذه القصة قوله تعالى: )وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ( (الأنبياء: 83) ففي الآية الأولى نسب الضر للشيطان، وفي الثانية لم ينسبه. ولا شك أن لهذا الأمر دلالته كما سنبينه إن شاء الله تعالى.

وقبل تفحص كتب التفسير ننقل كلاماً مهماً للدكتور فضل عباس؛ إذ قال: «إنّ ما قصه القرآن علينا من خبر أيوب عليه الصلاة والسلام، لم يكن فيه من غرابة الشأن ما يخرجه عما ألفه الناس، ومع ذلك وجدنا القصاصين عشّاق الإسرائيليات، ينسجون حول هذا الخبر ما يجوز وما لا يجوز، وما يصح وما لا يصح، بل ما يتنافى مع عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وكرامتهم. كل ما أفادته قصة أيوب عليه الصلاة والسلام أنه ابتُلِي بمرض وببعض المصائب، ولكنه صبر، وتضرع إلى ربه، فمنَّ الله تعالى عليه بالشفاء، وهداه إلى ماء يمكن أن يغتسل به ويشرب؛ ليكون بُرْءاً لمرضه، ثم إن أهله قد تفرقوا عنه، فأكرمه الله تعالى حيث ردهم عليه، وكان مثلهم معهم من بنيهم. كما قص علينا القرآن الكريم أن أيوب عليه السلام حلف أن يضرب بعض أهله لأمر حدث منهم، لم يقصه علينا القرآن؛ لأنه لا عبرة فيه، حلف أن يضربهم عدداً معيناً، فأوحى الله إليه أن يأخذ بيده ضغثا فيضرب به... ولكنهم -أي القصاصين- أثاروا حول ذلك كثيراً وكثيراً، فذكروا أخباراً في سبب ما أصاب أيوب، وهي أخبار كاذبة بالطبع. ثم ذكروا أن مرضه عليه الصلاة والسلام كان من تلك الأمراض المنفرة، فذكروا أن جسمه كان مرتعاً للدود إلى غير ذلك من الأخبار الكاذبة الشاذة التي لا تجوز على الأنبياء. ثم قالوا: إن أهله ماتوا جميعاً، ولكن الله أحياهم له بعد ذلك، وأعطاه مثلهم معهم. ثم ذكروا أن امرأته قد أخطأت خطأ حيث تصور لها الشيطان ودلّها على شفاء أيوب بعمل شيء محرم، فحلف أيوب أن يجلدها مئة جلدة...كل ذلك مما لا ينبغي أن يعول عليه ولا أن يركن إليه».

هذه هي خلفية تفسير هذه الآيات، ومن المؤسف أن يقع فريسةَ هذه الأخبار الشائنة مفسرون كبار كالطبري وابن كثير والبغوي وغيرهم. وقد فصّل أبو بكر ابن العربي الرد على المفسرين في كلام يحسن الإشارة إلى موضعه والاكتفاء بالإشارة عن النقل لطوله، وللمستزيد الرجوع إليه.

ويبدو أن التفسير الجائر لهذه الآية مبني على أمرين:

الأول: تلك الروايات الإسرائيلية الباطلة.

والثاني: مبني على تفسير الكلمات: "الضُّر" و"نُصْب وعذاب" الواردة في معرض الحديث عن المرض. وسنبين في نهاية الحديث عن الآية ما في هذا التفسير. لكن لنتابع الآن بعض ما في كتب التفسير المهمة في غايتنا المنشودة. فقد جاء أيضاً في تفسير الجلالين ما نصه: "مسني الشيطان بنصب وعذاب" أي ضر وألم، ونسب ذلك إلى الشيطان وإن كانت الأشياء كلها من الله تأدباً معه تعالى.

وذهب النحاس في تفسير هذه الآية المسند فيها الفعل للشيطان قائلاً: "إن هذا مما لحقه من وسوسة الشيطان لا غير." وجاء في تفسير الألوسي: "إن جمعا من المفسرين قالوا: إن النصب والعذاب ليسا ما كان له من المرض والألم، أو المرض وذهاب الأهل والمال. بل أمران عرضا له وهو مريض فاقد الأهل والمال، فقيل: هما ما كانا له من وسوسة الشيطان إليه في مرضه من عظم البلاء والقنوط من الرحمة والإغراء على الجزع، كان الشيطان يوسوس له بذلك، وهو يجاهد في دفع ذلك حتى تعب وتألم على ما هو من البلاء، فنادى ربه يسترفه عنه ويستعينه عليه. وقيل كان من وسوسة الشيطان إلى غيره سواء أكان ذلك لامرأته أم لبعض أتباعه... . ثم قال: والإسناد على جميع ما ذكر باعتبار الوسوسة، وقيل: غير ذلك، والله أعلم."

وبعد فالراجح الذي لا ينبغي تجاوزه في تفسير هاتين الآيتين أن ما أصاب أيوب عليه السلام إنما هو بسبب وساوس الشيطان لا غير. هذا هو الأنسب والأليق، لعصمة هذا النبي الصابر عليه السلام.

ثانياً: تخبط آكل الربا من مسِّ الشيطان

قال تعالى: )الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ.( (البقرة: 275)

وهذه الآية هي التي يدور عليها قطب الرحى في موضوع الجان وعلاقته ببني الإنسان؛ إذ استغلت هذه الآية على نحو عجيب في إثبات ظاهرة ما يُسمى بـ(تلبُّس الجان للإنسان). وسيكون التفسير لهذه الآية قائماً على بيان ما ورد في تفسير كلمة "يقومون،" و معنى تخبط الشيطان، وبيان التشبيه الحاصل في الآية بإبراز طرفيه.

ولا بدَّ من بعض الإشارات قبل البدء بالتفسير:

الإشارة الأولى: لم يصح في تفسير هذه الآية حديث واحد مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

الإشارة الثانية: يُفَسِّر كثير من الناس وطلبة العلم هذه الآية على النحو التالي؛ إذ يقولون: إن هذه الآية من أصرح الأدلة القرآنية على أن الشيطان يدخل إلى جسم الإنسان، ويتحكم فيه من داخله -ويسمونه تلبّس الجان- فيصيبه بالأمراض والأسقام والأوجاع وخصوصاً مرض الصرع. وصاروا يطلقون عليه تبعاً لبعض المتقدمين من الأعلام اسم (صرع الجن). ولا يخفى أن هذا التفسير منتشر في أوساط العامة والمثقفين انتشاراً كبيراً، وهذا ليس إلا لأن هذه المسألة -حتى اليوم- لم تُدرس دراسة علمية موضوعية. وإنما تُسقَطُ هذه الآية على تصَوّر مركوز في الأذهان؛ لتكون دليلاً على صحة ذلك التصور، لا أن ذلك التصور مستنبط منها، وسنرى ذلك واضحاً في هذا البحث.

الإشارة الثالثة: إن تعبيرات: صَرَع الجن، وتَلَبُّس الشياطين، ودخول الجن إلى أبدان المصروعين. وما يقاربها من الألفاظ، كل هذا لم يثبت به خبر صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه.

الإشارة الرابعة: إن هذا التفسير على هذا النحو لم يندرج في كتب التفسير إلا على أثر ما ذكره القرطبي في تفسيره، ولا أعلم أحدا من المفسرين في تفاسيرهم قبل القرطبي قد ذكر ذلك. وعلى أثره توارد المفسرون على نقل هذا الكلام دون تمحيص. حتى صار اليوم دِيناً يدافع الناس عنه ويشنؤون من ينكره. وهكذا يصنع النقل غير المحرر في النفوس.

ولا بد لنا أولاً قبل أن نلج إلى التفسير أن نحرر السياق الذي وقعت فيه الآية الكريمة؛ فقد ذكر الطبري وغيره عن ابن عباس وابن مسعود وبعض التابعين أن المراد بقيام آكلي الربا إنما هو يوم القيامة أو حين القيام من القبور. وهذا يعني أن الآية تتحدث عن يوم القيامة. وقد تفحصت هذه الأقوال من القائلين ما اقتضى إبداء الملاحظات التالية:

1. إنّ أمر السياق -وإن كان اجتهادياً- لكنه يقطع أمرَه أيُّ نص يثبت عن المعصوم صلى الله عليه وسلم. وفي هذه الآية الكريمة لم يثبت في أمرها حديث مرفوع على الإطلاق، لا يبين سياقها ولا يقطع الناسَ في تفسيرها، فبقي الأمر على الاجتهاد.

2. إنّ ما شجع المفسرين على اعتماد هذا القول، ما عزوه إلى ابن عباس رضي الله عنه في تفسيرها، وما عزوه لابن مسعود رضي الله عنه من أنه كان يقرأ: "لا يقومون من قبورهم" فبناء على هذا العزو كان هذا التفسير.

3. لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه الكثيرة عن الربا وآكليه ما يشير إلى ظهور هذا الصنف من الناس على هذا النحو.

وما روي عن ابن عباس رضي الله عنه فقد أخرج الطبري روايتين كلتاهما من طريق ربيعة بن كلثوم البصري عن أبيه. وربيعه وثقه في الجرح والتعديل عن يحيى بن معين وقال الرازي: صالح. ووثقه العجلي وقال النسائي: ليس بالقوي وقال الحافظ ابن حجر: صدوق يهم. وأما والده فكلثوم بن جبر البصري، وثقه في الجرح والتعديل، ووثّقه العجلي، ونقل في لسان الميزان: توثيقه عن ابن حبان. وقال في ميزان الاعتدال: كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير، قال النسائي: ليس بالقوي، ووثقه أحمد. وقال في التقريب: صدوق يخطئ.

وبناء على ترجمة الرجلين يكون هذا الإسناد من قبيل إسناد الحديث الضعيف المعتبر به، فإذا وُجدت لهذا الحديث متابعات تَقَوَّى بها، وإلا فهو من قبيل الحديث الضعيف. وهذا الحديث ليس له أي متابعة.

وأخرج ابن أبي حاتم رواية مشابهة عن ابن عباس من طريق جعفر بن ابي المغيرة عن ابن عباس: أن آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً يخنق. وهذا الإسناد من طريق جعفر بن أبي المغيرة، ذكره في الميزان وقال: صاحب سعيد، كان صدوقاً، وقال ابن مندة: ليس هو بالقوي في سعيد. وقال في التقريب: صدوق يهم. وذكره الإمام أحمد في العلل، وقال: ثقة. وهذا حديث ضعيف.

وأما ما نُسِب إلى ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرأ: «لا يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس» فهذا إسناد ضعيف؛ لأن فيه عبد الله بن أبي مريم الغساني وقد ضعفه في الكامل وقال: ليس بشيء. وضعّفه الذهبي في المغني. وقال في اللسان: لا يكاد يعرف وخبره منكر. وضعفه في التقريب. وبناء على هذا فما عُزِي إلى ابن مسعود رضي الله عنه من قراءة الآية على هذا النحو لا يعول عليه، ولا ينبغي أن يلتفت إليه.

وأما ما يروى من مرفوعات الأحاديث، فلم أجد إلا ما رواه الطبراني من طريق الحسين بن عبد الأول قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إياي والذنوب التي لا تغفر، الغلول فمن غل شيئا أُتِيَ به يوم القيامة، وآكل الربا، فمن أكل الربا بعث يوم القيامة مجنونا يتخبط، ثم قرأ: )الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ( (البقرة: 275)" وقد رواه الخطيب البغدادي بنفس طريق الطبراني. وهذا الحديث ذكره الهيثمي في المجمع، وقال: هو حديث ضعيف؛ لأنه من رواية الحسين بن عبد الأول، وهو ضعيف.

والحسين بن عبد الأول ذكره في الجرح والتعديل، وقال: سألت أبا زرعة عنه، فقال: روى أحاديث لا أدري ما هي، ولست أحدث عنه، ولم يقرأ علينا حديثه. وفي اللسان عن يحيى بن معين قال: كذّابو زماننا أربعة، وذكر منهم الحسين بن عبد الأول. وبناء على ما سبق فإن الحديث من قبيل الموضوعات.

والذي يترجح لدي في تفسير هذه الآية أنها تحكي الحالة النفسية المضطربة لآكلي الربا بعد بيان أنه ما من ذنب قد أعلن الله تعالى الحرب على مرتكبيه إلا هذا الذنب. فالمسلم يدرك عظم الذنب من أكل الربا وحرمته، لكن وساوس الشيطان التي تأتيه من كل باب؛ لتزين له ما في الربا من المنافع، وتزين له التسويف في الابتعاد والتوبة، فتصبح نفس الإنسان من داخلها في تنازع شديد بين أمرين: أولهما: حرمة الربا والوعيد الشديد عليه. وثانيهما: ما يُصوّر له من منافع الربا. فتصبح في نفس الإنسان المرتكب لهذه الحماقة حرب نفسية طاحنة. فإما أن يتغلب الشرع الإلهي بما فيه من أوامر ونواهٍ، وإما أن يغلب على تلك النفس النوازعُ الشيطانية الشديدة. ولذلك ترى كثيراً من متعاطي الربا لا يذوقون للنوم طعماً إلا بالعقاقير المهدّئة. وأما في النهار حيث العمل والنشاط فلعمرك ما أنت راء من الجشع والطمع ما أنت رائيه في تحركات هؤلاء وتصرفاتهم. هذا هو ما تحكيه الآية، وليس فيه للشيطان إلا أنه سوّل لهم هذا المنكر بوسوسته وإيحائه. هذا هو الراجح لدي. ويسوغ هذا الترجيح:

1. أنه ليس في كتاب الله تعالى ما يدل على أن هناك أي تأثير للشيطان على الإنسان إلا بالوسوسة والإيحاء والدعاء.

2. أن الله تعالى قد قال عن إبليس حين تملّص من تبعات إضلاله العباد: )وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.( (إبراهيم: 22) وهذا في مقام الاعتراف، والاعتراف كما يقال: أصرح الأدلة. ولما كان هذا الاعتراف أمام الخلائق كلها، ولم يوجد أحد يعترض على هذا الكلام دل على صدقه في نفسه، هذا مع حاجة الناس إلى أن يدفعوا عن أنفسهم تبعات هذا الضلال الذي وقعوا فيه.

3. إن الله تعالى قد أخبر نبيه عن أحوال الأمم الماضية فقال: )تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمْ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.( (النحل:63) فلو كان للشيطان سبيل على الإنسان غير ما هو مبين في هذه الآية من التزيين لوجب بيانه؛ لأن هذا في مقام بيان أحوال الأمم الماضية مع الشيطان تحذيراً للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته من مكائده.

4. ذكر الله تعالى في غير موضع أنه ليس للشيطان على عباده سلطان، كما في قوله تعالى: )إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ.( (الحجر:42) ولنتأمل قوله تعالى: )قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ( فإنه صريح في ما أُعطي الشيطان من اقتدار على الإنسان، وأنه ليس إلا الوسوسة والإغراء والإغواء والتزيين، وليس التسلط.

5. قال الله تعالى وهو يحكي عن تكبر إبليس وطغيانه: )قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ*ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ.( (الأعراف: 16-17) فلو كان للشيطان اقتدار على أن يدخل إلى جسم الإنسان ويتحكم فيه، وأن هذا الطريق يحقق له أمانيه في صد الناس عن سبيل الله، فلِمَ لم يقل: لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ومن دواخلهم؟

وثَمّ أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يمكن أن تكون في المحل ذاته من الاستنباط، نذكر منها ما يلي:

1. ورد عن ابن عباس وغيره أن بعض الصحابة شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما يجدونه من عنت الشيطان في عباداتهم، فقال لهم جواباً ورد بعدة صور هي: "الحمد لله الذي رد أمره إلى الوسوسة،" و"الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة،" و"الحمد لله الذي لم يقدر منكم إلا على الوسوسة،" و"الحمد لله الذي لم يقدر لكم إلا على الوسوسة." ولم أقرأ لأحد ممن اعتنى بالحديث أنه ضعّف هذا الحديث أو طعن فيه. بل قال الشيخ شعيب الارناؤوط في تحقيقه على المسند: حديث صحيح على شرط الشيخين. بل لقد ابن حبان يعقد باباً من أبواب كتابه فيسميه: "باب ذكر البيان بأن لا قدرة للشيطان على ابن آدم إلا على الوسوسة فقط." وذلك استنباطاً من هذا الحديث. وهذا الحديث بألفاظه المختلفة هو من قبيل القصر الحقيقي بلا ريب، فهو يقصر فعل الشيطان على الوسوسة، ويحصر فعله فيها وحدها.

2. جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يوماً أراد توديع زوجه صفية وقد زارته في معتكفه ليلاً، وبينا هو يمشي معها إذ رآه اثنان وقيل واحد من أصحابه فأسرعا السير، فقال عليه الصلاة والسلام: على رسلكما إنها صفية، فقالا سبحان الله، فقال عليه الصلاة والسلام: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم. وفي رواية أخرى في البخاري"إني خشيت أن يقذف في قلوبكما أمراً." وهذا الحديث مع وضوح المعنى المراد به، بدلالة السياق الذي ورد فيه، إلا أن العلماء اختلفوا في تفسيره، فذهب اللغويون إلى أن المراد أنه تمثيل للوسوسة، لا أن الشيطان يدخل إلى جوفه، قال بهذا القول: ابن منظور، وابن الأثير، والأزهري، والكفوي، والنووي في تهذيب الأسماء. ونُقل في فيض القدير شيءٌ من خلاف العلماء حول معنى هذا الحديث فقال: "قال القاضي وهذا إما مصدر أي يجري مثل جريان الدم، في أنه لا يحس بجريه، كالدم في الأعضاء، ووجه الشبه شدة الاتصال، فهو كناية عن تمكنه من الوسوسة، أو ظرف ليجري، ومن الإنسان: حال منه، أي يجري مجرى الدم كائنا من الإنسان، أو بدل بعض من الإنسان: أي يجري في الإنسان حيث يجري فيه الدم، انتهى. وقال ابن الكمال هذا تمثيل وتصوير: أراد تقرير أن للشيطان قوة التأثير في السرائر، فإن كان متفرداً منكراً في الظاهر فإليه رغبة روحانية في الباطن، بتحريكه تنبعث القوى الشهوانية في المواطن، قال أعني ابن الكمال: ومن لم يتنبه لحسن هذا التمثيل ضل في رد ذلك المقال وأضل. حيث قال: )قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ*ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ( (الأعراف: 16-17) كالدلالة على بطلان ما يقال إنه يدخل في بدن الآدمي ويخالطه؛ لأنه إذا أمكنه ذلك لكان ما يذكره في باب المبالغة أحق. وجاء في مرقاة المفاتيح: واختلفوا في معنى قوله: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم،" فقيل هو على ظاهره، وإن الله جعل له قوّة وقدرة على أنه يجري في باطن الإنسان وعروقه مجرى الدم فيها. وقيل استعارة لكثرة وساوسه، فكأنه لا يفارقه كما لا يفارقه الدم، وقيل يلقى وسوسته في مسام لطيفة من البدن فتصل إلى القلب."

ويحق للإنسان أن يعجب من هذا الاختلاف الذي مرده إلى أمرين اثنين:

الأمر الأول: الغفلة عن السياق الذي ورد فيه هذا الحديث. فإنه لا محالة يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم خشي أن يوسوس الشيطان لهما شيئاً، فيتهمان رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فيقعان في الكفر عياذاً بالله تعالى. وقوله صلى الله عليه وسلم: "خشيت أن يقذف في قلوبكما أمراً" واضح الدلالة على أن المراد به يوسوس لهما.

الأمر الثاني: القول بأن "من" بمعنى "في". وهذا وهن في القول، فإن تناوب حروف الجر مذهب ضعيف، لا يليق تخريج بلاغة النبي صلى الله عليه وسلم عليه. وما الذي كان يحول بين النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: يجري في ابن آدم، لو كان المراد ما ذكروه.

ثالثاً: مصدر روايات التلبُّس

ليس في كتاب الله تعالى محل واحد يدل على أن الشيطان يدخل داخل الإنسان ويتحكم فيه، ولا أعلم في سنة النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً صحيحاً يدل على هذا، وما ورد من الحديث مما يوهم خلاف ذلك، فالواجب رده إلى ما في القران الكريم، وبما أنه ليس في القران ولا في السنة ما يدل على ذلك. فإنه يحق لنا التساؤل، من أين تسرّب هذا الأمر إلى المسلمين؟

الذي أقوله إن موضوع تلبس الجان للإنسان قد سرى إلينا من الإنجيل سريان الإسرائيليات إلى تراثنا، ومما يؤكد هذا: أنه لم يثبت في كتاب الله تعالى على الإطلاق ما هو صريح في إثبات هذا الأمر، ولا أعلم في السُّنة حديثاً صحيحاً صريحاً يثبت هذا الأمر، فضلاً عن أن المؤرخ جواد علي نصّ في غير ما موضع من كتابه (المفصّل) على أن الشعراء الجاهليين الذين نقلت عنهم أخبار الجان ومحاوراتهم، كانوا على علاقة بأهل الكتاب، وعلى اطّلاع على كتبهم أيضاً.

ولو أمعنا النظر في الأناجيل؛ لرأينا ذلك جلياً؛ إذ جاء في إنجيل مرقس ما نصه: «وكان في مجمعهم رجل فيه روح نجس فصاح قائلاً ما لنا ولك يا يسوع الناصري أأتيت لتهلكنا. قد عرفتك من أنت؟ إنك قدوس الله. فانتهره يسوع قائلاً: اخرس واخرج من الرجل. فخبطه الروح النجس وصاح بصوت عظيم وخرج منه. فدهش جميعهم وجعلوا يسألون بعضهم قائلين: ما هذا الأمر وما هذا التعليم الجديد، فإنه أيضا يأمر الأرواح النجسة بسلطان فتطيعه» وفي متابعة النص في الإنجيل يذكر أن المسيح قد قام بإخراج الشياطين من كثيرين من المرضى.

وفي فصل آخر من إنجيل مرقس أيضا ما نصه: «ولما جاء إلى التلاميذ رأى جمعاً كثيراً حولهم وكتبة يتباحثون. وللوقت لما رأى الجمع كله يسوع انذهلوا وابتدروا وسلموا عليه. فسألهم فيم تُباحَثون؟ فأجاب واحد من الجمع وقال يا معلم قد أتيتك بابن لي به روح أبكم. وحيثما أخذه يصرعه فيُزبِد ويصرف أسنانه وييبس، وقد سألت تلاميذَك أن يخرجوه فلم يقدروا. فأجابهم وقال: أيها الجيل الغير مؤمن إلى متى أكون عندكم وحتى متى احتملكم. هلم إلي. فأتوه به فلما رآه للوقت صرعه الروح فسقط على الأرض يتمرغ ويزبد. فسأل أباه منذ كم من الزمان أصابه هذا؟ قال منذ صباه. وكثيراً ما ألقاه في النار وفي المياه ليهلكه. لكن إن استطعت شيئاً فتحنن علينا وأغثنا. فقال له يسوع: إن استطعت أنت أن تؤمن فكل شيء ممكن للمؤمن فصاح أبو الصبي من ساعته بدموع وقال: إني أؤمن يا رب، فأعن قلة إيماني. فلما رأى يسوع أن الجمع يتبادرون إليه انتهر الروح النجسة قائلاً له: أيها الروح الأصم الأبكم أنا آمرك اخرج منه ولا تعد إليه من بعد. فصرخ، وخبطه كثيرا، وخرج منه، فصار كالميت، حتى قال كثيرون: إنه قد مات. فأخذ يسوع بيده وأنهضه فقام. ولما دخل البيت سأله تلاميذه على انفراد، لماذا لم نستطع نحن أن نخرجه؟ فقال لهم: إن هذا الجنس لا يمكن أن يخرج بشيء إلا بالصوم والصلاة.»

وفي إنجيل متى أيضاً ورد ما يلي: «ولما أتى إلى العِبر إلى بقعة الجرجسيّين استقبله مجنونان خارجان من القبور، شرسان جداً، حتى إنه لم يقدر أحد أن يجتاز من تلك الطريق. فصاحا قائلين: ما لنا ولك يا يسوع ابن الله، أجئت إلى هنا قبل الزمان لتعذبنا؟ وكان هناك قطيع خنازير كثيرة ترعى. فسأله الشياطين قائلين: إن كنت تخرجنا فأرسلنا إلى قطيع الخنازير. فقال لهم: اذهبوا. فلما خرجوا دخلوا في الخنازير فإذا بالقطيع كله قد وثب عن الجرف إلى البحر ومات في المياه» أليس هذا هو مستند من يقولون: إن فلاناً من الناس ملبوس من عدد كبير من الجن؟

وفي إنجيل متى أيضاً: «وبعد خروجهما من هناك قدموا إليه أخرس به شيطان. فلما أخرج الشيطان تكلم الأخرس. فتعجب الجموع قائلين لم يظهر قط مثل هذا في إسرائيل. أما الفريسيون فقالوا إنه برئيس الشياطين يخرج الشيطان»

وإذا أردنا أن نتسلسل في تاريخ هذه الأوهام، فإن مرجعها إلى الهنود في عباداتهم القديمة، وهي أقدم من النصرانية كما هو معلوم، فقد جاء في كتاب قصة الحضارة عن غرائب الدين عند الهنود «في هذا الجو اللاهوتي المفعم بالخوف والألم، ازدهرت الخرافة، وهي أول معونة ترسلها القوة الكامنة فوق الطبيعة؛ لتعالج بها الأدواء الصغرى في الحياة، ازدهاراًَ خصيباً حتى أصبحت القرابين، والتمائم، وإخراج الشياطين الحالة في الأبدان، والتنجيم، والنبوءة بالغيب، والتعزيم، والنذور، وقراءة الأكف، والعرافة، وطائفة الكهانة، وفاتحو البخت، ...أصبح ذلك كله جانباً واحداً من الصورة التي تمثل الهند. وقال في موضع آخر: وكان العرافون والسحرة والمنبئون بالغيب، إذا ما أجّرتهم أجراً زهيداً، يعلنون لك ماضي الحوادث ومقبلها، بدراستهم للأكف، والبُراز، أو الأحلام، أو لعلامات في السماء، أو للخروق التي أحدثتها الفئران في الثياب، ويزعمون بترتيلهم لعبارات السحر التي لم يكن ترتيلها في مقدور أحد سواهم أنهم يخمدون الشياطين، ويسحرون الثعابين، ويستعبدون الطيور، ويُلزمون الإلهة أنفسهم بمعاونة من دفع لهم أجر ما يصنعون، وكذلك كان السحرة نظير أجر معلوم يسلطون الشيطان على العدو أو يطردونه من هذا الذي يؤجرهم... حتى البراهمي إذا ما تثاءب جعل يفرقع بأصابعه ذات اليمين وذات الشمال؛ حتى يطرد الأرواح الشريرة، فلا يسمح لها بالدخول في فمه المفتوح». وينقل فريد وجدي عن مؤرخ هندي قديم أن أسرار عالم الأرواح عند كهنة الأديان الهندية القديمة كانت موزعة على ثلاث فرق، إحداها: تلك الفرقة التي تحتوي على طردة الشياطين من الأجسام، والعرافين للمستقبل، وأصحاب النبوءات، ومستحضري الأرواح، وهؤلاء عليهم في بعض الظروف الحرجة أن يؤثروا في أذهان العامة بإحداث بعض خوارق الطبيعة، ويسمح لهم بقراءة "الاتارفا فيدا" وشرحها، وهي مجموعة رقيات سحرية.

إذن فالمسألة أقدم من النصرانية بكثير، وقد أثبت الدكتور أحمد شلبي أن البوذية مصدر مهم من مصادر المسيحية، وأن المسيحية قد اقتبست كثيراً من عناصرها المهمة من البوذية.

خاتمة:

إن الدراسة الموضوعية لأي موضوع اجتماعي أو غيره من خلال القرآن الكريم، هي من أهم الدراسات التي توصل إلى أهم النتائج القريبة من الصواب، إن لم تكن هي الصواب بعينه، ولابد من تعميق الدراسات الموضوعية القائمة على جمع الأدلة المتعلقة بالموضوع الواحد.

إن فكرة تلبس الجان (الشيطان) للإنسان فكرة شائعة، وليس لها أساس يسندها من القرآن الكريم، مع أن القرآن الكريم يورد في مواضع غير قليلة آيات تسفر عن طبيعة العلاقة بين الإنس والجان (الشيطان)؛ إذ هي علاقة عدوانية قائمة على الوسوسة الشيطانية للإنسان.

وقد ظهر لدينا أن هناك بعض الأفكار التي تتردد في كتب التفسير على الخصوص، وهي شائعة جداً، ما هي إلا أفكار خاطئة بحاجة إلى تقويم وتسديد، ولعل هذه الأخطاء ناتجة عن تنحية السياق القرآني للآية عند التفسير. وبناء على ذلك لابد من تعليم الباحثين ضرورة الاعتناء بسياق الآيات، فهو العاصم من الخطأ والزلل عندما نقوم بفعل التفسير.

كما يجب على الباحثين أن يتفحصوا مصدرية الأفكار التي دخلت فكرنا الإسلامي وأصبحت من المسلّمات التي يعتقدها كثير من العامة، وغير قليل من الخاصة. 

المصدر: مجلة إسلامية المعرفة بتصرف

 
أ. جمال محمود أبو حسان
تاريخ النشر:2009-08-03 الساعة 14:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 2250
مرات الطباعة: 749
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan