الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » الفقه السياسي

الجغرافيا الفقهية للعالم من صورة التاريخ إلى صورة الواقع المعاصر

أ. ياسر لطفي العلي

 

تَزايدت الأبحاث الدّارسة لطبيعة العلاقة بين الإسلام والآخر (المتمثل بالغرب) إثر الأحداث التي أعقبت الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001؛ حيث أُلِّف الكثير عن علاقة الإسلام بالغرب وعلاقته بتصعيد وتيرة العنف، وانتشار عمليات التخريب والتفجير التي طالت الكثير من دول العالم، وغدا الإسلام موضع دراسة وبحث من قبل العديد من المؤتمرات والندوات الإقليميّة والدوليّة، بيد أن معظم هذه الدراسات كانت إما نتيجة لعواطف المركزيّة الغربيّة المدعومة بمصالح سياسية، وإمّا حبيسةً لخلفيّات أيديولوجيّة وفكريّة خاصّة، حتى غدت الموضوعية والحياد محلّ تهمة ومظنّة في مثل هذه الموضوعات والعناوين.

والجانب الأهم في ذلك كله أنه بسبب الدعاية الغربية المسيّسة والمتمثلة بوسائل الإعلام المختلفة -التي يتحكّم في كثيرٍ منها أعضاء اللوبي الصهيوني، ورجالات المسيحية المتصهينة-، وبسبب نشاط عدد من مفكِّري ومنظِّري المجتمع الغربي، والأميركي منه بشكل خاص، أمثال برنارد لويس، وجيري فالوب، وفرانكلين غراهام، وبات روبرتسون، ومارتن كريمر، وستانلي كيرتز، ودانيال بايبس وغيرهم، من الكتاب المتحيِّزين ضد الإسلام، أصبح الدين الإسلامي المتهم الأول في أيّ عملٍ تخريبيٍّ عنيف يمكن أن يحدث في أي بقعة من الأرض، وبات ينظر إليه كدينٍ متطرفٍ وعدوانيّ لا يمكنه أنْ يتقبّل الآخرين، ولا يمكنه أن يتعايش معهم دون أن ينصهروا فيه ويعلنوا انتماءهم إليه، مُتخلّين بذلك عن كل هويّة لا تنتسب إلى منظومته الفكريّة والعقديّة، وذلك من خلال إكراه الآخرين على الاندماج فيه، وإجبارهم على تبنّي تعاليمه وأحكامه، -مع أن الحقيقة عكس ذلك فالمركزية الغربية والإقصاء سمة الفكر الغربي لا الفكر الإسلامي- ولكن على الرغم من كلّ ذلك فإنّه لا يمكننا تَجَاهل الدور الذي لعبه عدد من المسلمين في تعزيز هذا التصوّر المُظلم عن أنفسهم في مخيلة العالم الغربي، وذلك بسبب بعض الفهوم المُختَزَلة والبعيدة عن سمة هذه الشريعة الخاتمة والملائمة لطبيعة الزمن المتغير، متجاهلة (أعني: هذه الفهوم) للدور الرِّسالي والإنساني المنوط بهذه الأمة من خلال تبنيّها لمبدأ )لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ( (البقرة: 256).

وفي هذا السياق يأتي الحديث عن رؤية المسلمين للمعمورة والجدل الفقهي المثار حولها، أو بمعنى آخر الحديث عن التصوّر الإسلامي لجغرافيا العالم، كإحدى أهم النقاط التي تحكم العلاقة بين المسلمين وغيرهم، والتي استُثمِرت -بغض النظر عن صحة أو عدم صحة ذلك- في تأزيم المشكلة بين العالمين الإسلامي والغربي، من خلال مساهمتها في ولادة فكرٍ تنابذي وإلغائي يؤمن بمقولة صراع الحضارات وصدامها.

وبالرغم من خطورة النظرة الغربية عن الإسلام والمسلمين، إلاّ أن المشكلة الأكثر خطورةً تكمن في أننا ساعدنا كمسلمين في تكوين هذه الصورة القاتمة والعدائيّة عن الإسلام والمسلمين في الذهنيّة الغربيّة، وسواء أكان ذلك عن قصد أو دون قصد، وعن علم أو دون علم، وبالتالي أصبحنا ندور على هامش الحضارة بعد أن كنا نمتلك مركزها، وغدا خطابنا يتكوّن من ردَّات فعل دفاعيّة غير قادرة على مسايرة الزمن وتحقيق النهوض الحضاري والإنساني، الذي تتطلع إليه وتنشده كل المجتمعات البشرية في عالم متغيّر على الدوام، وذلك فضلاً عن كونه خطاباً جمعيّاً مرتهناً لسلطة التاريخ التي (أورثته خضوعا شبه كلي للماضي بالمعنى المطلق)، -وربما يسعفنا على الخروج من التطبيق الحرفي للنص أو الارتهان للماضي أن ننطلق من المنهج الذي قرره الشاطبي من وجوب فهم الجزئيات على ضوء الكليات باعتبار أن الكليات تمثل المصالح الإنسانية الحقيقة- ويُعدّ التصوّر الفقهي لجغرافيا العالم من أهم الموضوعات ذات الطبيعة الإشكاليّة المفعمة بالاعتبارات التاريخيّة والمتأثرة بالسياقات والظروف التاريخيّة المرافقة لظهورها بصورة كبيرة.

ونظراً لخطورة الموضوع وتشعّبه سأقوم بمعالجته من خلال العمل على تكوين رؤية شاملة ومتكاملة وفق منهجيّة استقرائيّة وتحليليّة مستحضرة للحس النقدي الذي يؤسس لمقولات ثقافيّة وتشريعيّة أكثر عقلانيّة وواقعيّةً، كما يمكن أنْ يسهم في بناءٍ تشريعيٍّ وحضاريٍّ يرتكز إلى كليّات الشريعة وأصولها وأطرها العامة، التي تنطلق من اعتماد القرآن الكريم كمصدر تشريعي وتأسيسيٍّ أول لكل نماذجنا المعرفيّة والتشريعيّة.

إنّ موضوع التقسيم الفقهي للمعمورة يتمتع بأهميّة خاصّة تكمن بارتباطه الوثيق بقانون العلاقات الدولي الإسلامي، بالإضافة إلى كونه الخطوة الأولى والضروريّة لتأصيل العلاقات الدوليّة وفق رؤية إسلامية تسعى إلى تسليط الضوء على بعض المفاهيم ذات المرجعيّة السياسية والعقديّة المتعلقة بحماية (دار الإسلام) والدفاع عنها، وصولاً إلى توصيفٍ خاص لحالة الدول القائمة من منظور الإرث الفقهي المُصَاغ من قبل المذاهب الفقهية الأربعة على الأقل.

وتنبع أهميّة الدراسة من الإيمان بخطورة موضوعها، وحساسيّة ما يترتب عليه من أحكام وجزئيّات. ولذلك هدفت إلى تشكيل تصوّر عام عن نظرة الفقهاء للدور المحيطة بهم، بالاستناد لما جاء في المدونات الفقهية القديمة من أقوال ساهمت في صياغة فكرة التقسيم الإسلامي للمعمورة؛ وهي الفكرة نشأت ضمن ظروف واقعيّة محيطة بها. كما هدفت الدراسة إلى توظيف الرؤية النقدية للبحث عن مدى انسجام هذه الفكرة مع المتغيّرات الزمانيّة والمكانيّة، وعن إمكانيّة استيعابها للفروق الجوهريّة من الناحية الواقعيّة والاجتماعيّة والسياسيّة بين لحظة ولادتها وتبلورها عند الفقهاء ولحظة تطبيقها على الواقع المعاصر. وستحاول الدراسة بيان مدى ملاءمة الاجتهادات الفقهيّة لطبيعة الشريعة الخاتمة وللرؤية القرآنيّة الخاصة بالأرض. وبمعنى آخر محاولة تقديم قراءة نقديّة للمنظور الفقهي الخاص بتقسيم الأرض والذي جاء منسجماً مع حقائق تاريخيّة ومكانيّة لا يمكن تجاهلها، والابتعاد بذلك عن النظرة الطهوريّة للذات أو للفهوم التي حاولت الوصول إلى روح النصوص الإلهيّة، ومن ثمّ البحث عن مدى تأثير النسق التاريخي والمعطيات الزمنيّة التي لابست ظهورها في بناء المنظور الفقهي للعالم، وتحديد الإشكاليّات التي يمكن أن تنجم عن عدم إدراك تلك المعطيات الخاصّة.

وكل ذلك سيساعدنا في الكشف عن حقيقة ومصداقيّة بعض المفاهيم أو الجزئيّات الفقهيّة التي ساعدت على خلق بيئة ملائمة ومواتية لإنتاج فقه العنف وتبني خيارات الإقصاء والصراع في العلاقة مع الآخر، فالإقصاء ليس من طبيعة فقهنا بقدر ما هو من النظرة الاسشراقية للعالم، وذلك من خلال تبني الفهوم الانتقائيّة والنمطيّة لبعض الاجتهادات الفقهيّة الموروثة، بحيث تمّ اختزال المُنتَج التشريعي والحضاري للأمة ببعض أدبيَّات العنف والتنابذ، مما أدّى إلى جعل الإسلام في نظر الآخر محرّضاً على العنف ومنتجاً له، وبات يُقال بأنّ (الدين الإسلامي يُعلِّم العنف والحقد!) أو أنّ (الإسلام شرّ!) وكل ذلك بسبب تحويل التصوّر الإسلامي للآخر إلى تصوّر إلغائي! فهل صحيح القول بأنّ الفقه الإسلامي يَحمِل في طبيعته كلّ المقوّمات والأدوات المساعدة على إفراز الإرهاب وتفريخ الإرهابيين؟

أولاً: نشأة التقسيم الإسلامي للمعمورة ومسوغاته: محاولة للفهم

خطورة الموضوع وحساسيّته تقتضي منّا القيام بـ "مراجعة عميقة تكشف حيثيّات نشوء فكرة تقسيم العالم إلى دور وتعيد مرّة أخرى صياغة المنظور الفقهي لتقسيم العالم على إطار رؤية واقعيّة لصورة العالم الراهن،" ومن دون ذلك لا يمكننا تحقيق أي "تقدّم على صعيد البحث الفقهي، وعلى صعيد التكيف مع العالم الحديث بما يجعل الأحكام واقعيّة وقابلة للتطبيق،" وانطلاقا من ذلك يمكننا القول بأنّ التقسيم الإسلامي للمعمورة ظهر كوسيلة ضرورية لمعالجة العلاقات الدولية القائمة بين الدولة الإسلامية والدول المحيطة بها، وذلك باعتباره مساهمةً أولى في تأسيس قانون دولي ينظم العلاقات بين الدول، ويأتي هذا التقسيم شعوراً بأهميّة تحديد كيان الدولة الإسلامية ورسم حدودها الجغرافية من أجل تسهيل عملية تطبيق الأحكام الشرعيّة التي تُعدّ من أهم دواعي هذا التقسيم، مما يشير إلى أن هذا التقسيم الفقهي للعالم أمر فرضه الواقع العملي، المتزامن مع ظهور ظروف تاريخيّة دعت إلى نشوء الرؤية الفقهيّة لجغرافيا العالم المحيط بالدار الإسلاميّة.

واستحضار الواقع يؤكد على أن مجرد وجود دار إسلامية على وجه المعمورة يستلزم وجود دور مقابلة لها تختلف عنها في حقيقتها وطبيعتها وأحكامها، وتتلاءم ومعطيات هذا الواقع المتغيّر والمتبدّل على الدوام.

والأمر المهم الذي ينبغي الإشارة إليه هو أن هذا التقسيم الفقهي للعالم جاء كلازمة فقهية واقعيّة واجه بها الفقهاء الضرورات المرتبطة بالدفاع عن العقيدة وحماية الأراضي الإسلاميّة، وما يتبع ذلك من المصالح السياسية والاقتصادية والدولية المتعلقة بها، فضلاً عن أثره الذي بدا واضحاً في كثيرٍ من اجتهادات الفقهاء (خصوصاً الحنفيّة)، كل ذلك يجعلنا نؤكد على أنّ هذا التقسيم الإسلامي (الفقهي) للمعمورة هو "من محض صنيع الفقهاء في القرن الثاني الهجري،" حيث ظهر ونشأ كنتيجةٍ طبيعيّة للمواءمة مع الواقع المُعاش ونتيجة لبعض الضرورات والأوضاع التي فرضتها الظروف المجتمعيّة الخاصّة، المتجسّدة في جملة الفهوم والآراء الفقهيّة التي لا يمكن عزلها عن الأوضاع والظروف التي تكوّنت بسببها فظَهرت مُتأثرةً بها؛ ولذا لا يمكننا فهمها والتعامل معها بمعزل عن السياق التاريخي الذي استُخدمت فيه، وأيُّ فهم ودَرْسٍ للنصوص الفقهيَّة المتعلِّقة بالتقسيم الجغرافي للعالَم بعيداً عن السياق الذي وُلِدَتْ فيه سيؤدي إلى خَللٍ وضعفٍ في الاستنباط والتطبيق وخطأٍ في التأْصيل الفقهي للأحكام المترتبة عليه، وبالتالي سَيَحول دون تَكْوين رؤيةٍ صحيحةٍ وسليمةٍ لحقيقةِ المنظور الفقهي للعالَم، خصوصاً وأنّه لا بدّ من التفريق بين الثابت والمتغيّر في الأحكام المُستنبطة لدى الفقهاء، أو التفريق بين المسائل التي تحدّث عنها الفقهاء كوقائع حالٍ ترتبط بمتغيّرات الزمان، والتي تنطلق من الأصل لتتصّل وتُترجم بالعصر والواقع، وبين المسائل التعبديّة والمجرّدة التي لا صلة لها بالبعد الزمني والظرف التاريخي.

ولذا فإنّ استحضار ما تقدم يدع المجال واسعاً لإعادة الاهتمام بدراسة التقسيم الإسلامي للأرض بما ينسجم والمعطيات الدوليّة المعاصرة، وذلك من خلال تقديم رؤية نقدية للمنظور الفقهي لجغرافيا العالم يمكنها أنْ تسهم في تشكيل تصوّرات جديدة للتعامل مع الواقع الرّاهن ومعطياته المتغيّرة، عَبْرَ طرح بديل وفق رؤيةٍ أوليّة تكون أكثر ملاءمةً للواقع، وتكون مدخلاً لإعادة بناء الرؤية الإسلاميّة للعالم وتقسيماته، والتي يمكن أن تتبلور هي الأخرى من خلال مقارَبات ومراجعات تتكامل بصورة تراكميّة بنّاءَة.

ربّما كان لعدم وجود أيّ دليل أو مستند صريح وواضح من القرآن الكريم والسنة النبويّة يشير إلى حتميّة التقسيم الإسلامي للعالم وبما يدعّم الرؤية الفقهيّة الخاصّة، دلالته الهامّة والمؤثرة في صياغة وبناء الرؤية الشرعيّة لأقسام المعمورة، سيّما إنْ علمنا أنّ الاجتهادات الفقهيّة الموروثة والمرتبطة بجغرافيا العالم عبّرت عن تحقيق المناط وتعبّر عن النصوص، بمعنى أنّ هذه التفسيرات لتقسيم العالم هي عبارة عن قراءات بشريّة للمعطى الإلهي (القرآن والسنّة) لا يمكن إنكار تأثّرها بالواقع المعاش والظروف التاريخيّة الملازمة للحظة صياغتها وولادتها، وبالتالي يمكن أنْ تتغيّر بتغيّر المناط أو بتبدّل الواقع، الذي ينبغي الجمع بينه وبين النص، ويدعم ذلك أنّ النصوص التي يمكن أن تشكّل مُرتكزاً في عمليّة التأصيل الشرعي لجغرافيا العالم جاءت بصيغة إشاريّة عامّة وغير مخصّصة بصورة محدّدة بحيث لا تحمل أيّ دلالةٍ تفصيليّة واضحة، لتشمل بذلك كل ما يمكن أنْ تُظهره تغيرات الزمان والمكان، وبالتالي يؤصل لكل الحالات المتجدّدة والمتغيّرة والتي تنطوي ضمن دلالة النص من خلال استيعاب العموم المستفاد منه لكل تلك المتغيّرات.

ومن هذه النصوص التي قد تذكر كمستند شرعي على صحة التقسيم الفقهي للمعمورة، والتي يمكن أنْ تُلمِح إلى واقعيّة هذا التقسيم، قوله تعالى: )إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً( (النساء: 97)، يُلاحظ في هذه الآية الإشارة إلى وجود اختلاف في الطبيعة والأحكام بين مواضع الأرض أو الدور والمَحَالّ المنتشرة على سطح المعمورة (الأرض)، وقد دل على ذلك وجوب الهجرة من المكان الذي يستضعف فيه المسلم بسبب وصف خاصّ بهذا الموضع يَمنعه من إقامة شعائر دينه وتعاليمه، إلى المكان أو الدار التي يأمن فيها على نفسه ويتمكّن فيها من أداء واجباته وشعائر دينه.

ومن تلك النصوص ما ورد عن رسول الله r في حديث طويل يوصي فيه الجيوش الإسلامية التي كانت تُرسل لنشر دعوة الإسلام وتعاليمه، ومحلّ الشاهد فيه قوله r: "ثمّ ادعهم إلى الإسلام فإنْ أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم ثمّ ادعهم للتحول من دارهم إلى دار المهاجرين،" وفي هذا إشارة بيّنة للدلالة على وجود اختلاف بين أجزاء المعمورة في الأحكام والأوصاف، غير أنّ المهم في هذين النصين -وغيرهما مما يمكن أن يذكر في هذا السياق- أنّهما اكتفيا بتقرير وجود اختلاف بين الأماكن والدور، مقتصرين على هذا الحد من الدلالة، دون أي تفاصيل أو بيان لطبيعة هذه الدور أو لمسميّاتها بصورة قطعيّة لا تقبل التغيير، وعلى النحو الذي استنبطه الفقهاء في مدوّناتهم، وربما كان السبب في ذلك التوسّع في دائرة الاجتهاد بما يتلاءم ومعطيات الواقع، وهو ما يوحي به تسمية رسول الله r لدار الإسلام (المدينة المنوّرة) بدار المهاجرين تماشياً مع حقيقتها الواقعيّة، إذ كانت في واقعها موطناً للمسلمين الذين فارقوا الأهل والوطن وهاجروا مع رسول الله r منتصرين لدينهم ومستجيبين لأوامر الله ورسوله ودعوته لهم بالهجرة.

ولعله من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن مصطلح "دار الإسلام" وغيره من المصطلحات والمفاهيم الأخرى، لم تذكر بأيّ من الآيات القرآنيّة أو الأحاديث النبوية بهذه الصيغة اللغويّة الخاصّة، وإنّما أول من ذكر مصطلح "دار الإسلام"، إنما هو الصحابي الجليل خالد بن الوليد، في كتاب الصلح مع أهل الحيرة، حيث جاء فيه: "وجعلت لهم أي شيخ ضعُفَ عن العمل (...) ما أقام بدار الهجرة، ودار الإسلام، فإن خرجوا إلى غير دار الهجرة، ودار الإسلام، فليس على المسلمين النفقة عليهم" ومن ثم توسع استخدام مصطلح دار الإسلام وغيره من المسميّات، عند الفقهاء نزولا عند ضرورات وظروف واقعية، حيث وضعوا صفات تلك المصطلحات وضوابطها، وكان من أهم الأسباب والمسوغات التي أدت إلى ظهور هذا التقسيم -إضافةً إلى ما سبق الإشارة إليه من أنّ هذا التقسيم أمر فرضه الواقع العملي- وتبلوره عند الفقهاء، ودفعت بهم إلى صياغة رؤية خاصّة لجغرافيا العالم ما يمكن أن نجمله بالنقاط التالية:

1. تنظيم شؤون المسلمين في ظل الفتوحات الإسلامية، نظراً لحاجة المسلمين حكاماً و محكومين إلى توحيد جهودهم وتوجيه قواهم نحو عدوٍّ خارجي حفاظاً على كيان "الأمة الإسلاميّة"، لاسيما في بدء تشكّلها وتكوّنها.

2. بيان ما يترتب على هذا التقسيم من ثبوت الولاية أو عدمها في تطبيق الأحكام الشرعية ضمن الحدود الجغرافية لدار الإسلام، وغيرها من الدور المقابلة لها من جهة، وعلى الرعايا المسلمين وغيرهم من جهة ثانية.

3. التأصيل الفقهي لواقع العلاقات التي كانت تسود بين المسلمين وغيرهم (كالروم والفرس)، وتبيين الأحكام الشرعية الناظمة لهذه العلاقات، وذلك كالأحكام المتعلقة بالسلم والحرب والمعاهدات، وغيرها من الجزئيّات والتفاصيل المرتبطة بها، ممّا يسمى في وقتنا الراهن بقانون العلاقات الدولية العامة.

4. أضف إلى ذلك ما يترتب على عدم إيمان جميع سكان المعمورة بتعاليم الشريعة الإسلامية وأحكامها من عدم تطبيق أحكامها عليهم؛ لعدم دخولهم تحت سلطة ونفوذ "دار الإسلام"، وهذا ما يظهر واضحاً وجليّاًً في الاجتهاد الحنفي على وجه الخصوص، مما أدى إلى اعتبار كثير من أحكام الشريعة إقليمية؛ من حيث التطبيق والنفاذ، أي أنّ عدم دينونة جميع الناس بها أدى إلى جَعْلِ تطبيق الشريعة يتناسب طرداً وعكساً مع سلطة "دار الإسلام" وامتدادها الإقليمي.

بيد أنّ كل هذه المسوغات والمبرّرات المذكورة لا تقتضي حتميّة المنظور الفقهي لجغرافيا العالم على النحو الذي رأوه (أعني: الفقهاء)، وبالمسميات التي أوجدوها وصاغوا من خلالها رؤيتهم للعالم عموماً ولأنفسهم، ولذا فهي لا تعدو أنْ تكون اعترافاً واقعيّاً أفرزته وفرضته الحالة الطبيعيّة لوجود دار إسلاميّة، والتي استُمِدّت من واقع المدينة المنوّرة كأولّ وجود فعليّ وطبيعيّ لـ"دار الإسلام"، وواقع الدور المقابلة لها في الوجود والسيادة.

ثانياً: أقسام المعمورة عند فقهاء المسلمين: الدلالة الفقهية والحقل الدلالي

يتفق معظم علماء الشريعة الإسلامية على أن جغرافيا العالم تنقسم إلى "دار الإسلام"، و"دار الحرب"، مضافا إليها عند البعض "دار العهد" أو "دار الصلح" وذلك على اختلاف بينهم في التسمية والتوصيف، وهذه الأقسام يمكن أنْ تعتبر هي الرئيسة وفق الرؤية الفقهيّة إذ يمكن أنْ يُذكر عند البعض عددٌ من التقسيمات الجغرافيّة الأخرى إلاّ أنّها لا تخرج عن أنْ تكون إمّا جزءاً من "دار الإسلام"، أو "دار الحرب" وهي بذلك لا تختلف عنها سوى بالتسمية التي تغيّرت بسبب ظرف طارئ أو وصف عارض حدث فيها فغيّر من تسميتها، وهذه التسمية تزول بزوال الوصف العارض لتعود إلى أصلها، وذلك باستثناء "دار الموادعة" التي ظهرت مع الإمام محمد بن الحسن الشيباني (صاحب أبي حنيفة) معبّرةً عن قسم خاص من أقسام المعمورة ظهر نتيجة لواقعٍ وظروفٍ خاصّة، وكلّ ذلك يؤكّد واقعيّة التقسيم وعدمِ نصوصيّته.

1. دار الإسلام:

على الرغم من ظهور تقارب -إلى حدٍّ مّا- في صوغ تعريف "دار الإسلام" عند فقهاء الشريعة الإسلاميّة، إلا أنه قد يظهر التركيز عند البعض على شرط أو ضابط دون آخر، ويعود ذلك إلى عدم وجود نص إلهي (بشقيه المتلو وغير المتلو) صريح يُحدّد المعنى المراد ويضع المعايير والضوابط الخاصّة بها كنقاط تمايز لها عن غيرها، ولم يقتصر هذا الاختلاف على أئمة الفقه القديم بل تعدّاهم إلى مَنْ بعدهم مِنَ الباحثين المعاصرين.

وقد بدا ذلك واضحاً في عباراتهم ومدوّناتهم، حيث نلاحظ مَيْل أبي يوسف (صاحب أبي حنيفة) إلى الاعتداد بظهور أحكام الإسلام لتكتسب الدار صفة الإسلام، وذلك دون الاعتداد بوجود السلطة والمنعة كمعيارٍ يُميَّز من خلاله بين الدور، أو الاعتداد بأيّ شرط آخر، لذا "تعتبر الدار دار إسلام بظهور أحكام الإسلام فيها"، بينما نجد الشافعية يسلكون مسلكاً خاصاًّ في تعريف "دار الإسلام"، يظهر فيه أثر مذهبهم في عدم إمكانية انقلاب الدار التي حكمت من قبل المسلمين في فترة ما، ثم انتُزِعت منهم بغلبة أهل الحرب إلى دار حرب أبدا، إذ تشتمل "دار الإسلام" عندهم على "الدار التي يسكنها المسلمون، وإن كان فيها أهل الذمة، أو فتحها المسلمون وأقروها بيد الكفار، أو كانوا يسكنونها، ثم أجلاهم الكفار عنها."

أما الحنابلة فيعتبرون أنّ دار الإسلام هي "كل بلد يحكمها المسلمون، وتجري فيها الأحكام الإسلامية، ويكون النفوذ فيها للمسلمين، وإن كان جمهور أهلها كفارا،" مؤكدين بذلك على أنّه لا يُنظر إلى ديانة السكان ونوعيّتهم كعاملٍ مؤثر في الحكم على الدار أو كشرط مؤثر في تسميتها، إذ علّة الحكم ومناطه عندهم تدور مع تحقق السلطة وجريان الحكم، أو تحقق المنعة وانتشار الأحكام الإسلاميّة، بغض النظر عن أي معايير أخرى قد يُرتكز إليها في وصف الدار، وهذا ما أكد عليه أيضاً ابن قيم الجوزية، مشيرا إلى أنه مذهب جمهور العلماء، حين نصّ على أنّ "دار الإسلام" هي "كل دار نزلها المسلمون وجرت عليها أحكام الإسلام، وأما ما لم يجرِ عليها أحكام الإسلام لم تكن دار إسلام وإن لاصقها."

وبناءً على ما تقدّم يمكننا القول بأن أغلب الفقهاء يؤكدون على وجوب توفر شرطين للحكم على المكان أو الموطن بأنه "دار إسلام" وهما: ظهور الأحكام وتحقق السلطة والمنعة؛ وذلك لوجود تلازم بين سريان السلطة وتطبيق الحكم؛ إذ من المعلوم أنّ وجود المنعة والسلطة ينعكس عنه بالضرورة جريان الأحكام وتطبيقها، وأنّه من أجل أنْ تظهر الأحكام وتطبق لا بدّ من وجود سلطة ملزمة بها، واعتماداً على ذلك تكون "دار الإسلام" هي: كل موضع أو أرض ظهرت فيها أحكام الشريعة الإسلامية -كالصلاة والشهادتين وغيرهما- وكانت تحت سلطة المسلمين وسيادتهم.

هذا فيما لو لم نأخذ بكلام أبي يوسف ومن وافقه على عمومه وإلاّ تحتّم علينا اعتبار كل أرض أو مكان تظهر فيه أحكام الإسلام من عداد "دار الإسلام" يأخذ أحكامها ويتمتع بامتيازاتها.

وهنا ينبغي الإشارة إلى ما قد يورده بعض الفقهاء من أقسام لجغرافيا العالم أنتجتها اعتبارات خاصّة وتشكّلت ضمن ظروف معيّنة فمنحتها تسميةً مستقلة وسيادةً تبعيّةً، إذ إنّ تغيّر التسمية لا ينفي بقاءها خاضعة لسيادة "دار الإسلام" بحيث تعود إلى وصفها الأصلي بزوال السبب العارض؛ الذي أكسبها وصفاً خاصاًّ، فنجد مثلاً انضمام العديد من المسمّيات والتقسيمات الجغرافية تحت دلالته "دار الإسلام" الفقهية، نذكر منها على سبيل المثال: "دار العدل"؛ التي لا تعدو أن تكون مسمّى من مسمّيات "دار الإسلام"، ومنها "دار الذمّة"؛ التي ينعزل فيها أهل الذمّة بمفردهم مع بقائهم في عداد أهل دار الإسلام يتمتعون بحقوقهم وامتيازاتهم، ومنها أيضاً "دار البغي"، و"دار الفسق"، أو "دار الفاسقين"، وهي بمجملها لا تخرج عن نطاق "دار الإسلام"، بحيث تأخذ حكمها وتكون تابعة لسيادتها ولا تختلف عنها سوى بالتسمية التي اكتسبتها بسبب وصف عارض، وغير ذلك من الأقسام الجغرافيّة الأخرى، التي يمكن أن تُذكَر في هذا السياق.

والنظر في هذه المسميّات والتقسيمات الجغرافيّة المتنوّعة لـ "دار الإسلام" والتي توزّع ورودها بين مدارس فقهيّة متعدّدة، واستغرقت فترات زمنيّة مختلفة، ومن خلال ملاحظة ارتباطها الوثيق بالسياق التاريخي الخاص الذي لا يمكن أنْ تتحرّر من تأثيره لحظة استعمالها، يمكننا ملاحظة البُعْد الواقعي الذي تسبب في صياغة الرؤية الفقهيّة للعالم، سيّما وأنّ هناك بعض هذه المسمّيات قد تمّ استخدامه عند بعض الفقهاء دون آخرين، وفي ذلك إشارة لدَور الواقع الذي تجلّى بظهور معطيات جديدة ساهمت في رسم تقسيمات جديدة وإيجاد دور تحمل مسميّات لم تكن معهودة من قبل ظهرت متأثرةً بالمتغيّرات الزمانية والمكانية، مما دفع الفقهاء إلى دراستها والتعامل معها كوقائع حال.

2. دار الحرب:

لم يكن لمفردة "دار الحرب" أيّ وجود قبل عصر التابعين وأغلب الظن أنهم أول من استخدم هذه المفردة، كأحد أهم الأقسام الجغرافيّة للأرض, إذ اجتهدوا في تحديد دلالتها وبيان مفهومها، وربما كان باعثهم في ذلك أهمية وخطورة الآثار المترتبة على دراستها.

بيد أن المتتبع لعبارات الفقهاء سيلحظ اضطراباً في استخدام مفردة "دار الحرب"؛ إذ تارة يعبرون عن هذه الدار بوصف الحرب -وهو الأكثر شيوعا من غيره- وتارة بوصف الكفر، وأخرى بالشرك، وقد أدى هذا الاضطراب إلى تداخل مفاهيمي بين "دار الحرب" و"دار الكفر" و"دار الشرك" وصل إلى حد التطابق -في الاستخدام- مما ولد بعض الإشكالات التي يمكن أن تثار حول هذا التطابق بين تلك المفردات، والتي تَظهر في تعدّد واختلاف المرجعية المفهومية لكل منها، إذ تحمل كلّ منهما دلالة وحقيقةً تختلف عن الأخرى، فنجد أنّ مفردة "دار الكفر" و"دار الشرك" تنتميان إلى المجال العقائدي؛ بسبب ما تحملانه من دلالات إيمانية مرتبطة بالمعتقد الذي يتبنّاه أصحاب هذه الدار، وفي المقابل نجد أن مفردة "دار الحرب" تنتمي إلى المجال العسكري أو الحربي؛ وذلك لما تحمله من دلالة قتاليّة أو حربيّة، تشير إلى وجود حالة من الحرب المستعرة بين طرفين.

والسؤال الذي يرد هنا هو عن سبب قيام هذا التداخل أو التطابق المفاهيمي بين هذه المفردات عند الفقهاء، بالرغم من أنّ واقعها يدعونا إلى ضرورة التفريق بينها؟ قد يُفسَّر ذلك "بمبرّرات تاريخيّة" وظروفٍ واقعيّة، تُشير إلى أنّ "دار الكفر" أو "دار الشرك" كانت "دار حربٍ" بصورة دائمة، أو بمبررات لغوية، حيث إنّ الدلالة المفهوميّة لـ"دار الحرب" قد تحوّلت من الدلالة اللغويّة أو العرفيّة التي تحملها، إلى دلالة فقهيّة خاصّة لا تحمل أيّ بُعْدٍ حربيٍّ أو قتاليٍّ أو عسكريٍّ، بحيث لا تقتضي أنْ يكون هناك حالة من الحرب، وبالتالي فإنّ هذه الرؤية الثنائيّة لجغرافيا العالم كـ"دار إسلام" و"دار حرب" لم يُلْحظ فيها تحديد العلاقة بين كلا الدّارين بقدر ما لوحظ فيها تحديد الضوابط والمعايير التي تُمايز بينها، وأمّا ما يمكن أنْ تشير إليه الدلالة اللغويّة أو العرفيّة لمفردة "دار الحرب" فإنّه يُرجع فيه إلى بيان طبيعة العلاقة القائمة بين كلا الدارين، هل هي الحرب أم السلم؟، ولكن ما ينبغي التأكيد عليه أنّه لا يوجد أي إشارة من العلماء إلى أنّ هذه التسمية لا تحمل معنى الحربيّة، وبالتالي يظل الأمر محتملاً، وهو ما حاول استثماره الكثيرون سواء من المسلمين بهدف شرعنة أعمالهم العسكرية ضد غير المسلمين، أو من غير المسلمين من أجل إيهام الإنسانية "بأنّ المسلمين لا يمكن أنْ يكونوا مصدر استقرار في العالم."

وفي كلا التفسيرين فإنّ الأمر الأهمّ هو إمكانيّة الاستفادة من هذا التنوّع في الاستخدام الفقهي للمفردات المعبّرة عن التقسيم الإسلامي للمعمورة، في التأكيد على واقعيّة التقسيم الفقهي، وبالتالي اتساع دائرة النظر الاجتهادي المكوّن للمنظور الفقهي لجغرافيا العالم، وفي ظلّ ذلك يصبح من غير الممنوع القيام بتقديم طروحات جديدة تكون أكثر ملاءَمة للمعنى المراد منها، وأكثر انسجاماً ومعطيات الواقع الراهن، سيّما وأنّه لا يمكن أنْ تثار أي مشكلة حول عدم الالتزام بنصوصيّة المسميّات الفقهيّة؛ التي جاءت معبّرة عن مرحلة زمنيّة محدّدة وواقع معيّن.

وانطلاقاً من ذلك فإن مفهوم "دار الحرب" لم يكن بمنأى عن الجدل الفقهي المثار حول تحديد أقسام المعمورة وضبط دلالاتها، حيث أكّد الإمام أبو يوسف على ما سبق وأوضحناه عنه من أثر نوعيّة الأحكام الظاهرة في الدار في الحكم عليها وبيان طبيعتها، مُعتَبِراً أنّ "دار الحرب" أو "دار الكفر" هي كل "البلاد التي ظهرت أحكام أهل الكفر فيها" في حين يذهب الشافعيّة إلى تضييق نطاق "دار الحرب"، بوضع القيود التي تحدّ من محيطها، ورقعتها الجغرافية، مقتصرةً على كل "ما استولى عليها الكفار، من غير جزية ولا صلح ولا أصلها دار إسلام" وأما ما كان أصله "دار إسلام"، أو كان قد دخل بحالة صلح مع المسلمين، فهذا ما لا يمكن أن يدخل ضمن نطاق "دار الحرب"، وذلك دون أي اعتبار للنوعية السكانية أو الانتماء العقائدي، وهو ما صرح به الحنابلة حين عرّفوا "دار الحرب" بـأنّها "البلاد التي يحكمها الكفار وتجري فيها أحكامهم، ويكون النفوذ فيها للكفار، ولو كان بها كثير من المسلمين،" مكتفين بتحديد أهم وصفين مؤثرين في الحكم على الدار وهما: ظهور الأحكام، وتحقق السلطة والمنعة -وهذا ما سبق وأن ذكرناه- بينما يرى الزيديّة أنّه حتى يُعتبر موضع ما "دار حرب" يشترط فيه أن يكون متاخماً لـ"دار شركٍ" أخرى، وإلاّ إن كان محاطاً بأقاليم إسلامية من كل اتجاهاته فعندها لا يمكن اعتباره كذلك، وهذا ما جاء في "البحر الزخَّار" عند تعريف "دار الحرب" بأنّها كلّ دار "جرت فيها أحكام أهل الشرك، ولم يبق فيها مسلم ولا ذمي، وتاخمت دار الشرك."

وبالتالي تكون "دار الحرب" أو "دار الكفر" وفق منظور معظم الفقهاء هي: كل مكان أو موضع استولى عليه أهل الكفر أو الحرب أصالةً، وبسطوا فيه نفوذهم وسلطتهم، وأظهروا فيه أحكامهم، وإن كان فيه مسلمون.

وأما ما ذُكر في تعريف الشافعية من اشتراط عدم ارتباط دار الحرب بعقد صلح مع المسلمين، فهذا مما له صلة بموضوع آخر ندرسه لاحقاً، أمّا اشتراطهم أن لا تكون قد انضمت إلى "دار الإسلام" في يوم ما، فهذا مما له صلة بمسألة "دار الإسلام" وإمكانيّة صيرورتها وتحولّها إلى "دار حرب"؛ والتي أثير حولها جدل فقهي كبير.

أخيراً فإنّ ما سبق وذكرته أثناء تعريف دار الإسلام من تأثير السياق التاريخي والواقع على بناء الرؤية الفقهيّة يمكن أن يرد هنا أيضاً.

3. دار العهد:

تُعدّ "دار العهد" من أهمّ الأقسام التي يمكن أنْ تُذكر في معرض الحديث عن الرؤية الفقهيّة لجغرافيا العالم، والتي يُعبَّر عنها أحياناً بـ"دار الصلح"، بيد أن وجود "دار العهد" كقسم مستقل عن "دار الإسلام" و"دار الحرب"، في ظل رؤية الفقهاء لتقسيم المعمورة،لم يكن محل اتفاق بينهم، حيث تباينت الاتجاهات والرؤى في تحديد الوضع الشرعي لها، خاصة وأن معظم الفقهاء شكلّوا تصوّرهم للعالم وفق رؤية ثنائية (دار الإسلام ودار الحرب)، منكرين إمكانية تصور دار ثالثة تستقلّ بذاتها، ولذا فقد نصوا على أنه إن تحقق أو تُصُوِّر مجازاً وجود دار ثالثة مختلفة بالتسمية عن "دار الحرب" و"دار الإسلام"، فإنّها لن تخرج عن أن تكون جزءاً من إحدى هاتين الدارين، ومن هنا نعلم خطأ ما قام به بعض المعاصرين من نسبة فكرة التقسيم الثلاثي للمعمورة (دار إسلام ودار حرب ودار عهد)، لفقهاء الشافعيّة، أو للإمام الشافعي على وجه الخصوص ، وذلك بجعل "دار العهد" قسماً مستقلاً بذاته ولا يخضع لسلطة المسلمين وحكمهم، وقد توسّعوا في دلالة "دار العهد" حتى أدى بهم ذلك إلى مناقضة كلام الشافعي نفسه الذي يؤكد على ضرورة تحقّق حكم المسلمين في "دار العهد"، وبالتالي أن تكون خاضعة تحت سلطتهم ومنعتهم، مشيراً بذلك إلى أن الحق الثابت لأهل الصلح متعلقاً بملكية الأرض فقط، وأما من حيث السلطة والحكم فهي تابعة للمسلمين، وقد أشار إلى ذلك أثناء حديثه عن "دار الصلح" أو "دار العهد" حيث قال: "ليس له قبوله (أي الصلح) إلا على أن يجري عليهم الحكم (...) وإذا صالحوهم على أن الأرض كلها للمشركين، فلا بأس أن يصلحهم على ذلك ويجعل عليهم خراجاً معلوماً (...) فمتى صالحهم على أن لا يجري عليهم حكم الإسلام، فالصلح فاسد"، والذي يؤكد على أن مقصود الشافعي من أن ملكية أهل الصلح تعود على الأرض فقط، وأمّا بواقع الحكم فهي من "دار الإسلام" ما سأذكره من كلام بعض أئمة الشافعية الذين اعتبروا "دار العهد" من عداد "دار الإسلام".

وقبل أن نشرع في بيان أقوال الفقهاء في تحديد المقصود من "دار العهد"، وبيان الوضع الشرعي لها، لا بد من تحرير موطن الدراسة ومحلّ الخلاف الفقهي، إذ يذكر العلماء لـ"دار العهد" أو لـ"دار الصلح" التي فتحها المسلمون صلحاً قسمين:

الأول: الأراضي التي تحولت ملكيتها للمسلمين وبقيت بيد أهلها، على أن يدفعوا خراجاً عنها وهذا القسم يُعتبر محلّ اتفاق بين الفقهاء، في أنّه أصبح بهذا الصلح من عداد "دار الإسلام"، وأصبح أهله "أهل ذمة". والثاني: الأرض التي فتحها المسلمون وصولحوا عليها وبقيت ملكيتها لأهلها، على أن يؤدوا عنها الخراج، ويكون ذلك بحكم "الجزية" متى أسلموا سقط عنهم، وهذا القسم هو الذي سمّاه بعض الفقهاء بـ"دار العهد" كتسمية خاصة به، وهو الذي وقع فيه اختلاف بين الفقهاء، حيث يمكن تلخيص أقوالهم حولها في ثلاثة اتجاهات:

الاتجاه الأول: أخذ به بعض الحنابلة، حيث أكدّوا على أن الدار بقيت على وصفها السابق كـ"دار حرب"، ولم تتحول عن حقيقتها وحالتها الأصلية. والاتجاه الثاني: قال به الإمام أبو حنيفة وجمهور الشافعية، والإمامية، وقد نصّوا جميعاً على أنّ الدار صارت بهذا الصلح "دار إسلام" وأصبح أهلها "أهل ذمة"، يتبعون في السيادة والحكم لأهل الإسلام. الاتجاه الثالث: قال به الماوردي وأبو يعلى الفراء، ومعظم الحنابلة، وقد ذهبوا إلى إعطاء الدار التي عقدت صلحاً مع المسلمين وصفاً خاصا ومستقلاً عن غيرها، إذ أصبحت بهذا الصلح "دار عهد" أو "دار صلح".

ولكن بالرغم من احتماليّة هذه الرؤية عنهم بسبب إيحاء عباراتهم بذلك، والتي منها مثلاً ما قاله الماوردي عند حديثه عن الأرض التي استولى المسلمون عليها واعتبرها ثلاثة أنواع، منها "أرض الصلح" التي تقع هي الأخرى على ضربين "الضرب الثاني: أن يصالحوا على أن الأرض لهم، ويضرب عليها خراج يؤدونه عنها (...) ولا تصير أرضهم دار إسلام، وتكون دار عهد ولهم بيعها ورهنها،" إلاّ أن هذا الفهم قد يرد عليه إشكال يتعلّق بتحديد المراد من هذا التحول الذي أكسب الدار وصف العهد، أو الصلح، عند القائلين بوجود "دار العهد" كقسم ثالث ومستقلّ لجغرافيا العالم، وهل هذا الوصف تحقق بواقع ملك الأرض -الذي أصبح لأهل العهد- فقط، مع صيرورتها بواقع السلطة والحكم من "دار الإسلام"، أم أنها أصبحت "دار عهد" بكلا الواقعين.

والذي يبدو لي من كلام الماوردي، وأبي يعلى، أن الأرض المصالح عليها قد اكتسبت وصف العهد بواقع ملكية الأرض، أما من جهة السلطة وجريان الحكم عليها فهي تتبع "دار الإسلام"، وذلك لاعتبارات عدة:

منها إشارة نص الإمامين لذلك أثناء الحديث عن إمكانيّة البيع أو الرهن في قولهما "وتكون دار عهد ولهم بيعها ورهنها". ومنها إشارتهما لما يُدعّم هذه الرؤية في موضع آخر، وذلك أثناء الحديث عن أقسام البلاد الإسلاميّة، فيعتبرانها من ضمنها -والجمع بينهما ما أشرت إليه- وفي ذلك يقول الماوردي بعد أن يقسم البلاد الإسلامية إلى ثلاثة أقسام: الحرم والحجاز وما عداهما، ثم يشرع في بيان القسم الثالث منها بقوله: "وأما ما عدا الحرم، والحجاز (...) فقد ذكرنا انقسامها أربعة أقسام (...) وقسم صولح أهله عليه (...) هذا القسم ينقسم إلى قسمين (...) الثاني ما صولحوا على بقاء ملكهم عليه، فيجوز بيعه، ويكون الخراج جزية تسقط بإسلامهم."

وبهذا يترجح القول بتحول الدار المصالح عليها إلى دار إسلام بحكم السلطة والسيادة، وإن بقيت بحكم الملكيّة تابعة لأهلها، خاصة إن عرفنا -كما سبق- أن الدار تصبح في المنظور الفقهي "دار إسلام" بتوفر شرطين: هما وجود السلطة وظهور الأحكام، وأما ملكية الأرض فلم يُنظر إليه كوصف مؤثر في الحكم على الدار، وبالتالي لا يمكن الاعتداد بـ"دار العهد" كقسم مستقلٍّ من أقسام المعمورة.

4. دار الموادعة

يخطئ الكثيرون في عدم التمييز بين "دار العهد" و"دار الموادعة"، خصوصاً وأنّ الأخيرة هي من المصطلحات التي تَميَّز بها الإمام محمد صاحب أبي حنيفة -في رؤيته الخاصة للعالم- لغاية التفرّد باستعمالها وربّما ابتكارها، وقد يُطْلق على هذه الدار أحياناً لفظ "دار الأمان".

ووجود هذه الدار في المنظور الفقهي يُضيف لتقسيم المعمورة رؤية جديدة، تتجلّى في تقديم مقارَبة تُدرِك المعطيات المتاحة ولا تنفصل عن السياقات الخاصّة، محاوِلةً الخروج من مأزق الارتهان للسياق التاريخي المهيمن على المنظور الفقهي لجغرافيا العالم، الذي لا ينكر تأثره وتفاعله مع الظروف المكوّنة له.

تَتَميّز "دار الموادعة" بأنّها "دار حرب" تحوّلت عن وصفها إلى وصف جديد ظهر نتيجةً لظروفٍ عارضة كانت سبباً في منحها (دار الحرب) تسميةً جديدة بأوصافٍ وطبيعةٍ مستقلّة، مع احتفاظها باستقلاليّةٍ تامّة في الحكم والسيادة المطلقة والمحترمة من قبل "دار الإسلام" على إقليمها (دارها).

ومراجعة سريعة للسياق اللفظي -داخل النص الفقهي- أو المفهومي الذي ذكرت فيه عند الإمام محمد، ودرسها من خلال الإطار الدلالي أو التركيب اللفظي الذي جاءت فيه، كفيلة بأنْ تؤكد كل ما ذكرته، وكفيلة في تكوين الرؤية السليمة لدلالة الاستعمال الفقهي لمفردة "دار الموادعة"، حيث يفهم من كلام الإمام محمد أنّ "دار الموادعة" هي الدار التي عقد أهلها مع المسلمين هدنة أو عَقْد أمانٍ بسبب ظروف خاصّة، على أنْ يأمن الموادعون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وذراريهم وممتلكاتهم، ضمن شروط خاصة يُتَّفق عليها، حتى إنّ البعض أجاز أنْ يدفع المسلمون المال للموادعين إنْ كان هناك مصلحة، وقد دلّ على جواز الموادعة جملة من النصوص والأدلة الشرعيّة، والتي منها فعل رسول الله r.

واستناداً إلى هذه الرؤية الفقهيّة الخاصّة لجغرافيا العالم يمكن تقسيم المعمورة إلى: "دار إسلام" و"دار كفر" (دار غير المسلمين) وهي بدورها تقسم إلى "دار حرب" و"دار موادعة" أو "دار أمان".

ثالثاً: جغرافيا العالم: تفهم الماضي والاجتهاد لبناء صورة للحاضر

إنْ لم نلامس الواقع بخطابنا وحضارتنا وبموروثنا الفكري ومنتجنا المعرفي سنبقى كمن يخاطب نفسه، وستبقى بحوثنا مجرداتٍ ذهنيّة لا تحمل أي بعدٍ عمليّ وواقعي، وعندها ستكون بعيدة عن الفائدة الممارَسة، لاسيّما إنْ علمنا أنّ المشكلات والأزمات التي تعاني منها الإنسانيّة ليست مرتبطة بكميّة المنتج المعرفي والثقافي والقِيَمي بقدر ما هي أزمة تعامل مع هذا المنتج وفق منظور عصره الذي ينتمي إليه بِبُعدِه الزماني والمكاني والإنساني، ولذا يجب العمل على إيجاد جسور ربط بينه وبين واقعه من خلال فهم الخطاب (النصوص الإلهيّة) وإدراك طبيعة المخاطَب بمحدّداته الذاتيّة والزمانية والمكانية، دون التنكّر لدور الفهوم والرؤى المنبثقة عن الخطاب في تفعيل عمليّة الانسجام مع الواقع.

وفي هذا السياق يأتي موضوع الرؤية الفقهي لجغرافيا العالم كأحد أكثر الموضوعات الفقهيّة التي تحتاج إلى إعادة قراءتها بما يتفق ومعطيات الواقع المعاصر، وذلك من خلال البحث في خلفيّتها التاريخيّة التي أدت إلى خلق بيئة مواتية وملائمة لتكوين المنظور الفقهي للعالم، ومن ثم محاولة بناء رؤية جديدة تكون أكثر مخاطبةً للواقع، الذي أفرز معطيات جديدة لا يمكن أن تنسجم والمنظور الفقهي لجغرافيا العالم وفق رؤيته الثنائيّة (دار حرب ودار إسلام) الموحية بوجود علاقة يحكمها الخيار العسكري، وذلك في ظلّ وجود عدد من الدور (الدول) غير المسلمة التي لا تتربص العداء بالمسلمين ولا تقف في وجه حريّة الدعوة الإسلاميّة وانتشارها، بل هي مجالٌ خصبٌ لنشر الدعوة وتبليغها، معبّرةً عن ذلك في عدم اعترافها بالخيار العسكري كحلٍّ تُفَسَّر من خلاله العلاقة مع العالم الإسلامي، وفي مقابل ذلك إقرار الإسلام بحريّة المعتقد للناس جميعاً، وحماية هذا الحق مصونة من الله تعالى الذي قال: )لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ( (البقرة: 256)، وقال: )لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين( (الكافرون: 6)، وقال: )وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ( (البقرة: 190).

وتحقيقاً لرؤية تنسجم وعالميّة الإسلام أصبحنا نلحظ وعلى مرّ العصور كثرةً في المقاربات وتنوّعاً في التفاسير الفقهيّة الهادفة إلى ذلك، والتي تظهر في تعدّد الدور المُحدثة انسجاماً مع واقع مفروض وظروف خاصّة، فضلاً عن تنوّع المسميّات التي لم تكن محل اتفاق جميع الفقهاء ولذلك دلالته المؤثّرة، حيث عملت تلك المقارَبات على صياغة رؤية إسلاميّة خاصّة لجغرافيا العالم، متردّدةً بين الوفاء للواقع المعاش، وبين الارتهان للسياق التاريخي الذي سايَر مراحل تأطيرها بما ينسجم ومعطيات العصر، وقد ظهرت مراجعات عديدة سعت لتجاوز القراءات التي سبقتها بعد القيام بدَرْسها والاستفادة من رصيدها المفاهيمي، محاوِلَةً بذلك تقديم طروحات يمكن توظيفها بما يتلاءم والمعطيات الجديدة بحيث تقارب بين الواقع المعاش والحدث التاريخي المتبَدّل، بعيداً عن المقارَبات التلفيقيّة المستنسخة من غير سياقاتها، والتي لا تضيف جديداً ولا تقدم حلاً شاملاً للمسألة المدروسة، وبصورة تؤكّد على تكامل الشريعة واستيعابها لكل متغيّرات العصر وصلاحيّتها له، وذلك من خلال توسيع دائرة النظر الاجتهادي بتقديم نصوص كليّة وشموليّة، وقد كان من أكثر تلك المقارَبات الفقهيّة القديمة تأكيداً على فاعليّة المؤثرات الزمانية والمكانية، وأكثرها انسجاماً مع متغيرات الواقع، ما جاء عند الإمام محمد من إحداث تسميّة خاصة لقسم جديد من أقسام المعمورة، فكانت تعبيراً عن واقع معيّن جديد فرض ذلك.

ولم تكن التقسيمات الفقهيّة الأخرى بعيدة عن تحقيق ذلك الغرض والهدف فكان المنظور الفقهي لجغرافيا العالم بتقسيماتها المتعدّدة والمتغيّرة والسجال الفقهي المثار حولها خير دليلٍ على جعل المسألة من القضايا الاجتهاديّة الخاضعة لمتغيرات الواقع الزمانية والمكانية والمتأثرة بالأعراف الدوليّة السائدة، التي لا تتعارض مع كليّات الشريعة وأصولها الأساسيّة، مما يدع المجال واسعاً لتقديم رؤى يمكنها أنْ تنسجم مع العرف السائد وتَنَزُّلاته على الواقع المُعَاش.

ومما يؤكّد على ذلك أنّ مجمل البحث الفقهي مفتقرٌ في الاستناد إلى الخطاب الإلهي ومقتصر في الاستدلال بها على "منطق الاستئناس وليس الاستنباط، وبأثر رجعي من مرجعيّة الواقع التاريخي"( )، وأنّه جاء كتخريج فقهي أتى به العلماء نزولاً عند الحاجات والظروف التي أحاطت بهم، ووفق "مقتضى الواقع التاريخي الذي أفرزته ظروف نشوء الخلافة الإسلاميّة وامتدادها بالفتوحات على رقعة العالم القديم، ولذلك ارتبط مفهوم الدار بالنفوذ السياسي للخلافة عبر بسط النظام الذي تقوم عليه على البلدان (...) أو انحساره عنها."

ولذلك كلّه ظلّ المجال مفتوحاً لتقديم طروحات جديدة للتقسيم الإسلامي للمعمورة، وقد كان من أهمّ تلك الطروحات وأكثرها ملامسةً للواقع ما نقله الفخر الرّازي، عن القفّال الشاشي الذي كان أوّل من قدّم تصوّراً جديداً تجاوز كل الطروحات السابقة، مخالفاً إياها بصورةٍ شبه كليّة، حيث استطاع أنْ يكوّن رؤيةً غير مسبوقة لجغرافيا العالم وفق المنظور الإسلامي، تنطلق من عالميّة الإسلام وكونيّته، وعموم رسالته وشمولها لمتغيّرات الزمان والمكان والإنسان، وما تتطلّبه هذه الرؤية من الانفتاح على سائر الأنساق الحضاريّة والثقافيّة في العالم، والتفاعل معها من خلال دراسة ناقدة بناءةٍ تسعى لتحقيق مشروعٍ أفضل يمكنه أن يتلاءم والمعطيات الجديدة.

لقد استطاع الشاشي أنْ يتجاوز المنظور الفقهي المألوف لجغرافيا العالم عند مجمل الفقهاء القدامى -سواء برؤيتهم الثنائيّة، أو برؤيتهم الثلاثيّة التي أضافت دار العهد- إلى قسمة أخرى ربما كانت أكثر ملاءمةً لفاعليّة الإسلام وعالميّته مما سبق، وذلك عندما أشار إلى ما يوحي بجعل جغرافيا العالم منقسمة إلى دارين (دولتين)، الأولى: "دار الإسلام" التي تعلو فيها كلمة الله ويدين أكثر أهلها بالإسلام، والثانية: "دار الدعوة" وهي ما عدا "دار الإسلام" من الدور، والتي ينبغي على المسلمين أن يبلغوها رسالة الإسلام، وينشروا فيها تعاليمه الإنسانيّة السامية.

ومما يمكن أنْ يساعد في تدعيم هذه الرؤية ما يذكره معظم العلماء من انقسام أمة رسول الله صلّى الله عليه وسلم (أمم الأرض)، إلى أُمّتين: "أمّة الإجابة" و"أمّة الدعوة"، أمّا الأولى فتتمثل في سكّان "دار الإسلام" والتي يمكن أن تسمى استناداً إلى ذلك "دار الاستجابة"، وأمّا الثانية فتتمثل في سكان "دار الدعوة"، من غير المسلمين أو ما يسمّيه البعض بـ"دار التبليغ"، ويتأكّد ذلك إن أخذنا بأثر المعيار السكاني الذي أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، في ضبط طبيعة الدار وتحديد وصفها الشرعي، والذي يوحي بأنّ دار الإسلام توجد بوجود المسلم وتغيب بغيابه، وهذه الدار ليست هي مجرد بقعة أرض بمواصفات معينة، وإنما هي دارٌ يتمكّن المسلم فيها من ممارسة أحكام دينه وشعائره، وقد نقل عن الماوردي ما يُشير إلى ذلك حيث قال: "إذا قدر (المسلم) على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر فقد صارت البلد به دار إسلام، فالإقامة فيها أفضل من الرحلة منها؛ لما يُترجى من دخول غيره في الإسلام"، وذهب إلى ذلك بعض الباحثين.

وأكثر من ذلك فإنّ مفهوم الأمّة الإسلامية لا يرتبط بحدود جغرافيّة أو إقليميّة وكما لا يُعنَى بالكم البشري (الديمغرافي) بقدر ما ينظر إلى تحقّق المبدأ الإسلامي والتعاليم الإسلاميّة، حتى وإن تجسد ذلك المبدأ في شخص واحد، ولذلك استحق إبراهيم وصف الأمة في القرآن الكريم، وذلك لقنوته لله وشكره لأنعمه )إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِراً لَأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ( (النحل: 120-121).

وفي ظلّ ذلك يتحوّل الحديث عن "دار إسلام" و"دار كفر"، أو "دار إسلام" و"دار حرب" بالمعنى الجغرافي لهذين المصطلحين إلى ضرب من التكلف وبُعْدٍ عن الواقع، فضلاً عن التضييق والتحجيم لآفاق الرسالة، والتعارض مع المفهوم القرآني لجغرافيا العالم، والتصادم مع مقاصد الرسالة وغاياتها الإنسانية السامية، وعالميّتها المُعتَرَف بها في صريح القرآن )وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ( (الأنبياء: 107).

كما أنّ استحضار الطبيعة العالميّة التي تتمتع بها الشريعة الإسلاميّة انطلاقاً من عالميّة الخطاب القرآني وعالميّة الرسالة، إضافةً إلى استحضار الرؤية التي تقول بانقسام أمّة رسول الله r إلى أمّة دعوة وأمّة إجابة، نخلص إلى أنّ الأرض واحدة وأنّ الأصل عدم القسمة، وبالتالي كل البلاد هي من عداد دار الإسلام إمّا حقيقة أو حكماً، "فالأرض لله والإسلام دينه، وكل بلد هو دار إسلام بالفعل في الواقع الحاضر، أو دار إسلام في المستقبل الآتي."

ويؤكّد هذه الرؤية الأخذ بمبدأ الدعوة والتبليغ كأساس في تعامل المسلمين مع غيرهم، إذ هو المقصود والأصل الذي تنادي به الشريعة وفي ذلك يقول الله تعالى: )لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدىً مُسْتَقِيمٍ( (الحج: 67)، )ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ( (النحل: 125).

ومما لا شك فيه أن اعتماد هذه الرؤية سيترتب عليه مراجعات فقهيّة لكثيرٍ من الأحكام التي أُصِّلت وصيغت كأثرٍ من آثار اختلاف الدارين (دار الحرب ودار الإسلام)، وربّما كان من أهمها أنْ حدود العلاقة مع تلك الدار مقتصرة على الدعوة الموصوفة بالحكمة والموعظة الحسنة، وهذا بخلاف ما لو كانت طبيعة تلك الدار "دار حرب"، وعندها يصير من الصعب القول بأنّ آية السيف قامت بنسخ ما يقرب من مائتي آية كريمة من آيات الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وحسن معاملة الآخرين والبرّ والإحسان إليهم، ومحاورتهم بالتي هي أحسن، وبذلك يتأكّد القول بأنّ علاقة المسلمين بغيرهم محكومةُ بطابعٍ سلميّ.

ولكن كلّ ذلك لا ينفي وجود "دار حرب"، إلاّ أنّها ضمن هذا المنظور تصبح ذات حدودٍ ضيّقة جداً لدرجة لا تكاد تذكر، وعندها تكون دار حرب حكماً لا حقيقة، وعرضاً لا أصالةً، ومؤقتة لا دائمة، حيث تتجلّى في الدار التي ناصبت "دار الإسلام" أو "دار الاستجابة" الحرب والقتال وتحقق منها الاعتداء على المسلمين، ومنعتهم من ممارسة حريّتهم الدينيّة المحفوظ لكل البشريّة، وهي بذلك تكون حالةً استثنائيّة تحكمها أسباب وظروف خاصّة. وفي ظلّ ما تقدّم يمكن لحوار الحضارات أو تعارفها -حسب البعض - أن يبرز كأولويّة لدى كلّ الشعوب لاسيّما الإسلامية منها، ويمكن لثقافة السلام والرحمة أن تُثمر بين الأنا والآخر، مُتجاوزةً إشكاليّة العلاقة بين الحضارات، هل هي حوار أم صدام وتنابذ، أو بمعنى آخر إشكاليّة أصل العلاقة مع غير المسلم في المنظور الإسلامي، هل هي الحرب أم السلم.

خاتمة

إنّ أي محاولة لإنشاء تصوّر جديد لأقسام المعمورة، أو لبناء منظور فقهي مختلف لجغرافيا العالم يقتضي القيام بأمرين: الأول: القيام بمراجعة تهدف إلى إعادة فهم وتحليل المنظور الفقهي القديم الخاص بأقسام المعمورة من خلال البحث في الخلفيّة التاريخيّة والبُعد الواقعي المركوز في بُنْية الخطاب الفقهي، ومن ثُمّ محاولة تفكيكه لتجاوز مواطن الخلل أثناء تطبيقه على الواقع الراهن. والثاني: فهم الواقع المعاصر بمعطياته ومتغيّراته الجديدة، لتقديم رؤية فقهيّة لجغرافيا العالم تكون أكثر انسجاماً معه.

وهذا لا ينفي إمكانيّة الاستفادة من رؤية فقهاء التراث في هذا المجال، سيّما وأنّها تحتوي على عدد من المفاهيم القادرة على استيعاب بعض متغيّرات هذا العصر، والقادرة على مواءمة معطياته، ومن أهمّ هذه المفاهيم "دار الموادعة"؛ الذي وُلِدَ مع الإمام محمّد، كمحاولة لتوصيف واقعة حال ظهرت في عصره نتيجة لمعطياتٍ وظروفٍ جديدة.

ومما تقدّم نصل إلى أنّ المنظور الفقهي للعالم لا يستند إلى أيّ نص تشريعي صريح وقاطع في دلالته، ولذا فقد جاءت الاجتهادات الفقهيّة الخاصّة بأقسام المعمورة مرتهنة للسياقات التاريخيّة والواقعيّة المرافقة لتبلورها، وبالتالي لا يمكن التسليم بحتميّتها وقداستها، أو قطعيّتها أثناء الحديث عن المنظور الإسلامي للعالم، مما يدع المجال واسعاً لتقديم طروحات جديدة تتلاءم ومعطيات العصر ومتغيّراته، وتنسجم مع عالميّة الإسلام وكونيّته.

وفي هذا السياق يمكن الخلوص إلى مقاربة توحي بعدم استيعاب الرؤية الفقهيّة القديمة للمعطيات الراهنة، وتؤكّد على واقعيّة التقسيم وعدم نصوصيّته، كما تؤكّد على وحدة الأرض من حيث الأصل وأنّ كل البلاد هي من عداد "دار الإسلام" إمّا حقيقة أو حكماً، بمعنى أنّها إمّا أن تكون دار إسلام حقيقةً وواقعاً وعندها تسمّى "دار الإجابة"، وإمّا أن تكون حكماً وذلك باعتبار المآل أو ما سيكون في المستقبل وعندها تسمّى "دار دعوة".

وأخيراً يبقى التنبيه إلى أنّ أي محاولة لتطوير المنظور الإسلامي لجغرافيا العالم -بما فيه الرؤية الجديدة- ستصطدم بإشكاليّة الاستفادة منه في هذا العصر كواقع ممارَس، وذلك إِثْرَ التحوّل الكبير الذي أعقب ولادة الدولة الحديثة بمفهومها المعاصر، والذي أدى إلى انحسار الإلزام الرسمي للكثير من الأحكام الإسلاميّة، وغياب للسيادة الإسلاميّة عن معظم الدور (الدول) الإسلاميّة وذلك بعد سقوط الخلافة عام1924م، وبالتالي فإنّ هذه المتغيّرات تستدعي إجراء بعض التعديلات التي تضع في حسابها مفهوم الدولة الحديثة المُتَطوِّر عن مفهوم الدار، والذي يقوم على أساس الحدود الجغرافيّة، مستحضراً مفهوم المواطنة بدلالاتها المختلفة، وهذا سيقتضي بدوره القيام بمراجعات كثيرة فيما يتعلّق بالأحكام التي نشأت عن مفهوم الدار، وبدون إدماج مفهوم الدولة الحديثة سنبقى أسرى لمفاهيم غير قادرة على استيعاب متغيّرات العصر، وهو ما يحتاج إلى مزيد من الدراسة والتفكير من قبل الباحثين، إضافة إلى تعميق المنظور القرآني والنبوي لجغرافيا الأرض وذلك من أجل الوصول إلى رؤية إسلاميّة أكثر تماسكاً وانسجاماً لجغرافيا العالم، يمكن أن تنقلنا من صورة التاريخ إلى صورة الواقع المعاصر.

المصدر: مجلة إسلامية المعرفة

 
أ. ياسر لطفي العلي
تاريخ النشر:2009-05-01 الساعة 11:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 1993
مرات الطباعة: 538
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan