الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » شؤون دولية

مآزق 2010

جميل مطر

 

 قضينا الجزء الأكبر من عام 2009 ننتظر أن يبدأ التغيير ومن أمريكا. انقضى العام، وبعد أن تأكدنا أن قوى الضغط المناهضة للتغيير في أمريكا وفي العالم الخارجي أقوى مما كنا نتصور، تعلقت أبصار الناس في كل مكان وآمالهم في التغيير بالرجل الأسمر الذي قفز فوق كل أعراف مؤسسات الحكم الأمريكية واحتل البيت الأبيض. هذا الرجل رفع توقعات السود في أمريكا، بل وكل الأمريكيين من أصول ملونة ومن طبقات فقيرة، ورفع توقعات شعوب أمريكا اللاتينية التي عاشت قرنين أو أكثر تنتظر أن يأتي إلى منصب الرئاسة في أمريكا زعيم يعترف بحق القارة الجنوبية في أن تتولى شؤونها بنفسها وتقرر مصيرها وتستثمر إمكاناتها وثرواتها لصالح شعوبها. كذلك رفع توقعات العرب، وبخاصة الفلسطينيين، الذين قضوا عقوداً عدة غلبهم القنوط وما يقترب من اليأس ينتظرون رئيسا أمريكياً مستعداً لتحمل مشقة وتضحيات أن يتجاسر ويقول لجماعات الضغط اليهودية في بلاده “كفوا عن التدخل في صنع السياسة الخارجية الأمريكية واتركونا نعمل”.

رفع أوباما أيضاً توقعات قطاعات عريضة في أمريكا وخارجها كانت تحلم بقيادة أمريكية تفضل الاستخدام المكثف للقوة الناعمة، كالدبلوماسية مثلاً، بدلاً من اللجوء للحرب كإجراء أول لحل مشكلات أمريكا الخارجية. وارتفعت التوقعات أكثر حين بدا لنا ولقيادات في أوروبا أن علاقات أمريكا بروسيا تحسنت، وانعكس هذا التحسن في خلق أجواء أهدأ في أوروبا، وتعاملت واشنطن بأسلوب مختلف مع هوجو شافير في فنزويلا وحكومة الشقيقين فيديل وراؤول كاسترو في كوبا، وإن لم تتخل في أي لحظة عن التهديد باستخدام العصا الغليظة، مثلما فعلت حين استمرت بتنفذ خطة إقامة قواعد عسكرية في كولومبيا ضد رغبات معظم حكومات أمريكا الجنوبية وشعوبها، وفي تحدٍ واضح للرأي العام في أنحاء القارة. وفي أوروبا ارتفعت التوقعات بحلول جو أفضل في العلاقات الدولية بشكل عام بعد أن رحل الرئيس بوش عن البيت الأبيض وتحررت السياسة الخارجية من سطوة المحافظين الجدد. كادت شعوب أوروبا تيأس من حال أمريكا المتشددة والمتهورة إلى حد أن قيادات وتيارات أوروبية فكرت جدياً في الاستعداد لمرحلة جديدة في العلاقات الدولية سيكون دور أمريكا فيها أقل ونفوذها أضعف.

لم يغب عن أذهان عدد من المحللين السياسيين أن منح أوباما جائزة نوبل قبل أن يحين موعد استحقاقها بتنفيذه إنجازات فعلية على أرض الواقع، إنما كان يعكس رغبة لدى قطاعات أوروبية نافذة لديها توقعات مرتفعة في أن يحاط أوباما بدعم هو في أشد الحاجة إليه. كان بريق أوباما بدأ يخبو، وكانت القيادات المناهضة له تضاعف نشاطها، ودخلت بعض خططه ومشاريعه التي وعد بتحقيقها خلال الحملة الانتخابية في تعقيدات عطلت تنفيذها. من ناحية أخرى تكالبت ظروف وتطورات دفعت بتكالبها أوباما وحكومته إلى ممارسة سياسات كان الفهم السائد أنه ضدها. رأيناه في الأسابيع الأخيرة يعود، وحكومته، إلى الحديث عن الحرب ضد الإرهاب، بعد أن أعلن بنفسه منذ شهور تخليه عنها وأوصى أجهزته بعدم التحدث عنها، ورأيناه يعود عن وعود التزمها وسياسات أطلقها في شأن تسوية الصراع العربي  “الإسرائيلي”، وإذا به يبدو وكأنه يتخلى ببساطة عن رصيد من شعبية لم يحصل عليها رئيس أمريكي سابق، بل ولعله سمح لوزيرة خارجيته بأن تكذب، وهو الذي وعد بأن تكون إدارته شفافة ونظيفة وصادقة. نعرف الآن أن وقع هذا التردد أو النكوص في سياسته تجاه الشرق الأوسط على الرأي العام العربي كان ثقيلاً، نعرف أيضاً أن عودة أوباما وحكومته إلى التمسك بميراث حكومة الرئيس بوش في أفغانستان وسلوكه المسالك نفسها وممارسة السياسة نفسها، جاءت وبالاً على سمعته وآمال الشعوب وتوقعاتها.

تشوهت صورة الرجل الذي حصل على جائزة نوبل اعترافاً بالمغزى الرائع لوعوده المتكررة باستخدام الدبلوماسية والقوة الناعمة ورفضه أدوات القوة الخشنة، وفي مقدمتها الحرب. يراه الناس الآن وهو يأمر قادة جيوشه بتكثيف استخدام القوات الأمريكية للطائرات من دون طيار وهي أحدث أسلحة “الدمار الخبيث”، والتي ثبت أنها قتلت من الأبرياء خلال فترة حكمه أكثر مما قتلت الأسلحة العادية، عاد أوباما يسلط وكالة المخابرات الأمريكية على شعب الباشتون في باكستان، بعد أن تعهد في بداية حكمه بتنظيف الوكالة وضبط عملها ومنعها من ارتكاب جرائم التعذيب. فتح التحقيق في حوادث التعذيب، وفي الوقت نفسه كان يكلفها باستخدام سلاح أثبت كفاءة عالية في قتل المدنيين في باكستان، ولم تختلف حجة أوباما عن حجة سلفه: حماية الشعب الأمريكي.

* * *

توقفت التوقعات المتفائلة ونشطت التوقعات المتشككة. وأظن أننا نبدأ عام 2010 بحماسة أقل كثيراً عن الحماسة التي بدأنا بها عام 2009. لا أظن أن كثيرين من العرب، والمصريين خاصة، يبدأون عامهم الجديد مطمئنين إلى أن إدارة أوباما سوف تهتم بقضية الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات في بلادهم، بعد أن شهد العام الأول من حكم أوباما تدهور أوضاع الحريات والحقوق في معظم الدول العربية، إن لم يكن فيها جميعاً. ويبدو أن لا أحد يتوقع أن يكون العام الجديد أفضل بالنسبة لهذه الأوضاع. كذلك يبدأون عامهم الجديد وسط تخاذل عربي أشد في التعامل مع “إسرائيل”، وانصراف غير مسبوق عن القضية الفلسطينية بشكل عام. أعرف أن بعض الحكومات العربية تفاءل بوصول أوباما إلى الحكم في انتظار أن تتركز عليه الأضواء وتنتبه إليه الشعوب وتنسى تقاعس حكامها.

أتوقع الآن أن تعود الشعوب لمطالبة حكوماتها بتصعيد مواقفها من “إسرائيل” ورفع الحصار عن الشعب الفلسطيني ووقف عمليات التطبيع وكشف الفساد المصاحب لهذا التطبيع، أتوقع في الوقت نفسه، أن تقوم الشعوب بتحميل حكوماتها مسؤولية نكوص أوباما عن احترام عهوده واستسلامه لـ”إسرائيل” واليهود، إذ كان واضحاً أن الحكومات العربية انتحت جانباً ووقفت تتفرج على أوباما يضغط على “إسرائيل” أو يستقبل ضغوطها من دون أن تتحرك لمساعدته أو لقمع دولة “إسرائيل” . كانت حجة بعض المسؤولين العرب كما سمعتها من أحدهم أنهم لا يريدون أن يظهر أوباما كرئيس يتعرض لضغوط عربية .

أخشى ما أخشاه أن نرى في الشهور القليلة القادمة قمعاً أشد تمارسه الحكومات العربية ضد شعوبها لتسبق به تحرك هذه الشعوب الغاضبة لأسباب شتى. إن هذا القمع الإضافي، لو وقع، سيعود بالأوضاع في الإقليم إلى مواقع أسوأ بكثير من كل ما عرفه العرب خلال العقدين الأخيرين. ولكني أرى أمامي مآزق، لن تقوى حكومات العرب على تفاديها أو الدوران حولها، إذا استخدمت جرعات قمع أكثر من المعتاد في الإقليم.

أول المآزق هو عواقب الميل الشديد المتفشي في المنطقة إلى الانفراط، وأسبابه قائمة ومشتعلة وكافية، ومن بينها الشقاقات الدينية والطائفية في مصر والعراق وسوريا ولبنان والجزيرة العربية، والفتن العرقية في العراق والسودان ومصر، وقد تمتد إلى بعض دول المغرب العربي، ومنها أيضاً النزاعات القبلية، وهذه تمتد وتتمدد في كل أنحاء المنطقة وتخومها، ناهيك عن الغليان لأسباب سوء التوزيع والفساد وتدهور الأمن وتعاظم الاستبداد.

ثاني المآزق العربية، هو المأزق الناتج عن فراغ القيادة وتوقف “النشاط” في النظام العربي، يظهر هذا واضحاً وصارخاً للمسافر خارج بلاد العرب الذي يرى عن بعد قلب العالم العربي لا ينبض أو يلمح وسطاً مفرغاً أو ساحة خالية . وكما يراها المسافر تراها عواصم غير عربية، سمعت في تركيا وسمعتها منقولة عن مسؤولين في إيران أن الدولتين الجارتين للعالم العربي لن تقفا ساكتتين إذا استمرت الأمور العربية في تدهورها وتطورت الأوضاع في المنطقة إلى درجة يتهدد بها الاستقرار الإقليمي. ساعتها سيطل من الماضي القريب تحذير من مسؤولين “إسرائيليين” بأن “إسرائيل” لن تقف متفرجة على إقليم تعيش فيه وتسود فيه الفوضى أو عدم الاستقرار. معنى هذا، أنه يصير من حق الدول الثلاث، أو واحدة منها على الأقل، التدخل بأساليب شتى لضمان ألا تتفاقم الفوضى العربية فتصير فوضى شرق أوسطية . وفي كل الأحوال لا أتصوّر أنه إذا تدخلت واحدة لن تلحق بها الدولتان الأخريان. يستحيل، في رأيي، أن تقف واحدة متفرجة بينما الأولى أو الثانية أو دولة غربية تثبت أقدامها على الأرض العربية، تحت زعم أن دورها مطلوب لتحقيق الاستقرار.

أما المأزق الثالث، فمأزق التصعيد الجديد في المواجهة بين الإسلام والغرب. عرفنا من جولات التصعيد السابقة في هذه المواجهة أن دوافعها لم تتغير، وإن تغيرت الأولويات والتراتيب . عرفنا أن تعثر تسوية الصراع العربي “الإسرائيلي” واستمرار الضغوط على الفلسطينيين ومواقف الغرب المنحازة لـ”إسرائيل” كانت سبباً أول، وعرفنا أن تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في معظم البلاد الإسلامية واتساع فجوة الرخاء كانت سبباً، وعرفنا أيضاً أن ثورات الاتصالات والتكنولوجيا والعولمة عموماً كانت من العوامل المساعدة على تصعيد التوتر بين الإسلام والغرب، ناهيك عن صعود اليمين المتطرف في أمريكا وبريطانيا والغرب عموماً ودوره في الإعداد لحربي أفغانستان والعراق، ودوره ودور الأخطبوط الإعلامي الصهيوني في تشويه صورة الإسلام وإثارة قضية الأقليات المسلمة في أوروبا وأمريكا.

كان الظن، لبعض الوقت، أن وصول أوباما الرجل المتهم هناك بأنه نصف مسلم، ومتهم لدى البعض هنا بأنه نصف مسيحي، سوف يمنع الوصول إلى هذا المأزق حين اتخذ بالفعل موقفاً ضد تعذيب الإسلاميين في السجون الأمريكية، وحين خاطب مسلمي العالم من القاهرة في رسالة بدت ذكية وصادقة، وحين أعلن نهاية الحرب ضد الإرهاب. يبدو الأمر الآن كما لو كانت كل هذه الإنجازات وقعت منذ زمن بعيد، قبل أن ينهض اليمين المتطرف الأمريكي من جديد ويتصدى إعلامياً وسياسياً لسياسات باراك أوباما ويشعلها ناراً حامية ضد المسلمين في أمريكا والغرب، وقبل أن يتجرأ بنيامين نتنياهو وجماعته على إهانة الرئيس الأمريكي والإساءة إلى صورته أمام الشعوب العربية، بل وشعوب العالم أجمع.

مرة أخرى أقول: أخشى أن تتحالف هذه المآزق مع مطلع العام الجديد فتتوقف مسيرة التغيير وتتهابط التوقعات في سلام عالمي طويل، ويستعيد العالم ذاكرته عن أمريكا جورج بوش وأمريكا القبيحة وأمريكا المتهورة.

المصدر: صحيفة الخليج 31/12/2009

 
جميل مطر
تاريخ النشر:2010-01-05 الساعة 15:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 2000
مرات الطباعة: 430
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan