الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » الفقه السياسي

مراجعات الجهاد والسياسة

د. عمرو الشوبكي

 

ربما تكون أبرز ما تضمنته وثيقة ترشيد الجهاد في مصر والعالم، هي تلك الجوانب المتعلقة «بالخروج على الحاكم»، ومراجعة التبريرات الفقهية التي قام عليها الفكر الجهادي في السبعينيات والثمانينيات، ودعا إلى الخروج على الحاكم الذي لا يطبق شرع الله، وعاد الشيخ سيد إمام في مراجعاته، واعتبر أن في هذا الخروج مفسدة كبيرة، وأنه لا يجوز الصدام مع الحاكم المسلم لتطبيق الشريعة باسم الجهاد.

ورفض الرجل أفكار «الاستحلال»، التي قدمها بنفسه لتنظيم الجهاد منذ ما يقرب من ربع قرن، ونقض أفكار الغاية تبرر الوسيلة، واعتبر أنه «لا يجوز تمويل الجهاد بأعمال السطو والخطف»، معتبرا أنه أمر «يؤسف له أن نري بعض هؤلاء - أي من لا يجب عليه الجهاد لفقدانه النفقة - يوجب على نفسه ما أسقطه الله وجوبه عنه، ثم يسلك القيام بذلك مسالك محرمة لتحصيل الأموال بحجة التجهز للجهاد فيخطف الرهائن الأبرياء، لطلب الفدية، ويسطو على أموال المعصومين، وقد يقتل في السطو من لا يجوز قتله، والاعتداء على أموال المعصومين من كبائر الذنوب».

ورفض الشيخ سيد إمام ما سبق ودعا إليه، أي «الخروج على الحاكم»، واعتبر أنه وقعت في صدر الإسلام حوادث خروج على السلطان بسبب المظالم، وقد نجم عن الخروج مفاسد كثيرة، وتكررت حوادث الخروج على الحكام في بلاد المسلمين خلال العقود الماضية باسم الجهاد في سبيل الله من أجل تحكيم شريعة الإسلام في تلك البلاد، وقد أدت هذه الحوادث إلى مفاسد عظيمة على مستوي الجماعات الإسلامية وعلي مستوي البلاد التي وقعت بها هذه الأحداث، والقاعدة الفقهية أن «الضرر لا يزال بمثله» ومن باب أولي «لايزال بأشد منه».

واعتبر أن الجهاد ليس هو الخيار الشرعي الوحيد لمواجهة الواقع غير الشرعي، وإنما هناك خيارات أخري كالدعوة والهجرة والعزلة والعفو والصفح والإعراض والصبر على الأذى وكتمان الإيمان، والفقيه هو من يختار الخيار المناسب من هذه لواقع معين، وقد عمل بها كلها رسول الله - r - وكثير من أصحابه - رضي الله عنهم - بحسب الاستطاعة وظروف الواقع وبما ينفع الدين وأهله ولا يعود عليهما بالضرر أو المفسدة.

والمؤكد أن مفهوم الخروج على السلطان بالمعنى الذي ساد في صدر الإسلام له دلالة مختلفة عن معناه الآن، فمشكلة خطاب المراجعات أنه بقي أسير المعاني الفقهية لهذا الخروج والتي لا تحمل إلا دلالة واحدة وتعني الخروج على الحاكم بالسيف أو بالقوة المسلحة في عصرنا الحالي.

والحقيقة أن عدم وجوب الخروج على الحاكم الظالم بالمعنى المطلق تعني القبول عمليا بالنظم المستبدة إلى أبد الآبدين، وتعني أيضا غياب الحس السياسي في فهم طبيعة الاستبداد في العصر الحديث، واختزاله في الجوانب الدينية والفقهية، رغم أن هناك بعض الدول العربية، تطبق الشريعة الإسلامية وتعيش في ظل نظم استبدادية، مما يصعب من مسألة اختزال «الحكم الرشيد» في تطبيق الحدود، أو الالتزام الجامد ببعض تفسيرات الشريعة الإسلامية.

ومن هنا هل يمكن اعتبار الثورات الشعبية في بعض المجتمعات «مفسدة كبرى»، لأنها تخرج على الحاكم مهما كان استبداده وظلمه، وهل يمكن اعتبار الضغوط الشعبية والمظاهرات السلمية لانتزاع الحقوق، كما نصت عليها القوانين والأعراف الديمقراطية الحديثة، هو مفسدة، وهل نضال الأحزاب السياسية السلمي من أجل تغيير «حزب الحاكم» وفق القواعد القانونية الديمقراطية هو أيضا مفسدة؟.

من الواضح أن هناك مساحة شاسعة تفصل بين الواقع السياسي الحديث وبين ما جاء في المراجعات، فهي بالكامل منفصلة عن أشكال العمل السياسي السلمي الحديث، وتختزل فكرة الخروج على الحاكم في أسوأ صورها، وهي حمل السلاح ومقاتلة رموز الحكم، ولم تحاول أن تقترب من المعاني السياسية الحديثة للتغيير السلمي والعمل الحزبي وتداول السلطة، الذي يسعي فيه كل طرف لتغيير الحاكم، دون أن يعني ذلك أننا أمام «مفاسد كبرى».

وإذا كانت مراجعات الجهاد مثلت خطوة تاريخية في القطيعة مع الماضي، إلا أنها لم تجتهد، ولو بالحد الأدنى، في فهم الواقع السياسي المعاصر وفي الخروج، ولو بحدود، على التفسير النصي لبعض أحكام الإسلام، والاجتهاد في قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل الحزبي وغيرها.

وإذا كان من الصعب توقع إقدام قيادات الجهاد وهي خلف القضبان على «مراجعة المراجعة»، والانتقال من فقه العنف وفقه رفض العنف، إلى مفاهيم جديدة تتعلق بالتفاعل مع السياسة بمعناها الحديث، وتقديم نظرة جديدة للمجتمع تتجاوز ثنائية الكفر والإيمان، والخروج على الحاكم بالعنف أو قبوله بالسلم، مادام هؤلاء الناس لا يزالون عاجزين عن التفاعل مع المجتمع عبر نشاط ثقافي أو اجتماعي أو ديني مستقل، يهيئهم بعد ذلك للمشاركة السياسية السلمية في المجال العام.

وقد ظلت المراجعات داخل حدود المعادلة التي فرضتها الدولة على الجماعات الجهادية، وهي رفض العنف وعدم العودة إليه، ولا شيء بعد ذلك، لأن النجاح الذي حققه الحكم في مصر في هذه المواجهة القاسية يحسب للأجهزة الأمنية وليس للنظام السياسي، غير القادر على دمج أي تيار إسلامي سلمي في المعادلة السياسية، وليس فقط الإخوان المسلمين إنما أيضا حزب الوسط، ذو الإطار السياسي المدني والمرجعية الحضارية الإسلامية.

وبالتالي فإن تهيئة هذه الجماعات للقيام بالمراجعة الثانية أو التأسيس الثاني، لن يتم إلا إذا سمح لها بالتحرك في المجال العام، بصورة ثقافية واجتماعية أولا، تفتح الباب أمام قيامهم بالمراجعة الفقهية الثانية التي تؤدي إلى دمجهم السلمي في المعادلة السياسية.

والحقيقة أن فعل المراجعة لأي تنظيم سياسي، أو ديني، له أهداف سياسية، ليس مجرد «ترف فكري»، يجلس أصحابه في المقاهي أو الغرف المغلقة، ويقررون بهدوء «المراجعة»، إنما هو عادة ما يكون نتيجة فشل أو هزيمة، وفي مجال العمل السياسي تأتي المراجعة عقب هزيمة حزب في الوصول إلى السلطة، أو عجز تيار بعينه عن التواصل مع الجماهير، كما فعل اليسار الأوروبي في السبعينيات حين تمرد على النصوص الأيديولوجية الماركسية، وقدم اشتراكية مختلفة عن الشيوعية الراكدة في دول أوروبا الشرقية السابقة، وبالنسبة للجماعات الجهادية في مصر أو الجزائر فقد دخلوا في مواجهة عنيفة مع النظام، وفشلوا، بل دفعوا ثمنا باهظا لهذا الفشل،

وبالتالي فإنه أمر طبيعي أن يراجعوا «فكر الفشل»، ولكن لكي يؤسسوا «فكراً للنجاح» والمشاركة السلمية، فهذا يتطلب شروطا سياسية جديدة، لا تزال غير متوفرة إلى الآن.

المصدر: صحيفة العرب القطرية

 
د. عمرو الشوبكي
تاريخ النشر:2009-06-15 الساعة 11:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 1419
مرات الطباعة: 464
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan