الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » السنة والسيرة النبوية

حجية السنة في اللغة العربية: قراءة تاريخية

أ. وائل حمدوش

 

ظلت لغة العرب لغة عفوية في قواعدها تتحكم فيها السجية ضبطاً وقياساً، حتى أشرقت شمس الإسلام، فتجاوزت اللغة وظيفتها التواصلية إلى وظيفة تعليمية، مما فرض بدوره قواعد لضبط اللغة من التشريق والتغريب في الرأي والهوى حتى لا يسري ذلك إلى فهم النص المقدس، وبدأ للغة عصر جديد أذن بولادة لغة مقعدة منضبطة (بضبط النص) وذلك لما لها من اثر عميق في بناء منظومة القرآن المعرفية، وكان القرآن أهم المراجع في الحجاج والاختلاف اللغوي، وذلك للتسليم ببلاغته وفصاحته، وقامت السنة بشرح القرآن وبيانه، إذ كانت تصدر عن أفصح العرب ومن أوتي جوامع الكلم، ولا شك في ان العرب لجؤوا إليها في سياق استدلالهم اللغوي.

من هنا ينطلق الكاتب فخر الدين قباوة في كتابه «تاريخ الاحتجاج النحوي بالحديث الشريف» (دار الملتـقي، 2005) ليـطرح سؤالاً مفـاده متى تم الرجـوع إلى السنة كمصدر ثان للغة بعد إن رجع إليها كمصدر ثان في التشريع، وما هي المعوقات التي أخرت هذا الرجوع؟ يحاول المؤلف الإجابة عن هذا السؤال من خلال قراءة تاريخية تؤاخي بين تطور النحو وتطور علم الحديث.

يبدأ الكاتب الدراسة بعرض لقيمة الحديث النحوية التي تنبع من قيمة الخطاب النبوي الشارح لكتاب الله، هذا الخطاب الذي تحمله شخصية اصطفيت من الله خلقاً ولغة، وتربت في أفصح القبائل العربية (قريش) وهذا ما عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم)، وقد فرضت قدسية الحديث النبوي على الصحابة والتابعين منهجاً توثيقياً لضبط النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم فكان السند الفاحص لضبط الرواة وعدالتهم، وذلك لتحقيق درجات من أعلى الصحة إلى أدناها (مما يعني توفر بيئة الاحتجاج من حيث الثبوت)، فجمعت المادة النبوية وقيمت..

أما أن انتقلنا من زمن السليقة إلى زمن القواعد، فهناك براهين أخر على الاحتجاج بالسنة فقد جمع كثير من علماء النحو بين علمي النحو والحديث وذلك بالاستشهاد بأحدهما للآخر فهذا يحيى بن يعمر محدث ولغوي جمع بين العلمين، إلا أن هذا الجمع لم يكن ظاهرة قوية، وإنما كان حالات فردية، لذا كانت المسيرة النحوية حتى منتصف القرن الثاني الهجري تستقي أساليبها في الدرس من رجال قل زادهم النبوي وندر لهم الاستدلال بالأحاديث الشريفة، والسبب في ذلك يعود لأن «الشروع في الاحتجاج كان لبيان ما في كلام العرب من نظائر لغوية تعبيرية ودلالية للنظم الكريم» ولن يستدل للقرآن بكلام النبي الكريم الشارح للبيان.

وإذا ما انتقلنا إلى مرحلة تالية نرى الاستدلال اللغوي النبوي أصبح أكثر وجوداً في كتب النحو فهذا أبو القاسم بن محمد بن سعيد المؤدب صنف كتاباً تحت عنوان «علل التصريف دقائقه» فأورد فيه نحو 25 حديثاً من مقابل 100 آية كريمة، وكذلك كتب أبو علي الفارسي كتاباً بعنوان «الحجة للقراء السبعة» ضم فيه قرابة 67 حديثاً وهكذا انتشرت فكرة الاحتجاج النبوي في اللغة وأصبح الحديث احد مصادر اللغة ولكن رواد هذه المرحلة ظلوا ملتزمين نص الخليل في مصادر اللغة والذي يعتبر القرآن وكلام فصحاء العرب هما الأساس في المرجعية اللغوية، وأما غير هذين المصدرين فهما تبع للاحتجاج.

يعد ابن مالك (أبو عبد الله جمال الدين محمد بن مالك الطائي (672 هـ) مؤسس الاحتجاج اللغوي بالحديث، وذلك أنه برع في علوم اللغة وكان يحمل ثقافة المحدثين، وقد ظهر اهتمامه بالحديث عندما حقق الجامع الصحيح للبخاري مع تلميذه في النحو وشيخه في الحديث شرف الدين علي بن محمد اليوتيني، واستـغرق هذا العمل قرابة سبعين مجلساً كان ابن مالك يسمع فيها روايات الحديث كي يراعي القراءة ويلاحظ النطق، ثم يختار ما أجمعت عليه مجمل الروايات في الضبط والإعراب فيرجحه ويأمر بإثباته أصلا، وما خالف ذلك يجعل في الحاشية.

وأما الأسباب التي أخرت هذا الاستدلال فقد عرضها النحويون وذكروا منها فساد الإسناد، وعدم الاتصال، أو وجود علة في الراوي كالبدعة، ونقل الحديث بالمعنى من دون اللفظ بعينه، وذلك يفقد النص براعته اللغوية النبوية، والجهل بكلام العرب وإعرابها ومجازاتها من قبل رواة الحديث، والتصحيف: وهو باب كما يقول البطليوسي عظيم الفساد في الحديث، لأن المحدثين لا يضبطون الحروف، ولكن يرسلونها غير مقيدة ولا مثقفة اتكالاً على الحفظ، وإسقاط شيء من الحديث، مما يؤثر في صحة المعنى العام، وإغفال السبب الموجب لقول الحديث مما يؤدي إلى تعارض الأحاديث نتيجة عدم معرفة سببها، وسماع بعض الحديث من دون بعض، وهذا ما يفسد التركيب والمعنى، ويشكل في الفهم، والنقل من الصحف، وأخذ الحديث من الكتب، من دون لقاء الشيخ فكان الحديث بذلك عرضة لمخالفة الروايات الصحيحة.

يرد الدكتور قباوة عن هذه الاحتجاجات فيرى أن تهمة الإسناد لا تسلم تماماً فالعلماء تحروا صحة السند، وصنفوا تبعاً لذلك الحديث من الصحيح إلى الموضوع ولا تؤخذ اللغـة إلا من الحــديــث الذي بلغ درجة معينة من الصحة، وأما رواية الحديث بالمعنى فتهمة واسعة، فلقد روي الحديث حفظاً في الصدور والسطور، ويجيب عن التصحيف بقوله إن الفساد اللغوي لم يتطرق إلى الألسنة إلا بعد تدوين الحديث مما يؤمن على رواية الحديث من التصحيف، وكذلك كان رواة الحديث على مقدرة كبيرة من الفهم بحيث لا يقتطعون فقرات من الحديث إلا تامة المعنى غير مخلة بنظامه اللغوي العام، فكان الحديث يروى مع كل ما يلزم لفهمه، لذا اجمع جمهور العلماء على انه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلاً ضابطاً لما يرويه والعدالة تشمل الصفات الخلقيـة كالإسلام والسلامة من البدع والأهواء، وأما الضبط فيشمل التيقظ مع التيقن مما يسمعه ويتحرز فيه الراوي عن المدلسين، ويفهم ما يقال ويعرف مراتب الرجال، ثم يكرر ما تلقاه حتى يتقن حفظه ويثبت في الرواية حال المتلقي والحفظ والأداء كالآية القرآنية، ويتوقف عما عارضه الشك فيه، ثم يروي الحديث بألفاظه كما يسمع، ويعرف هذا أيضا بموافقة روايات الثقات المشهورين بالضبط والإتقان، وهذا كله مشروط فيمن يروي من حفظه أو من كتابه، فكيف تثبت تهمة الحذف والتصحيف وإغفال أسباب النزول أمام شروط المحدثين هذه، حتى ان شروط المحدثين بلغت من الدقة في الضبط مبلغاً عظيماً يطاول الراوي في تفاصيل حياته وأخلاقياته البسيطة وعاداته.

إن علماء الحديث ضبطوا الحديث سنداً ومتناً ولكن ضبطهم كان ينطلق من صدق الراوي بصفة أساس وأما المتن فكان في كثير من الأحيان تابع للسند، وكان السؤال الذي يطرح هل يمكن أن يقول هذا الراوي الثقة هذا الحديث، من دون السؤال هل يعقل هذا الحديث (شرعاً وعقلاً)، فكانت دراسة المتن محدودة بالمقارنة مع دراسة السند، فضلاً عن ان مسألة رواية الحديث بالمعنى قد شاعت وانتشرت من دون إنكار من أحد.

إن ما كان يعني علماء الحديث غير الذي يعني علماء اللغة فكل له وجهة من شروط احتجاجه فجهد علماء الحديث ينصب على الناحية الدلالية الفقهية، من دون تحرير النص للاستدلال اللغوي وإنما يدرس من حيث إفادته للأحكام وهذا تكفيه الرواية بالمعنى، وأما جهد علماء العربية فينصب على الدلالة اللغوية، والتأكد من النص بأحرفه وهذا ما لا ينطبق إلا على المتواتر من النصوص، فان أردنا الاستدلال بالأحاديث لغوياً فلا بد من إخضاع رواياته لشروط التواتر، وهنا لن نجد من نصوص الحديث إلا أحاديث قليلة لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليد، فيبقى ما عندنا من نصوص الحديث الشريف – على اختلاف درجاتها – قول للنبي جملة لا تفصيلاً ويبقى تبعاً لذلك الاستدلال اللغوي بالحديث استدلال بالجملة لا بالتفصيل.

المصدر: موقع الملتقى الفكري للإبداع

 
أ. وائل حمدوش
تاريخ النشر:2009-12-01 الساعة 11:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 2554
مرات الطباعة: 561
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan