الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » السنة والسيرة النبوية

اتجاه تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية ين الجحود والتأييد

د. محمد أبو الليث الخير آبادي

 

تعرض السنة النبوية للهجوم والتحديات، ومحاولات النيل من قدسيتها ومكانتها قط مثل ما تعرضت لها في هذا القرن، «تعنف تارةً، وتلين أخرى، تأخذ شكل أمواج البحر، تعلو وتهبط، لكنها تتدافع في اتجاهٍ واحدٍ». وقد اختلف حجم هذه المهاجمات والمحاولات في بلد عن بلد، وفي زمن عن زمن، وكلما اشتد ضعف المسلمين اشتدت الحملةُ وتوالى الهجومُ، تماماً كميكروب الأمراض، كلما ضعفت مناعة الجسم وحصانته كلما اشتد هجوم الأمراض والافتراس.

إن السنة كانت مستهدفة من قِبَل أعداء الإسلام منذ زمن بعيد، فإن كان السابقون منهم قد اخترعوا أحاديث يستهجنها العقل لتنفير الناس عن الإسلام ونبيه عليه الصلاة والسلام، فالمعاصرون منهم قد تفنَّنوا في إبعاد المسلمين عنها، فمنهم من طعن في حجية السنة وقيمتها التشريعية، ومنهم من استبعد إمكان الاعتماد عليها لعدم كتابتها إلى قرن أو قرون، ومنهم من نظر إلى الأسانيد نظرة ارتياب وشك، ومنهم من رفض السنة لبلوغها عداً أسطورياً ـ كما يُظَنُّ ـ سبعمائة ألف حديث كأن النبي لم يكن له شغل شاغل غير الكلام.

ولكن المشكلة لا تكمن في مهاجمات أعداء الإسلام فإنها متوقعة منهم بل أكبر منها إن أمكن لهم ذلك؛ لأن العدو لا يتوقع منه إلا الشر، وإنما المشكلة فيما جاء أو ظل يجيء بين حين لآخر من أبناء المسلمين من تشكيكات في السنة، أو توجيه اللوم إليها بهدف لآخر. ولا شك أن وراء كل ذلك أعداء الإسلام والمستشرقين والمبشِّرين والاستعمار والغزو الثقافي والفكري. ومما لا شك فيه أيضاً أن كثيراً «ممن رفع عقيرته في السنة بغير علم قد رضع لبناً غير لبانها، وفطم عن ثدي غير ثدي أمها، سواء أدرك ذلك أم لم يدرك، وسواء استهدف مطمعاً دنيوياً من منصب أو جاه أو شهوة، أم لم يستهدف».

فمعظم من شككوا في السنة من المسلمين هم إما أفراد صفر اليدين من مبادئ العلوم الشرعية، يجهلون الأوليات منها، يقولون: نأخذ الأحكام رأساً من الكتاب، ولا نحتاج إلى السنة، وإما علماء تخصصوا في فنون أخرى غير الشرعية، وحمَّلوا السنةَ المسؤوليةَ عن كل مشكلات الأمة الإسلامية من تخلف وفقر وضعف، وتفكك وتشتت وتشرذم، مما دعا البعضَ منهم إلى التخلي عن السنة كلها، والبعض منهم إلى تحكيم العقل فحسب لتنقية السنة عن الشوائب، والبعض منهم إلى تحكيم القرآن فقط لتنقيتها، والبعض منهم شدد على أن الحجة هي منهجية السنة لا جزئياتها التي تتشابه أقوال الفقهاء.

وقبل قليل غير بعيد ظهر في دراسات السنة اتجاه لا يقل أهمية عن سابقاتها، وهو «اتجاه تقسيم السنة إلى سنة تشريعية وغير تشريعية»، فأول من لوَّح له الإشارة الخضراء هو السيد رشيد رضا (ت1345ﻫ) أتى عليه عرضاً في تفسيره، ثم جاء الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر الأسبق (ت1393ﻫ) فأعطاه منحى قاعدياً، أو صرح به كقاعدةٍ مسلَّمٍ بها، وتلاه الدكتور محمد سليم العوا، وتعدى الخطَّ الأحمرَ. وأخيراً أخذ الموضوع فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، وحاول التخفيف الحدة بين القائلين به والرافضين له، وذلك بتضييق دائرة السنة غير التشريعية بعد التسليم بأصل التقسيم.

هؤلاء هم أساطين اتجاه التقسيم تلويحاً، أو تصريحاً، أو تضخيماً، أو تعديا للخط الأحمر، أو تضييقا؛ وإن كانت هناك أسماء أخرى ظهرت على أفق هذا الموضوع بقبول هذا الاتجاه، ولكن لم تبرز إسهاماتهم بشكل بارز، وهم الشيخ الطاهر بن عاشور (ت1973م)، والشيخ عبد الوهاب خلاَّف، والشيخ عبد الكريم زيدان، والشيخ محمد أبو زهرة، والشيخ عبد الجليل عيسى، والشيخ فتحي عثمان، والدكتور أحمد كمال أبو المجد، والدكتور عبد الحميد متولي، والدكتور سعيد رمضان البوطي، والدكتور محمد سليمان الأشقر، وغيرهم.

مجالات السنة غير التشريعية عند القائلين بالتقسيم

1ـ السيد رشيد رضا:

لقد عدَّ السيد من السنة غير التشريعية ما كان من أمور العادات كأكل الزيت والادهان به، وأكل البلح بالتمر، وما كان من الصناعات والزراعة والعلوم والفنون المبنية على التجارب والبحث كتلقيح النخل، واختياره (مكان النُّزول يوم بدر، وصبغ الشيب بالسواد، ومكان وقوفه في عرفات والمزدلفة). وقال السيد: «فإن هذه من أمور العادات التي لا قربة فيها، ولا حقوق تقتضي التشريع، وليس من التشريع ما لا يتعلق به حق لله تعالى، ولا لخلقه، لا جلب منفعة، ولا دفع مفسدة». ثم قال: «على أن من توخَّى اتباعه في العادات حباً فيه، وتذكيراً لحياته الشريفة... فجدير بأن يكون اتباعه هذا مزيد كمال في إيمانه».

يلاحظ في كلام السيد أن التشريع عنده «ما يتعلق به حق لله أو لخلقه، والذي فيه جلب منفعة أو دفع مفسدة»، وما ليس كذلك فهو ليس بتشريع. وهو من قبيل تعريف الشيء بلازمه، إذ التشريع إفادة الدليل الشرعي أحد الأحكام الخمسة، والدليل لا يشرع إلا ما فيه حق لله أو لخلقه والذي فيه جلب منفعة أو دفع مفسدة.

2ـ الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر الأسبق:

فقد عدَّ الشيخ شلتوت من السنة غير التشريعية ما يأتي:

1ـ ما سبيله سبيل الحاجة البشرية كالأكل والشرب والنوم والمشي والتزاور والمصالحة بين شخصين بالطرق العرفية والشفاعة والمساومة في البيع والشراء.

2ـ ما سبيله سبيل التجارب والعادة الشخصية أو الاجتماعية كالذي ورد في شؤون الزراعة والطب، وطول اللباس وقصره.

3ـ ما سبيله سبيل التدبير الإنساني أخذاً من الظروف الخاصة كتوزيع الجيوش على المواقع الحربية، وتنظيم الصفوف في الموقعة الواحدة، الكمون، الكَرِّ والفَرِّ، واختيار أماكن النزول، وما إلى ذلك مما يعتمد على وحي الظروف والدربة الخاصة. ثم قال الشيخ شلتوت: «وكل ما نُقِلَ من هذه الأنواع الثلاثة ليس شرعاً يتعلق به طلب الفعل أو الترك، وإنما هو من الشؤون البشرية التي ليس مسلك الرسول فيها تشريعاً، ولا مصدر تشريع». كأن التشريع عند الشيخ شلتوت هو «ما يتعلق به طلب الفعل أو الترك» لا غير.

3ـ الشيخ الطاهر بن عاشور:

قال الشيخ ما ملخصه: وقد تقرر في أصول الفقه أن ما كان جبلياً من أفعال رسول الله عليه الصلاة والسلام لا يكون موضوعاً لمطالبة الأمة بفعل مثله، بل لكل أحد أن يسلك ما يليق بحاله، وهذا كصفات الطعام واللباس والاضطجاع والمشي والركوب ونحو ذلك «سواء كان ذلك خارجاً عن الأعمال الشرعية كالمشي في الطريق، والركوب في السفر. أم كان داخلاً في الأمور الدينية كالركوب على الناقة في الحج، ومثل الهُوِيِّ باليدين قبل الرجلين في السجود حين أسن وبَدُنَ عند أبي حنيفة، وكذلك نزوله بالمحصب في حجة الوداع، واضطجاعه على الشق الأيمن بعد صلاة الفجر، واختياره مكان النُّزول يوم بدر، وإشارته بعدم تلقيح النخل». ثم قال الشيخ: «… فمن قرائن التشريع الاهتمام بإبلاغ النبي عليه الصلاة والسلام إلى العامة، والحرص على العمل به، والإعلام بالحكم وبإبرازه في صورة القضايا الكلية مثل قول رسول الله عليه الصلاة والسلام: (ألا لا وصية لوارث)، وقوله: (إنما الولاء لمن أعتق). ومن علامات عدم قصد التشريع عدم الحرص على تنفيذ الفعل مثل قول النبي عليه الصلاة والسلام في مرض وفاته: (آتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده) فاختلفوا فقال: (دعوني، فما أنا فيه خير)».

4ـ الشيخ الدكتور عبد المنعم النمر:

ذهب الشيخ النمر إلى أن كثيراً من أفعال النبي عليه الصلاة والسلام وأقواله ليست للتشريع، وليست خاضعةً لوحي، بل صادرة عن اجتهادات بشرية، يجوز لمن يأتي بعده أن يجتهد مثله، وأن يخالفه في أفعاله وتقريراته وأقواله. وبخاصة فيما جاء عنه في المعاملات التي لم ترد في القرآن الكريم. وقال الشيخ بالحرف الواحد: «فما دام الرسول كان يجتهد، وما دام هذا الاجتهاد قد شمل الكثير من أنواع المعاملات، أفلا يجوز لمن يأتي بعده أن يدلي في الموضوع باجتهاده أيضا؟ هادفاً إلى تحقيق المصلحة؛ ولو أدى اجتهاده إلى غير ما قرره الرسول باجتهاده».

ويحصر الشيخ النمر السنة التشريعية في دائرة ضيقة فيقول: «نسارع فنقرر أن كل ما صدر عن الرسول من شؤون الدين في العقيدة والعبادة والحلال والحرام والعقوبات والأخلاق والآداب، لا شأن لنا به إلا من ناحية فهمه». ويقول: «لكن هناك أحاديث كثيرة بمعاملات الناس في الحياة من بيع وشراء ورهن وإجارة وقراض ولقطة وسلم… هل هذه الأمور تأخذ حكم الأولى في أنها موحى بها من الله… سواء كان الوحي مباشرا، أو سكوتيا أو إقرارياً، أو لها وصف آخر؟».

5ـ الشيخ يوسف القرضاوي:

كعادته في جل القضايا الإسلامية المعاصرة، وبخاصة القضايا الإسلامية الفكرية، وقف الشيخ - حسب قوله - بين طرفي الإفراط والتفريط، فلم يبالغ في إثبات التشريع في جميع السنة كما فعل الدكتور فتحي عبد الكريم وموسى لاشين شاهين وعلي القرة داغي، ولا بالغ في نفي التشريع عن السنة كما نفى الدكتور النمر، وإنما توسط بينهما، فقال: «ومما لا ريب فيه أن بعض أقواله عليه الصلاة والسلام وأفعاله كانت تصدر منه بمقتضى البشرية المحض، فليس لها أي صفة تشريعية، مثل ما ورد أنه كان يعجبه لحم الذراع من الشاة، وأنه كان يحب الدباء. وما يصدر عنه في حال الغضب مما لا يقصده من قول أو دعاء على بعض الناس. وما يصدر عنه بدون وحي من بعض الأخبار مثل حديث تأبير النخل، وحديث (لا عدوى) ثم إثباته في حديث (فر من المجذوم كما تفر من الأسد)»، وعد الشيخ أحاديث الطب أيضاً من السنة غير التشريعية.

6ـ سعد الدين العثماني:

وقريباً من هذا الاتجاه ظهر حديثاً اتجاه (تصرفات الرسول بالإمامة) نسجه الأخ سعد الدين العثماني، ملخصه أن التصرفات النبوية على نوعين:

1ـ تصرفات تشريعية، وهي ما صدر عن الرسول عليه الصلاة والسلام مما هو للاتباع والاقتداء، أو ما كان من تصرفاته، أو ما كان من تصرفاته مطلوب الفعل وجوباً أو استحباباً، وهذه التصرفات التشريعية تنقسم أيضاً إلى قسمين:

أ- تصرفات بالتشريع العام، وهي تتوجه إلى الأمة كافة إلى يوم القيامة.

ب- تصرفات بالتشريع الخاص، وهي مرتبطة بزمان أو مكان أو أحوال أو أفراد معيَّنين، وليست عامة للأمة كلها.

2ـ تصرفات غير تشريعية، وهي تصرفات لا يقصد بها الاقتداء والاتباع، لا من عموم الأمة، ولا من خصوص من توجهت إليهم. وهي التصرفات الجبلية، والتصرفات العادية، والتصرفات الدنيوية، والتصرفات الإرشادية، والتصرفات الخاصة به.

وعرَّف الأخ العثماني "تصرفات النبي بالإمامة" بأنها تصرفاته عليه الصلاة والسلام بوصفه إماماً للمسلمين ورئيساً للدولة، يدير شؤونها بما يُحقِّق المصالح، ويدرأ المفاسد، ويتَّخذ الإجراءات والقرارات الضرورية لتحقيق المقاصد الشرعية في المجتمع، ويسميها بعض العلماء بالسياسة الشرعية أو بالإمارة. ومن هنا جعل تصرفات النبي عليه الصلاة والسلام بالإمامة تصرفات تشريعية خاصة بزمانها وظروفها. وقال: «ولذلك يعبِّر عنها ابن القيم بأنها "سياسة جزئية" بحسب المصلحة، وأنها "مصلحة للأمة في ذلك الوقت، وذلك المكان، وعلى تلك الحال". وليست شرعاً عاماً ملزماً للأمة إلى يوم القيامة، وعلى الأئمة وولاة الأمور بعد الرسول عليه الصلاة والسلام ألا يجمدوا عليها، وإنما عليهم أن يتبعوه عليه الصلاة والسلام في المنهج الذي بنى عليه تصرفاته، وأن يراعوا المصالح الباعثة عليها».

فمثلاً مما اتفق العلماء على أنه تصرُّفٌ بالإمامة تعيينُ القضاة واختيار السفراء وتنظيم الجيوش ووضع الخطط الحربية، فهذه أمور ليس خلفاء الرسول عليه الصلاة والسلام ملزمين بها، لكنهم ملزمون ـ مثلاً ـ برعاية طريقته عليه الصلاة والسلام في اختيار الأصلح أو الصالح واجتناب غير الصالح، وهو مفوَّضون في تحديد معايير الصلاحية التي يختلف كثير منها باختلاف الأزمنة والأمكنة والأعراف.

مجالات السنة غير التشريعية المستخلصة من أقوالهم

تبين من هذا السرد الإجمالي للأمور التي اعتبرها القائلون بالتقسيم سنة غير تشريعية، وعلى أساسها قسموا السنة إلى تشريعية وغير تشريعية، أنها تتلخص فيما يلي:

1ـ أفعال النبي عليه الصلاة والسلام الجبلية التي كانت تصدر عنه بمقتضى البشرية المحض.

2ـ ظنونه وآراؤه في أمور الدنيا المبنية على الخبرة والتجربة أو العادة.

3ـ الأحاديث الواردة في الوصفات الطبية.

4ـ أحاديث المعاملات غير الواردة في القرآن.

5ـ أقواله وأفعاله إماما أو قاضيا.

القول الفيصل فيما أرى

لم ينظر جمهور علماء الشريعة الإسلامية إلى موضوع تقسيم السنة نظرة استحسان، بل نظروا إليه نظرة ملؤها استياء وكراهية، أو رأوا أن اتجاه التقسيم أو ظاهرة التقسيم هذه مؤامرة خارجية دُبِّرت لتقليل شأن السنة وصاحبها عليه الصلاة والسلام، بشعور من القائلين به أو بدون شعور منهم.

وتصدى لهم من تصدى بالرد والنقد من علماء الحديث وأصول الفقه الذين قالوا بتشريعية كل ما جاءت به السنة دون استثناء بدليل أن أقل ما تفيده السنة من الأحكام هو الإباحة، وهي من الأحكام التشريعية التكليفية عند جميع علماء أهل السنة والجماعة، وأبرز هؤلاء الدكتور فتحي عبد الكريم.

والقول الحق عندي أن السنة حسب تعريف الأصوليين كلها تشريعية، وأما السنة حسب تعريف المحدثين فمنها ما هو تشريع، ومنها ما هو غير تشريع. وبسبب غياب هذه النقطة عن القائلين بالسنة التشريعية وغير التشريعية حصل ذلك الخلط. وذلك لأن هذه الأمور الخمسة إذا صدق عليها تعريف "السنة" فهي على الأقل تفيد الإباحة وهي من الأحكام الخمسة التشريعية. وإذا لم يصدق عليها تعريف السنة فهي ليست بسنة، وإنما هي حديث.

ولكن أنا أقول: إنه لا شك في أن هذه الأمور الخمسة يصدق عليها تعريف السنة لأنها لا تخرج عن أحد الثلاثة:

فهي إما أقوال له عليه الصلاة والسلام، أو أفعال، أو تقريرات. وهذه هي أفراد السنة المصطلح عليها عند علماء الأصول. ولا يوجد في تعريف السنة عندهم قيدٌ يُخْرِجُ تلك الأمور الخمسة من السنة. وقد حكى الشيخ العلامة عبد الغني عبد الخالق إجماع العلماء المعتد بهم على إدخال جميع أقواله وأفعاله ـ ومنها الجبلية أيضاً ـ الصادرة عنه بعد الرسالة في السنة. حتى الذين قالوا بالتقسيم وصفوها بأنها سنة، ولكنها غير تشريعية أي لا تفيد حكما شرعيا، وهذا تضاد ظاهر. وأما ظنونه فهي بعد خروجها إلى أرض الواقع تتحول أقوالاً، والأقوال مما يصدق عليه تعريف السنة.

وكل ما يصدق عليه تعريف السنة هو تشريعٌ يفيد أحدَ الأحكام الخمسة: وجوباً، أو ندباً، أو حرمةً، أو كراهيةً، أو إباحةً. ولا خلاف بين قائليه وجاحديه في كون هذه الأحكام الخمسة من التشريع. وإن كان هناك خلاف من أحد؛ فهم بعض المعتزلة، قالوا بعدم عدِّ الإباحة من التشريع بحجة أن الإباحة ما هي إلا ما لا يتعلق به طلب فعل أو طلب ترك. أي أن فعله وتركه سيان، لا يترتب على فعله أو تركه ثواب، ولا عقاب، وهذا كان حاصلاً قبل ورود الشرع بإباحته صراحةً.

وقد غاب عن هؤلاء المعتزلة أن المباح قبل ورود الشرع بإباحته كان بإمكان أي فرد من أفراد الأمة أن يوجبه أو يحرمه على نفسه؛ وهو غير ملوم، وغير معاقب عليه. وأما بعد ورود الشرع بإباحته فلم يَعُدْ بإمكان فردٍ من أفراد الأمة أن يغير إباحته بإيجاب أو ندب أو كراهية، إلا إذا كانت الإباحة مرتبطة بمصالح متغيرة، أو أعراف وعادات، أو سياسة شرعية، أو ما إلى ذلك فهنا يمكن تحويل الإباحة إيجابا أو منعا. فمثلاً تعدد الزوجات مباح بحكم الشرع، فإذا أراد أحد الرجال أن يجعله واجباً أو مندوباً، أو إحدى النساء أن تجعله حراما أو مكروها فلا يجوز لهما ذلك شرعاً. ولكن إذا رأت دولة إسلامية إيجاب ذلك لمدة مؤقتة بسبب قلة الرجال فيجوز لها ذلك عملا بالسياسة الشرعية، وتحقيقا لمصلحة المجتمع أو الدولة. ولكن لا يجوز لها تحريمه لأن أسباب تعدد الزوجات متعددة غير قلة الرجال مثل عقم المرأة، أو مرضها، أو غيرتها، أو كثرة الشهوة في الرجل، أو رغبته في تكثير النسل، أو غير ذلك من الأسباب.

ــــــــــــ

المصدر: موقع شهاب

 
د. محمد أبو الليث الخير آبادي
تاريخ النشر:2010-02-15 الساعة 11:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 4910
مرات الطباعة: 682
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan