الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » الفقه السياسي

العقد الاجتماعي بين الخليفة والرعية

 

تجاهل العديد من المؤرخين والمفكرين في العصر الحديث العقد الاجتماعي الذي تضمنه البيان الذي ألقاه أول خليفة للمسلمين بعد توليه السلطة، كما لم يلحظوا أن الإسلام سبق دعوة جان جاك رسو في نظرية العقد الاجتماعي بين الرعية والحاكم بمئات السنين، ولم يرفعه فقط شعاراً، بل مارسه عملياً، كما أنه لم يأت من خلال تظاهرات شعبية، أو من تنظير فلاسفة أو مفكرين أو من مطالبات للنخب السياسية والاجتماعية، بل جاء من صلب العقيدة الإسلامية وفكرها ورسالتها التوحيدية، التي جاءت لخير البشرية ولتخرجها من الظلمات إلى النور.

حرص الخليفة الراشد الأول رضي الله عنه على أن يضع عقدا اجتماعياً بينه وبين الرعية في الدولة، بعد أن تمت مبايعته من قبل أهل العقد والحل من الصحابة رضوان الله عليهم جميعاً ومن عامة الناس، يلتزم به الحاكم والأمة، ويؤسس للمسلمين دولة تقوم على أسس العدل والمساواة والحرية والشورى وفق ما جاء في كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

يرتكز هذا العقد على قاعدة قانونية شرعية بطاعة الحاكم مادام ملتزماً بالشرعية، وتتوقف الطاعة في حال خروجه عن هذه الشريعة.

سلطة متوازنة شورية لا تكون فيها السلطة مطلقة تتحول مع الزمن إلى دكتاتورية، ولا حرية فردية تتحول إلى فوضى ينفرط فيها عقد الدولة وتسقط هيبتها، بل الشريعة هي النظام القانوني للحاكم والمحكوم، وتخضع السلطة لمراقبة النخبة المختارة من أهل الحل والعقد من فقهاء الأمة وعلمائها.

مؤسسة رقابية دائمة لسلوك الحاكم

الأمة مصدر السلطات، وتملك سلطة المحاسبة والعزل، بقوله: «فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني»، وهذا أعلى أشكال الديمقراطية، لم نجده اليوم حتى في دول تدعي أنها تطبق بحرفية كاملة الديمقراطية، ومن يملك الإنصاف من المفكرين في الغرب والشرق أو ممن درس أو قرأ التاريخ سيجد عظمة الإسلام بأنه أرسى هذا العقد، في وقت كان الحاكم في مجتمعات العالم الأخرى يصل إلى القداسة لا يحاسب ولا يعزل مهما فعل، بل تعتبره بعض الأمم وقتها سليل الآلهة، فكان للإسلام الأسبقية على كل أمم الأرض في وضع هذا الأساس الديمقراطي، الذي بدأت تطالب به الشعوب بعد الثورة الفرنسية.

القرآن الكريم والسنة

مصدرا التشريع: «أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم..» حدد النص الأسس التي يقوم عليها نظام الدولة، فالحاكم ملتزم بتطبيق الشريعة الإسلامية التي أسسها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، والأمة ملتزمة بالطاعة للحاكم مادام يطبق هذه الشريعة. وتجري محاسبة الخليفة عند مخالفة الشريعة أو تجاوزها، والمحاسبة من قبل الأمة بواسطة ممثليها من أهل الحل والعقد، الذين يتصفون بالعلم والفقه بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فهم الذين اختاروا الخليفة ورشحوه للأمة لمبايعته.

المصداقية والشفافية بين الحاكم وشعبه

نص العقد على أن: «الصدق أمانة، والكذب خيانة»، أي أن يكون الحاكم شفافاً بينه وبين شعبه، يصدقهم في أفعاله وأقواله وقراراته، والمثل الأعلى لأمته وشعبه في الممارسة والخلق والأداء، شفافا في ظاهره وباطنه، راعيا أمينا، وأبا حنونا، وقائدا حازما، وصلبا في إدارة الأزمات. ونرى اليوم أن أمم الأرض بعد أربعة عشر قرنا من خطبة العقد للخليفة الأول رضي الله عنه تطالب حكامها بالشفافية، هذه الشفافية تتجلى في صدق العلاقة بين الحاكم وشعبه، يشترك مع الشعب في إيجاد الحلول الناجعة لكل الصعاب، ويبادلهم ويبادلونه الرأي، فالمصداقية كما نص العقد أمانة في عنق الحاكم، والكذب وخداع الشعب خيانة عظمى توجب المحاسبة والعقاب.

مواطنو الدولة متساوون في الحقوق والواجبات

نص العقد على التعامل مع أفراد الأمة على أساس المساواة كما جاء في تعهد الخليفة في العقد الاجتماعي بقوله: «الضعيف فيكم قوي عندي حتى أرد عليه حقه إن شاء الله، والقوي منكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله»، والمساواة حلم البشرية منذ مطلع التاريخ، ناضلت الشعوب لتحقيقها إلى يومنا هذا، فالعقد الاجتماعي يكرسها في النص، لأن المساواة من صلب العقيدة الإسلامية فالحديث الشريف يقول: (الناس سواء كأسنان المشط..) رواه ابن حبان، فالدولة الإسلامية تساوي بين مواطنيها في جميع الحقوق والواجبات، يخضع كل أبناء الدولة لقانون الشريعة بالتساوي المطلق من رأس السلطة إلى اقلها مرتبة اجتماعيا وماليا.

فألزم الحاكم نفسه  في نص العقد بإنصاف الضعيف وحماية روحه ودينه وعرضه وأملاكه وحريته، وأن ينزع حق الضعيف من القوي مهما كان وضعه السياسي والمالي والاجتماعي، ويرسي قانون المساواة والعدل والإنصاف لجميع أفراد الأمة.

لا عصمة ولا قداسة للحاكم

نص العقد الاجتماعي الذي تقدم على كل النظم السياسية التي كانت قائمة في ذلك الوقت، حين نزع القداسة عن الحاكم، واعتبره بشراً مثله مثل أي فرد من أفراد الأمة، وليس معصوماً عن الخطأ، لذا لا بد من التصحيح له في حال وقوعه في الخطأ «أيها الناس أنا مثلكم، وإني لا أدري لعلكم ستكلفونني ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيق، إن الله اصطفى محمدا على العالمين، وعصمه من الآفات، أنا متبع، ولست بمبتدع، فان استقمت فاتبعوني، وان زغت فقوموني.

الدفاع عن الوطن

نص العقد على أن الجهاد في سبيل الله دفاعاً عن الوطن والدين والعرض والأرض من مسؤولية الأمة والحاكم، فالجهاد يحمي الأمة من أعدائها الخارجين ومن المخربين في الداخل، والجهاد يتطلب بناء دولة قوية مرهوبة الجانب، تملك أسباب القوة العسكرية، لدفع الأذى عن الأمة، ورد ما يحاك ضدها في الظلام، ويمنع الطامعين من مهاجمتها رهبة وخوفاً من قوة الدولة كما نصت الآية الكريمة: )وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ( (الأنفال-60). والعقد أشار إلى أن الجهاد في سبيل الله واجب الدولة وحاكمها، وتركه حالة سلبية تسبب ذل الأمة، وتعرضها لمخاطر كبيرة، تبدأ من طمع العدو باحتلال أرضها، ونهب ثرواتها، وإفساد دينها، واستعباد شعبها.

ومن يطالع صفحات التاريخ يجد أن سبب انهيار الأمة الإسلامية هو عزوفها عن الجهاد، وبناء القوة الضاربة التي أرادها الله عز وجل في الآية السابقة، وإعداد الأمة عسكرياً، فطمع بها الأعداء، واستباحوا أرضها، واحتلوا قدسها، وقتلوا الصغير والشيخ، وأكثروا فيها الفساد، وهذا ما حذر منه أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين قال: «لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل.«

إقامة الحدود

نص العقد على محاربة الفساد من قبل الأمة والحاكم، لأنها تورث في الأمة الوهن والتفكك والذل والفقر والمرض وغضب الله عز وجل، كما جاء في قول الخليفة رضي الله عنه: «ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء«. وقد أثبتت وقائع التاريخ أن الفساد هو مفتاح دمار الأمة، وهو الذي يصيبها في مقتل في حياتها السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، وبانتشار الفساد انهارت أمم كبرى امتلكت المال والسلاح والجيوش الجرارة، وأصبحت أثرا بعد عين.

فأوجب النص على الأمة والحاكم درء المفاسد ما ظهر منها وما بطن، ومحاربة الفواحش قبل أن تفتك في جسم الأمة كما نصت الشريعة الإسلامية، وإقامة الحدود كما ورد في القرآن الكريم والسنة الشريفة على الجميع دون استثناء، لأن فيها استمرار الحياة، واستقرار الدولة، وسعادة الأمة وترسيخ أمنها وبقائها.

إن هذا العقد تحتاج الأمة الإسلامية إليه، لترفع عنها الضعف والهوان الذي وصلت إليه، وتعود من جديد إلى مقدمة الأمم تبني حضارتها التي ترسي القيم العليا التي أمر بها الله عز وجل ودعا إليها رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، والبشرية جمعاء بأمس الحاجة إليها.

 

المصدر: الوعي الإسلامي

 
تاريخ النشر:2009-03-02 الساعة 15:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 1886
مرات الطباعة: 411
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan