الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » السنة والسيرة النبوية

التصرفات النبوية الإرشادية... سمات ونماذج

د. سعد الدين العثماني

 

تزداد الحاجة في دراسة السنة النبوية الشريفة إلى تطوير مناهج التعامل معها لتجاوز أنواع الخلل المنهجي والمعرفي الشائعة - مع الأسف الشديد- في صفوف جماهير من المسلمين في تلقي السنة وفهمها. والحديث الشريف يحدد المجالات الكبرى لهذه الاختلالات، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين)(1). فحاملو العلم الذي أتى به الوحي يقومون بالذود عن الوسطية والاعتدال، ويحفظون حالة التوازن بين الإفراط والتفريط، بعيدا عن ثلاثة مخاطر هي:

ـ الغلو الناتج من تحريف النصوص عن معناها الصحيح.

ـ إشاعة الباطل بانتحال واختلاق ما ليس من الدين.

ـ التنصل من مقتضيات الشريعة بالتأويل المتعسف.

أما أسباب هذه المخاطر في فهم النصوص النبوية فهي كثيرة، منها:

ـ فصل الحديث النبوي عن أصله الأول الذي هو القرآن الكريم، وفهمه بعيدا عنه.

ـ عدم فهم النصوص في إطار المبادئ العامة للشريعة ومقاصدها الكلية.

ـ عدم استحضار المعطيات العلمية التي راكمها البحث العلمي الموضوعي وأحيانا مناقضتها.

ـ عدم التمييز بين المقامات التي صدر عنها التصرف النبوي، وغيرها.

ويعتبر هذا السبب الأخير من المواضيع التي قلت فيها الدراسات العلمية المتخصصة، فلم يهتم بما يكفي بتنوع التصرفات النبوية وسمات وخصائص أنواعها، وتأثير ذلك على فقه السنة والحديث. وقد اخترنا أن نتحدث هنا عن نوع واحد من تلك التصرفات، وهو التصرف النبوي الإرشادي، الذي بقي الاهتمام بقواعده ونماذجه محدودا جدا على الرغم من إشارة العلماء السابقين إليه.

عطاءات العلماء في تمييز مقامات التصرف النبوي

لقد اهتم الكثير من العلماء عبر القرون، وخصوصا منهم الأصوليون، وأبدعوا في تصنيف التصرفات النبوية حسب دلالتها التشريعية انطلاقا من التمييز بين المقامات التي تصدر عنها، وطوروا ذلك التصنيف بشكل كبير، ووضعوا له القواعد والضوابط. وقد أوضحت في دراسة سابقة(2) كيف أن هذه المسيرة التاريخية تتميز بالثراء المنهجي والمعرفي لدى علماء الحديث والأصول، ودراستها تفيد في تسليط الضوء على الخطوات التي تراكمت تدريجيا لتصل إلى النضج الذي وصلت إليه في القرن السابع الهجري وما بعده. ومن تلك الجهود استفاد مجددو الفكر الديني الإسلامي في العصر الحاضر.

ويعتبر أبو محمد ابن قتيبة الدينوري (ت 276 هـ) في كتابه "تأويل مختلف الحديث" ممن بدأ مسيرة التصنيف المنهجي للتصرفات النبوية، ثم تمت أهم حلقاته من قبل علمين سامقين من أعلام المذهب المالكي هما القاضي عياض اليحصبي (ت 544 هـ) في كتابه "الشفا بتعريف حقوق المصطفى"، والفقيه الأصولي ذو العقلية الفذة شهاب الدين القرافي (ت 728 هـ). وقد توسع هذا الأخير فيها في كتابه المعروف بالفروق(3). فخصص الفرق السادس والثلاثين للتمييز بين قاعدة «تصرفه صلى الله عليه وسلم بالقضاء وبين قاعدة تصرفه بالفتوى وهي التبليغ، وبين قاعدة تصرفه بالإمامة»، وتوقف عند العديد من الأمثلة والنماذج في موسوعته الفقهية "الذخيرة". كما ألف كتابه "الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام" وخصصه للموضوع.

واعتنى القرافي عناية خاصة بأهمية التعرف على المقام الذي يصدر عنه التصرف النبوي، وكونه ضروريًّا لفقه الأحاديث النبوية فقها سليما. كما عده من الأصول الشرعية. فبعد أن سرد أنواع تصرفاته صلى الله عليه وسلم والفرق بينها، قال: «وعلى هذا القانون وهذه الفروق يتخرج ما يرد عليك من هذا الباب من تصرفاته صلى الله عليه وسلم، فتأمل ذلك فهو من الأصول الشرعية»(4). وإنما اعتبر هذا التقسيم من الأصول الشرعية لأنه يضع الأساس المنهجي السليم للنظر إلى السنة وإلى أسلوب التعامل معها.

وهكذا يكون القرافي قد دشن مرحلة جديدة في التعامل مع التصرفات النبوية والتمييز بين أنواعها، وبقي من بعده عالة عليه فيها بدون منازع.

ثم أتى العالم المالكي التونسي المعاصر محمد الطاهر ابن عاشور صاحب "مقاصد الشريعة الإسلامية"، ليطور من زاوية مغايرة تقسيم التصرفات النبوية. لقد كان لابن عاشور إضافات جادة في موضوع مقاصد الشريعة، وبالتالي إلى اقتراح تصنيف موسع للتصرفات النبوية. وهو الأمر الذي اقتضى منه الاهتمام بالمقامات التي صدرت عنها النصوص، على اعتبار أن إدراكها طريق أساس لتفهم مقصود الشارع منها. وفي ذلك يقول: «يقصر بعض العلماء ويتوحل في خضخاض من الألفاظ حين يقتصر في استنباط أحكام الشريعة على اعتبار الألفاظ، ويهملون ما يحف بالكلام من حافات القرائن والاصطلاحات والسياق. وإن أدل مقام في الدلالة وأحوجه إلى الاستعانة بها مقام التشريع»(5). وهكذا نجد ابن عاشور يلجأ إلى المقام الذي سيق فيه النص النبوي لفهم معناه. ففي الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا أو مرمارتين حسنتين لشهد العشاء)(6). وهو حديث سيق في مقام التهويل والمبالغة في تأديب المسلمين، مما يفيد أن قصد صاحب الشرع منه هو التوبيخ والتهديد فقط(7).

وقد عدّ ابن عاشور من أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم التي يصدر عنها قول منه أو فعل اثني عشر حالا وهي: التشريع، والفتوى، والقضاء، والإمارة، والهدي، والصلح، والإشارة على المستشير، والنصيحة، وتكميل النفوس، وتعليم الحقائق العالية، والتأديب، والتجرد عن الإرشاد(8).

وبالاستفادة من تلك الجهود المتراكمة، اخترنا في دراسة غير منشورة(9)، تقسيم التصرفات النبوية من حيث دلالتها التشريعية إلى عشرة أنواع هي: التصرفات بالتبليغ، وبالفتيا، وبالقضاء، وبالإمامة، والتصرفات الخاصة بأشخاص، والتصرفات الجبلية، والعرفية، والدنيوية، والإرشادية، والخاصة به صلى الله عليه وسلم.

ويجب التأكيد على أن بذور هذا الفقه الذي طوره أولئك الأعلام موجود عند أئمة الفقه في القرون الأولى، فمن مشكاتهم أخذوا. فالتمييز بين مقامات التصرف النبوي مبثوث في فقههم وفي توجيههم لعدد من الأحاديث. ومن الأمثلة على ذلك أن ما يسميه شهاب الدين القرافي تصرفا بالإمامة، وهو تصرف يصدر عن النبي صلى الله عليه وسلم بوصفه قائدا سياسيا، قد يعبر عنه في كلامهم بعبارات مرادفة تفيد نفس المعنى، مثل القول عن حكم ثبت بالنص أنه موكول إلى الإمام، أو إنما يجب بشرط الإمام، أو يجتهد فيه الإمام.

وهكذا اعتبر الإمام مالك بن أنس أمر التسعير مرتبطا باجتهاد الإمام، وذلك مع ثبوت امتناع الرسول صلى الله عليه وسلم عنه. فقال مالك حين سئل عن التسعير: «إذا سعر الإمام عليهم قدر ما يرى من شرائهم فلا بأس»(10).

وقد روى مالك في موطئه قوله صلى الله عليه وسلم في إحدى الغزوات: (من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه) (11)، كما روته دواوين السنة(12). فاختلف العلماء هل هو شرع عام وحكم مستمر أم قرار صدر لمصلحة مؤقتة بوصف الإمامة. وكان الرأي الثاني هو مذهب الإمام مالك. فقد قال يحيى بن يحيى الليثي بعد روايته الحديث في الموطأ: «وسئل مالك عمن قتل قتيلا من العدو أيكون له سلبه بغير إذن الإمام. قال لا يكون ذلك لأحد بغير إذن الإمام، ولا يكون ذلك من الإمام إلا على وجه الاجتهاد، ولم يبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قتل قتيلا فله سلبه إلا في يوم حنين»(13). ولذلك قال القرافي: «قال مالك: هذا تصرف من النبي صلى الله عليه وسلم بالإمامة، فلا يجوز لأحد أن يختص بسلب إلا بإذن الإمام في ذلك قبل الحرب، كما اتفق من رسول الله صلى الله عليه وسلم»(14).

وسنقف في هذا المقال عند نوع واحد من أنواع التصرفات النبوية، وهو التصرف النبوي الإرشادي، وسنرى كيف اعتنى العلماء بتمييزه عن غيره، حتى تحمل الأحاديث النبوية الراوية له محملها الصحيح.

تعريف التصرفات الإرشادية

الإرشاد لغة هو الدلالة على الأفضل من الأمور. وهو في استعمالات الفقهاء يعني الدّلالة على الخير والمصلحة، سواء أكانت دنيويّة أم أخرويّة.

لكن الإرشاد والتصرفات الإرشادية يطلقهما الأصوليون على تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم التي ترشد إلى الأفضل من منافع الدنيا خاصة، وذلك في مقابل تصرفات نبوية ترشد لمصالح الآخرة. وعادة ما يشير إليها الأصوليون أثناء الحديث عن دلالات الأمر. فيتحدثون عن أمر إرشاد وأحيانا عن نهي إرشاد. ويفرقون بين الإرشاد والندب بقولهم إن «المندوب مطلوب لمنافع الآخرة والإرشاد لمنافع الدنيا»(15)، ويسميه أبو بكر الجصاص: الإرشاد إلى الأوثق والأحوط لنا(16). وقد يكون النهي أيضا نهيا إرشاديا "أي لمصلحة دنيوية" كما يقول الزركشي(17).

هكذا يتحدثون نظريا عن التصرف النبوي الإرشادي في فقرات قليلة من كتب الأصول. وعند التطبيق يستعملون للتعبير عنه ألفاظا مختلفة مثل الأدب والترغيب وغيرهما، لكن المهم أن المعنى واحد وهو أن الأمر أو النهي كانا لمصلحة دنيوية خالصة. وسيمكن استعراض أحد الأمثلة المتداولة من تدقيق عناصر التعريف المذكور. وهذا المثال سنأخذه من القرآن الكريم. فأمر الإرشاد كما يوجد في السنة يوجد أيضا في القرآن الكريم. ومن الأمثلة المعروفة لدى المفسرين الأمر بكتابة الدين في قوله تعالى: )يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه، وليكتب بينكم كاتب بالعدل، ولا يأب كاتب أن يكتب، كما علمه الله فليكتب( (البقرة/ 282 ). فقد قال فيها العلماء بعدة آراء. الأول: أن الكتابة فرض على الكفاية مثل الجهاد والصلاة على الجنائز. الثاني: أنها فرض على الكاتب إذا كان عنده وقت وفراغ. الثالث: أنها ندب. الرابع: أن الأمر بذلك منسوخ. لكن أبا بكر بن العربي المالكي (ت 544 هـ) رجح أنه أمر إرشاد؛ فلا يكتب الكاتب حتى يأخذ حقه(18).

كما ذهب ابن العربي إلى أن الإشهاد في قوله تعالى: )وأشهدوا إذا تبايعتم( ليس واجبا، «وإنما الأمر به أمر إرشاد للتوثق والمصلحة». ومن الأدلة على ذلك سقوط الإشهاد في النقد أو التجارة الحاضرة بصريح الآية: )إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها(. وفسر الجناح الذي ليس على تارك الإشهاد بأنه «الضرر الطارئ بترك الإشهاد من التنازع» وهو مصلحة دنيوية، و«ليس هو الإثم» الذي هو مصلحة أخروية(19). إنه من قبيل الإرشاد للعباد لما يحفظون به حقوقهم من الضياع، فإذا لم يأخذوا بهذا الإرشاد تحملوا هم نتيجة إهمالهم. ومن الأدلة على ذلك أن لرب الدين أن يهبه ويتركه إجماعا، يقول أبو عبد الله محمد بن أبي بكر القرطبي المالكي المفسر (ت 671 هـ): «فالندب إلى الكتابة فيه إنما هو على جهة الحيطة للناس»(20). وتعبيره هنا بالندب، استعمال لغوي محض، وهو يعني به الحض لا الندب الشرعي الذي يثاب فاعله ولا يأثم تاركه.

ويؤيد كثير من المفسرين والأصوليين هذا المذهب في فهم الآية. وهو الراجح من كلام الإمام الشافعي، فقد علق على الآية قائلا: «دل كتاب الله عز وجل على أن أمره بالكتاب، ثم الشهود، ثم الرهن إرشادا لا فرضا عليهم»، إلى أن قال: «وأحب الكتاب والشهود لأنه إرشاد من الله ونظر للبائع والمشترى»(21).

أمر الإرشاد في تصنيفات الأصوليين

يتحدث الأصوليون عن التصرفات النبوية الإرشادية عادة أثناء تناول أقسام الأمر ودلالاته. فهذا أبو بكر الجصاص (ت 370 هـ) يجعل تلك الأقسام سبعا هي الإيجاب، والندب، والإرشاد، والإباحة، والتقريع والتعجيز، والوعيد والتهديد، والمسألة والطلب. ويتحدث عن الوجه الثالث من دلالات قول الشارع افعل قائلا: «الإرشاد إلى الأوثق والأحوط لنا، كقوله تعالى: )وأشهدوا إذا تبايعتم( وقوله: )واستشهدوا شهيدين من رجالكم( وقوله تعالى: )فرهان مقبوضة( وقوله تعالى في شأن الرجعة: )وأشهدوا ذوي عدل منكم(»(22).

وممن سلك نفس المسلك فخر الدين الرازي (ت 606 هـ) في كتابه "المحصول"، إلا أنه اعتبر صيغة (افعل) مستعملة في خمسة عشر وجهاً، ثم قال :

«الثاني: الندب كقوله تعالى: )فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً(، ويقرب منه التأديب كقوله: (كل مما يليك) فإن الأدب مندوب إليه»، ثم أضاف :

«الثالث: الإرشاد كقوله تعالى )واستشهدوا شهيدين من رجالكم( وقوله )إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه(. والفرق بين الندب والإرشاد أن الندب لثواب الآخرة، والإرشاد لمنافع الدنيا، فإنه لا ينقص الثواب بترك الاستشهاد في المداينات ولا يزيد بفعله».

أما سيف الدين الآمدي (ت631هـ) فيستعرض معاني الأمر نفسها، ويميز كما فعل الرازي بين الندب والإرشاد والإباحة والتأديب. ويقول عن أمر الإرشاد: «وهو قريب من الندب لاشتراكهما في طلب تحصيل المصلحة غير أن الندب لمصلحة أخروية والإرشاد لمصلحة دنيوية»(23).

فهذه النصوص وأمثالها تبين أن الإرشاد لدى الأصوليين ليس من الندب ولا من الإباحة، وأنه قسيمهما وليس قسما من أقسامهما. وإن كان الفرق بين الإرشاد والإباحة واضح في تعاريفهم، فإن الفرق بينه وبين الإباحة والتأديب غير واضح، اللهم كون الإرشاد إباحة منصوصا عليها أو إباحة بالنص. والله أعلم.

تقسيم النهي النبوي إلى حظر وإرشاد

ويعتبر حافظ المغرب الفقيه المالكي ابن عبد البر النمري (ت463هـ) من الفقهاء القلائل الذين حاولوا ملامسة النهي الإرشادي نظريا. فقد قسم ما جاء من نهي عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى نوعين هما:

ـ نهي تحريم، وهو الأصل فيه، مثل النهي عن نكاح الشغار، وعن نكاح المحرم، وعن نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وعن قليل ما أسكر كثيره.

ـ نهي «على جهة الأدب وحسن المعاملة والإرشاد إلى المروءة»، وذلك مثل نهيه صلى الله عليه وسلم عن أن يمشي المرء في نعل واحدة، وأن يقرن بين تمرتين في الأكل، وأن يأكل من رأس الصحفة، وغيره كثير. ونسب إلى البعض قوله أن من فعل (هذا) فلا حرج»(24».

وفي مكان آخر أثناء الحديث عن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن المشي في نعل واحدة، يقول بعد التأكيد على أن هذا النهي "نهي أدب لا نهي تحريم": «والأصل في هذا الباب أن كل ما كان في ملكك فنهيت عن شيء من تصرفه والعمل به، فإنما هو نهي أدب، لأنه ملكك، تتصرف فيه كيف شئت، ولكن التصرف على سنته لا تتعدى. وهذا باب مطرد، ما لم يكن ملكك حيوانا فتنهى عن أذاه، فإن أذي المسلم في غير حقه حرام»(25). واضطرب في تعليقه على حديث الأمر بالأكل باليد اليمنى والنهي عن الأكل بالشمال، وخلط بين النهي لمصلحة دنيوية خالصة، والنهي لمصلحة أخروية قد تخالطها مصلحة دنيوية. يقول: «والأصل في النهي أن ما كان لي ملكا فنهيت عنه، فإنما النهي عنه تأدب، وندب إلى الفضل والبر، وإرشاد إلى ما فيه المصلحة في الدنيا، والفضل في الدين. وما كان لغيري فنهيت عنه فالنهي عنه نهي تحريم وتحظير، والله أعلم»(26).

وفي مكان آخر يفرق ابن عبد البر النمري بين ما هو إرشاد من السنة وما هو من باب الديانة، فقد علق على قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد هممت أن أنهى عن الغيلة حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم)(27) بقوله: «وفيه دليل على أن من نهيه عليه السلام ما يكون أدبا ورفقا وإحسانا إلى أمته ليس من باب الديانة، ولو نهى عن الغيلة كان ذلك وجه نهيه والله أعلم»(28).

يظهر من هذا التقسيم أن هناك وعيا لدى ابن عبد البر بأن النهي النبوي ليس كله من باب "الديانة" وأن منه ما هو لمصالح دنيوية خالصة. لكنه يضطرب في التعبير عن النهي الإرشادي. وقد حاول أن يوجد معيارا مطردا للتفريق بين النوعين من الحظر، ولا أظنه أفلح. فالتفريق بين ما كان في ملك الإنسان وما كان لغيره قد يكون قرينة، لكنه لا يصلح معيارا. وقد ذكر في كتابه أنواعا من النهي الوارد عن المصطفى صلى الله عليه وسلم مما هو في ملك الإنسان وهي من الحرام أو المكروه. فنهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن جر الإزار خيلاء أو بطرا نهي تحريم باتفاق. وعند شرحه للحديث الشريف: (من اقتنى كلبا إلا كلبا ضاريا أو كلب ماشية، نقص من عمله قيراطان)(29) يقول: «وفي معنى هذا الحديث تدخل عندي إباحة اقتناء الكلاب للمنافع كلها، ودفع المضار إذا احتاج الإنسان إلى ذلك، إلا أنه مكروه اقتناؤها في غير الوجوه المذكورة في هذه الآثار»(30). فتجنب هنا لفظ نهي أدب، واستعمل لفظ الكراهة بوضوح. وفي التعليق على حديث عمر بن الخطاب الذي رأى حلة حرير تباع أمام المسجد فاقترح على الرسول صلى الله عيه وسلم شراءها، فقال صلى الله عليه وسلم: (إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة)(31)، قال ابن عبد البر: «وأجمعوا أن النهي عن لباس الحرير إنما خوطب به الرجال دون النساء، وأنه حظر على الرجال»(32). فهذه أمثلة من النهي لم يصنفها ابن عبد البر أنها نهي أدب وإرشاد، على الرغم من دخولها فيه وفق معياره السالف.

سمات التصرفات الإرشادية

وانطلاقا من التعريف السابق للتصرفات الإرشادية وكلام العلماء وتدقيقاتهم يمكن أن نشير إلى ثلاث سمات للتصرفات النبوية الإرشادية هي:

أولا ـ أنها مطلوبة لمصالح الدنيا لا لمصالح الآخرة: وهو ما يصرح به الأصوليون بوضوح. وذلك مثل ما رأينا من قول بدر الدين الزركشي بأن «المندوب مطلوب لمنافع الآخرة والإرشاد لمنافع الدنيا»(33). ويقتضي هذا المعنى إمكانية التعرف على المصلحة التي راعاها النبي صلى الله عليه وسلم، وإمكانية تقدير أهمية ذلك ومستواه من قبل الشخص المقصود بها.

ثانيا ـ أنه لا قربة فيها ولا ثواب: وهذا نتيجة طبيعية لكون الإرشاد قسيما للندب لا قسما له. وفي تتمة كلام الزركشي السابق: «والأول فيه الثواب، والثاني لا ثواب فيه». وهو ما يؤكده أيضا محمد رشيد رضا بقوله أن «العمل بأمر الإرشاد لا يسمى واجبًا ولا مندوبًا؛ لأنه لا يقصد به القربة فليس فيه معنى التعبد». وهذا يعني أنه لا ثواب فيه عند الامتثال، إلا إن فعله المسلم بنية اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم. فهي مثل كل مباح يفعل في الإسلام بنية القربة، فيصير عبادة يثاب عليها. والإرشاد لا يسمى سنة ولا مندوبًا بذاته؛ فإن القربة هنا هي النية(34).

ثالثا ـ أنه لا حرج في عدم الامتثال لها: كما عبر عن ذلك الإمام مالك بن أنس وآخرون في تصرفات نبوية عديدة سنرى بعضها ضمن الأمثلة والنماذج. وكأن هذا المعنى هو المقصود بقول أبي عمرو ابن عبد البر السالف أن التصرف بالإرشاد «تتصرف فيه كيف شئت».

رابعا ـ أن التصرفات النبوية بالإرشاد لا تسمى سنة: بالمعنى الذي استعمله به الصحابة والعلماء في القرون الخمسة الأولى؛ فهي عندهم ما هو من أقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم شرع يتبع. والتصرفات الإرشادية ليست كذلك كما رأينا.

أمثلة ونماذج

الأمثلة والنماذج للتصرفات النبوية الإرشادية كثيرة، والإشارة إليها مبثوث في كتابات العلماء. لكننا هنا سنكتفي بعشرة نماذج منها مع الإشارة إلى أن تعبيرات العلماء قد تختلف وتتنوع، لكن المهم هو مضمون الكلام ومقصده. ودراسة هذه النماذج تبين أمرين اثنين. أولهما: أن أغلب تلك التصرفات توجد نصوص أو أدلة شرعية مخالفة تصرفها عن التشريع. ثانيهما: أن العلماء اختلفوا في تأويلها وحار بعضهم في توجيهها، فكان اعتبارها تصرفا إرشاديا مخرجا من ذلك الاختلاف وتلك الحيرة.

1 ـ نهي الرسول عليه الصلاة والسلام عن أن ينتعل الرجل قائماً(35).

سئل عنه مالك بن أنس فقال: «لا بأس بذلك»، أي لا بأس بأن ينتعل الرجل وهو واقف. وعقب عليه محمد بن رشد بأنه لا وجه للنهي عنه إلا ما يخشى على فاعله من السقوط إذا قام على رجل واحدة ما دام ينتعل الثانية. «فإذا أمن من ذلك وقدر عليه جاز له أن يفعله، ولم يكن عليه فيه بأس، وإن خشي أن يضعف عن ذلك كره له أن يفعله». ثم قال: «وهو نهي أدب وإرشاد لهذه العلة»(36).

وذهب إلى المعنى نفسه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني(37). فأكد أن ذلك النهي «إنما هو كما يقول بعض أهل العلم من باب الإرشاد، وما كان كذلك فيلاحظ فيه أن النهي معقول المعنى وليس تعبدياً محضاً». ويؤكد الألباني اطمئنانه لهذا المذهب بناء على كون النهي «معقول المعنى مفهوم المراد به وهو الرفق، رفق الإنسان بنفسه واعتناؤه بها خشية أن يقع ما يضره». فإذا كان الانتعال سهلا «فلا بأس من أن ينتعل الرجل قائما»، لأنه لا يخشى عليه ضرر ما، بخلاف ما إذا كان الانتعال صعبا، يخشى معه السقوط، «حينئذ يجلس ويطمئن وينتعل». وبهذا التفصيل ينسجم فهم الحديث مع كون الإسلام دينا سمحا سهلا كما قال عليه الصلاة والسلام: (بعثـــت بالحَنيفية السمحة). ويعطي الألباني على ذلك مثال خروج الناس من المسجد بعد الصلاة زرافات ووحدانا، بحيثً يضيق بهم باب المسجد، «فإذا ما أرادوا الانتعال تصوَّروا الآن فيما لو كان كل نعل يجب أن يجلسَ صاحبه لانتعاله ماذا سيقع حينما سيخرج الجمهور من المسجد خاصة في المسجدين الحرمين الشريفين؟».

فإذاً إن كان الانتعال سهلا فليس لدى المرء «من حاجة أن يجلس على الأرض لينتعل». ومن كان انتعاله صَعب اللباس فليـــجلس خشية أن يُصاب بشيء ليس في حسبانه. وهذا ما ينطبق عليه قوله تبارك وتعالى: )بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ( (سورة القيامة/ 14).

2ـ النهي عن المشي بنعل واحدة

حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يمش أحدكم في نعل واحدة لينعلهما جميعا أو ليخلعهما جميعا )(38).

اختلف العلماء من قديم حول توجيه هذا الأمر النبوي. فذهب بعضهم إلى أنه يفيد كراهة التنزيه، واستثنى منه آخرون ما إذا فسدت إحدى نعليه وأراد إصلاحها. لكن كثيرين ذهبوا إلى أنه نهي إرشادي لمصلحة دنيوية خالصة يقدر الفرد مدى صلاحه له. ويستدلون في ذلك برأي وعمل عدد من الصحابة مثل علي بن أبي طالب وعائشة بنت أبي بكر. ومن الذين يتبنون هذا الرأي محمد بن رشد، يقول: «والنهي عن المشي في النعل الواحدة نهي أدب وإرشاد لا نهي تحريم، خلاف ما ذهب إليه أهل الظاهر من أنه من مشى في نعل واحدة فهو آثم عاص. وعائشة رضي الله عنها تجيز المشي في النعل الواحدة وتنكر حديث أبي هريرة في النهي عن ذلك، روي عنها أنها تمشي في الخف الواحد، وتقول: لأحنثن أبا هريرة»(39).

3 ـ الأمر بإطفاء المصابيح

 وفي الحديث عن جابر بن عبد الله: (أطفئوا المصابيح إذا رقدتم وغلقوا الأبواب وأوكوا الأسقية وخمروا الطعام والشراب ولو بعود تعرضه عليه)(40). وفي رواية من رواياته: (خمّروا الآنية وأوكوا الأسقية وأجيفوا الأبواب، وأطفئوا المصابيح عند الرقاد فإن الفويسقة (أي الفأرة) ربما اجترت الفتيلة فأحرقت أهل البيت)(41). وهذه الأوامر وردت في نصوص متعددة أخرى، وذلك مثل حديث سَالِم بن عبد الله بن عمر عَنْ أبيه عنِ النَبِي صلى الله عليه وسلم قَال: ‏(لاَ تَتْرُكُوا النَّارَ فِي بُيُوتِكُمْ حِينَ تَنَامُونَ)42)، وحديث أبِي مُوسَى الأشعري أن بيتا احْتَرَقَ عَلَى أهْلِهِ بِالْمَدِينَةِ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا حُدِّثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِشَاْنِهِمْ قَال: (إنَّ هَذِهِ النَّارَ هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ فَإذَا نِمْتُمْ فَأطْفِئُوهَا عَنْكُمْ)(43).

وقد اعتبر أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي المالكي (ت 656هـ) جميع تلك الأوامر إرشادية فقال: «جميع أوامر هذا الباب من باب الإرشاد إلى المصلحة الدنيوية، كقوله تعالى: )وأشهدوا إذا تبايعتم(، وليس الأمر الذي قصد إليه الإيجاب، وغايته أن يكون من باب الندب، بل قد جعله كثير من الأصوليين قسما منفردا بنفسه عن الوجوب والندب»(44). ثم عقد أبو العباس القرطبي بابا عنوانه "بيان أن الأمر بذلك من باب الإرشاد إلى المصلحة"(45)، وأورد أحاديث تثبت أن الشراب الذي بات غير مغطى لا يحرم شربه، واستدل بذلك على ما ذهب إليه من أن المقصود بالأمر بتغطية الأواني "الإرشاد إلى المصلحة". وقد تبعه عبد الرؤوف المناوي في هذا التوجيه فقال: «والأوامر في هذا الباب وأمثاله إرشادية، وتنقلب ندبية بفعلها بقصد الامتثال»(46).

4 ـ النهي التسمية بأسماء معينة

قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تسم غلامك رباحا ولا يسارا، ولا أفلح ولا نافعا)(47).

رجح عدد من العلماء أنه إرشاد. فقال الحكيم الترمذي: «وهذا تأديب وليس بحظر»(48). وأورد الحافظ ابن حجر عن الطبري قوله: «وقد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم عدة أسماء، وليس ما غير من ذلك على وجه المنع من التسمي بها، بل على وجه الاختيار. ويدل عليه أنه صلى الله عليه وسلم لم يلزم (حزنا) لما امتنع عن تحويل اسمه إلى (سهل) بذلك، ولو كان ذلك لازما لما أقره على قوله: لا أغير اسما سمانيه أبي»(49).

ومما يؤيد هذا الرأي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد هم بالنهي عن أسماء أخرى فتركه. فهذا جابر بن عبد الله يقول: (أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينهى عن أن يسمى بيعلى وببركة وبأفلح وبيسار وبنافع، وبنحو ذلك، ثم رأيته سكت بعد عنها فلم يقل شيئا، ثم قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينه عن ذلك. ثم أراد عمر أن ينهى عن ذلك، ثم تركه)(50).

لكل هذا ذهب القاضي عياض إلى أن ذلك النهي من الإرشاد بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم «ترك النهي، وأن نهيه أولا إنما كان نهي تنزيه وترغيب، مخافة سوء القال، وما يقع في النفس مما ذكره وعكس ما قصده المسمي بهذه الأسماء من حسن الفأل»(51). ويمكن أن يعبر بعض العلماء عن نهي الإرشاد ـ كما سلف من قبل ـ بألفاظ تؤدي المعنى نفسه مثل التنزيه والترغيب. لكن الثابت هو تأكيدهم على أن وراءه حكما دنيوية خالصة.

5 ـ الشفاعة الدنيوية

 قصة بريرة مولاة عائشة بنت الصديق التي كانت مولاة فأعتقت تحت زوج، فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم فاختارت فراقه. وكان يرغب هو في بقائها معه، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (لو راجعته)، فقالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: إنما أنا أشفع، قالت: لا حاجة لي فيه(52). فميز النبي صلى الله عليه وسلم بين الأمر والشفاعة من تصرفاته، ولم يلُمْهَا على ترك قبول شفاعته، مما يبين أنها توجيه دنيوي إرشادي.

وممن ألمح إلى هذا التوجيه سيف الدين الآمدي في سياق رده أدلة القائلين بأن الأمر في النصوص الشرعية هو للوجوب، يقول: «وأما حديث بريرة فلا حجة فيه، فإنها إنما سألت عن الأمر طلباً للثواب بطاعته، والثواب والطاعة قد يكون بفعل المندوب، وليس في ذلك ما يدل على أنها فهمت من الأمر الوجوب، فحيث لم يكن أمراً لمصلحة أخروية لا بجهة الوجوب ولا بجهة الندب قالت: لا حاجة لي فيه. فإن قيل: فإجابة شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم مندوب إليها، فإذا لم يكن مأموراً بها تعين أن يكون الأمر للوجوب. قلنا: إذا سلم أن الشفاعة في صورة بريرة غير مأمور بإجابتها، فلا نسلم أنها كانت في تلك الصورة مندوبة ضرورة أن المندوب عندنا لا بد وأن يكون مأموراً به»(53). فهو يرجح كون شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم إرشادا، وليس للوجوب ولا للندب.

6 ـ المشورة الدنيوية

حديث فاطمة بنت قيس أنها ذكرت لرسول الله أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد فكرهته، ثم قال: انكحي أسامة)، فنكحته فجعل الله فيه خيرا واغتبطت(54).

فهذا إرشاد نبوي، لذلك لم تستجب له فاطمة بن قيس في المرة الأولى. قال الإمام النووي: «فكرر عليها النبي صلى الله عليه وسلم الحث على زواجه لما علم من مصلحتها في ذلك»(55).

7 ـ نهيه صلى الله عليه وسلم عن اختناث الأسقية: أن يشرب من أفواهها(56).

ومعناه أنه نهى عن أخذ فم السقاء، وهو إناء جلدي لحفظ الماء، والشرب منه مباشرة. وهذا قد يكون مانعا للغير من الشرب من مائه فجاء النهي النبوي، وكأنه يحث على إفراغ الماء في إناء خاص وشربه منه. ولذلك اعتبر القاضي عياض ذلك النهي «من باب الأدب والترغيب لا من باب الواجب والفرض»، ثم قال: «وقد قيل في النهي عن اختناث الأسقية والشرب من فم السقاء: أنه للتقذر أيضا، لإدخالها في فيه أو إدخال شفتيه فيها، أو لما يخشى من وقوع بصاقه فيها، أو غيره»(57).

8 ـ نهيه صلى الله عليه وسلم عن الشرب من ثلمة القدح.

ففي حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشرب من ثلمة القدح، وأن ينفخ في الشراب)(58). وقد ذهب الطحاوي إلى أن هذا النهي من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن «على طريق التحريم، بل كان على طريق الإشفاق منه على أمته والرأفة بهم، والنظر لهم». ونسب إلى قوم لم يسمهم أنه صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن ذلك، لأن الثلمة في القدح هي موضع «يقصده الهوام، فنهى عن ذلك خوف أذاها»(59).

وماثل الطحاوي هذا النهي بالنهي عن الشرب قائما، والذي «ليس على التحريم الذي يكون فاعله عاصيا» ولكن لمعنى فيه. ثم روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بيت أم سليم، فشرب من قربة وهو قائم من فيها، وقال: «فدل ذلك على أن نهيه الذي روي عنه في ذلك، ليس على النهي الذي يجب على منتهكه أن يكون عاصيا. ولكنه على النهي من أجل الخوف، فإذا ذهب الخوف ارتفع النهي».

9 ـ النهي عن الشرب واقفا

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر عن الشرب قائما(60). ‏وعن‏ ‏أبي سعيد الخدري ‏أن رسول الله‏ ‏صلى الله عليه وسلم‏ ‏نهى عن الشرب(61).

وقد وردت أحاديث عديدة تؤكد شرب النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف. منها عن أم الفضل بنت الحارث رضي الله عنهما (أنها أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقدح لبن وهو واقف عشية عرفة فأخذه بيده فشرب)(62). وروي أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير كانوا يشربون قياما. وكان كل من عائشة أم المؤمنين وسعد بن أبي وقاص لا يريان بذلك بأسا(63).‏

وبسبب تعارض النصوص والأدلة الواردة في الموضوع سلك العلماء مسالك‏ عدة في حل ذلك التعارض(64). فهناك من لجأ إلى الترجيح باعتبار أحاديث الجواز أثبت من أحاديث النهي.

وهناك من لجأ إلى دعوى النسخ، وذلك مثل أبي حفص عمر بن شاهين (ت 385هـ) الذي قرر أن أحاديث النهي منسوخة بأحاديث الجواز بقرينة عمل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يشربون قياما على عهده(65).‏ وهناك فريق ثالث يرى الجمع بين الخبرين بأنواع من التأويل، وذلك مثل حمل النهي على من لم يسم الله عند شربه، أو حمل أحاديث النهي على كراهة التنزيه وأحاديث الجواز على بيانه.

وألمح عدد من العلماء إلى أن ذلك النهي قد يكون نهي إرشاد وإن اختلفت عباراتهم. فيقول أبو بكر الأثرم‏:‏ «إن ثبتت الكراهة حملت على الإرشاد والتأديب لا على التحريم»(66). وذكر أبو العباس القرطبي الخلاف في الموضوع ثم قال: «وقد ذهب بعض الناس إلى أن النهي عن الشرب قائما إنما كان لئلا يستعجل القائم فيعب فيأخذه الكباد، أو يشرق، أو يأخذه وجع في الحلق أو في المعدة، فينبغي ألا يشرب قائما. وحيث شرب النبي صلى الله عليه وسلم قائما أمن ذلك، أو دعته إلى ذلك ضرورة أو حاجة ... »(67).

وقال الحسين الفراء البغوي: «وهذا النهي نهي أدب وإرفاق ليكون تناوله على سكينة وطمأنينة، فيكون أبعد من أن يكون منه فساد»(68). وقال القاضي عياض اليحصبي: «ويحمل حديث النهي على جهة الاستحسان، والحث على ما هو أولى وأجل أن يكون، لأن في الشرب قائما ضررا ما، فكره من أجله وفعله ـ عليه السلام ـ لأمنه منه»(69). واعتبر أبو جعفر الطحاوي أن ذلك النهي إنما كان «لمعنى يكون من ذلك كرهه من أجله»(70). أما القاضي أبو بكر بن العربي المعافري فكان أكثر صراحة وتعبيرا على أنه تصرف إرشادي حين قال: «النهي عن الشرب قائما ليس بنهي تشريع، وإنما هو نهي تطبيب، وهو يدخل في الشريعة على وجه ما، وبقصد ما، وما يكون طريقه المنفعة للبدن لا يعد من مبينات الشرع المختصة به»(71). وقد تبعه في ذلك محمد بن عبد الباقي الزرقاني مؤكدا على أن طال نهي طبي إرشادي»(72)، فهذا هو الراجح عنده ما دام الجمهور على أن النهي ليس للتحريم ولا للكراهة. فهذه الإشارات الواردة بتعابير مختلفة تسير كلها في اتجاه واحد، هو اعتبار النهي النبوي عن الشرب قائما نهيا إرشاديا لمصلحة دنيوية.

10 ـ النهي عن سفر المنفرد

قوله عليه الصلاة والسلام: (الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب)(73). اعتبره الطبري تصرفا إرشاديا، فقد نقل عنه الشوكاني تعليقا على هذا الحديث قوله: «هذا الزجر زجر أدب وإرشاد لما يخشى على الواحد من الوحشة والوحدة وليس بحرام، فالسائر وحده في فلاة، وكذا البائت وحده لا يأمن الاستيحاش لاسيما إذا كان ذا فكرة رديئة…»(74).

خاتمة

على الرغم من أن علماء أصول الفقه والحديث قد عرفوا مبكرا بالتصرفات النبوية الإرشادية وحددوا سماتها، إلا أن الاعتناء بها تأصيلا وتتبعا وجمعا لم يكن ـ في رأينا ـ في المستوى المطلوب. لذلك استمر اعتبارها تصرفات "دينية تعبدية"، مطلوبة الفعل شرعا، وهو ما شكل مدخلا من مداخل التشدد والغلو في فهم النصوص النبوية.

وها قد رأينا أنها "تصرفات دنيوية" مرتبطة بالمصالح المترتبة عنها، وأنها لا تحمل معنى القربة ولا التعبد.

إن الوعي بهذه الفروق الجوهرية أساسي في فهم السنة فهما سليما. وهو ما يستلزم التعرف على مناهج السلف، وإلى القواعد التي أرسوها في ذلك. كما أنه سيحمي باحثينا ومثقفينا من التسرع في رد أحاديث معينة بسبب غرابة متنها على الرغم من كونها صحيحة في أسانيدها. ولو وضعوها في سياق مقامها لاتضح مدلولها الصحيح.

ونرجو أن ينكب العلماء والباحثون أكثر على تدقيق مثل هذه المفاهيم ترشيدا لفهم النصوص الشرعية، وتنزيلا لكلام النبي صلى الله عليه وسلم منزله الصحيح. والحمد لله رب العالمين.

________________________________________

 (1) أخرجه الحافظ ابن عبد البر في "التمهيد" (1/58 ـ 59) والخطيب في "شرف أصحاب الحديث" وغيرهما. وقد صحح بعض طرقه الإمام أحمد بن حنبل والحافظ العلائي، كما قواه لتعدد طرقه ابن قيم الجوزية في "مفتاح دار السعادة" (1/163). وانظر تعاليق محمد ناصر الدين الألباني بهامش "مشكاة المصابيح" (1/82-83( .

 (2) تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم بالإمامة: الدلالات المنهجية والتشريعية، ضمن "منشورات الزمن"، الكتاب رقم 37، ط 1، 2003م الرباط، المغرب.

 (3) الاسم الذي أطلقه عليه المؤلف هو: " كتاب الأنوار والقواعد السنية في الأسرار الفقهية".

 (4) الفروق 1/109.

(5)  مقاصد الشريعة، ص 24.

 (6) أخرجه البخاري (الأذان رقم 647، والأحكام رقم 7309) وغيره عن أبي هريرة.

(7)  مقاصد الشريعة، ص 77.

 (8) نفسه، ص 28 ـ 29 .

(9)  أصلها رسالة ماجستير في أصول الفقه بجامعة محمد الخامس بالرباط تحت عنوان: "التصرفات النبوية بالإمامة وتطبيقاتها الأصولية"، نوقشت سنة 1999م. ثم أفردنا التصرفات النبوية أنواعها وسماتها بدراسة خاصة عساها تنشر في القريب إن شاء الله..

 (10) المنتقى شرح موطإ مالك لأبي الوليد الباجي،مطبعة السعادة، مصر، الطبعة الأولى، 1332هـ، 5 / 18.

 (11) الموطأ ( الجهاد/ الحديث 979) عن أبي قتادة بن ربعي.

 (12) البخاري (فرض الخمس/ الحديث 3178 والمغازي/الحديث 4365)، ومسلم (الجهاد والسير/ الحديث 4667) وغيرهما.

 (13) وانظر نحوه من جواب مالك في المدونة الكبرى ، 2 / 29 .

 (14) الإحكام، ص 117.

(15)  البحر المحيط ، ج 2 / 356، وانظر أيضا: أبو حامد الغزالي، المستصفى، 2/69 ـ السبكي، الإبهاج، 2/17.

 (16) الفصول في الأصول ، ج 2 / 80 .

 (17) نفسه ، ج 1 / 298 .

 (18) أحكام القرآن لابن العربي (سورة البقرة، الآية 89، قوله تعالى يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين، مسألة سقوط الإشهاد في النقد).

 (19) نفسه.

 (20) الجامع لأحكام القرآن، 3/383.

(21)  الأم، 3/112 – 113.

(22)  الفصول في الأصول، 2/78 ـ 79.

 (23) الإحكام في أصول الأحكام، 3/ 46.

 (24) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، 1/140 ـ 141.

 (25) التمهيد، 18/177.

 (26) التمهيد، 11/113.

(27)  أخرجه مالك في الموطأ (كتاب الرضاع/ الحديث 1291)، ومسلم (النكاح/ الحديث 3637 و3638) وغيرهما عن جذامة بنت وهب.

 (28) التمهيد ،ج 13 / 93 .

(29)  أخرجه مالك في الموطأ بهذا اللفظ (كتاب الاستئذان/ الحديث 1778) عن عبد الله بن عمر، وأخرجه غيره بألفاظ مقاربة.

(30)  التمهيد، 14/219.

 (31) أخرجه مالك (كتاب اللباس/ الحديث 1672) وغيره عن عبد الله بن عمر.

 (32) التمهيد، 14/241.

 (33) البحر المحيط ، ج 2 / 356.

(34)  محمد رشيد رضا: مجلة المنار، المجلد 29، الجزء 1، الصفحة 37.

 (35) أخرجه أبو داود (كتاب اللباس/ الحديث 4137) وابن ماجه (كتاب اللباس/ الحديث 3749) عن جابر بن عبد الله.

 (36) البيان والتحصيل، 18/50 و437.

(37)  في جواب على سؤال، انظر http://www.sahab.net/forums/showthread.php?t=308258

 (38) البخاري (كتاب اللباس/ الحديث 5917) ومسلم (كتاب اللباس/ الحديث 2097).

(39)  البيان والتحصيل، 18/539.

 (40) البخاري (كتاب الأشربة/ الحديث 5684) ونحوه عند مسلم (الأشربة/ الحديث 5364) وغيره.

 (41) الترمذي (كتاب الأدب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم/ الحديث 3096) ونحوه في البخاري (كتاب بدء الخلق/ الحديث 335).

 (42) البخاري (كتاب الاستئذان/ الحديث 6336) ومسلم (كتاب الأشربة/ الحديث 5376) وغيرهما.

 (43) مسلم (كتاب الأشربة/ الحديث 5377).

 (44) أبو العباس القرطبي: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (5/281).

 (45) نفسه، (5/283).

 (46) فيض القدير (3/451).

(47)  مسلم (كتاب الآداب/ رقم 2136) واللفظ له، والترمذي (الاستئذان والآداب/رقم 2992) وأحمد (رقم 19618) عن سمرة بن جندب.

 (48) المنهيات ص 170.

 (49) فتح الباري: 10/577

 (50) مسلم (كتاب الآداب/ رقم 2136).

(51)  إكمال المعلم، 7/13.

 (52) البخاري (الطلاق/باب شفاعة النبي في زوج بريرة، رقم 4875) واللفظ له، وأبو داود (باب المملوكة تعتق تحت حر أو عبد)، وابن ماجة (الطلاق/باب خيار الأمة إذا أعتقت)

 (53) الإحكام، 3/ 54.

 (54) رواه مسلم (كتاب الطلاق/ باب المطلقة ثلاثا لا نفقة لها، رقم 2709) وأبو داود (كتاب الطلاق/ رقم 1944) وغيرهما.

 (55) شرح مسلم، ج 9 / 98 .

 (56) مسلم (كتاب الأشربة/ رقم 5391).

 (57) إكمال المعلم، 6/489.

 (58) أخرجه أحمد وأبو داود وابن حبان عن أبي سعيد الخدري.، وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (1 / 672) لشواهده عن أبي هريرة وسهل بن سعد وابن عباس وابن عمر.

 (59) شرح معاني الآثار، 4/276.

 (60) أخرجه مسلم (كتاب الأشربة/ باب كراهية الشرب قائما رقم 3773).

 (61) أخرجه مسلم (كتاب الأشربة/ باب كراهية الشرب قائما، رقم 3774).

 (62) أخرجه البخاري (كتاب الأشربة/ باب من شرب وهو واقف على بعير، رقم 5187).

 (63) مالك بن أنس: الموطأ، كتاب الجامع، ص 800.

 (64) انظر تفصيل أقوال العلماء في: فتح الباري للحافظ ابن حجر، 12/187.

 (65) ناسخ الحديث ومنسوخه، ص 285.

 (66) نفسه.

(67)  المفهم، 5/285 ـ 286.

 (68) شرح السنة، 11/381.

 (69) إكمال المعلم بفوائد مسلم، 6/491.

 (70) شرح معاني الآثار، 4/275.

(71)  عارضة الأحوذي، 8/73.

 (72) شرح موطأ الإمام مالك، 4/ 295.

 (73) رواه أبو داود (الجهاد/ باب الرجل يسافر وحده، رقم 2240) و الترمذي (الجهاد/ باب ما جاء في كراهية أن يسافر الرجل وحده، رقم 1597)، ومالك في الموطأ (الاستئذان/ باب ما جاء في الوحدة في السفر للرجال والنساء، رقم 1548).

(74)  نيل الأوطار، ج 8 / 60 .

المصدر: موقع رسالة الإسلام

 
د. سعد الدين العثماني
تاريخ النشر:2010-01-15 الساعة 11:00:00
التعليقات:1
مرات القراءة: 2602
مرات الطباعة: 838
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
بحث جديد مفيد

2010-09-22 | 22:07:30

هذا بحث جديد تطرق إلى موضوع يصحح النظرة المتشددة في فهم بعض الأحاديث. جزى الله خيرا الدكتور العثماني عليه.

أم مروان

 

 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan