الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » الفقه السياسي

الفقه والفقيه والدولة الحديثة

د. معتز الخطيب

 

تمتع الفقه الإسلامي -تاريخيًّا- بمركزية كبيرة في الحياة الإسلامية: تنظيرًا وتطبيقًا في واقع الناس، وكذلك سلطة ومرجعيةً، في ظل وجود الخلافة الإسلامية؛ المظلة الجامعة للمسلمين. لكن مع نشأة الدولة الحديثة ذات المرجعية العلمانية احتل الفقه دور الهامش في السلطة الحديثة، لكنه بقي يشغل دور المركز في حياة المسلمين الذين بقوا - على الدوام- يعيشون حالة انفصال بين الواجب من جهة والواقع الخاضعين له من جهة أخرى، ومن هنا حدث الانفصام بين "الشريعة" و"القانون".

الفقيه ومتغيرات الوقائع والأدوار

مركزية الفقه عَنَت بالضرورة مركزية الفقيه نفسه الذي كان يهيمن على الفضاء الشامل في مجالات الحياة، لكن مع نشأة الدولة نشأت "أدوار" أخرى موازية له، بل أُعطيت أهمية أكثر، من مثل السياسي والمفكر والمثقف والعلماء الآخرين في مجالات الطب والنفس والاجتماع... الأمر الذي ساهم في إمعان تهميشه، وفي الوقت نفسه كان الفقيه "الشامل" يتراجع عبر العصور؛ فبعض فقهاء الأمس كانوا يجمعون علومًا شتى منها الطب وأحيانًا الفلسفة والفلك وغيرها، لكن فقيه اليوم ما عاد يتقن غير الفقه في غالب الأحيان، مع جمود على المنقولات واسترواح إلى التقليد.

كل ذلك أدى إلى متغيرات جديدة طرأت على واقع الحياة الإسلامية، وهو ما لا يعيه كثير من الفقهاء الذين يريدون أن يستعيدوا دور المركز أو يحاولون ممارسته، لكن ما عاد ممكنًا تجاهل تعقيدات الواقع وقصور الفقيه عن التعاطي معه بشموليته؛ على أهمية دوره "المحدود" الذي صار يشاركه فيه آخرون.

في ظل غياب السلطة الإسلامية ونشأة الدولة في ظل نظام دولي علماني، اختلت تصورات الفقه الإسلامي التقليدية التي نبتت في ظل وجود "سلطة إسلامية" تصدر عن مرجعية الشريعة في الأحكام وتوزيع الأدوار بين الإمام والفقيه والقاضي والمفتي الذين تحكمهم -جميعًا- الشريعة بقانونها.

وفي ظل هذا الاختلال نشأت الحركة الإسلامية "الإحيائية" التي ما وجدت بُدًّا من محاولة ملء الفراغ الناشئ للحفاظ على وحدة التصور وتضييق الفجوة بين الفقه القديم وواقع الحياة المستجد والآخذ بالانفصال الكلي عن الشريعة والذي يريد أن يحصرها في المجال الخاص/ الفردي، على المعنى الغربي للدين.

وأثناء عملية ملء الفراغ هذه، اضطر الفقيه الجديد (الحركي) للدخول في مجالات الشأن العام -على رحابتها- في مواجهة أطروحات الدولة الحديثة (الغربية) وفي جدال معها، محاوِلاً تكييف بعضها مع الإسلام، ونفي ما لا يمكن تكييفه أو أسلمته، وفي ظل صراع حادٍّ مع دعاة الفكر الغربي من العلمانيين وغيرهم.

خلال تلك المسيرة، كان الفقيه الحركي يقوم بتوسيع مجال الفقه نفسه، فيُدخِله مساحات جديدة لم يعهدها، مستثمرًا إمكاناته "غير القياسية"، وتحديدًا فكرة المصالح والمفاسد؛ لأن مسلك القياس لم يكن قادرًا على الوفاء بتلك المستجدات كما لم يكن قادرًا على تلبية احتياجات الفقيه في صراعه مع "الأفكار المستوردة"، وهذا ما أدى إلى حيوية كبيرة في الفقه العام، أو الفقه السياسي الذي ما عاد "سياسة شرعية" بمفهومها القديم.

ومما لجأ إليه الفقيه الحركي أيضًا أنه تعاطى مع السياسة "الحديثة" -على سعتها- بلغة الفقه القياسية التي تحصر الأفعال في إطار الأحكام الخمسة (الواجب والمندوب والمكروه والحرام والمباح)، وإن كان يستند في تقديرها إلى المصالح متجاوزًا أو غير مدرِك أن اعتبارات المصالح غير حاسمة، مثلها مثل مسائل السياسة، فلا يمكن القول فيها بقول فصل، كما لا يمكن فيها القطع بالمصلحة، لكنها قائمة على التقدير والحسابات، ومن ثَم لا تصلح فيها -في الغالب- أحكام الوجوب والتحريم التي هي أحكام متعلقة بالمنهجية "النصية" التي هي أصل القياس.

إلى ذلك لم يلتفت إلى أنه هو نفسه لم يُحِط علمًا بخفايا السياسة وحساباتها التي عادة ما يطلع عليها صانعو القرار والخبراء رفيعو المستوى الذين تعينهم أجهزة الدولة الحديثة المختلفة.

"الفتاوى السياسية".. ومشكلاتها

إن الفقيه الحركي حين هجم على الشأن العام في ظل انفصال الشريعة عن السلطة، وقيام إمام (رئيس) لا يقوم على حفظ الدين ومصالح المسلمين (كما هي وظيفته في الفقه)، لم يكن يجد بدًّا من احتياز بعض صفات الإمام المقررة قديمًا، إلى جانب دوره كفقيه؛ ما دام الإمام نفسه غائبًا (بصورته الفقهية)، ومن هنا نشأت "الفتاوى السياسية" التي يخاطب بها الفقيه (الذي لا يملك القرار) الجماهير، في موازاة الدولة (مالكة القرار وصانعته)، فقامت الفتوى هنا مقام "الشرعية" التي هي بحسب التصور الفقهي القديم "شرعية دينية" كان يقوم بها الإمام، لكن لما تخلى عنها رئيس الدولة الحديثة نهض بها الفقيه.

نشأت "الفتاوى السياسية" - مع تعدد المفتين والجماعات، واختلاف تقدير المصالح وحساباتها التي تختلط فيها حسابات الجماعة بحسابات الأمة- أدى إلى اضطراب الفتاوى أحيانًا وتناقضها، كما حدث في مناسبات عديدة في حروب الخليج وغيرها، بين فقهاء السلطان وفقهاء الحركة الإسلامية الذي دمجوا الفقه بالسياسة. هذا الاضطراب دفع البعض إلى تشريعه بقياسه على اختلاف الفقهاء في المذاهب الفقهية دون إدراك الفرق بين فتاوى الأفراد وفتاوى المجال العام، أو بين المسائل الفرعية من العبادات والمعاملات وبين مسائل السياسة الكلية، ودفع آخرين إلى القيام باجتراح منهجية جديدة لما سُمِّي بـ"فتاوى الأمة".

على حين أن السياسة الشرعية كانت تحصر مسائل الشأن العام بالإمام (الشرعي) الذي أول وظائفه حفظ الدين، وقد عرّفوا الإمامة بأنها "نيابة عن صاحب الشرع في حفظ الدين وسياسة الدنيا به". وبناء على هذا قالوا: إن القرار للإمام، وإنه يملك أن يلزم الجميع برأي يختاره من بين آراء الفقهاء الآخرين، مما يحفظ وحدة الجماعة ووحدة القرار. وبهذا بانَ أن الفقيه الحركي هجم على بعض صلاحيات الإمام دون أن تتوفر له إمكاناته من حيث السلطة والإلزام، فوقع التناقض والاضطراب بتعدد الهاجمين على تلك الصلاحيات.

هذه المتغيرات كلها فرضت إعادة تعريف السياسة من وجهة نظر الفقيه، فالسياسة عند الفقيه القديم، كما عرفها ابن نجيم الحنفي، هي "فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها، وإن لم يَرِد بذلك الفعل دليل جزئي"، لكن فقيه اليوم ذهب إلى القول كما لدى فيصل مولوي مثلاً: "السياسة اليوم أخذت معنى أوسع؛ لأنها لم تَعُد متعلقة بالحكام فقط، وإنما هي متعلقة بالمجتمع كله بأفراده ومؤسساته ونقاباته وأحزابه".

هذا التوسع اكتسب معنى جديدًا مع نشأة ما سُمِّي بالإسلام السياسي الذي طرح مفهومًا شاملاً للتدين، ما عاد تدينًا فرديًّا ولا عباديًّا قاصرًا، ولم يَعُد مرتبطًا بالتقوى والإيمان الوجداني فحسب، بل يعني عملية رسالية تطلب التغيير الشامل بما فيه التغيير الاجتماعي والسياسي والقانوني... وعلى هذا فكل من لا يؤمن بـ"الإسلام الشامل" فإسلامه منقوص كما يقول راشد الغنوشي.

ثمة إشكال كبير تثيره "الفتاوى السياسية" للفقيه الحركي بالإضافة إلى ما سبق، وهو أنها تضيف فروضًا جديدة على مسلم اليوم في مجال الشأن العام، حيث تصبح المشاركة في الانتخابات البرلمانية العراقية في ظل وجود الاحتلال فريضة شرعية (القرضاوي 11-12-2005، والقره داغي 13-12-2005) إلى غير ذلك من فتاوى المقاطعة الاقتصادية وغيرها، وهذه كلها فروض شرعية جديدة تنهض بموازاة الدولة الحديثة، ومع فراغ منصب الإمام/ الخليفة الذي تحاول أن تسد فراغه بالفتوى إن لم يمكن بالسلطة. وبالتأكيد فإن هذا الإشكال الكبير تتفرع عنه إشكالات فرعية من قبيل إمكان الفصل بين "التوقيع عن رب العالمين" و"الموقف السياسي" للفقيه، وحكم مخالف تلك الفريضة الجديدة أو منكرها، وهل يترتب عليها إثم وثواب إلهي؟.

إن هذا البيان لمشكلة علاقة الفقه بالدولة، لا يحيل أسباب المشكلة إلى الفقيه وحده فقط، بل إلى معضلة الدولة الحديثة وأجهزتها كذلك، وفي ظل إقصاء الفقيه عنها، وفي ظل القطيعة مع التراث القانوني والفقهي الكبير الذي تم الزهد فيه، ولا يمكن حل تلك المشكلات إلا بإعادة بناء تلك العلاقة من جديد، وقد كانت شهدت وصلاً لمدة وجيزة زمن الإصلاحية التونسية التي توافق فيها رجال الحكم ورجال الإصلاح في عهد الصدر الأعظم خير الدين التونسي (1889م) من أجل بناء دولة عصرية، وفي ظل هذا نشطت مقولة المقاصد والمصالح.

المصدر: موقع إسلام أون لاين

 
د. معتز الخطيب
تاريخ النشر:2009-03-15 الساعة 11:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 1537
مرات الطباعة: 489
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan