الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » الفقه السياسي

التجربة الشورية الأولى: ملامحها ودروسها

د. أحمد الريسوني

 

حينما أنزل الله تعالى أول آية في موضوع الشورى ـ وهي قوله )وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ( ـ كان ذلك في المرحلة المكية، قبيل الهجرة، وجاء الخطاب بصيغة التقرير والثناء لا بصيغة الأمر والإنشاء. ومعنى هذا أن الشورى كانت قائمة وكانت سنة جاريةً وسلوكا متبعا في الجماعة المسلمة.

وسواء قلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم ربما كان قد استَنَّها لهم وأقامها فيهم قبل نزول آية الشورى، وقبل نزول آية آل عمران، )وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ(، أو قلنا: إنهم أقاموا الشورى في حياتهم وشؤونهم، ببداهة عقولهم وسلامة فطرتهم، فإن الشورى تعد مسلكا فطريا تلقائيا من مسالك العقلاء الأسوياء. وقد جاء الشرع ليضفي على هذا المسلك صفة الشرعية وصفة التكليف الشرعي، كما هو شأن الشرع مع كثير من النوازع الفطرية الخيرة، والمبادئ العقلية السديدة.

وقد أورد ابن الأزرق قول الطرطوشي عن الشورى «هي مما تعده الحكماء من أساس المملكة وقواعد السلطنة، ويفتقر إليها الرئيس والمرؤوس» ثم عقب عليه بقوله: «قلت: هو كذلك في الشريعة حرفا بحرف».

وهذا التطابق التام "حرفا بحرف" بين الشريعة والحكمة في هذه المسألة، إنما يدل على بداهة السلوك الشوري وفطريته لدى كل عاقل سوي. ولقد قدم الدكتور قحطان الدوري نبذة جيدة حول عراقة السلوك الشوري والتدبير الجماعي: عند القبائل العربية، وعند سكان استراليا الأصليين، وعند الرومان واليونان، وقدماء العراقيين والساسانيين والمصريين والأشوريين، وكل ذلك يدل على عراقة النزعة التشاورية الديمقراطية في الحياة البشرية. كما يشير كذلك إلى عراقة التمثيل النيابي والشورى النيابية، لدى مختلف الشعوب والجماعات، مهما تنوعت الصيغ المعتمدة في ذلك.

انطلاقا من هذه البداهة الفطرية والشرعية وفي نطاقها، جرت التجربة الشورية الإسلامية الأولى على أيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم. ولقد ظلت هذه التجربة متسمة بكثير من العفوية والتلقائية والتسامح والثقة، متقللة ـ في مقابل ذلك ـ من الضوابط التفصيلية والشكليات التنظيمية. بل إن مجمل حياتهم وعلاقاتهم ومعاملاتهم وأقضيتهم، كانت تتسم بهذه السمات. ولم يغيروا شيئا من هذا النمط إلا لضرورة ضاغطة. ولقد كان الرجل من العرب يسمع برسول الله صلى الله عليه وسلم وبنبوته وبدينه، فيأتيه يسأل عنه، فيُقال له هو هناك مع أصحابه، فيقف على الجماعة دون أن يرى فيهم أحدا متصدراً أومتميزاً، فيسأل متحيراً: من منكم محمد؟!

ولما جاء الهرمزان يسأل عن الخليفة عمر ويستأذن عليه، لم يجد عنده حاجباً ولا بواباً، بل قيل له: هو في المسجد "فأتى المسجد، فوجده مستلقيا متوسدا كوما من الحصى، ودرته بين يديه، فقال الهرمزان: يا عمر عدلت فأمنت فنمت".

وتغيرت بعد ذلك كثير من الأحوال، وتولى الخلافة عثمان رضي الله عنه، وهو من كبار أثرياء الصحابة، ومع ذلك ظل الخليفة على بساطته وطمأنينته، حتى قال الحسن البصري: «رأيت عثمان بن عفان، وهو يومئذ خليفة، يَقيل في المسجد، ويقوم وأثر الحصى بجنبه»

وقال أيضا: «رأيت عثمان بن عفان نائما في المسجد في ملحفة ليس حوله أحد، وهو أمير المؤمنين».

والأمثلة على هذا كثيرة سواء في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في سيرة خلفائه، وإنما أردت التذكير بطبيعة هذه المرحلة واستحضار شيء من سماتها ونسماتها، ونحن نتحدث عن تجربتهم الشورية.

لقد كانت الشورى مكثفة في هذه المرحلة، وكانت تشمل عظائم الأمور وصغارها، من قضايا الأمة في السلم والحرب، والخلافة والتشريعات العامة، إلى نوازل الأفراد في زواجهم وطلاقهم وميراثهم، ومنازعاتهم حول البئر والنخلة والناقة...

وأهم شيء في هذه المشاورات المكثفة، هو أنها كانت تحقق جوهرها ومقصودها على أكمل الوجوه، ثم لا يُلْتفتُ كثيرا لما سوى ذلك، ويمكن أن نلخص طبيعة مشاوراتهم بعبارة: «الشورى بمقاصدها لا بشكلياتها». فلم يكن عندهم كبير التفات إلى من استُشير ومن لم يُستشر، وإلى من حضر ومن غاب، إذا كان الذين استشيروا أهلا لتلك المشورة، وكان من غاب عنها لا يضر غيابه، ولم يُقصد تغييبه.

ولم يكن عندهم كبير التفات إلى عدد المستشارين في القضية، وهل هم آحاد، أو عشرات، أو مئات، إذا كان من استشيروا يقومون مقام غيرهم، ويعبرون بصدق عن آرائهم ومصالحهم.

ولم يكن عندهم كبير التفات وتدقيق في عدد الذين أيدوا والذين عارضوا، إذا ظهر بوضوح التوجه العام الغالب في المسألة، أو حصل فيها نوع من التراضي والتطاوع والتسامح.

وإذا خالفهم أحد منهم ثم رأوا في لهجته صدقا وفي حجته قوة ووثوقا، لم يلبثوا أن يضعوا ثقتهم في صدقه وعلمه وما يعرفونه من خبرته وحسن تقديره، فينقلب رأي الواحد المنفرد إلى إجماع أو شبه إجماع.

وكانت المشاورات تتم في جو من الحرية والأمن والجرأة. فلا أحد يحابي أحداً، ولا أحد يخادع أحداً، ولا أحد يخاف من أحد، ولا أحد يطمع في أحد.

في هذه الأجواء، وبهذه السمات، لم تكن شوراهم بحاجة إلى قوانين مفصلة وإلى ضوابط مدققة، ولا إلى ضمانات واحتياطات، فالتعقيد التنظيمي حين لا يكون ضروريا يصبح عبئا وعائقا، أو على الأقل، قد تكون كلفته أكثر من فائدته.

لقد كانت الشورى في التجربة الأولى خفيفة في تنظيمها وطرق إجرائها، ولكنها كانت ثقيلة بجديتها وأخلاقيتها.

وإذا كانت المشورات النبوية قد سبقت منها أمثلة عديدة، ثم هي، من جهة أخرى، لا تحتاج إلى شهادة أحد وتزكيته، ولا إلى تعليله لها أو دفاعه عنها، لأنها هي الأصل لغيرها، وهي الحجة على غيرها، فإني أنتقل إلى ذكر نماذج من مشاورات الصحابة، وخاصة الخلفاء الراشدين، لأجل بيان السمات والملامح التي ذكرتها.

المصدر: موقع الريسوني

 
د. أحمد الريسوني
تاريخ النشر:2009-07-15 الساعة 11:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 2403
مرات الطباعة: 424
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan