الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » الفقه السياسي

السياسة في الفكر الإسلامي

أ. محمد جبرون

 

إن اللغة والمفاهيم تختزل جزءا مهما من الصراع الجارية أطواره وفصوله في الواقع المادي الملموس. فالنزاع حول محتوى المفاهيم، والانقسامات الفكرية والفلسفية الناشئة عنه، هي إعراب للواقع وبيان له، ولهذا يكفينا في بعض الأحيان تأمل اللغة والمفاهيم، وأشكال الاختلاف التي تنشط داخلها لاكتشاف حقيقة الصراع والتدافع الاجتماعي، وامتداداته السياسية والثقافية العينية. ويعتبر مفهوم السياسة في الوقت الحالي مثالا نموذجيا تتجلى في مرآته جميع النزعات الفكرية والسياسية المعاصرة؛ الإسلامية والليبرالية، واليسارية...، بل الأكثر من هذا، إن اللغة والمفاهيم تعكس وبصدقية عالية ميزان القوى السائد في الميدان، والأطراف الاجتماعية والسياسية المهيمنة عليه، وأي تحول على مستوى هذا الميزان ينعكس أول ما ينعكس على اللغة، فلا معنى للنجاح والتفوق الميداني إذا لم يواكبه تفوق لغوي ومفهومي، والسياسة من المفاهيم النموذجية التي تصلح لمعاينة هذه الحقيقة وبيان آثارها، سواء في الماضي أو الحاضر. ومن المقتضيات الأساسية التي تقتضيها هذه المقدمة؛ أن تعي الحركات الاجتماعية والسياسية ذاتها الفكرية واللغوية، وتدرك أصالتها المفهومية، أو أن تنحت وتبدع مفردات خطابها المنسجمة مع هويتها. إن ضالتنا الحضارية وما نبحث عنه يوجد بالأصالة في اللغة والمفاهيم، وبالتبع في ''عالم الأشياء'' والماديات. فمشكلة الحركة الإصلاحية الإسلامية الرئيسية هي أنها لا تريد أن تكون ''غربا''، وهذا لا يتجلى ولا يتأتى في الماديات بقدر ما يتأتى ويتحقق في المعنويات، وضمنها اللغة والمفاهيم؛ اللغة باعتبارها سجل حضاري، و''دلالة الشاهد على الغائب''. فالانتصارات الاجتماعية والسياسية عرضة للسرقة والنهب، ولا تعني الكثير من الناحية الحضارية إذا لم تؤمن فكريا وتدثر مفهوميا، وهذا الأمر كان واضحا لدى سلفنا الصالح من العلماء والفقهاء.

1 ـ السياسة في تاريخ الفكر الإسلامي

 أدرك فضلاء هذه الأمة من العلماء والأمراء خصوصية وأصالة مفهوم السياسة في الديانة الإسلامية، واختلافه عما كان نَفاقا في العصر الوسيط، ومتصلا بالفلسفة اليونانية والكلام الفارسي من العهود والنصوص، مثل عهد أرسطو وعهد أردشير...، اللاتي اجتهد في تقريبها وتبيئتها في الثقافة الإسلامية عدد من المسلمين ''الجدد'' المنتسبين إلى بلاد فارس، وبعض المترجمين المسيحيين. فأبو بكر الطرطوشي في ''سراج الملوك'' ميز بين ما أسماه ''السياسة الإسلامية الجامعة لوجوه المصلحة، الآخذة لأزمة التدبير، السالمة من العيوب، الممهدة لاستقامة الدنيا والدين''(1)، و«السياسة الإصلاحية وإن كان أصلها على الجور فيقوم بها أمر الدنيا، وكأنها تشاكل مراتب الإنصاف على نحو ما كانت عليه ملوك الطوائف في أيام الفرس»(2). ولم يتخلف ابن خلدون عن هذه المهمة فقد فرق بين ضربين من السياسة؛ الشريعة التي يجب «الاقتداء فيها بالشرع أولا، ثم الحكماء في آدابهم والملوك في سيرهم»(3)، وهي التي سماها ابن القيم «بالسياسة الشرعية»(4)، والسياسة العقلية التي تقوم على الحكمة ويرجع نفعها إلى الدنيا فقط، مثل ما كان موجودا عند طوائف الفرس(5). فمقابلة مفاهيم السياسة الفارسية واللاتينية بالمفاهيم الإسلامية تقليد منهجي ثابت في التدوين الإسلامي القديم، لا يكاد يخلو منه مصنف في السياسة لدى المتقدمين، والغرض من وراء ذلك كما أسلفنا هو بيان أصالة الرؤية والتصور الإسلامي، وتأكيد السيادة السياسية والعسكرية بسيادة لا تقل أهمية عنهما وهي ''السيادة المفهومية'' والثقافية إجمالا، فلا معنى لاتساع السلطان المادي الإسلامي إذا بقي يساس بمفردات فارسية أو لاتينية. وفي سياق هذه الجهود يقع نص ابن تيمية ''السياسة الشرعية'' موقعا متميزا، فقد حاول في نصه هذا تخليص وتلخيص ما أسماه ''بجماع السياسة'' والولاية الصالحة، انطلاقا من قوله تعالى: )إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل؛ إن الله نِعِماَّ يعظكم به، إن الله كان سميعا بصيرا( (سورة النساء. 57). فكل الأفعال والأعمال الصادرة عن الولي أو الإمام والتي يمكن وصفها بالسياسية ترجع إلى أحد الجناحين إما أداء الأمانات بمعناه الواسع، الذي يدخل فيه سعي الولي أو الإمام لتحقيق الأمن الاقتصادي والاجتماعي والثقافي... وغيره، وذلك بالتصرف في الأموال العامة ونحوها، وإما إقرار العدل، بالصورة التي نصت عليها الشريعة، أو أدى إليها اجتهاد الولي ومن معه(6) وهو يروم تحقيق المصلحة.

فبهذه الطريقة افترق مفهوم السياسة الإسلامي عن غيره من المفاهيم الفارسية واليونانية التي كانت تحوم حول دار الإسلام، وتتنافس في الهيمنة عليها، من حيث المراجع والمصادر، وكذا من حيث الغايات والأغراض.

2 ـ السياسة في إطار الحداثة

 إن الغرب في مسعاه نحو الحداثة والنهضة في ''فجر'' تاريخه الحديث (ق. 16 ,15م)، كان همه الأساس إبداع لغة ومفاهيم متناغمة مع الأصول الفكرية للنهضة التي تضمنتها نصوص الحركة الإنسية، تنأى به عن النماذج الحضارية المبثوثة في جواره مهما كانت جاذبيتها.

 لقد حفزه نجاح العثمانيين في الشرق وإشعاع المدن الأندلسية في الجنوب على تأسيس الاختلاف الحضاري وتطويره، والسياسة واحدة من المفاهيم التي يبدو عندها الاختلاف واضحا. فالسياسة على مذهب الحداثة هي فن إدارة الشأن العام، أو طلب إدارته، قولا وفعلا، بما يحقق المصلحة العامة، ولا يتقيد هذا الفن بأي قيد مهما كان مصدره، سوى قيد ''المصلحة''. فالدين مثلا لا دخل له في الشأن السياسي، ولا يستطيع أن يقدم نفسه كمرجعية تشريعية وتدبيرية للحياة العامة. ولعل السبب الرئيسي الذي جعل السياسة تتخذ هذا المنحى في الفكر الغربي الحديث هو السياق التاريخي والموضوعي الذي تمخضت عنه خلال القرن 15م وبعده؛ فالسياسة بالمعنى الحديث هي مبادئ، ومنظومة سلوك قانوني، وعادات وتقاليد اقتضتها ''المدينة الحديثة'' وتطوراتها، واقتصرت ممارستها على فئة البرجوازية التجارية التي سكنتها وازدهرت معها. والمدلول الواقعي للمصلحة العامة وضغوطاتها يتجلى في المدينة أكثر منه في البادية. فمفهوم السياسة في إطار الحداثة، وتبعا لسياقها التاريخي يتميز بالتعبير عن مصلحة ''فئة'' محددة، ويعمل على صيانتها، دون اهتمام كبير بمصالح الفئات الأخرى، ويتميز أيضا بالاستقلال التام عن الدين. ويعتبر ميكيافلي إمام هذا الفن في العالم الغربي، ويشكل كتابه ''الأمير'' دليل رجال السياسة في العصر الحالي، فمن لم يتمثل مبادئه ويحفظ بنوده، لا حظ له في السياسة. يقول مكيافيلي ناصحا أميره ورجل السياسة عموما: «فمن الخير أن تتظاهر بالرحمة، وحفظ الوعد، والشعور الإنساني النبيل، والإخلاص والتدين، وأن تكون فعلا متصفا بها، ولكن عليك أن تعد نفسك، عندما تقتضي الضرورة، لتكون متصفا بعكسها»(7). وحقيقة المكيافيلية وخطرها لا يكمن في الاعتراف بهذه الازدواجية المخادعة وتبنيها، ولكن يكمن في إظهار محاربتها ورفضها في العلن وتطبيقها في السر. فالبلدان الإسلامية جراء ما نكبت به من انحطاط واحتلال واغتراب... وجدت نفسها تعاني من سطوة المفاهيم الغربية في شتى المجالات ومنها المجال السياسي. فعدد ممن تصدوا لممارسة السياسة بعد الاستقلال الوطني في عدد من البلاد الإسلامية خاضوا غمار السياسة، وتمثلوا التجربة الغربية في هذا المجال، ولم يدركو التناقضات التي تنجم عنها في البيئة الثقافية والحضارية الإسلامية، على مستوى الذات والواقع. ومن أبرز مظاهر التمزق الناشئ عن سطوة المفهوم الحداثي للسياسة، إشكالية الدين والسياسة، ومعضلة العلمنة السياسية.... وإذا كانت حركات الإصلاح الإسلامي على المستوى العام ناصبت ''الحداثة السياسية'' العداء متمثلة في مناهضتها للعلمانية بضروبها المختلفة، وعارضت ديكتاتوريتها، فإنها لم تسلم من تأثيراتها بحيث تسللت إلى بعض أنسجتها، نتيجة ضعف جهود التحليل والتأصيل ومحاولات التكييف في معالجة ظاهرة ''الحداثة'' بجميع أبعادها في واقعنا الإسلامي. فتراث حركة الإصلاح الإسلامي في معالجة مفهوم السياسة ضعيف، والدراسة المقارنة له تكاد تكون معدومة، ولهذا وجدنا بعض المنتسبين لهذه الحركة انخرطوا في مشروعية ''الحداثة'' ويتصرفون ويتحدثون بمراجعها من حيث لا يشعرون، رغم شغبهم الإعلامي المناهض لها في العلن، وهذه الظاهرة تهدد في الجوهر المكاسب الحضارية للمشروع الإسلامي، وتسرق منه نجاحاته. إن المشروع السياسي الإسلامي يستند من الناحية العقدية والأخلاقية إلى قوله تعالى )إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل؛ إن الله نِعِماَّ يعظكم به، إن الله كان سميعا بصيرا( (سورة النساء. 57). وقد حدد ابن تيمية معنى الأمانة في: الولاية العامة ولمن تنعقد من جهة، والأموال من جهة ثانية، وجعل العدل في الحدود والحقوق، سواء ما تعلق منها بالله أو بالأشخاص. فالذي ابتلي بالمسئولية السياسية ووجد نفسه في معمعتها يطوقه واجبان رئيسيان: أداء الأمانة ونهج سبيل العدل. فالسياسة في هذا الباب هي من كمال عبادة العباد، لا يقدر عليها من الناس سوى الأمناء الأقوياء، وليست من شأن لين الدين، باعتبارها الوسيلة والحيلة الموصلة إلى أداء الأمانة والمحققة للعدل، ويرجى فضلها في الدنيا والآخرة. فالتنازل عن هذا المفهوم في السياسة على صعيد النظر والممارسة الإصلاحية الإسلامية هو استلاب حضاري واغتراب مفهومي، لا خير يرجى من ورائه للإسلام والمسلمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   الطرطوشي، سراج الملوك، ج. ,1 تحقيق محمد فتحي أبو بكر، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، ط. 1/ ,1994 ص217.

(2) نفسه، ص 221.

(3) ابن خلدون، المقدمة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط. 1/ ,1992 ص 322.

 (4) لؤي صافي، العقيدة والسياسة، منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي، منشورات الفرقان المغربية، طبعة خاصة بالمغرب، ,2001 ص164.

(5) نفسه، ص322.

 (6) ابن تيمية، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، دار الكتب العلمية، بيروت، ص8 .

(7) مكيافيلي، الأمير، تعريب: خيري حماد، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط. 12/1985.  

المصدر: موقع شبيبة العدالة والتنمية

 
أ. محمد جبرون
تاريخ النشر:2009-09-01 الساعة 13:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 1713
مرات الطباعة: 481
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan