الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » دراسات أصولية

نشأة القواعد الأصولية وتطورها

د. فريد الأنصاري

 

إن الحديث عن القواعد الأصولية هو حديث عن أصول الفقه، باعتبارها من أول المباحث الأصولية نشأة.

فقد نشأت القواعد الأصولية بشكل عام في زمن مبكر من التاريخ الإسلامي. فالنبي r، انتقل إلى الرفيق الأعلى وقد بين كتاب الله، بشكل لم يبقى معه إجمال بعده r. ولذلك لم تكن هناك حاجة لوضع قواعد للتفسير والبيان، ما دام المبين- بالكسر- موجدا.

وفي عهد الصحابة رضي الله عنهم، لم تكن حاجة أيضا للبيان، ذلك أنهم رضي الله عنهم عرب أقحاح، حباهم الله بفصاحة اللسان سليقة وطبعا من غير تكلف ولا تصنع، ولكل قوم ميزة تميزهم، والفصاحة ميزة العرب دون غيرهم، ولقد اصطفى الله تعالى لغتهم لتكون لغة القرآن الكريم، )وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ( (الشعراء 192/195).

فكان لهم من سليقتهم العربية، ومعرفتهم لأسباب النزول وطبيعة البيئة التي نزل فيها الوحي، وإدراكهم لأسرار التشريع، بما عرفوا من حال رسول الله r، وما قاله، ما أغناهم عن وضع قواعد لتفسير النصوص التي يراد بها استنباط الأحكام منها.

وإذا كانت الضوابط، توضع لتكون موازين للفهم ولاستنباط، لئلا ينحرف المستنبط اويزل، فإن ما توفر للصحابة من ملكة اللسان، والوقوف على أسرار التشريع بمعاصرة الوحي، ومعرفة بأسباب نزوله وبيان المبلغ عن ربه، كان كل الكفاية لأداء الغرض الذي من أجله توضع الضوابط وتحدد الموازين[1].

ولذلك بقيت لنا نماذج من فهو مهم السليمة تدل على تمكن من اللسان العربي ومعرفة بأسرار التشريع. فقد روي عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- حين تكلم عن عدة المتوفى عنها زوجها وهي حامل – قال: إن عدتها أن تضع حملها، وستدل بقوله تعالى: )وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ( (الطلاق 4). وقال: أشهد أن سورة النساء الصغرى نزلت بعد سورة النساء الكبرى، وهذا اعتماد على أن الثاني ينسخ الأول.[2]

وقد سار الصحابة- رضي الله عنهم- على هذا المنوال في تبليغ الدعوة وبيان الرسالة وتعليم الناس، حتى جاء عصر التابعين، وكل طبقة من هؤلاء التابعين تفقهوا على يد من كان عندهم من الصحابة في البلد الذي يقطنونه أو يرحلون إليه.

وقد اتسع الفتح الإسلامي، ودخل في الإسلام أقوام جدد فاختلط العرب بغيرهم بحكم انسياحهم في البلاد المفتوحة، واتساع رقعة دولة الإسلام، فلم تعد العربية سليقة لكثير من الناس، وخاصة سكان الحضر، وكثرت الحوادث التي لم يكن للمسلمين عهد بها قبل الفتح. وكان ذلك مدعاة لنوع من الضبط لمآخذ الأحكام الفقهية، ليتسنى للمجتهد فهم سليم لنصوص الكتاب والسنة وإعطاء أحكام لما يجد من وقائع لم تكن من ذي قبل فكان طبيعيا في خضم هذه المستجدات التي لم تكن من قبل أن تظهر فروق في الاستدلال في هذا العصر، فوجدت بذلك مدرستان فقهيتان: مدرسة أهل الحديث ومدرسة أهل الرأي.

أما أهل الحديث فإنهم يقفون عند ظواهر النصوص دون بحث عللها. وقلما يفتون برأي.

أما أهل الرأي فإنهم يبحثون عن علل الأحكام، وربط المسائل بعضها ببعض، ولا يحجمون عن الرأي إذا لم يكن عندهم اثر.

وكان أكثر أهل الحجاز أهل الحديث، وأكثر أهل العراق أهل رأي.[3]

مع أن كلا الفريقين عنده الحديث وعنده الرأي، وكانت نهضة عظيمة ترمي إلى الوفاء بالحاجات العملية للمجتمع، وقد اتسع ميدان الجدل والمناظرة بين فقهاء المدرستين، كما بدأت في نظر الباحثين الاحتمالات والاشتباهات في مدلولات النصوص، ومعنى الألفاظ، وكانت طبيعة هذه المرحلة تقضي بأن يعين كل فريق بضبط مسائله، فظهرت نثارات من الضوابط هنا وهناك، تعتمد أذواق تربت في ذلك الملكات الفكرية في الفقه، والحرص على الاستعانة بما جرى عليه الاستعمال عند الصحابة وتلامذتهم من التابعين.

وتلك الضوابط، وإن لم تتضح معالمها، إلا أن الباحث يجزم أن فهو م أولئك الأئمة واجتهاداتهم، لم تكن عن عبث أو هوى، وإنما كانت ثمرة لما استضاء به ذهن الفقيه، وملكته الواعية المدركة، وإن كان ذلك لم يخرج إلى حيز الواقع على شكل قواعد مدونة.[4]

وإنما كانت شذرات موزعة ومصطلحات متداولة على ألسن الفقهاء، إلى أن جاء الشافعي فكتب كتابه الرسالة. وهو أول كتاب ضم مباحث أصول الفقه في إطار نظري ناظم. فنشأ بذلك علم أصول الفقه.قال ابن خلدون في مقدمته: )واعلم أن هذا الفن من الفنون المستحدثة في الملة، وكان السلف في غنية عنه بما أن استفادة المعاني من الألفاظ لا يحتاج فيها إلى أزيد مما عندهم من الملكات اللسانية، وأما القوانين التي يحتاج إليها في استفادة الأحكام خصوصا فمنهم أخذ معظمها .. فلما انقرض السلف وذهب الصدر الأول وانقلبت العلوم كلها صناعة.. واحتاج الفقهاء والمجتهدون إلى تحصيل هذه القوانين والقواعد لاستفادة الأحكام من الأدلة، فكتبوها فنا برأسه أسموه أصول الفقه).[5]

والشافعي أول من دون أصول الفقه بمنهجية ناضجة في إطار نظري ناظم وكان ذلك في كتابه الرسالة. أما سبب تأليف "الرسالة" فهو سؤال عبد الرحمن بن مهدي للشافعي أن يكتب له كتاب فيه معاني القرآن ويجمع قبول الأخبار والناسخ والمنسوخ .. كان هذا السبب المباشر في التأليف، لكن ما هو السبب الحقيقي لسؤال عبد الرحمن بن مهدي وهو المحدث للشافعي الفقيه؟ فيسأله عن البيان، وقبول الأخبار والناسخ والمنسوخ... السبب الحقيقي هو الخوف من ضياع اللسان العربي بدخول العجمة خاصة بعد إسلام الفرس وامتزاجهم بالعرب. فالسبب إذن حاجة حضارية لضبط فهم الكتاب العزيز الذي نزل بلسان عربي مبين، والغالب على كتاب الرسالة هو المباحث اللغوية، وقد أطال الإمام الشافعي – رحمه الله – في حديثه عن البيان.

فرقعة الإسلام قد اتسعت، ودخلت أقوام جدد في الإسلام، لسانها غير عربي، والمسائل الفقهية كثرت وكذلك الحوادث والنوازل، والناس في ذلك تهرع إلى الفقهاء لكي يجيبوا عن هذه التساؤلات. فاحتاج الفقهاء كذلك إلى قواعد وضوابط في فهم النصوص الشرعية والاستنباط منها. وقد كانت القواعد الأصولية اللغوية عصب علم الأصول منذ البداية، تلبية للحاجة الحضارية للأمة آنذاك، والتي كانت حاجة بيانية بالأساس.

لكن تطور العالم الإسلامي وانفتاحه على حضارات وثقافات أخرى، فتح الباب أمام تحد حضاري جديد، إذ وجد الفكر الإسلامي نفسه أمام عقل حجاجي يعتمد الجدال، وظهر هذا مع الانفتاح على الروم والثقافة البزنطية التي تعتمد المنطق الأرسطي. فانتقلت حاجة الفكر الإسلامي من الحاجة البيانية إلى الحاجة الحجاجية الجدالية. واستجابة لهذه الحاجة عرف علم الأصول عامة منعطفا جديدا حيث امتزج بعلم المنطق، وقد تجلى ذلك أساسا في كتابات إمام الحرمين الجويني، وحجة الإسلام الإمام الغزالي، خاصة كتابيهما: البرهان والمستصفى، وقد امتدت المرحلة المنطقية الجدلية الموغلة في الحدود والتعريفات والماهيات من القرن الخامس إلى القرن الثامن الهجري.

بعد ذلك عرف علم الأصول تطورا جديدا مع الإمام الشاطبي، العالم المجدد، الذي أعاد النظر في علم أصول الفقه، بعد أن صار في زمانه علما عقيما لا ينتج، ولا ينبني تحته عمل، وذلك بفعل إيغاله في المباحث المنطقية الصورية.

فأراد الإمام الشاطبي – رحمه الله – أن يعيد أصول الفقه إلى وظيفته الحقيقية وهي إنتاج الفقه، بعد أن صار عقيما. فيكون مرجعا للفقيه في استنباط الأحكام وبيان معاني القرآن. وآلة لضبط الفهم ومنعه من الانحراف.[6]

وفي عصرنا الحالي هناك دعاوى إلى تجديد أصول الفقه. ويمكن أن نجملها في رأيين أوتيارين:

الأول: ويقصد بالتجديد، إحداث قضايا ومباحث جديدة في أصول الفقه، ليكون مواكبا للعصر ومتطلباته.

الثاني: ويقصد بالتجديد، إرجاع فاعلية أصول الفقه التي كانت له من قبل وإعادة بعثه من جديد للقيام بدوره في ضبط الفهم عن الله وتوجيه الاستنباط.

______________________________

[1] تفسير النصوص لمحمد أديب صالح ص 90/91

[2] منهج الأصوليين في وضع الدلالة اللفظية الوضعية ص 26

[3] نفس المرجع السابق ص26

[4] تفسير النصوص ص 93

[5] مقدمة ابن خلدون

المصدر: كتاب المصطلح الأصولي للدكتور فريد الأنصاري، مبحث المراحل التي مر بها أصول الفقه.

 
د. فريد الأنصاري
تاريخ النشر:2009-06-03 الساعة 14:00:00
التعليقات:1
مرات القراءة: 4089
مرات الطباعة: 597
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan